راتب الصيدلي أقل من موظف خدمة عملاء

بين تراجع فرص التكليف الحكومي وارتفاع أعداد الخريجين وضغوط التشغيل ومشكلات التسعير والتشريعات، يجد الصيدلي نفسه أمام خيارات تتجاوز حدود المهنة: العمل لساعات أطول، أو فتح مشروع يحتاج رأسمال، أو الجمع بين أكثر من وظيفة، أو البحث عن دخل أفضل بأي طريقة في زمن لا يرحم
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

لم يحتج المشهد أكثر من دقائق قليلة كي يبرهن على غرابته. رجل يرتدي ملابس عامل توصيل عليها شعار “طلبات”، يقود سكوتر كهربائي في شوارع القاهرة، يحمل طلبًا إلى أحد العملاء. جاء الرد سريعًا عندما عرف “مينا” أن شخصًا يصوّره بكاميرا الموبايل: “أنا دكتور صيدلي”.

يعاني الصيادلة في مصر صعوبات متداخلة، أبرزها تآكل رأس المال العامل للصيدليات الفردية والجمود التشريعي المصحوب بشلل مؤسسي ناتج عن فرض الحراسة القضائية على النقابة العامة للصيادلة في فبراير 2019.

في 13 فبراير 2019، قضت محكمة الأمور المستعجلة بفرض الحراسة القضائية على النقابة العامة للصيادلة إثر خلافات داخل مجلس النقابة، وتم تنفيذ الحكم فعليًا في 30 أبريل 2019 وتعيين حارس قضائي لإدارتها، ما أدى إلى تعطيل الانتخابات النقابية وغياب المظلة التفاوضية الشرعية لمراجعة قرارات التكليف الحكومي، أو التوصل إلى اتفاقيات ضريبية عادلة، أو إلزام الشركات ببنود القرار 499.

وتشير بيانات إلى أن عدد الصيادلة المقيدين نقابيًا يصل إلى 370000 صيدلي. وتضم مصر 74 كلية صيدلة، منها 23 فقط بجامعات حكومية، تخرج مجتمعة نحو 25000 سنويًا.

إلا أن وضع الصيادلة ليس بمعزل عن المهن الأخرى التي تعاني تدني أجورها. وحسب تصريحات، فإن متوسط أجور الصيادلة تتراوح بين 8000 و12000 جنيه، في ظل تسجيل التضخم السنوي الحضري 14.5% في أغسطس 2026.

مي عبد الصمد وهي صيلانية تخرجت في 2022، تقول لـ”زاوية ثالثة” إن راتب الصيدلي في المستشفيات الخاصة في 2024 تراوح بين 5500 و5800 جنيه شهريًا، حسب تجربتها في مستشفى خاص كبير، وتضيف أن ذلك الأجر كان مع امتلاكها سنة من الخبرة.

لم تتجه “مي” إلى العمل بالدعاية الطبية، حسب قولها، لتفضيلها العمل الإكلينيكي، موضحة أن نظام العمل اعتمد على شيفتات تمتد إلى 12 ساعة، من 8 صباحًا إلى 8 مساء أو من 8 مساءً حتى 8 صباحًا، وتصف ساعات بـ”مرهقة للغاية”، مدعية أنها كانت تقضي الشيفت كاملًا في العمل وقافة على قدميها.

أما رواتب المستشفيات الحكومية فإنها تدور حول 6000 إلى 6900 جنيه وقد تصل في المستشفيات الكبيرة إلى 7200 جنيه، حسب تجربة “مي” التي تعمل حاليًا بمستشفى حكومي، وتضيف أن العمل الحكومي لا يفرض نظام الورديات، ما يمنح الصيدلي مساحة أكبر لاستغلالها في العمل الحر أو في استكمال الدراسة.

تضيف أن العمل في الشركات قد يكون أكثر ربحية للصيدلي، ولكنه، حسب وصفها، لا يوفر له أي خبرة عملية وإنما يمنحه الخبرة التسويقية، مشيرة إلى أن الشركات خيار أفضل في جميع الأحوال من الناحية المادية فقط.

 

تخرج محمود علي في كلية الصيدلة عام 2021، بينما يتصور أن سنوات الدراسة الطويلة ستقوده إلى وظيفة بصيدلية أو شركة أدوية، لكنه اكتشف بعد دخول سوق العمل أن المعادلة مختلفة؛ فالوظيفة التي يحمل لها شهادة الصيدلة لا تمنحه الدخل الذي يتوقعه، بينما كانت الكيمياء التي درسها تفتح أمامه بابًا آخر أكثر مرونة.

اتجه “علي” إلى الدروس الخصوصية كما يشرح لـ”زاوية ثالثة”، ولم يعد يومه مرتبطًا بعدد الروشتات التي يصرفها أو ساعات وقوفه خلف “كونتر” الصيدلية؛ بل صار يشرح لطلاب الثانوية منهج الكيمياء، مستفيدًا من خلفيته العلمية.

أما رامي خالد الذي تخرج في كلية الصيدلة عام 2023، فقد توجه مباشرة لوظيفة “خدمة عملاء إنجليزي”، ليتلقى على مدار 8 ساعات يوميًا من العملاء الأجانب شكواهم في توصيلات أسلاك الدش واختلال بث القنوات الفضائية. 

“الشهادة لم تعد هي الأصل الأعلى قيمة” حسبما يقول “خالد” لـ”زاوية ثالثة”، ويضيف: “أنا أعمل بشركة كونسنتركس، ويصل راتب الأكونت الإنجليزي بها أكبر من أي راتب يتقاضاه زملائي الصيادلة”. لـ”خالد” أصبح الانتقال من المهنة إلى وظيفة أخرى قرارًا اقتصاديًا فقط.

“يحيى أمين” زميل “خالد” يعمل هو الآخر في خدمة عملاء إحدى البنوك. يقول “أمين” لـ”زاوية ثالثة” إنه لم يفشل في الصيدلة، ولكن الحسابات الاقتصادية اضطرته إلى اتخاذ هذا القرار، ولكنه يمارس المهنة عبر اشتغاله بعض الساعات ليلًا في إحدى الصيدليات. يضيف: أصبح عائد الوظيفة لا يتناسب مع سنوات التعليم.

بيزنسك الخاص يحتاج مالًا وحكومة لا ترفع الأسعار

أبرز التحديات التي تواجه الصيادلة حاليًا؛ ارتفاع تكلفة إنشاء صيدلية خاصة، كما يقول الصيدلي محمد عادل موضحًا أن الصيدلي حديث التخرج الذي لا يمتلك رأس مال كافيًا قد يجد صعوبة كبيرة في بدء مشروعه الخاص.

يقدر “عادل” أن تأسيس صيدلية متواضعة قد يتطلب نحو 500000 جنيه على الأقل، تشمل تجهيز المكان والتراخيص والأثاث والرفوف والإضاءة وغيرها من المصروفات الأساسية، وذلك قبل تكوين مخزون دوائي كبير.

وأدى ارتفاع تكلفة إنشاء الصيدلية إلى ظهور ترتيبات يلجأ فيها بعض المستثمرين إلى صيدلي لتسجيل الصيدلية باسمه أو تسجيله مديرًا لها، مقابل أجر شهري، حسب “عادل” موضحًا أن قيمة الأجر تختلف حسب المنطقة وطبيعة الاتفاق، وقد تدور في بعض الحالات حول 3000 جنيه شهريًا إذا كان دور الصيدلي يقتصر على تسجيل اسمه مديرًا دون العمل الفعلي داخل الصيدلية.

تغير أسعار الأدوية تحدٍ كبير للصيدليات، حسب “عادل” لأن الصيدلي قد يشتري الدواء بسعر جديد بينما لا يزال لديه مخزون على الرف بالسعر القديم، ما يخلق خسارة؛ إذ يضطر للبيع بالسعر القديم المدون على العبوة والشراء بالسعر الأعلى الجديد.

أما الصيدلي محمد شريف فيقول لـ”زاوية ثالثة” إن زيادات أسعار الدواء المتتالية تفرض واقع “البيع بسعرين” للصنف الدوائي الواحد داخل الصيدلية، ولكن بحكم الالتزام القانوني والتسعير الإجباري المدون على العبوة، يضطر الصيدلي لبيع المخزون القديم بالسعر المدون عليه، مما يمنعه من تحصيل القيمة الاستبدالية الفعلية للدواء، ويترتب عليه تآكل رأس المال العامل والسيولة النقدية اللازمة لإعادة شراء الكميات ذاتها بالسعر الجديد.  

من جانب آخر، حسب “شريف”، فإن الأدوية منتهية الصلاحية (الأكسباير) تستنزف السيولة النقدية، إذ تفرض شركات التوزيع والإنتاج شروطًا تعجيزية لاسترجاع المنتجات منتهية الصلاحية أو تماطل في قبول المرتجعات بآليات دورية منتظمة، رغم تبني هيئة الدواء المصرية مبادرات إرجاع الأدوية مثل مشروع “ووش أوت“، إلا أن العقبات التنفيذية الميدانية تحول دون استرداد قيمة هذه الأدوية المجمدة، ما يحول جزءًا من رأس المال إلى خسائر مادية مباشرة.   

كما تتفاقم أزمة الصيادلة الاقتصادية نتيجة المحاسبة الضريبية التقديرية، حسب “شريف”، حيث تحاسب مصلحة الضرائب الصيدلي على أساس خصم مصاريف تشغيلية بنسبة 7.5% فقط من إجمالي المبيعات، في حين أن التكاليف التشغيلية الفعلية (من فواتير كهرباء، ومياه، وأجور عمالة، وإيجارات، ورسوم حكومية) تتجاوز 20% من إجمالي المبيعات، وهذا الفارق يرفع الوعاء الضريبي صوريًا ويحمل الصيدليات أعباء مالية تفوق طاقتها.

ينظم القرار الوزاري رقم 499 لسنة 2012 هامش ربح الصيدلي، حيث حدد خصمًا على الأدوية المحلية يصل إلى 25% والأدوية المستوردة بنسبة 18%، غير أن شركات الإنتاج والتوزيع لا تلتزم ببنوده، وتطالب المصانع والشركات بتعديل القرار لخفض هامش الربح إلى 23% للمحلي و15% للمستورد، بل واستقطعت الشركات نسبة 5% من الخصم المقرر واحتسبتها لأرباحها الخاصة.

يتعامل الصيدلي عادة مع مصدرين رئيسيين لتوريد الأدوية: شركات الأدوية والمخازن، حسب “عادل”، ويوضح أن الفارق الأساسي بينهما يظهر في نسب الخصومات وتوافر الأصناف، حيث إن خصومات الشركات تدور في أغلب الحالات حول 25%، وقد تنخفض إلى 18% أو 16%، بينما تقل نسب أصناف معينة مثل الألبان والإنسولين.

تمنح بعض المخازن خصومات أعلى حسب الصنف، كما يقول “عادل”، تصل إلى 30% أو 32% أو 35%، بينما يمكن أن ترتفع في بعض الأصناف إلى 50% و60% وحتى 70%، وفقما يذكره من واقع تجربته. 

ويضرب “عادل” مثالًا بصنف سعره 100 جنيه من أنواع المنشطات الجنسية، مشيرًا إلى أنه يحصل عليه من أحد المخازن مقابل 30 جنيهًا، أي بخصم 70%. يشرح الصيدلي أن الاعتماد على الشركات وحدها يجعل هامش ربح الصيدلية محدودًا، خصوصًا عندما يضطر الصيدلي إلى تقديم خصومات للعميل لجذب المبيعات.

“إذا حصل الصيدلي على خصم 25% من الشركة، ثم قدم للعميل خصمًا قدره 10%، يتبقى له هامش يبلغ 15% فقط قبل خصم الإيجار والكهرباء والمياه ورواتب العاملين والضرائب والهالك”، كما يقول “عادل”، ويضيف أن الأمر لا يتوقف عند هامش الربح، إذ تتحمل الصيدلية أيضًا تكلفة الأدوية منتهية الصلاحية أو التالفة.

يعطي “عادل” مثالًا على صيدلية متواضعة تحقق مبيعات شهرية تبلغ 100000 جنيه، مشيرًا إلى أنه إذا كان هامش الربح 25%، فإن إجمالي الربح يصل إلى 25000 جنيه، لكن هذا المبلغ ينخفض بمجرد خصم أجور العاملين والإيجار والمرافق والنظافة والإنترنت وغيرها من المصروفات التشغيلية.

وحسب المثال الذي يطرحه “عادل”، تصل أجور العمال إلى نحو 8000 جنيه شهريًا، مع إيجار في حدود 4000 جنيه في مكان متواضع، ثم تضاف إليها تكلفة الكهرباء التجارية بـ1500 جنيه والمياه بـ200 جنيه والإنترنت بـ700 جنيه وعاملة النظافة بـ3000 جنيه ومستلزمات النظافة بـ500 ومستلزمات النظافة، قبل الوصول إلى الضرائب وبقية الالتزامات، مشيرًا إلى أن ما يتبقى من  25000 جنيه قد يتجاوز بالكاد 5000 جنيه، وذلك دون حساب أجر مدير الصيدلية. “تلك الحسبة تُلجأ الصيادلة إلى طلب الأدوية من المخازن” كما يقول “عادل”. 

عمرو الشامي وهو صيدلي شاب، يقول لـ”زاوية ثالثة” إنه يتقاضى نظير تسجيله -على الورق- مديرًا لصيدلية بمكان متواضع نحو 3000 شهريًا، ولكنه يعمل في الوقت ذاته بسلسلة صيدليات شهيرة بالساعة، ولا يتجاوز أجره الشهري 10000 جنيه. 

“الشامي” يقول إن أزمة الصيادلة الشباب تزيد مع تراجع فرص التكليف الحكومي، بعدما كان الخريج يعتمد عليه كمسار شبه مضمون للانتقال من الدراسة إلى العمل، بما يوفر له وظيفة ومزايا مرتبطة بها. 

ومع غياب مسار التكليف الحكومي، أصبح الصيدلي أمام خيارات أكثر صعوبة، من بينها العمل في صيدلية خاصة أو فتح صيدليته إذا امتلك رأس المال، أو الجمع بين أكثر من وظيفة، حسبما يقول “عادل”.

ويعتمد العمل في الصيدليات الخاصة على نظام الأجر مقابل ساعات العمل، حيث يستطيع الصيدلي زيادة دخله عبر زيادة عدد الساعات أو العمل في أكثر من وردية، كما يقول “عادل”، مشيرًا إلى أن بعض الصيادلة قد يضطرون إلى الانتقال من المناطق الأقل دخلًا إلى الأماكن الأكثر رقيًا بحثًا عن فرص ورواتب أفضل.

بين قانونين.. الدواء فيه سم قاتل

تُدار مهنة الصيدلة بقانون قديم، كما يقول “شريف”، ويضيف: رغم ورود بعض التعديلات القانونية والقرارات المنظمة عبر العقود المتلاحقة إلا أن النص الحالي يواجه صعوبة في مواكبة التحولات التجارية والحجم الفعلي للسوق الدوائية حديثًا.   

والقانون رقم 127 لسنة 1955 هو التشريع الأساسي المنظم لمهنة الصيدلة والمحدد لقواعد العمل داخل المؤسسات الصيدلية.

كما أن قضية الحقن داخل الصيدليات تبرهن على التعارض بين العرف الخدمي الميداني والنصوص الجنائية التنظيمية، حسب “شريف”، فعلى مدى عقود، اعتاد المواطنون الحصول على خدمة الحقن العضلي وتحت الجلد داخل الصيدليات كخدمة مجتمعية سريعة تخفف الضغط عن مستشفيات الطوارئ.

وبعد عدة حوادث بعد قوع حالات صدمة تحسسية حادة لبعض المرضى جراء حقن مركبات دوائية كالمضادات الحيوية أدوا إلى الوفاة، تم تحريك دعاوى جنائية ضد صيادلة بتهم القتل الخطأ وممارسة مهنة الطب بدون ترخيص، ما أدى إلى إصدار قرارات رسمية بمنع إعطاء الحقن بجميع أنواعها داخل الصيدليات لتفادي المسئولية الجنائية.

مصطفى مجدي وهو صيدلي، يقول لـ”زاوية ثالثة” إن انتشار تطبيقات توصيل الأدوية عبر الموبايل مثل “شفاء” و”يداوي” و”دوا مصر” و”دوا بلس” و”طلبات”، تقدم خدمات ربط المريض بالصيدليات القريبة وتتيح رفع صور الروشتات وصرف أدوية التأمين الطبي وتسهيل التوصيل للمنازل.

ولكن تفرض تلك المنصات نسب خصم وعملات وساطة على الصيدليات المتعاقدة معها، ما يقتطع جزءًا من هامش ربح الصيدلية لصالح التطبيق، حسب “مجدي”.

ويحظر قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955 بيع أو الوساطة في بيع الأدوية خارج المؤسسات الصيدلية المرخصة، وتعتبر الكيانات النقابية أن التعامل مع هذه التطبيقات يعد تجارة إلكترونية غير مقننة تتجاوز المسئولية المباشرة للصيدلي المدير عن صرف وتداول الدواء.   

ختامًا، كيف ينفق شاب سنوات من عمره ليتعلم مهنة ثم يكتشف أن أفضل طريقة للعيش قد تكون في ألا يمارسها؟ تكشف شهادات الصيادلة عن اضطرارهم للبحث عن مصادر دخل تكفيهم، في ظل ارتفاع تكلفة تأسيس صيدلية وتآكل رأس المال العامل نتيجة تغير أسعار الأدوية ومشكلات المرتجعات والأدوية منتهية الصلاحية بجانب المصروفات التشغيلية والضرائب.

لا يجد الصيادلة رفاهية إنشاء صيدليات خاصة بعد فقد ميزة التكليف الحكومي ففعلوا مثل “مينا” الذي اضطر للعمل في توصيل الطلبات بعد غلق صيدليته الخاصة -التي ورثها عن والده- لتراكم ديونها، بينما اتجه إلى “الدليفري” لكسب قوت يومه. 

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search