من بيع الأصول إلى توظيفها ماليًا.. كيف تحولت أملاك الدولة إلى أداة لإدارة الدين؟

خصصت مصر 26,690 فدانًا بالبحر الأحمر لصالح وزارة المالية لإصدار صكوك سيادية، بينما تستهدف إصدار سندات دولية بقيمة 4 مليارات دولار خلال 2026-2027، بعد إتمام إصدار صكوك دولية بقيمة 1.5 مليار دولار. فهل تحولت الأصول العامة إلى أداة لسداد الديون بدل توظيفها لبناء قاعدة إنتاجية مستدامة؟
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

بعد التصديق الرئاسي عليه، في 10 يونيو الحالي، نشرت الجريدة الرسمية القانون رقم 222 لسنة 2026، تخصيص قطعة أرض مملوكة للدولة بالبحر الأحمر لصالح وزارة المالية، لإصدار صكوك سيادية، بمساحة نحو 26690.45 فدانًا (112122142 مترمربع).

وتعرف الصكوك السيادية وفق القانون رقم 138 لسنة 2021، بأنها “أوراق مالية حكومية اسمية متساوية القيمة، قابلة للتداول في البورصة، تصدر لمدة محددة لا تتجاوز 30 عامًا، وتمثل حصصًا شائعة في حقوق انتفاع بالأصول”، وتعتمد الصكوك على عقود متوافقة والشريعة الإسلامية مثل الإجارة والمرابحة بدل الفائدة، على خلاف السندات التقليدية، بينما تُستخدم لتمويل المشروعات وسد عجز الموازنة أو دعم الاقتصاد.

وفي ظل لجوء الدولة إلى إصدار الصكوك بضمان أراضٍ، فإنها كذلك تستهدف إصدار سندات دولية بنحو 4 مليارات دولار خلال العام المالي 2026-2027 لاستيفاء احتياجاتها من التمويل الخارجي، حسب تصريحات وزير المالية أحمد كجوك، كما أنهت مؤخرًا إصدار صكوك سيادية دولية بقيمة 1.5 مليار دولار في برنامج يستهدف إصدارات بنحو 5 مليارات دولار لأجل 3 سنوات.

ويطرح إصدار صكوك سيادية بضمان أراضٍ بالبحر الأحمر تساؤلات حول ما إذا كانت تلك الأصول ستتحول إلى أداة ضامنة للدائنين أم هو الوجه الآخر لبيع أصول الدولة في صورة أشد بهاء وبمصطلحات أحسن قيلًا.

وزارة المالية نفت كون إصدار الصكوك السيادية بهدف بيع الأصول، وإنما، حسب الوزارة، لخلق أدوات تمويل جديدة لتنويع قواعد المستثمرين وتحقيق المستهدفات المالية والاقتصادية والتنموية وتوفير مخصصات للمشروعات الاستثمارية للإنفاق على تحسين مستوى معيشة المواطنين.

 

 يقول عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي الدكتور حازم حسانين، إن النقاش حول تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي يجب أن يبدأ أولًا من تحديد دور الدولة وهويتها الاقتصادية، موضحًا أن العالم لم يعد يعرف نموذج “اقتصاد السوق الحر الخالص”، إذ لا بد من تدخّل الحكومات في الاقتصادات الكبرى عبر الدعم والرعاية الاجتماعية والسياسات الصناعية وقوانين العمل.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن الدول النامية غالبًا ما تتبنى وصفات المؤسسات الدولية “دون تقييم مدى ملاءمتها لظروفها المحلية”، متسائلًا: “هل يصلح نموذج تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي للحالة المصرية فعلًا؟”، مشيرًا إلى أن مصر طبقت برنامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي منذ أوائل التسعينيات وحتى 2008، وكانت الخصخصة أحد محاوره الرئيسة، لافتًا إلى أن التجربة تستدعي مراجعة نتائجها الاقتصادية قبل التوسع في سياسات التخارج من الأصول الحالية.

وفي تعليقه على استخدام الأصول العامة في إصدار الصكوك السيادية، يقول حسانين إن احتياجات الدولة من النقد الأجنبي أصبحت عاملًا رئيسًا في توجيه هذه الأدوات نحو المستثمرين الأجانب، مشيرًا إلى أن التساؤل الأهم يتعلق بكيفية استخدام حصيلة تلك الإصدارات وما إذا كانت ستوجه لسداد الديون أم لتمويل استثمارات إنتاجية تدرّ عوائد مستقبلية على الاقتصاد.

ويعتبر حسانين أن تخارج الدولة من أصولها لا ينبغي أن يُنظر إليه كهدف في حد ذاته، بل يجب أن يُبنى على تقييم واضح لأسباب خروج الدولة من أي نشاط اقتصادي، وما إذا كان ذلك سيحسّن الكفاءة ويعزّز منافسة السوق، مشيرًا إلى أن بعض تجارب التخارج لدول سابقًا لم تُفضِ، من وجهة نظره، إلى نتائج إيجابية، مثل رومانيا، مستشهدًا بما وصفه بتحول بعض الأسواق المحلية إلى أوضاع أكثر احتكارًا وغياب البدائل في عدد من الصناعات كالحديد.

ويضيف أن المستثمر الأجنبي لا ينجذب فقط إلى بيع الأصول أو تخارج الدولة، وإنما يبحث عن استقرار الاقتصاد الكلي وتوافر المنافسة وانخفاض مخاطر سعر الصرف والتضخم والتوترات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن سياسات التخارج خلال السنوات الأخيرة ارتبطت ببيع الأصول العامة فقط، معتبرًا أن الهدف الأساسي منها هو توفير موارد دولارية للدولة وليس التنمية.

من ناحيته، يقول الباحث الاقتصادي الدكتور أحمد خطاب إن تخصيص أراضٍ لصالح وزارة المالية لاستخدامها كأصول داعمة لإصدارات الصكوك السيادية خطوة وصفها بأنها “تستهدف تعزيز الثقة في أدوات التمويل الحكومية، وتوجيه رسالة طمأنة للمستثمرين بشأن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية وسداد مستحقات حملة الصكوك”.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن وجود أصول ثابتة، مثل الأراضي، كغطاء للصكوك يرفع من مصداقيتها وقيمتها الاستثمارية، إذ ينظر المستثمرون إلى هذه الأصول باعتبارها ضمانًا يعزز من قوة الأداة التمويلية ويقلّل من المخاطر المرتبطة بها.

ويصف هذه الخطوة بأنها “حافز إضافي للمستثمرين الأجانب والعرب للدخول كشركاء إستراتيجيين في مشروعات الدولة، خاصة في ظل الفرص الاستثمارية المتاحة بقطاع السياحة، الذي لا يزال يمتلك طاقات استيعابية كبيرة للنمو والتوسع”.

ويتابع أن مناطق الساحل الشمالي الممتدة من العلمين إلى مطروح بجانب مرسى علم وشرم الشيخ والغردقة ونويبع وعيون موسى والعين السخنة، ما زالت تمتلك فرصًا واسعة لاستقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الفنادق والمنتجعات والغرف السياحية، بعيدًا عن المقاصد الأثرية مثل الأقصر وأسوان الجاذبة لفئات السائحين المهتمين بالتراث والآثار.

حول الأصول.. هل الدولة مدير فاشل؟

يبيّن الدكتور حازم حسانين أن الصكوك السيادية أداة مالية مستخدمة على نطاق واسع في العديد من الدول، خاصة في دول جنوب شرق آسيا والخليج، وتتميز بقدرتها على توفير عوائد جيدة للمستثمرين، لكنها تختلف عن فكرة بيع الأصول مباشرة.

ويوضح أن التمييز يجب أن يكون بين الأصول العادية التي يمكن استثمارها لفترة زمنية محددة ثم استعادتها، وبين الأصول الإستراتيجية أو الحيوية التي تمثل ركائز أساسية للاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن السؤال الجوهري يتمثل فيما إذا كانت الصكوك تُستخدم كآلية استثمارية حقيقية أم كوسيلة غير مباشرة للتصرف في الأصول العامة.

ويرى حسانين أن اللجوء إلى بيع الأصول أو استخدام حصيلة الصكوك لسداد الديون يثير تساؤلات حول الدور الاقتصادي للأصول العامة، لافتًا إلى أن الاقتراض من المفترض توجيهه لمشروعات إنتاجية قادرة على توليد عوائد مستقبلية تساعد خدمة الدين، وليس الاعتماد على التصرف في الأصول لسداد الالتزامات المالية القائمة.

ويضيف أن صفقة رأس الحكمة مثلت نجاحًا ماليًا في حجم الموارد المتحصلة، لكنها تطرح، من وجهة نظره، تساؤلات اقتصادية تتعلق بخسارة أصول ذات قيمة إستراتيجية وإمكانية تكرار هذا النهج مع أصول أخرى مستقبلًا. 

من ناحيته، يقول مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية الدكتور عبد المنعم السيد، إن التحول الأبرز في وثيقة ملكية الدولة الجديدة يتمثل في انتقال الدولة من فكرة “الخروج من الاقتصاد” إلى “إعادة تعريف دورها الاقتصادي”.

ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن هدف الدولة لم يعد يقتصر على بيع الأصول العامة، بل إدارتها بكفاءة أكبر مع إتاحة مساحة أوسع للقطاع الخاص لقيادة النشاط الاقتصادي والنمو.

ويضيف أن الدولة تتجه إلى التركيز على دور المنظم والمحفّز للسوق، مع استمرار وجودها في القطاعات الإستراتيجية والسيادية التي ترتبط بالأمن القومي والمصالح الحيوية للدولة.

بينما يشير الدكتور حازم حسانين إلى أن التخارج من النشاط الاقتصادي في الدول النامية غالبًا ما يرتبط باشتراطات برامج التمويل الدولية، لكنه لا يجب أن يتحول إلى سياسة ثابتة أو هدف قائم بذاته، مشددًا على أن بناء اقتصاد مستدام يتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الاقتراض والتمويل الخارجي.

ويبين أن مواجهة الأزمات الاقتصادية تتطلب إستراتيجية تنموية مستقلة نسبيًا، تستهدف رفع قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته الأساسية وزيادة معدلات الإنتاج المحلي، بدلًا من الاعتماد المستمر على الموارد الخارجية والتمويل الدولي.

ويوضح أن نجاح أي برنامج للتخارج مرهون بوجود قطاع خاص قوي قادر على المنافسة وبإزالة العقبات البيروقراطية والإدارية التي تعرقل الاستثمار، لافتًا، على سبيل المثال، إلى طول إجراءات التراخيص وتعقيدها، ما يدفع المستثمرين المحليين والأجانب للبحث عن أسواق أخرى أكثر جذبًا وسهولة.

ويضيف أن جذب الاستثمار الأجنبي يبدأ من تحسين أوضاع المستثمر المحلي، شارحًا أن المستثمر الخارجي لن يغامر بدخول سوق يعاني فيه المستثمر الوطني صعوبات التأسيس والتشغيل والتوسع، مشيرًا إلى أن الحكومة مطالبة بإرسال رسائل ثقة إلى المستثمرين بدل تكريس انطباع الدولة المنسحبة من النشاط الاقتصادي.

بيع وسط مخاوف محدقة

أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتورة عالية المهدي تقول إن إصدار الصكوك السيادية لأراضٍ ملك للدولة تفتح الباب أمام تملك الأجانب للأصول المصرية المملوكة للشعب، بينما لا ينبغي اعتبار ذلك استثمارًا بأي شكل، وتطرح سؤالًا: “هل سيمتلك المصريون في تلك الأراضي؟”.

وتضيف لـ”زاوية ثالثة” أن الدولة تتوسع في بيع الأراضي، بينما يمثل ذلك خطرًا على الأمن القومي، حسبما وصفته، مشيرة إلى أن الدولة، بدلًا من ذلك، قد تمنح حق انتفاع ببعض الأراضي لمدة تتراوح بين 30 و50 عامًا ولا يجاوز هذا الحد مطلقًا مع منع صاحب حق الانتفاع بيعه نهائيًا.

وترى أن بيع الأراضي تحت أي مسمى إنما هو تعدٍ على حقوق الأجيال القادمة، متسائلة: “ماذا سنترك لأبنائنا وأحفادنا من بعدنا إذا بعنا كل الأراضي المميزة؟”، وتضيف: “لا يمكن أن نستمر في الاقتراض بضمان الأرض، لأن ذلك يمهّد لعدم السداد بينما يضمن لأصحاب الصكوك حقوقهم في تملّك الأرض”.

يرد الدكتور أحمد خطاب على ما يتعلق بطبيعة ملكية الأراضي المخصصة للصكوك، قائلًا إن ملكية الأرض لا تنتقل إلى حملة الصكوك، وإنما تظل مملوكة للدولة، بينما تُستخدم كأصل ضامن للإصدار، موضحًا أن الصكوك ترتبط بمدة زمنية محددة، بينما يسترد المستثمر بانتهائها أصل أمواله والعائد المتفق عليه أو قد يتصرف في الصك بالبيع إذا ارتفعت قيمته السوقية، بما يحقق له أرباحًا إضافية مقارنة ببعض أدوات الادخار التقليدية.

ويرجح أن تتراوح آجال الصكوك السيادية المصرية بين 3 و5 سنوات، وفق احتياجات الدولة التمويلية، مشيرًا إلى أن طول مدة الصك يتيح للحكومة فرصًا أكبر لتوظيف الأموال، وهو ما ينعكس عادة على مستوى العائد الذي يحصل عليه المستثمر، مشيرًا إلى أن غالبية المستثمرين في تلك الإصدارات من الأجانب والعرب الذين لا يبحثون عن السيولة السريعة بل يتجهون إلى تجميد أموالهم لفترات محددة مقابل الاستفادة من ارتفاع قيمة الأصول أو المشروعات المرتبطة بالصكوك.

بينما يتفق الدكتور حازم حسانين مع الدكتورة عالية المهدي، ويحذر من الاعتماد المتكرر على بيع الأصول أو توظيف حصيلة الصكوك لسداد الديون، إذ قد يؤدي، حسب رؤيته، إلى ترسيخ نموذج اقتصادي قوامه الاقتراض ثم التصرف في الأصول لتغطية الالتزامات المالية، بدلًا من بناء مصادر مستدامة للإنتاج والنمو.

ويرى أن التخارج المزمع من بعض الأصول الخدمية أو الاجتماعية، كمستشفى معهد ناصر على سبيل المثال، يجب أن يسبقه طرح بدائل واضحة تضمن استمرار تقديم الخدمات للمواطنين، مؤكدًا أن دور الدولة لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد أيضًا إلى دورها الاجتماعي في توفير الخدمات الأساسية وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.

ويشير حسانين إلى أن مشكلة الاقتصاد المصري لا ترتبط بنقص الأدوات التمويلية بقدر ارتباطها بغياب الرؤية الإنتاجية طويلة الأجل، موضحًا أن القطاع المالي يحقق نجاحات وأرباحًا كبيرة، لكن هذه النجاحات لم تنعكس بقدر كافٍ على بناء اقتصاد حقيقي قائم على الإنتاج والتصدير.

ويلفت أن الاقتصاد المصري اتجه خلال السنوات الأخيرة نحو الأنشطة العقارية والمالية، بينما تراجعت أهمية القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة، مشيرًا إلى أن مستقبل التنمية الاقتصادية يرتبط بإعادة بناء القواعد الإنتاجية والصناعات التي تمتلك مصر فيها مزايا نسبية.

بينما يقول الخبير الاقتصادي مدحت نافع إنه لا يمكن النظر إلى تخصيص أراضي البحر الأحمر لوزارة المالية باعتباره إجراء إداريًا بحتًا، إذ يمثل تحولًا في فلسفة إدارة أصول الدولة من الاحتفاظ بها كمخزون إستراتيجي إلى توظيفها كأدوات داعمة للتمويل العام.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن هذا التوجه يهدف إلى تعظيم القيمة الاقتصادية للأصول واستخدامها في تحسين شروط الاقتراض وجذب التمويل من الأسواق الدولية، خاصة عبر أدوات مثل الصكوك السيادية، حسب تصريحه.

ويرى أن هذا النهج قد يوفر متنفسًا ماليًا في الأجل القصير ويخفف الضغوط على الموازنة العامة، ولكنه، من وجهة نطره، يفرض تساؤلات تتعلق بضمان عدم المساس بالحقوق الاقتصادية والإستراتيجية المرتبطة بهذه الأصول مستقبلًا، وهو ما يستدعي أعلى درجات الشفافية والإفصاح والرقابة المؤسسية.

أما الدكتور أحمد خطاب فإنه يرفض المخاوف من دخول المستثمرين الأجانب في مشروعات قائمة على أصول أو أراضٍ داخل مصر، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي هو جذب استثمارات تسهم في التنمية والتشغيل بدلًا من ترك الأراضي غير مستغلة، مشيرًا إلى أن الأراضي الساحلية والسياحية يمكن تحويلها إلى مراكز إنتاج وخدمات ومشروعات توفر فرص عمل وتدفقات نقدية للاقتصاد.

ويتابع أن الدولة تتبنى بالفعل نهجًا أوسع لإشراك القطاع الخاص، مستشهدًا بوثيقة سياسة ملكية الدولة التي حددت أدوار الحكومة وآليات مشاركة المستثمرين في الأنشطة الاقتصادية المختلفة، ذاكرًا أن وجود مستثمرين عرب أو أجانب في المشروعات المصرية لا يعد تهديدًا للسيادة الوطنية، مسببًا ذلك بأن ملكية الأرض تخضع في جميع الأحوال للقوانين المصرية مع امتلاك الدولة الأدوات القانونية والتنظيمية الكفيلة بحماية أصولها والحفاظ على سيادتها.

الدين مقابل الأصول

في رده على مخاوف ربط أدوات التمويل الحكومية بأصول عامة، يقول الدكتور أحمد خطاب إنه لا يرى خطورة في هذا التوجه، معتبرًا أن الأولوية الآن لا بد أن تعزّز ثقة المستثمرين وتجذب رؤوس الأموال الأجنبية، في ظل المنافسة الإقليمية والدولية على الاستثمارات، مشيرًا إلى أن العديد من الدول، بما فيها الخليج، توسعت خلال السنوات الأخيرة في سياسات تملّك واستثمار الأجانب.

ويعتبر الباحث الاقتصادي أن التطورات الحالية تعكس تحولًا طبيعيًا في طريقة إدارة الأصول العامة، موضحًا أن السياسات الاقتصادية لا يمكن أن تظل ثابتة لعقود طويلة في عالم سريع التغير، مشيرًا إلى مصر لا تبتكر نماذج مالية غير مسبوقة، وإنما تستفيد من تجارب دول أخرى حققت نجاحات في مجالات التمويل والاستثمار بإعادة تكييف هذه الأدوات لتناسب الخصوصية الاقتصادية والديموغرافية المصرية.

ويضيف أن الإستراتيجيات الاقتصادية تحتاج مراجعة وتحديثًا دوريًا لمواكبة التحولات العالمية والتكنولوجية ومتطلبات التنمية، مشيرًا إلى أن نجاح الدول يرتبط بقدرتها على التكيف السريع مع المتغيرات الدولية وتبني الأدوات الأكثر كفاءة في جذب الاستثمار وتحقيق النمو.

 

 

بينما يقول الدكتور حازم حسانين إن نجاح أي برنامج لتخارج الدولة من النشاط الاقتصادي يتطلب وجود بديل واضح وخريطة استثمارية تمنح المستثمر المحلي الثقة والحوافز اللازمة للتوسع في النشاط الإنتاجي، لافتًا إلى أن ضعف الثقة في بيئة الأعمال ينعكس سلبًا على قرارات الاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء.

ويتابع حسانين أن المستثمرين باتوا يفضلون توجيه أموالهم إلى العقارات والذهب والأصول القادرة على حفظ القيمة وتحقيق عوائد سريعة، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مستقبل الاقتصاد الحقيقي وقدرته على جذب رؤوس الأموال نحو الإنتاج والتصنيع.

ويضيف أن مصر تمتلك عنصرين أساسيين من عناصر الإنتاج، هما الأرض والعمالة، بينما تظل المشكلة الرئيسة في عنصر التنظيم وكفاءة الإدارة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن رأس المال يتدفق بطبيعته إلى البيئات القادرة على توفير الاستقرار والوضوح والقدرة على تحقيق العائد.

ويذكر أن تحسين بيئة الأعمال يجب أن يسبق أي توسع في سياسات التخارج، عبر ضمان المنافسة العادلة وتقليل التعقيدات الإدارية وتعزيز الثقة بين الدولة والمستثمرين، بما يسمح ببناء قاعدة إنتاجية وتكنولوجية قادرة على تحقيق النمو المستدام.

ويحذر من استمرار الاعتماد على الأنشطة الريعية والعقارية دون تطوير القطاعات الإنتاجية قد يؤدي إلى تراجع دور الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد ويجعل النمو الاقتصادي معتمدًا على قطاعات محدودة لا توفر الأساس الكافي للتنمية طويلة الأجل وتحسين مستويات المعيشة.

ويذكر أن تقييم سياسات التخارج يجب أن يرتبط بقدرتها على تحقيق أهداف الاقتصاد الكلي، وعلى رأسها زيادة الناتج المحلي وتوليد فرص العمل والحد من الضغوط التضخمية، مشيرًا إلى أن هذه المعايير يجب أن تكون أساس الحكم على أي برنامج للتخارج من النشاط الاقتصادي.

ويضيف أن الدولة تمتلك فرصًا كبيرة في صناعات مثل الزجاج والزيوت والصناعات المعدنية وصناعة السيارات والصناعات المغذية لها، داعيًا إلى تبني نموذج يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص بدل الاكتفاء بسياسات التخارج أو البحث عن حلول مالية سريعة.

ويحذر من تغليب الاعتبارات المالية على الاعتبارات الاقتصادية الحقيقية، إذ يؤدي ذلك تآكل العوائد بفعل التضخم دون تحقيق تنمية مستدامة، حسب حسانين، مضيفًا أن “الفريضة الغائبة” في الاقتصاد هي بناء قواعد إنتاجية حديثة تعتمد على التعليم الفني والقطاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية والسياحة والصناعات التحويلية، معتبرًا أن التركيز على جذب العملة الأجنبية لا ينبغي أن يأتي على حساب تنشيط الطلب والإنتاج المحلي.

وهكذا، فإن تجربة بيع الأصول في الاقتصادات النامية لم تحقق النتائج المرجوة بسبب ضعف القاعدة الإنتاجية، كما أن الاقتصاد غير المنتج لا يستطيع المنافسة، كما أن نجاح أي سياسة لتحرير الاقتصاد يتطلب وجود قطاع إنتاجي قوي قادر على المنافسة محليًا ودوليًا، إضافة إلى ذلك، فإن بيئة الأعمال المصرية تعاني البيروقراطية والفساد والعقبات الإدارية واللوجستية، بينما لا بد من معالجة تلك المشكلات قبل الحديث عن نجاح الاستثمار الخاص المرتبط ببيئة أعمال فعالة.

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search