الكود الطبي الرياضي: هدف صحيح وتطبيق يحرم الفقراء من الملاعب

قرار بتطبيق كود طبي رياضي موحد لحماية اللاعبين من الوفاة المفاجئة تحول في تطبيقه إلى عبء مالي بتكاليف تصل إلى ألفي جنيه للفرد، وأندية تُلزم بجهات محددة بأسعار أعلى، و18 وحدة طب رياضي فقط في 16 محافظة لا تقدم جميعها الفحوصات الكاملة، ولاعبون بارالمبيون يتكبدون تكاليف سفر قد تبلغ ثلث ميزانية ناديهم
Picture of آية ياسر

آية ياسر

في 24 نوفمبر 2024، صدر قرار وزير الشباب والرياضة رقم 1642 لسنة 2024، الخاص باعتماد لائحة ضوابط وإجراءات الرعاية الصحية والطبية للهيئات والمنشآت الشبابية والرياضية، والذي ألزم الهيئات بتطبيق كود طبي موحد للفحوص الطبية، وضمان توفير تجهيزات إسعافية وطبية في المنشآت والأنشطة، بهدف حماية صحة الرياضيين والحد من مخاطر الوفيات المفاجئة.

غير أن تطبيق القرار، الذي دخل حيز التنفيذ منذ 3 يناير 2025، شهد إشكاليات واسعة خلال العام الماضي، نتيجة تخبط تعليمات الأندية والاتحادات الرياضية بشأن إجراءات وأماكن استخراج الأكواد الطبية الرياضية للاعبين باختلاف فئاتهم العمرية وتصنيفاتهم، ما حمّلهم وأسرهم أعباءً إضافية وتكاليف اقتصادية.

عقب القرار، كان تطبيق الأندية لقرار استخراج «الكود الطبي» يقتصر على إجراء الفحوص الطبية المطلوبة في مستشفيات القوات المسلحة والشرطة، بدعوى الحصول على «ختم النسر»، وكانت تكلفة الفحوص تصل إلى ألفي جنيه وتتجاوزها في بعض الأماكن، ما دفع أولياء الأمور للبحث لأسابيع عن بدائل أقل تكلفة، بحسب ما تحكي سماح سيد، وهي والدة لاعب سباحة بأحد أندية القاهرة.

وخلال رحلة البحث قصدت المركز الإسلامي لأمراض القلب بكلية طب بنين جامعة الأزهر، والذي أجرى لابنها رسم القلب، والإيكو، واختبار وظائف التنفس، وصورة الدم الكاملة، لاستخراج الكود الطبي الرياضي الخاص به وتسجيله في اتحاد السباحة، مقابل 800 جنيه.

وتنتقد إلزام جميع اللاعبين، بمن فيهم الأطفال في مراحل التعلم الأولى، باستخراج الكود الطبي، موضحة أنها شاهدت أطفالًا تتراوح أعمارهم بين خمس وسبع سنوات يخضعون للإجراء ذاته، معتبرة أن القرار فرض عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسر، خاصة التي لديها أكثر من طفل يمارس الرياضة، مؤكدة أن ارتفاع التكاليف دفع بعض الأسر إلى إيقاف أبنائها عن ممارسة السباحة أو الأنشطة الرياضية.

وتقول لـ«زاوية ثالثة»: «الكود الطبي تحول في كثير من الأحيان إلى إجراء شكلي، فالأوراق لا تُراجع أو يُستفاد منها فعليًا، بدليل استمرار وقوع حالات اختناق وإغماء وأزمات صحية بين اللاعبين داخل المسابقات والتدريبات، ويبدو أن الهدف منها يقتصر على إخلاء مسؤولية الاتحاد أو النادي».

وتضيف أن اتحاد السباحة عدّل لاحقًا الرسوم وفقًا للفئات المختلفة بعد اعتراضات أولياء الأمور، إلا أن التطبيق ظل متفاوتًا بين الأندية، إذ التزم بعضها بالتصنيفات الجديدة، بينما استمرت أندية أخرى في إلزام جميع اللاعبين بالإجراءات نفسها.

وتشير إلى أن بعض الأندية حاولت توفير قوافل طبية داخل مقارها، بينما لجأ كثير من أولياء الأمور إلى البحث عن مستشفيات أقل تكلفة، بعضها يجري جميع الفحوص المطلوبة بدقة، والآخر يكتفي بإصدار الأوراق دون استكمال بنود الكشف الطبي كاملة، على حد قولها.

ودفعت رحلة البحث عن بديل أقل تكلفة لاستخراج الكود الطبي، رباب حسن، والدة أحد لاعبي الكاراتيه في الإسكندرية، العام الماضي، إلى إجراء الفحوص الطبية له في مستشفى أبو قير العام مقابل 280 جنيهًا، باعتباره أقل الخيارات تكلفة بالنسبة إليها، لكنها اصطدمت بافتقار المستشفى إلى النظافة، ومطالبة بعض العاملين للراغبين في الخضوع للفحوص بدفع مبالغ مالية لتسهيل دخولهم قبل أدوارهم.

ورغم المعاناة التي خاضتها للوصول بابنها إلى غرفة الفحص، وجدت أن الكشف الطبي نفسه كان شكليًا ولا يرقى إلى المستوى المطلوب، مضيفة لـ«زاوية ثالثة»: «البديل كان إجراء الفحوص في مستشفيات القوات المسلحة أو الشرطة، إلا أن تكلفتها كانت تصل إلى نحو 1400 جنيه، وهو ما مثّل عبئًا ماليًا على غالبية أولياء الأمور».

وفي ظل شكاوى أولياء الأمور من الأعباء المالية والتنظيمية المرتبطة باستخراج الكود الطبي، تشير رباب إلى أن وزارة الشباب والرياضة وفرت في العام الرياضي 2026-2027 خدمة الكشف الطبي للرياضيين داخل المدينة الشبابية بأبو قير مقابل 500 جنيه، وخصصت مسؤولًا في محافظة الإسكندرية يتولى التنسيق مع الأندية ومراكز الشباب والأكاديميات وجمع اللاعبين لإجراء الفحوص بحضور الأطباء، وهو الأمر الذي لم يكن متاحًا من قبل.

ومع بداية العام 2026، أعلنت الإدارة المركزية للطب الرياضي عن تخصيص يوم الخميس من كل أسبوع لإجراء الكود الطبي للراغبين، على أن يُجرى الكشف الطبي بوحدة الطب الرياضي بالمركز الأولمبي بالمعادي، مع التزام المتقدمين بإحضار صورة شخصية حديثة لكل لاعب أو لاعبة، وصورة من شهادة الميلاد، على أن تُسدَّد الرسوم عبر الفيزا.

وفي ذلك الصدد، تشرح هبة محمد، مدربة ملاكمة نسائية بمحافظة أسيوط، أن تطبيق اشتراطات الكود الطبي يفرض أعباء مالية ولوجستية كبيرة على اللاعبين والمدربين في المحافظات، موضحة أنها تضطر إلى اصطحاب أكثر من 20 لاعبة إلى القاهرة لإجراء الفحوص الطبية، وهو ما يضيف تكلفة سفر مرتفعة، فضلًا عن رسوم الكشف الطبي التي تصل إلى نحو 1500 جنيه لكل لاعبة.

وتلفت إلى أن الأعباء لا تتوقف عند استخراج الكود الطبي، إذ يتعين على الفريق العودة إلى أسيوط ثم جمع مبالغ جديدة لتغطية تكاليف السفر والإقامة والمشاركة في البطولة بالقاهرة، إلى جانب نفقات الطعام والشراب طوال فترة المنافسات ورسوم الاشتراك، معتبرة أن هذه التكاليف تمثل عبئًا يفوق قدرة كثير من الأسر.

وتقول: «محافظة أسيوط تضم وحدة للطب الرياضي، إلا أنها لا تقدم جميع الفحوص المطلوبة، إذ يقتصر عملها على الكشف الباطني ورسم القلب، وهو ما يجبر اللاعبين على السفر إلى القاهرة لاستكمال باقي الإجراءات».

وترى أن استكمال تجهيز وحدات الطب الرياضي في المحافظات وتوفير جميع الفحوص المطلوبة بها سيكون أكثر فاعلية في تخفيف الأعباء عن الرياضيين والمدربين، بدلًا من إلزامهم بالسفر إلى العاصمة، معتبرة أن استمرار الوضع الحالي يجعل ممارسة الرياضة أكثر صعوبة بالنسبة لأبناء المحافظات، ويحد من قدرة كثير من اللاعبين على الاستمرار في المنافسات بسبب ارتفاع التكاليف.

أعباء مالية وإجرائية

إثر موجة من الشكاوى التي شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي على مدار العام 2025، أعلن وزير الشباب والرياضة آنذاك، الدكتور أشرف صبحي، الذي غادر منصبه بعد أسابيع في تعديل وزاري خلفه فيه جوهر نبيل، في 17 يناير 2026، تخفيض التكاليف المالية الخاصة بإجراءات الكشف الطبي والكود الطبي للرياضيين داخل وحدات الطب الرياضي التابعة للوزارة في مختلف المحافظات، إلى جانب القوافل الطبية.

وفي اليوم التالي، أصدرت وزارة الشباب والرياضة في 18 يناير 2026 القرار رقم (109) لسنة 2026، الذي تضمّن تعديلات لائحة الاشتراطات الطبية والصحية. وألزمت المادة الأولى كافة الهيئات والمنشآت الشبابية والرياضية والشركات العاملة في مجال الخدمات والاستثمار الرياضي وأندية شركات المصانع وأندية الوزارات والاتحادات النوعية، بالعمل على حماية صحة الرياضيين والحد من مخاطر الوفيات المفاجئة أثناء التدريب أو المنافسات أو الممارسة العامة، ووضع الإجراءات الاحترازية والوقائية، وإجراء الفحص الطبي الدوري الشامل وتقييم الحالات ووضع الخطط الاستباقية الفعالة للحالات الصحية المفاجئة. ونصت المادة الثانية على إلزام تلك المؤسسات والجهات بتطبيق الكود الطبي الموحد للكشوف الطبية على الأنشطة والرياضات التنافسية، وفق أربعة مستويات تُحدَّد بناءً على مستوى المشاركة الرياضية.

وقُسّم الكود الطبي الموحد وفق أربعة مستويات: الأول للممارسة العامة، ويشمل الأنشطة الرياضية داخل الهيئات التي لا تندرج ضمن المنافسات عالية الأداء دون اشتراط فحوص مسبقة، مع الالتزام بإجراءات السلامة العامة وإلزام الهيئات بالتجهيزات الطبية، ومنها وجود عيادة طبية مزودة بكافة المتطلبات، ومنها أجهزة إنعاش القلب وغيرها من الإسعافات الأولية. والثاني للأكاديميات والمراكز التدريبية بتكلفة تتراوح من 200 إلى 250 جنيهًا، ويشمل التاريخ الطبي للاعب والعائلة، والكشف الإكلينيكي، والفحوص الباطنية، ورسم القلب الكهربائي، وصورة دم كاملة.

أما المستوى الثالث فلبطولات الجمهورية والاتحادات بتكلفة تتراوح من 400 إلى 500 جنيه، ويشمل جميع فحوص المستوى الثاني بالإضافة إلى موجات صوتية على القلب (إيكو). والمستوى الرابع للاعبي المنتخبات القومية، ويشمل جميع فحوص المستوى الثالث، بالإضافة إلى رسم قلب بالمجهود لضمان الجاهزية الصحية الكاملة أثناء التدريب والمنافسات. وتبلغ مدة صلاحية التحاليل والكشف الطبي عامًا كاملًا، كما يصلح الكشف الطبي للاعب الذي يمارس أكثر من لعبة رياضية، وفقًا للضوابط المعتمدة.

رغم ذلك، لا تزال تتواصل شكاوى اللاعبين المحترفين والهواة وأولياء أمور الأطفال الملتحقين بالأكاديميات والأندية الرياضية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي المنشآت الرياضية، بعد مرور أشهر على صدور القرار، بسبب تعسف بعض الأندية في إجراءات استخراج الكود، عبر إلزامهم بإجرائها في مستشفيات بعينها أو لدى شركات أو قوافل طبية محددة بأسعار أعلى، بما يحملهم أعباءً مالية وإجرائية، لا سيما أنها لا تلتزم بتطبيق أسعار المستويات الأربعة التي حددها القرار.

ويشكو محمد منصور، وهو ولي أمر لثلاثة أطفال يمارسون رياضتي السباحة والكاراتيه بأحد أندية شركات القطاع الخاص بالقاهرة، من أن تكلفة الفحوص الطبية تصل في بعض الحالات إلى نحو ألفي جنيه، مع إلزام الأندية لأولياء الأمور بإجرائها في جهات محددة كمستشفيات الشرطة والقوات المسلحة، بأسعار أعلى، رغم إتاحتها داخل المستشفيات الحكومية بأسعار أقل.

ومن خلال تجربته التي خاضها في يونيو الماضي، يوضح أن انضمام الطفل لأي نشاط رياضي أصبح يتطلب استكمال عدد كبير من الإجراءات، تشمل إجراء فحوص طبية متعددة، مثل رسم القلب والتحاليل والكشف الإكلينيكي، وتقديم مستندات إضافية، من بينها شهادة ميلاد مميكنة وإقرار من ولي الأمر بتحمل مسؤولية ممارسة الطفل للرياضة، ما اعتبره عبئًا إداريًا وماليًا على الأسر، منتقدًا ما وصفه باكتفاء بعض الجهات الطبية باستيفاء الأوراق وإجراء فحوص محدودة دون تطبيق جميع بنود الكشف المطلوبة، بما يفقد الكود الطبي هدفه الحقيقي.

ويتساءل عن مبررات اشتراط إعادة الفحوص الطبية عند انتقال اللاعب بين الأندية، وطلب مستندات سبق تقديمها، إلى جانب قصر إجراء بعض الفحوص على جهات محددة، معتبرًا أن الإجراءات المتبعة لاستخراج الكود الطبي تعقّد ممارسة الرياضة وتحمّل الرياضيين وأسرهم أعباءً غير مبررة، بدلًا من معالجة الإهمال وضعف إجراءات السلامة.

أما أحمد أيوب، وهو مدرب كرة قدم للبراعم بإحدى الأكاديميات الرياضية الخاصة في القاهرة، فيرى أن آلية تطبيق الكود الطبي بصورتها الحالية تحتاج إلى مراجعة، نظرًا لاختلاف رسوم الفحوص لدى الجهات المعتمدة، والتي تتراوح، بحسب قوله، بين نحو 850 و1500 جنيه، مما يفرض أعباء مالية متفاوتة على أولياء الأمور دون وجود معايير موحدة وواضحة.

ويقول: «أولياء الأمور يواجهون تضاربًا في التعليمات بين الجهات التي تُجري الفحوص، إذ تشترط بعض المستشفيات صيام الطفل قبل بعض التحاليل، بينما لا تشترط جهات أخرى ذلك، وهو ما يثير تساؤلات حول توحيد إجراءات تطبيق الكود الطبي»، مشيرًا إلى أنه أجرى الفحوص الطبية لابنه، لكنه لم يلمس تطبيقًا موحدًا أو شاملًا للإجراءات، بجانب اختلاف الأسعار وآليات التنفيذ بين المستشفيات.

ويؤكد أن الأولوية ينبغي أن تكون لتحسين منظومة الرعاية الطبية داخل الملاعب والمنشآت الرياضية، وتوفير قوافل طبية معتمدة داخل الأندية لفترات محددة، بما يتيح إجراء الفحوص للرياضيين في أماكن تدريبهم، ويخفف الأعباء عن الأسر، محذرًا من أن ارتفاع تكاليف استخراج الكود الطبي يدفع بعض الأسر إلى إبعاد أبنائها عن ممارسة الرياضة، مما يؤثر على اكتشاف المواهب الرياضية واستمرارها.

ويقترح إطلاق مبادرة مشتركة بين وزارتي الشباب والرياضة والصحة لإجراء الفحوص الطبية للرياضيين برسوم رمزية أو مجانًا، على غرار المبادرات الصحية القومية، إلى جانب الاستفادة من وحدات الطب الرياضي، والأندية التابعة للشركات، ومساهمات رجال الأعمال، وأقسام العلاج المجاني بالمستشفيات الخاصة، مع إصدار ضوابط موحدة لتطبيق إجراءات الكشف الطبي، بما يضمن العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الرياضيين.

نوصي للقراءة: وفاة لاعب بارالمبي تكشف الإهمال المؤسسي بحق ذوي الهمم في مصر

أعباء مضاعفة للاعبين البارالمبيين

توجد في مصر 18 وحدة من وحدات الطب الرياضي موزعة على عدد من المحافظات، أعلنت عنها وزارة الشباب والرياضة في يناير 2026، تشمل المركز الأولمبي بالمعادي في القاهرة، ووحدة كفر الشيخ في مبنى مستقل داخل الاستاد، ووحدة الدقهلية أسفل مدرجات استاد المنصورة الرياضي، ووحدة المنوفية في مبنى مستقل داخل استاد شبين، إضافة إلى وحدة الشرقية أسفل حمام السباحة باستاد الزقازيق، ووحدة الإسماعيلية بمنطقة الشيخ زايد بحمام السباحة الدولي، ووحدة شمال سيناء في العريش بمنطقة الضاحية داخل استاد العريش، ووحدة القليوبية أسفل مديرية الشباب والرياضة.

بينما تقع وحدة أسوان بشارع كورنيش النيل داخل حمام السباحة بمديرية الشباب والرياضة، ووحدة الفيوم داخل استاد الفيوم، ووحدة الإسكندرية داخل المدينة الشبابية بأبو قير، ووحدة البحيرة بجوار مديرية الشباب والرياضة، إضافة إلى وحدة بورسعيد بالمدينة الرياضية، ووحدة أسيوط باستاد الأربعين، ووحدة قنا بالصالة المغطاة، ووحدة الوادي الجديد أمام المدينة الشبابية بمدينة الخارجة، ووحدة السويس بجوار مديرية الشباب والرياضة، ووحدة بني سويف داخل الاستاد الرياضي.

غير أن الجانب الأكبر من معاناة الحصول على الكود الطبي الرياضي يتحمله الرياضيون البارالمبيون؛ إذ يكشف عبد الرحمن محمد، لاعب سباحة بارالمبي من ذوي الإعاقة الحركية مقيم بمحافظة الإسكندرية، أن اشتراط إجراء الفحوص الطبية في أماكن محددة، غالبًا في المركز الأولمبي بالقاهرة، يفرض أعباءً إضافية عليهم وعلى أسرهم، خاصة القادمين من المحافظات، مطالبًا بتوفير الخدمة داخل كل محافظة من خلال مديريات الشباب والرياضة أو التأمين الصحي أو عبر قوافل طبية معتمدة، لتجنيبهم مشقة السفر وتكاليفه.

وفي الوقت الذي يحتاج فيه الرياضيون من ذوي الإعاقة إلى مزيد من الدعم والتيسيرات، يشكو اللاعب من تحميلهم تكلفة السفر والإقامة إلى جانب رسوم الكشف الطبي، بما يمثل عبئًا يصعب على كثير من الأسر تحمله، لا سيما مع تكرار الفحوص المطلوبة مع كل موسم رياضي ولأكثر من لاعب داخل الأسرة الواحدة.

ويرى أن معالجة أسباب الحوادث داخل البطولات يجب أن تركز على تحسين التنظيم وتوفير سيارات إسعاف مجهزة وفرق طبية متكاملة في المنافسات، بدلًا من تحميل أولياء الأمور أعباء مالية إضافية لا تعالج، من وجهة نظره، أسباب وقوع تلك الحوادث.

ويحذر من أن ارتفاع تكلفة الإجراءات قد يحرم كثيرًا من اللاعبين غير القادرين ماديًا من استكمال مسيرتهم الرياضية، رغم امتلاكهم الموهبة، وهو ما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص، داعيًا إلى إعادة النظر في آليات تطبيق الكود الطبي، ومراعاة الظروف الاقتصادية للأسر، ومقترحًا تنظيم أيام مخصصة لإجراء الفحوص داخل كل محافظة بدلًا من إلزام اللاعبين بالسفر إلى القاهرة، بما يخفف الأعباء المالية ويحافظ على استمرار الرياضيين في ممارسة ألعابهم.

فيما يؤكد لاعب التنس البارالمبي سامح عيد، لـ«زاوية ثالثة»، أن تطبيق الكود الطبي الرياضي والفحوص اللازمة لاستخراجه زاد من الأعباء التي يتحملها اللاعبون بشكل عام والبارالمبيون بشكل خاص، إذ يواجه ذوو الإعاقات الحركية منهم صعوبة بالغة في التنقل من منطقة إلى أخرى ومن المحافظات إلى القاهرة حيث المركز الأولمبي بالمعادي، لا سيما أن وحدات الطب الرياضي التي أعلنت عنها الوزارة متوفرة في 16 محافظة فقط، على حد قوله.

ويشرح أن الأعباء المادية لاستخراج الكود الطبي الرياضي تتضاعف بالنسبة للاعبين البارالمبيين، الذين لا يتقاضون أجرًا قبل حصادهم ميدالية أولمبية، ويتحملون على حسابهم نفقات تنقلاتهم وأعباء التدريبات والمشاركة في البطولات؛ إذ يوضح أن تكلفة سفر وإقامة الفريق الرياضي تتراوح بين 30 و40 ألف جنيه، في وقت قد لا تتجاوز فيه ميزانية النادي البارالمبي 100 ألف جنيه.

نوصي للقراءة: قانون الأندية الجديد: تحديث تشريعي أم تدخل حكومي يهدد استقلال الرياضة؟


المستشفيات غير الملزمة بهذه اللائحة

يمثل الكود الطبي الرياضي نظامًا موحدًا للفحوص الطبية التي تُجرى للرياضيين قبل المشاركة في المنافسات، بهدف تقييم حالتهم الصحية، خاصة صحة القلب، وإنشاء قاعدة بيانات طبية موثقة تساعد على اكتشاف الأمراض مبكرًا وتقليل المخاطر الصحية المرتبطة بالممارسة الرياضية، بحسب ما يُبيّن الأستاذ الدكتور أحمد أشرف عيسى، استشاري أمراض القلب والقسطرة التداخلية وطب القلب الرياضي بأكاديمية جراحة القلب بجامعة عين شمس، ورئيس الجمعية المصرية الأفريقية لأبحاث وأمراض القلب.

ويوضح أن الفحوص الأساسية تشمل مراجعة التاريخ المرضي للاعب، وإجراء الكشف الإكلينيكي، ورسم القلب، والموجات الصوتية على القلب، إلى جانب بعض التحاليل الطبية، بينما تضاف فحوص أخرى مثل رسم القلب بالمجهود، وقياس الجهد التنفسي، وأشعة الصدر، وغيرها وفقًا لطبيعة اللعبة ومتطلبات الاتحادات القارية والدولية، مؤكدًا أن جميع الرياضيين يخضعون للحد الأدنى من الفحوص الأساسية، ثم تختلف الفحوص الإضافية بحسب نوع الرياضة ومستوى المنافسة.

ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «تطبيق الكود الطبي الرياضي جاء استجابة لسببين رئيسيين؛ الأول مواكبة المعايير الدولية التي أصبحت تشترط وجود منظومة متكاملة لفحص الرياضيين، والثاني الحد من الحوادث الصحية التي شهدتها الملاعب المصرية خلال السنوات الأخيرة. لم يعد فحص القلب الرياضي إجراءً اختياريًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من تطوير المنظومة الرياضية وحماية اللاعبين».

ورغم ذلك، يؤكد أن الفحوص الطبية لا تمنع جميع حالات الوفاة داخل الملاعب، لكنها ترفع فرص اكتشاف الأمراض الخطيرة قبل المشاركة في المنافسات، إذ إن الكشف المبكر يتيح إيقاف اللاعب الذي يعاني من مشكلة صحية لحين العلاج أو منعه نهائيًا من ممارسة الرياضة إذا كانت حالته تمثل خطرًا على حياته، ورغم أن الفحوص قادرة نظريًا على اكتشاف الغالبية العظمى من الحالات المرضية، إلا أنها لا تستطيع التنبؤ بجميع العوامل الطارئة التي قد يتعرض لها اللاعب أثناء المنافسات، مثل الضغوط النفسية أو الإجهاد الشديد أو الظروف الصحية المستجدة.

ويكشف أن أكثر أسباب الوفاة المفاجئة بين الرياضيين دون سن 35 عامًا ترتبط باضطرابات كهربية القلب أو بعض الأمراض الخلقية، بينما تزداد أمراض الشرايين التاجية كسبب رئيسي بعد هذا العمر، لافتًا إلى أن بعض الأمراض، مثل وجود مسار كهربائي إضافي بالقلب، يمكن علاجها ثم السماح للاعب بالعودة للمنافسات، في حين تستوجب أمراض أخرى، مثل تضخم عضلة القلب الانسدادي، الإيقاف النهائي عن ممارسة الرياضة حفاظًا على حياة اللاعب، مع إخضاع أفراد أسرته للفحص الجيني لكون المرض وراثيًا، ويصدر قرار الإيقاف بعد مراجعة اللجنة الطبية المختصة، ثم يُرفع التقرير إلى النادي والاتحاد الرياضي لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

ويرى أن الوقت لا يزال مبكرًا لاستخلاص مؤشرات دقيقة بشأن معدلات أمراض القلب بين الرياضيين في مصر، موضحًا أن تطبيق الكود الطبي لا يزال حديثًا، وأن تقييم نتائجه يتطلب تراكم بيانات وإحصاءات على مدى عدة سنوات، مشيرًا إلى أنه فحص شخصيًا أكثر من خمسة آلاف رياضي محترف، وكانت الغالبية العظمى منهم لا تعاني من أمراض تستوجب الإيقاف عن ممارسة الرياضة، بينما اقتصر عدد الحالات التي استلزمت المنع أو العلاج على نسبة محدودة.

وبسؤاله حول التكاليف المادية لاستخراج الكود الطبي، يشير إلى أن وزارة الشباب والرياضة وضعت لائحة استرشادية لأسعار الفحوص داخل الجهات والشركات المعتمدة، بهدف تخفيف الأعباء المالية على الرياضيين، إلا أن المستشفيات غير ملزمة بهذه اللائحة، وقد تقدم الخدمة بأسعار أعلى تبعًا لتكلفة التشغيل لديها، إذ لا تستطيع الوزارة إلزام جميع المستشفيات الخاصة بسعر موحد.

ويرفض عيسى ما يتردد عن إمكانية الحصول على شهادات اللياقة الطبية دون إجراء الفحوص، واصفًا هذه المزاعم بأنها «عارية من الصحة»، مؤكدًا أن مناقشة شكاوى أولياء الأمور المتعلقة بتكاليف الفحوص أو آليات تطبيق الكود الطبي واختيار الجهات المعتمدة تقع ضمن اختصاص اللجنة الطبية العليا بوزارة الشباب والرياضة.

ترتيبات خاصة بالأندية

في السياق ذاته، يؤكد الدكتور حازم خميس، رئيس اللجنة الطبية العليا بوزارة الشباب والرياضة، أن اللجنة مسؤولة عن وضع ضوابط الكود الطبي الرياضي وتحديد الفحوص المطلوبة وتسعيرها داخل مراكز الطب الرياضي التابعة للوزارة والشركات المتعاقدة معها، معتبرًا أن ما يحدث داخل بعض الأندية من إلزام أولياء الأمور بإجراء الفحوص عبر قوافل أو جهات بعينها لا يدخل ضمن اختصاص الوزارة، وإنما يعد ترتيبات خاصة بالأندية.

ويُبيّن أن مراكز الطب الرياضي التابعة للوزارة في المحافظات ملتزمة بتطبيق لائحة الكود الطبي والأسعار المعتمدة، مشيرًا إلى أن الرسوم المحددة داخل الجهات المتعاقدة مع الوزارة تتراوح بين 500 و750 جنيهًا بحسب الفئة، بينما تختلف أسعار المستشفيات أو الجهات غير الخاضعة لإشراف الوزارة وفقًا لسياساتها، ولا تملك الوزارة سلطة إلزامها بأسعار محددة.

ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «الأندية لا تملك، بحسب اللوائح، إلزام اللاعبين بإجراء الفحوص في مستشفى أو قافلة طبية بعينها، طالما قدم اللاعب شهادة كشف طبي مستوفاة وصادرة من جهة حكومية معتمدة وتحمل الأختام الرسمية المطلوبة، كما أن رفض مثل هذه الشهادات قد يعرّض النادي للمساءلة».

ويوضح أن الجهات الحكومية المسموح لها بإجراء الكشوف الطبية تشمل المستشفيات الحكومية، والمستشفيات الجامعية، ومستشفيات القوات المسلحة والشرطة، إلى جانب مستشفيات الهيئات العامة التي تقدم الخدمة، بجانب الشركات الخاصة المتعاقدة مع وزارة الشباب والرياضة للحصول على الاعتماد اللازم، إلا أن بعض الأندية، بحسب قوله، تعقد اتفاقات مباشرة مع هذه الشركات لتنظيم قوافل طبية داخل مقارها بأسعار أعلى، وهو أمر منفصل عن اللوائح التي وضعتها الوزارة.

وفيما يتعلق بمطالب إجراء الفحوص عبر التأمين الصحي، يوضح أن جميع الأطفال في مصر حتى سن 18 عامًا يتمتعون بالتأمين الصحي على نفقة الدولة، إلا أن إدراج فحوص الكود الطبي ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل يتطلب دراسة لقدرة المنظومة الصحية على استيعاب هذا الحجم من الخدمات، خاصة مع التوسع التدريجي في تطبيق التأمين الصحي الشامل بالمحافظات.

ويشير إلى أن اللجنة الطبية العليا تواصل تطوير منظومة الكود الطبي وتنظيم إجراءاتها، مؤكدًا أن الهدف الأساسي من تطبيقها هو الحفاظ على صحة الرياضيين وتوحيد معايير الفحص الطبي قبل المشاركة في الأنشطة الرياضية، بينما تبقى بعض الممارسات التي يشكو منها أولياء الأمور مرتبطة بآليات تنفيذ الأندية أو الجهات غير الخاضعة لإشراف الوزارة المباشر.

ورغم أن الكود الطبي الرياضي يمثل خطوة ضرورية لحماية اللاعبين والحد من الوفيات المفاجئة داخل الملاعب، فإن نجاحه يظل مرهونًا بتطبيق موحد وعادل يوازن بين متطلبات السلامة وقدرة الرياضيين على تحمل التكلفة.

وبينما يؤكد المسؤولون أن لوائح وزارة الشباب والرياضة لا تلزم اللاعبين بجهات بعينها، تكشف شهادات اللاعبين وأولياء الأمور استمرار تفاوت التطبيق وفرض أعباء مالية وإجرائية قد تحول دون ممارسة الرياضة، ما يفرض ضرورة استكمال تجهيز وحدات الطب الرياضي بالمحافظات، وتشديد الرقابة على الأندية، وضمان إتاحة الفحوص بأسعار موحدة وفي متناول جميع الرياضيين.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search