الدواء الأغلى في العالم: مرضى ضمور العضلات بين قرار سيادي وسباق التريند

حملة تبرعات للطفل يوسف مدحت جمعت 173 مليون جنيه في 15 يومًا ليتلقى علاجًا جينيًا بـ3 ملايين دولار في قطر، لكن 30 طفلًا آخر ينتظرون التريند ذاته، وأب حصل على حكمين قضائيين بعلاج ابنه لم تنفذهما الوزارة، وصندوق الأمراض النادرة الذي أنشأه القانون لم يُفعَّل.
Picture of ياسمين علي

ياسمين علي

شغلت قصة الطفل يوسف مدحت، المريض بضمور العضلات من نوع «دوشين» ويحتاج إلى سرعة الحصول على حقنة جينية قيمتها نحو 150 مليون جنيه (3 ملايين دولار)، الرأي العام خلال شهر أغسطس الماضي، حتى إن حملة التبرعات التي فُتحت باسمه جمعت أكثر من 173 مليون جنيه خلال 15 يومًا فقط، بعدما تصدرت مواقع التواصل الاجتماعي ودعمها مشاهير، ما أكسبها تعاطفًا إنسانيًا كبيرًا أنجز مهمة جمع مبلغ ضخم في أيام معدودة.

وبعد إعلان وزارة التضامن الاجتماعي، المسؤولة عن إدارة حسابات الحملة، إغلاق الحسابات بعد النجاح في جمع مبلغ يفوق المطلوب بأكثر من 20 مليون جنيه، ظهرت أسئلة كثيرة، بعضها يتعلق باستفسارات حول: هل تلقى الطفل العلاج؟ وأين ذهبت الأموال الزائدة عن المطلوب؟ وأخرى متشككة مثل: هل الطفل فعلًا مريض ويحتاج إلى الحقنة المشار إليها؟ وهل العلاج سيجدي نفعًا مع الحالة وحاصل على التراخيص اللازمة؟

ومن بين الأسئلة التي طرحتها الحملة أيضًا ما جدوى جمع مبلغ ضخم يعادل 3 ملايين دولار لعلاج طفل واحد، في حين أن هذا المبلغ قد يُعالج آلاف الأطفال من أصحاب الأمراض الأخرى، وسؤال آخر حول ما إذا كان لا بد أن يتحول المريض إلى «تريند» كي يحصل على حقه في الصحة، وماذا عن غير القادرين على تسويق حالاتهم؟

هذه الأسئلة، المشككة في مصير أموال التبرعات والمتسائلة عن جدوى العلاج، أثارت حالة من القلق لدى المواطنين حول تبرعاتهم ومدى استحقاق الحالات التي اختاروا التبرع لها، وفي الوقت ذاته تلاعبت بآمال كثير من أهالي أطفال ضمور العضلات الذين انتهجوا نهج الطفل يوسف ويسابقون الزمن لجمع تكلفة الدواء الأغلى في العالم من خلال التبرعات، خاصة أن هذا النهج كان مرفوضًا، قبل الطفل يوسف، من متخذي القرار في الدولة لاعتبارات عدة.

قصة يوسف تقود لوقفة أمام رئاسة الجمهورية

منذ ست سنوات، ومع بداية ظهور الأعراض الأولى على الطفل محمد، نجل أحمد عوض الذي فقد أمه بينما عمره لا يتجاوز عامًا ونصف العام، بدأ الأب في البحث عن أسباب تراجع النمو الحركي لنجله الذي بدأ حياته طبيعيًا، ومع بلوغه سن الثلاث سنوات بدأت تظهر عليه أعراض ضعف في الحركة، حتى تبين له بتكرار الفحوص أنه مصاب بضمور العضلات الدوشيني.

وكما يروي عوض لـ«زاوية ثالثة»، فإنه في ذلك الوقت لم يكن هناك علاج نهائي للحالة، فقط بعض الإجراءات التي تحد من تقدم المرض مثل العلاج الطبيعي والمائي وجرعات الكورتيزون، ثم ظهر لاحقًا دواء «إليفيديس Elevidys» الجيني ذو الجرعة الواحدة في العمر، لكن الصدمة أصابته عندما علم أن تكلفته تصل إلى نحو 150 مليون جنيه (3 ملايين دولار).

ومن هنا بدأت رحلة الأب لتوفير العلاج لابنه، خاصة بعدما عرف أنه يشترط للحصول عليه أن يكون الطفل لا يزال قادرًا على الحركة، وكان ابنه الذي بلغ ست سنوات لا يزال قادرًا، فبدأ تقديم استغاثات لكل من بيده مسؤولية في الدولة، بدايةً من الجهات الحقوقية كالمجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للأمومة والطفولة، ووزارة الصحة ورئاسة مجلس الوزراء، لكن دون جدوى، فقرر انتهاج الطريق القانوني ورفع قضية اختصم فيها وزارة الصحة ورئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، وحصل على حكم قضائي بأحقية الطفل في توفير العقار.

وبعد الحكم القضائي واجه الأب مشكلة أخرى، تمثلت في رفض اللجنة العليا لمرض ضمور العضلات بوزارة الصحة التنفيذ، معللةً ذلك بأن العلاج غير مناسب لحالة الطفل ويسبب الوفاة، فاتجه الأب مرة أخرى للقضاء لامتناع الوزارة عن تنفيذ الحكم، وحصل على حكمٍ ثانٍ، والآن صار محمد ذا تسع سنوات، وبدأت تظهر عليه علامات التأخر الحركي التي تحول دون حصوله على الدواء الجيني.

وبعد كل هذا فوجئ الأب بفتح حساب لجمع تبرعات للطفل يوسف، وتساءل متعجبًا: «إذا كان سبب رفض توفير العلاج أنه غير مناسب ويسبب الوفاة، فكيف تمت الموافقة للطفل بفتح حساب؟»، وبدأ الأب وغيره من أولياء الأمور البحث عن سبب فتح طاقة أمل أمام طفل بينما أطفالهم يموتون ببطء، حتى علموا أن السماح بجمع تبرعات بمبالغ كبيرة لا بد له من قرار سيادي: «في التأمين الصحي قالوا لنا إن لائحتهم لا تسمح بتوفير علاج يتجاوز سعره المليون جنيه، وبعدها يُرفع الأمر لوزارة الصحة التي تقف صلاحياتها عند حدود العشرة ملايين، بعدها يُرفع الأمر لرئاسة مجلس الوزراء ثم رئاسة الجمهورية».

وكانت هذه المعلومة سببًا دفع مجموعة تضم نحو 20 أسرة من ذوي مرضى ضمور العضلات للذهاب بطلباتهم إلى قصر الاتحادية الرئاسي، وفقًا لأحمد عوض: «هناك لم نستطع الوصول حتى إلى باب القصر، حيث بادرتنا قوات الأمن التي أخذت منا الأوراق ووعدتنا بتوصيلها، لكن الأمر كان صعبًا على بعض الأمهات اللاتي كنّ ينتظرن أن يجلس معهن أحد المسؤولين ويسمع معاناتهن اليومية مع أولادهن، فوقفن أمام القصر وبدأن البكاء، حتى تم التحفظ على بعض المتجمعين كنوع من التهديد، ثم تركونا مرة أخرى مؤكدين أنه سيتم توصيل الطلبات وبحثها، لكن بشكل عام كان هناك تعاطف معنا، خاصة مع حضور أطفالنا الذين تبدو عليهم علامات المعاناة».

 الدولة تدير الحسابات

يؤكد محمود فؤاد، المحامي الحقوقي ومدير المركز المصري للحق في الدواء، لـ«زاوية ثالثة»، أنه في مصر لا مجال للتشكيك في عمليات جمع التبرعات، فتحريك الأموال صار إجراءً صعبًا ومعقدًا ويقع بالكامل تحت إشراف الدولة، مشيرًا إلى أن الأفراد الذين تُجمع التبرعات من أجلهم لا تصل أيديهم إليها تمامًا، بدايةً من فتح الحساب وانتهاءً بنجاح حملة التبرعات في جمع المبلغ والحصول على الدواء.

ويوضّح فؤاد أن عملية فتح حساب لجمع تبرعات لعلاج مرض ما تمر بمراحل عدة، حيث يتجه ذوو المريض إلى وزارة التضامن الاجتماعي لطلب فتح حساب، وبدورها تحوّله إلى وزارة الصحة ثم إلى لجنة عليا خاصة بالمرض تشخّص الحالة بدقة وتحدد مدى استحقاقها للحصول على العلاج، وتعود وزارة الصحة إلى وزارة التضامن الاجتماعي مؤكدةً استحقاق الطفل للعلاج وتوافره، بعدها ترسل التضامن الحالة إلى الأمن العام الذي يستعلم عن الطفل وذويه ويتأكد من عدم وقوف أي منظمات إرهابية خلف الطلب أو أي قضايا أخرى، ويعود إلى وزارة التضامن الاجتماعي بالموافقة لتبدأ الأخيرة إجراءات فتح الحساب، سواء في بنك وطني أو من خلال آليات التحصيل الأخرى مثل خدمات «كاش» أو «فوري»، وتعطي ذوي المريض أرقام الحسابات.

ويتابع أنه بعد ذلك يتولى ذوو المريض حملات الدعاية للتبرع، سواء من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أو المنشورات أو أي طريقة تخطر لهم على بال، وفي حال استكمال المبلغ يغلق البنك الحساب ويرسل إخطارًا لوزارة التضامن الاجتماعي، التي تراسل وزارة الصحة لتحويل الأموال واستيراد العلاج، ثم يُخطَر المواطن بأنه تم استيراد الدواء وعليه الذهاب إلى المستشفى المحدد للحصول عليه. ويعقّب فؤاد: «كل هذه الإجراءات تتم بعيدًا عن المواطن تمامًا، حيث لا يملك سوى الانتظار حتى اكتمال مبلغ التبرعات والذهاب إلى المستشفى للحصول على العلاج فقط، ولا يصل إلى يده قرش واحد من الأموال».

وهو ما أكده الدكتور أيمن عبد الموجود، وكيل وزارة التضامن، في تصريح تليفزيوني، مشيرًا إلى أن القانون رقم 149 لسنة 2019 المنظم للعمل الأهلي يضم مادة منظمة لجمع التبرعات لغرض أهلي أو خيري للأشخاص الاعتبارية أو الفردية، وأن حالة الطفل يوسف التي جمعت مبلغ التبرعات خضعت لجميع الإجراءات المنظمة لفتح حساب لجمع التبرعات والحصول على الدواء تحت إشراف الوزارة.

وتؤكد شريفة مطاوع، رئيس الجمعية المصرية لمرضى ضمور العضلات، لـ«زاوية ثالثة»، ما قاله مدير المركز المصري للحق في الدواء، مشيرةً إلى أن جمع التبرعات لا يكون بـ«جرة قلم»، ولا يمكن لأي مواطن فتح حساب لجمع تبرعات من تلقاء نفسه، لكن الأزمة أن هذه الإجراءات، رغم كونها في صالح المريض، تستغرق وقتًا طويلًا للغاية قد يؤدي إلى فوات فرصة العلاج في حال تدهور الحالة.

وأضافت أن هناك عدة مشكلات تواجه أولياء الأمور فيما يتعلق بمرض ضمور العضلات، أولها عدم وجود مستشفى متخصص في مصر لمرض ضمور العضلات، وبالتالي لا يوجد أطباء كافون متخصصون في المرض، خاصة حال تعرض أي حالة لأعراض طارئة، كما أن غياب المستشفى يجعل عمليات جمع التبرعات شاقة وذات خطوات كثيرة ومتتابعة، بخلاف ما لو كان هناك مستشفى واحد يجمع التبرعات ويحدد المرضى المستحقين ويوفر لهم الدواء.

أما المشكلة الثانية فتتمثل في آلية تعامل الدولة مع التبرعات في حالة إغلاق الحساب قبل اكتمال المبلغ المحدد، أو زيادة المبلغ عن الحد المطلوب كما في حالة الطفل يوسف، أو النجاح في جمع المبلغ لكن مع تدهور الحالة التي جُمع من أجلها بحيث لم يعد ممكنًا حصولها على العلاج، وتوضح شريفة أنه في كل هذه الحالات لا تذهب الأموال لمرضى ضمور العضلات، وإنما يتم توجيهها لصالح صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، بحسب القانون. وتعقّب: «وفقًا للقانون يُفتح حساب جمع التبرعات لصالح المريض لمدة عام مع إمكانية التمديد لعام ثانٍ، وعلى سبيل المثال إذا جُمع 149 مليون جنيه من أصل الـ150 مليون جنيه، لا يحصل الطفل على العلاج، ويتم توجيه الأموال للصندوق المشار إليه».

ووفقًا للمادة 65 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، فإنه «تؤول إلى صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية الأموال التي تتبقى بعد تحقق الغرض من الجمع، أو تعذر تحققه، ما لم يتضمن التصريح الصادر في هذا الشأن الجهة التي تؤول إليها هذه الأموال».

وبحسب رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لمرضى ضمور العضلات، فإن المشكلة الثالثة تتمثل في احتياج المريض للتحول إلى «تريند» على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتمكن من جمع الأموال، الأمر الذي يتعارض كليًا مع الحق في الصحة، فهناك كثير من الحالات التي تحتاج العلاج لكنها لا تعرف سبيلًا للانتشار بين الناس: «هناك أكثر من 30 طفلًا حاليًا مفتوح لهم حسابات، وذووهم يحاربون للوصول للتريند».

ولفتت إلى أن الطفل يوسف مدحت يعد الطفل الأول الذي نجح في جمع المبلغ الخاص بشراء الحقنة الجينية التي يصل سعرها إلى 3 ملايين دولار، لكن هناك أطفالًا آخرين يسعون لجمع الأموال دون جدوى، وأطفالًا يجمعون تبرعات للحصول على دواء مثبت للحالة سعره يقل عن الحقنة الجينية، لكنه يؤخذ بشكل سنوي، ما يعني حملة تبرعات كل سنة، وهو أمر شاق للغاية. وبحسب محامية الطفل يوسف، سافر الطفل إلى دولة قطر لتلقي العلاج الجيني.

وتابعت شريفة مطاوع أن هناك حالة ثانية لطفل فتحت له إحدى الجمعيات بالمنوفية حسابًا لجمع التبرعات، لكن المبلغ لم يتجاوز 42 مليون جنيه، ولم يصرف منها جنيهًا واحدًا؛ نظرًا لحصوله على دعم كامل من دولة قطر وسفره للحصول على العلاج هناك بهذا الدعم: «الحالات معروفة ونتابعها، وحتى حالات جمع التبرعات لشراء الدواء المثبت للحالة نعرفها، وتفتح حسابًا كل عام».

ويتابع أحمد عوض، والد الطفل محمد، أنه تم الآن فتح حسابات للعديد من المرضى، لكن من يستطيع جمع 150 مليون جنيه؟ وحتى المتبرعون كيف يختارون من يتبرعون له؟ وهل يصمد الأطفال المرضى أمام الوقت؟: «تأخر الإجراءات يعني حكمًا بالموت البطيء على أبنائنا، فنحن كل يوم نستيقظ فيه نفتش فيهم لنرى ما الذي فقدوه من قدراتهم»، مشيرًا إلى أنه غير مقتنع بفكرة إنشاء حسابات تبرع لأنها تستغرق وقتًا ولا تصل للمبلغ المطلوب دون حملات دعاية قوية غير متوفرة لدى كثيرين، وإذا أُغلقت الحسابات قبل استكمال المبلغ يُحوَّل إلى وزارة التضامن الاجتماعي: «كأننا نجمع لهم».

150 مليون جنيه لطفل أم نوزعها على أطفال؟

يؤكد الدكتور علاء غنام، خبير السياسات العلاجية ومسؤول وحدة الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لـ«زاوية ثالثة»، أن جميع المرضى لهم حق في العلاج على حد سواء، وأن ارتفاع تكلفة العلاج ليس مبررًا لتركهم يعانون، والأفضل عدم ترك المرضى يسعون بأنفسهم لجمع تكلفة علاجهم، بل أن تعيد الدولة رسم ضوابط توفير العلاج من خلال صندوق الأمراض النادرة الذي أُنشئ بالفعل، ليمثل مظلة تشمل كل المرضى، بدلًا من أن تكون محاولات النجاة فردية.

وفي عام 2024، صدر القانون رقم 5 بشأن إضافة الأمراض النادرة والوراثية لصندوق مواجهة الطوارئ الطبية الذي أُنشئ بموجب القانون رقم 139 لسنة 2021، ويستهدف المساهمة في تكاليف حالات الكوارث والطوارئ الطبية وعلاج الأمراض الوراثية والنادرة والأزمات والأوبئة.

كذلك تؤكد شريفة مطاوع أن الدواء حق والمتلقي مريض، وأن الدستور المصري كفل للجميع الحق في العلاج والرعاية، وبالتالي لا يجب تناول أمر العلاج بمنطق «ما الأولى؟ إنفاق مبلغ كبير لمريض واحد، أم تقسيمه على عدد أكبر من المرضى بأمراض أخرى»، ففي النهاية مريض ضمور العضلات ليس ذنبه أنه أصيب بمرض نادر وتكلفة علاجه مرتفعة.

وتنص المادة 18 من الدستور المصري على: «لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية. وتلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطي كل الأمراض، وينظم القانون إسهام المواطنين في اشتراكاته أو إعفاءهم منها طبقاً لمعدلات دخولهم. ويجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة».

وبالنسبة لمدى كفاءة الأدوية المتاحة لمرض ضمور العضلات، تقول شريفة إن علاج ضمور العضلات مثله مثل أي علاج، تتفاوت استجابة المرضى له وفق كل حالة، لكنه يمثل أملًا في أن يصبح مرض «دوشين» قابلًا للعلاج وليس فكرة ميئوسًا منها.

ومرض ضمور العضلات من نوع «دوشين» هو مرض وراثي نادر يتميز بطفرة في جين «الديستروفين»، ويتسبب في ضعف وتلف عضلات الجسم تدريجيًا، ويؤدي في النهاية إلى الوفاة. ويصيب «دوشين» طفلًا واحدًا من بين 3500 إلى 5000 مولود ذكر حول العالم، مع الإشارة إلى أن هناك حالات ظهرت تعاني من «دوشين» وليس لها تاريخ وراثي، كما ظهرت حالات لإناث، يقول أحمد عوض: «في مجموعتنا التي نتواصل معها لدينا ثلاث فتيات تم تشخيصهن بمرض ضمور العضلات، لكن الأبحاث العلمية التي تعتمد عليها اللجان الطبية لا تزال تقصر الإصابة على الذكور فقط».

وتوضح شريفة مطاوع أن مرض ضمور العضلات له أكثر من 60 نوعًا، لكن نوعي «دوشين» و«الشوكي» هما اللذان بدأ يظهر لهما عقاقير علاجية.

في المقابل، يقول الباحث في ملف الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الدكتور أيمن سبع، إن القرارات المتعلقة بالصحة في غاية الصعوبة، ولا يمكن أن تحكمها المشاعر فقط، موضحًا أنه بالنسبة لمرض ضمور العضلات هناك ثلاثة تساؤلات تتعلق بالأمر، الأول هو: هل العلاج عالي التكلفة فعال ومعتمد ويناسب كل حالات «الدوشين»؟، موضحًا أن العلاج إذا كان فعالًا فهنا يكون الحصول عليه حقًا في الصحة، أما إذا لم يكن كذلك، وهو ما ينطبق في تقديره على الحقنة الجينية مرتفعة التكلفة، فالدولة تتردد في كفالة العلاج وتفكر بمنطق «أعالج طفلًا واحدًا بـ150 مليون جنيه، أم أعالج 150 ألف طفل مصاب بأمراض شائعة بالمبلغ نفسه؟»، معقبًا: «التفكير بهذا المنطق فقط يكون في حالة عدم ثبات فاعلية الدواء».

وأضاف سبع لـ«زاوية ثالثة» أن الحقنة الجينية ليست معتمدة كبروتوكول علاجي في كثير من البلدان، ومن بينها مصر، وأن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA علّقت توزيعه في وقت من الأوقات، متابعًا أن هناك حالات «دوشين» لا يصلح معها هذا العلاج الجيني، إلا أنه يصعب على أولياء الأمور تقبّل هذه الفكرة، فيسعون للحصول على العلاج بأي طريقة، لكن المسألة ليست مسألة أمل فقط. وتوثّق هذه المادة لاحقًا الوضع التنظيمي الدقيق للدواء، إذ حصل على اعتماد الـFDA مع قيود وتحذيرات مشددة، لا سحب كامل.

ويتسابق مرضى ضمور العضلات من أجل جمع تكلفة دواء باسم Elevidys، وهو أول علاج جيني مصمم خصيصًا لعلاج مرض ضمور العضلات «دوشين»، وهو عبارة عن جرعة واحدة تُعطى للمريض عن طريق الحقن الوريدي، لتمكين الجسم من إنتاج شكل مختصر من بروتين «الديستروفين Micro-dystrophin» الذي يفتقده مرضى دوشين، وبالتالي يساعد على حماية العضلات من التدهور والضمور ويبطئ تطور المرض.

وأعطت إدارة الدواء والغذاء الأمريكية FDA هذا الدواء موافقة مبدئية في يونيو 2023، بشرط إعطائه للأطفال القادرين على المشي في المرحلة العمرية من أربع إلى خمس سنوات، وفي يونيو 2024 وسّعت الـFDA الموافقة لتشمل كل مرضى دوشين من عمر أربع سنوات، بشرط عدم وجود طفرات جينية معينة تعارض الدواء.

لكن في عام 2025 واجه العقار تعليقًا مؤقتًا للتوزيع، نتيجة تسجيل حالات وفاة ناتجة عن فشل حاد في الكبد لدى بعض المرضى، وبعد إجراء بعض التحقيقات والتجارب، جرى استئناف توفير الدواء للمرضى القادرين على المشي فقط، بينما سُحب ترخيصه للمرضى غير القادرين على المشي. كما ألزمت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية الشركة المصنعة بإضافة «تحذير الصندوق الأسود»، وهو أشد التحذيرات الدوائية، على عبوة الدواء، تحذيرًا من مخاطر الفشل الكبدي الحاد المميت، مع تجديد بروتوكولات وفحوص دورية مشددة لوظائف الكبد قبل تلقي العلاج وبعده.

كما أوصت الـFDA مقدمي الرعاية الصحية بتوجيه المرضى بضرورة البقاء على مقربة من منشأة رعاية صحية مناسبة، وفقًا لما يحدده مقدم الرعاية الصحية، لمدة لا تقل عن شهرين بعد تلقي العقار، ما يشير إلى أن تكلفة الحصول على هذا العقار لا تتمثل في سعره فقط.

ورغم إتاحة الدواء في أمريكا للمرضى القادرين على المشي تحت مراقبة طبية وشروط سلامة صارمة، وتوفره أيضًا بعدد محدود من البلدان من بينها بعض دول الخليج كالإمارات وقطر والكويت والبحرين، فإنه لم يحصل على اعتماد من هيئة الدواء المصرية بعد.

ويمثل ارتفاع سعر الدواء ليتجاوز 3 ملايين دولار تحديًا أساسيًا أمام انتشاره وإتاحته للمرضى، إضافة إلى استمرار إجراءات التقييم السريري.

وإلى جانب العلاج الجيني، هناك علاج آخر يصفه المرضى بـ«المثبت»، حيث يحد من تدهور الحالة، وهو دواء «دوفيزات Duvyzat»، المعتمد في الولايات المتحدة منذ عام 2024، والمثبت علميًا لعلاج حالات محددة من مرض ضمور العضلات «دوشين» لدى المرضى من عمر ست سنوات فما فوق، القادرين على المشي.

ورغم كونه ليس علاجًا نهائيًا، فإنه يعمل كمثبط للإنزيمات، ما يساعد على تقليل الالتهاب والتليف وتراكم الدهون في العضلات، ويحفز تجدد ألياف العضلات وإصلاحها، ما يسهم في إبطاء تدهور القوة العضلية للمريض. ويمثل هذا الدواء علاجًا مزمنًا للمرض، يبلغ متوسط تكلفته السنوية نحو 700 ألف دولار، ما يجعله أكثر تكلفة من الدواء الجيني الذي يُعطى لمرة واحدة فقط، بينما يضطر المرضى الذين يحتاجون الدواء المثبت لفتح حسابات للتبرعات بشكل سنوي في محاولة لجمع المبلغ الذي يعادل نحو 35 مليون جنيه مصري، وهو أمر صعب للغاية.

ولفت أحمد عوض إلى أنه أقام دعوى قضائية ثالثة للحصول على العلاج المثبت، بعدما بدأ ابنه يفقد القدرة على الحركة ولم يعد العلاج الجيني مناسبًا له، وحصل على حكم لم يُنفَّذ بعد، والآن أمامه خيار جمع التبرعات، مضيفًا: «فتح حساب لجمع تبرعات لهذا الدواء مهمة شقاؤها أكبر من جمع مبلغ العلاج الجيني النهائي، لأن هذا الحساب لا بد من تجديده سنويًا».

ويفكر أحمد عوض: هل يسير على نهج من فتحوا حسابات للتبرعات ويرقب قدره، أم يستمر على العلاجات المتوفرة لابنه محمد كالعلاج الطبيعي والمائي؟: «حتى هذا العلاج عالي التكلفة، فأنا أقيم بمحافظة الفيوم، وللسفر إلى القاهرة أحتاج سيارة خاصة، ثم مجموعة من الأشعة والتحاليل والعلاجات، وقد تتراوح التكلفة في المرة الواحدة بين 5 و10 آلاف جنيه، وهو أمر صعب على كثير منا، فغيري لديه ابنان وثلاثة أبناء مصابون بالمرض نفسه، وكنوع من التكافل قد يساعد بعضنا بعضًا في حال تعثر أحدنا عن سداد تكلفة علاج أبنائه».

أما السؤال الثاني الذي طرحه الدكتور أيمن سبع، الباحث في مجال الصحة، فهو: في حالة وجود مريض تنطبق عليه شروط الحصول على العلاج غالي الثمن، هل لهذا العلاج بدائل فعالة ومتوافرة؟ أم أنه العلاج الوحيد المتاح؟ موضحًا أن بعض حالات ضمور العضلات لها علاجات تكفلها الدولة بتكلفة أقل بكثير، لكنها علاجات دورية وليست مرة واحدة فقط مثل العلاج الجيني.

ويتابع الباحث في مجال الصحة أن السؤال الثالث الذي يفرض نفسه: لماذا لا تكفل الدولة العلاج عالي التكلفة حال ثبوت فاعليته؟ هل لارتفاع تكلفته؟ وهل هناك قدرة على التعاقد على أسعار منطقية أو تصنيع الدواء محليًا؟ وما الحل إذا لم تتوفر هذه القدرة؟ ليجيب أنه في هذه الحالة يأتي دور صندوق التبرعات الذي لا يجب أن يعمل بشكل فردي على الإطلاق.

وأوضح أن صناديق التبرعات الفردية تقف عائقًا كبيرًا أمام تحقيق العدالة في توزيع الأموال وعلاج المرضى، حيث يتوقف الأمر على من لديه القدرة على تدشين الحملات وإدارة التسويق واستعطاف مشاعر الناس، ولا يجب أن يكون الحق في العلاج مرتبطًا بمن استطاع الاستعطاف أكثر، وكل هذا يمثل انتهاكًا للحق في الصحة، وسوء إدارة لموارد الدولة والمواطنين.

لماذا لا يوجد مستشفى ولا صندوق تبرعات؟

اتفقت جميع المصادر التي تحدثت إليها «زاوية ثالثة» على أهمية إنشاء مستشفى لمرضى ضمور العضلات، يتخصص ويتعمق في تفاصيل المرض والحالات المختلفة له، وفي الوقت ذاته يجمع التبرعات من أجل المرضى، ويوزعها بشكل عادل يضمن حصول الجميع على فرص متساوية في العلاج، وفي حال جمع مبلغ معين لحالة تدهورت قبل تلقي العلاج، تذهب الأموال لحالة أخرى، لا لوزارة التضامن الاجتماعي.

وأوضحت شريفة مطاوع أن هناك أفكارًا عديدة لدعم مرضى الضمور العضلي، كتخصيص قطعة أرض لبناء مستشفى تتولى الجمعيات الأهلية إنشاءها، على غرار مستشفى 57357 أو مستشفى الدكتور مجدي يعقوب أو مستشفى الحروق وغير ذلك، لتوفير العلاج لجميع الأطفال والكبار، وإجراء الأبحاث، وتدشين الدعاية لجمع التبرعات وتوزيعها على الحالات بشكل عادل، إضافة إلى تفعيل صندوق الأمراض النادرة وتولي الدولة الدعاية له: «الصندوق ليس كالحسابات الفردية، لأنه سيخاطب رجال الأعمال والشركات والهيئات، وقد يضيف استقطاعات شهرية من الموظفين أو رسومًا بسيطة على الفواتير، بما يمكّن من علاج جميع المرضى».

ولفتت مطاوع إلى أن عدد حالات ضمور العضلات المسجلة لدى وزارة الصحة نحو 2000 حالة، ورغم أن العدد الفعلي في جميع أنحاء الدولة قد يكون أكثر بكثير، فإن وزارة الصحة تعرف الآن 2000 حالة، ومحاولة مساعدتهم على تلقي العلاج ليست بالمهمة الصعبة.

كذلك أكد محمود فؤاد أن إنشاء مستشفى لعلاج المرض يضمن استمرارية تقديم العلاج، مشيرًا إلى أن ضمور العضلات مرض صعب للغاية على كل الأطراف، بدايةً من الآلام التي يعاني منها الأطفال، وحتى معاناة آبائهم، ووصولًا إلى تكلفة علاجه النادر المرتفعة، مشيرًا إلى أن المركز تواصل كثيرًا مع وزارة الصحة والهيئات المختلفة، ولم يستطع تحريك سوى ملفي التحاليل والأشعة، فمريض ضمور العضلات يحتاج إلى تحاليل وأشعة خاصة ومكلفة كل ستة أشهر حتى لا يتطور المرض بشكل مفاجئ، وبالفعل تم فتح بعض الأقسام في المستشفيات الجامعية لإجراء التحاليل والأشعة مجانًا.

وفي عام 2021، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي مبادرة لعلاج مرضى الضمور العضلي «الشوكي»، بهدف تقديم خدمات التشخيص وتوفير العلاج الجيني والدعم الطبي للأطفال مجانًا على نفقة الدولة. وتولت المبادرة تقديم خدمات الفحص والعلاج والتوعية الصحية وتوفير التحاليل الجينية طبقًا للحالة، لكن صرف العلاج اقتصر على الأطفال أقل من ستة أشهر.

وقدمت المبادرة للأطفال المرضى دواء «زولجينسما ZOLGENSMA»، وهو الوحيد في العالم الذي يُقدم بجرعة واحدة لضمور العضلات الشوكي لدى الأطفال دون السنتين، ويعمل عن طريق زيادة كمية بروتين SMN في الجسم للحفاظ على وظائف العضلات بشكل سليم، وتتراوح تكلفة الجرعة الواحدة بين مليونين وثلاثة ملايين دولار.

ويقول مدير المركز المصري للحق في الدواء إن المبادرة الرئاسية وفرت العلاج لـ15 حالة فقط ثم توقفت نظرًا لارتفاع التكاليف، إضافة إلى أزمة توفير الدولار.

وخلال اجتماعهم بمسؤولين من وزارة الصحة، تقدم أولياء الأمور بمقترحات لتوفير العلاج عبر الاستعانة بمستثمرين يوفرونه داخل مصر للتغلب على أزمة الدولار، وأخرى للحد منه عن طريق فرض التحليل الجيني ضمن فحص الزواج، وإجراء عمليات حقن مجهري للمتزوجين فعلًا ولديهم تاريخ وراثي خاص بضمور العضلات، يقول أحمد عوض: «التحليل الجيني تصل تكلفته إلى 16 ألف جنيه، لكن لو علم الناس المعاناة التي قد تحدث لهم حال إنجابهم طفلًا مريضًا بضمور العضلات والملايين التي يحتاجونها لعلاجه لن يترددوا في دفع هذه التكلفة، وحتى المتزوجون بالفعل الذين لديهم تاريخ وراثي في العائلة، بإمكان الدولة توعيتهم بأهمية الإنجاب من خلال عمليات الحقن المجهري بإحدى المستشفيات الحكومية المتخصصة كمستشفى الحسين الجامعي، مع تحمل جزء من تكلفة العملية، كل هذا سيوفر على الدولة وعلى الناس الكثير، إذا كانت هناك رغبة حقيقية لمواجهة المشكلة».

وطالب الدكتور أيمن سبع بأن يكون هناك شفافية ووضوح مع الأهالي فيما يتعلق بالأدوية ومدى مناسبتها لكل حالة، وفي حالة فاعلية الدواء لا بد أن تكفله الدولة، وأن يتم إنشاء صندوق مسؤول عن جمع التبرعات وتوزيعها بشكل منظم ووفق بروتوكولات منضبطة.

وخلاصة الأمر أنه مع الاعتراف بصعوبة مرض ضمور العضلات، وعدم توفر علاج نهائي مثبت له، وارتفاع تكلفة العلاج المتاح الذي لا يزال يخضع لقيود وتقييم سريري، فإن هناك كثيرًا من الواجبات التي يجب على الحكومة أداؤها تجاه المواطنين، بدايةً من التوعية بالمرض وخطورته، ومرورًا بفتح آفاق النقاش لإيجاد حلول تخفف آلام المرضى، كإنشاء مستشفى قائم على التبرعات ومدعوم من الدولة، وتفعيل صندوق الأمراض النادرة وتوليه جمع التبرعات لمنح حق متساوٍ لجميع المرضى في الأموال، وغير ذلك من الحلول، بدلًا من ترك المرضى يبحثون عن فرص نجاتهم كلٌّ حسب قدراته.

ياسمين علي
صحفية مصرية، متخصصة في ملفي التعليم والاقتصاد، عملت في مواقع محلية وإقليمية ودولية.

Search