استُخدمت أسماء مستعارة للأسر وأبنائها، وحُجبت بعض التفاصيل التعريفية حمايةً لخصوصيتهم. الأعمار والتجارب واردة كما رُويت أثناء إعداد التقرير في يوليو 2026.
حين بدأ سامر، البالغ نحو 16 عامًا ونصف العام، يمر بتغيرات البلوغ، لم تكن أسرته تعرف كيف تشرح له حدود الجسد والخصوصية. تقول والدته إنه لمس جسدها بطريقة غير مناسبة، ثم كرر تصرفًا مشابهًا مع إحدى قريباته، من دون أن يفهم، بحسب روايتها، أثر ذلك عليها. وجدت الأم نفسها مطالبة بحماية الآخرين وتعليم ابنها في آن واحد، بينما كانت تفتقر إلى الدعم الذي يساعدها على التعامل مع الموقف.
تصف والدته، التي نُسميها هنا أمل، كيف أثرت هذه الوقائع في حالتها النفسية وأدخلتها في حزن وضغط شديدين. وكانت الأم، البالغة 43 عامًا وقت المقابلة، تختبر للمرة الأولى احتياجات ابنها في مرحلة البلوغ؛ وهو يعيش بإعاقة ذهنية تصفها بأنها من الدرجة الأولى. وقد زاد التفاوت بين تغيراته الجسدية وقدرته على التواصل وفهم الحدود من ارتباك الأسرة، من دون أن يعني ذلك اختزال شخصيته أو قدراته في عمر ذهني مفترض.
تقول أمل إن هذه المرحلة زادت الأعباء النفسية عليها؛ إذ صار ابنها الأكبر يوبخها باستمرار، ولا يفهم الصعوبات التي يواجهها شقيقه. كما واجهت تعليقات جارحة ومضايقات من المحيطين، وشعرت بأن محاولاتها المتكررة للشرح لا تصل إلى ابنها. وتعكس كلماتها إحساسًا بالعجز وغياب المساندة، وليس حكمًا طبيًا على استحالة تعلمه.
وتنقل الأم عن طبيب للمخ والأعصاب أنه أخبرها بأن هذه التصرفات لن تتوقف بالتدريب أو العقاب، لأنها نابعة من غريزة داخلية يصعب التحكم فيها. هذه روايتها عن الاستشارة، ولا تكفي لتعميم استحالة التعلم على الأشخاص ذوي الإعاقة؛ فطرق التواصل والدعم الملائمة تختلف من شخص إلى آخر، كما أن العقاب لا يعوض تعليم الخصوصية والحدود.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن قدرات الأشخاص على طيف التوحد واحتياجاتهم متفاوتة وقد تتغير بمرور الوقت. والتوحد لا يساوي الإعاقة الذهنية؛ فقد يجتمعان لدى بعض الأشخاص، بينما لا توجد إعاقة ذهنية لدى آخرين. ويجمع هذا التقرير تجارب أسر مختلفة، لا وصفًا موحدًا لجميع من يحملون أيًا من التشخيصين.
على أعتاب البلوغ، وجدت الأسرة نفسها أمام عبء مالي جديد، مع التنقل بين الأطباء بحثًا عن مساعدة تناسب حالة الابن. وتروي أمل أن أدوية مهدئة وصفها طبيب سابق قبل هذه المرحلة ارتبطت، في تجربتها، بتشنجات حادة استمر التعامل مع آثارها ثلاثة أشهر. ولم تتوافر في ملف المقابلة تفاصيل الدواء أو تقييم مستقل يحدد سبب التشنجات. كما توقفت مشاركة ابنها في التمارين الرياضية خوفًا من نشوب مشاجرات، واضطرت هي إلى العمل سكرتيرة في عيادة حتى تتقاسم مع والده نفقات الاستشارات.
حين لا تجد الأسرة من يشرح البلوغ
واجهت هناء، البالغة 16 عامًا وقت المقابلة والتي لديها إعاقة ذهنية متوسطة، صعوبة مختلفة. منذ بدء الحيض في سن الحادية عشرة، رفضت ارتداء الفوط الصحية. تقول والدتها إن الأسرة أمضت عامين في محاولة مساعدتها؛ جربت الأقمشة بدلًا من الفوط، ثم ملابس داخلية أكثر سماكة، وحاولت تثبيت الفوطة بحزام البنطال. لم تنجح هذه المحاولات، وظلت تغيّر الفوط على فترات متقاربة. وهي تجارب ترويها الأم، وليست وسائل رعاية موصى بها لكل حالة.
تصف والدتها ناهد مصطفى، وهو اسم مستعار، البلوغ بأنه كان من أصعب المراحل التي مرت بها الأسرة. وتقول إنها ووالد هناء عاشا عامين من الخوف والتوتر مع نوبات الغضب التي صاحبت تلك الفترة. وتضيف أن الضغوط ما تزال مستمرة، وأنها تبحث عن مراكز رعاية داخلية بعدما شعرت بصعوبة مواصلة التعامل وحدها مع الوضع، من دون أن تجد بعد مسارًا مستقرًا للدعم.
تندرج صعوبات العناية بالنفس ضمن المجالات التي يرصدها المسح القومي للأشخاص ذوي الإعاقة في مصر لعام 2022، إلى جانب مجالات الحركة والرؤية والسمع والتواصل والتذكر والإدراك وغيرها. ولا يجوز اعتبار إجمالي الأشخاص ذوي الإعاقة عددًا لذوي الإعاقة الذهنية، أو استخدام نسبة صعوبة العناية بالنفس بوصفها تشخيصًا لها؛ فالمجالات قد تتداخل، وتختلف تعريفاتها ودرجات الصعوبة التي تقيسها.
تشكو الأسر التي تحدثت إلى «زاوية ثالثة» من صعوبة التعامل مع البلوغ عندما لا تتوافر لها خدمات مناسبة. وبين غياب الدعم النفسي والمجتمعي ونقص المعلومات عن الصحة الجنسية، تتنقل بين الاستشارات الفردية ومجموعات مواقع التواصل الاجتماعي والأطباء والمتخصصين. ويزداد الارتباك حين تتعارض النصائح، أو تُقدَّم الحلول نفسها لأشخاص تختلف احتياجاتهم وقدراتهم على التواصل والتعلم.
تناول بحث نوعي نُشر عام 2017 هذه التوترات من خلال مقابلة مع شقيقة تتولى رعاية رجل بالغ على طيف التوحد. رصد البحث قبولًا جزئيًا لخصوصيته، إلى جانب الخجل والخوف من سلوكيات غير مناسبة في الأماكن العامة ونقص تدريب الأسرة. وهي دراسة حالة واحدة، فلا تمثل جميع الأسر أو المراهقين، لكنها تضيء أثر تجاهل الاحتياجات الجنسية والافتقار إلى الإرشاد.
وفي دراسة مصرية نُشرت عام 2010 في المجلة الصحية لشرق المتوسط، شملت 100 أم لأطفال بين السادسة والثامنة عشرة في مدرسة حكومية واحدة بالمنيا، حققت 35% من الأمهات تكيفًا إيجابيًا وفق مقياس الدراسة، وسجل نحو الثلثين مستويات مرتفعة من الاضطرابات النفسية على أدوات التقييم المستخدمة. تعكس النتائج هذه العينة وفي سياقها الزمني، ولا تصلح لتقدير نسبة جميع الأمهات في مصر اليوم.
وصفات شعبية قد تضاعف الخطر
قبل نحو عشرين عامًا، حين دخل ابن سمية عادل، وهو اسم مستعار، مرحلة المراهقة، لم تكن تعرف مجموعات فيسبوك للاستشارات أو طلب الدعم. وتقول إن ابنها على طيف التوحد، وإنها لم تجد آنذاك سوى نصائح من والدتها التي اقترحت استخدام ما وصفته بزيت الكافور لمحاولة تهدئته. تسرد سمية ذلك باعتباره جزءًا من رحلة بحثها عن المساعدة، لا توصية باستخدامه.
كانت سمية، البالغة 59 عامًا وقت المقابلة، قد زارت أطباء عدة قبل ذلك، وابتعدت عن أدوية ومهدئات تقول إنها سببت لابنها خمولًا ونومًا طويلًا وتبولًا لا إراديًا. وتصف أثر التجربة عليه بأنه كان قاسيًا. لكن غياب أسماء الأدوية وجرعاتها والتشخيصات المصاحبة يمنع تحديد سبب تلك الأعراض أو تعميم تجربتها على جميع العلاجات النفسية.
تقول إن طبيبًا وصف لها ما حدث بأنه اعتياد على الجرعات، وهو ما فهمته باعتباره إدمانًا وأثار خوفها. فلجأت إلى الحجامة اعتقادًا منها أنها تنقي الدم من الأدوية، ثم إلى طبيب آخر لوصف علاج أقل تأثيرًا، وإلى الأعشاب. لا تثبت هذه الرواية أن الحجامة تزيل الأدوية من الجسم، كما لا يساوي الاعتماد الجسدي على دواء وصفه طبيب تشخيص الإدمان تلقائيًا.
تتذكر سمية أن وقف الجرعات صاحبه غضب شديد وسلوك تدميري في المنزل، بالتزامن مع تغيرات البلوغ. وتقول إن ابنها كان يستمني بصورة متكررة كل بضع ساعات، وإنها، مع صعوبة التعامل مع الأمر، أضافت قطرات مما سمّته زيت الكافور إلى مأكولاته ومشروباته في محاولة لتقليل ذلك. هذه ممارسة تنطوي على خطر التسمم، ولا تقدم دليلًا على علاج آمن، كما لا ينبغي إيقاف الأدوية الموصوفة أو تعديلها دون مراجعة الطبيب.
ومع الوقت، تقول سمية إنها أدركت أن إنكار الاحتياجات الجنسية لابنها لا يساعده. فحاولت تعليمه الفرق بين الأماكن الخاصة والمشتركة، وتوجيهه إلى غرفته بدلًا من لمس جسده أمام الآخرين. وتعتمد، بحسب وصفها، على الإشارات لأنه لا يستخدم الكلام للتواصل، وكانت تواجه صعوبة في التأكد من فهمه لما تريد شرحه.
تربط سمية بين استخدام الزيت وتراجع تكرار السلوك الذي أقلقها. لكن التزامن الذي تلاحظه الأم لا يثبت علاقة سببية، ولا يبين نوع المستحضر أو تركيزه أو مأمونيته. ولا يمكن تحويل هذه التجربة الفردية إلى وصفة للأسر الأخرى.
تشرح سمية أن هذه المرحلة لم تكن سهلة عليها، وأنها أمضت سنوات بين الإرهاق والقلق على مستقبل ابنها. وكان زوجها يعمل من الصباح إلى وقت متأخر، فلم يكن يستطيع مشاركتها المتابعة اليومية بالقدر الذي تحتاجه. ومع غياب دعم منتظم خارج الأسرة، ظلت مسؤولية الرعاية تقع أساسًا على عاتقها.
أصبح ابنها الآن بالغًا في الخامسة والثلاثين، بحسب عمره وقت المقابلة، لكن حاجته إلى الدعم لم تنته. تقول إنها ما تزال تحاول تعليمه عدم خلع ملابسه في المساحات المشتركة وإغلاق باب الحمام، خصوصًا مع وجود أحفادها الصغار في البيت. ويؤلمها أنها لا تجد خدمة مناسبة يمكنها تحمل تكلفتها: «لكن عشان توديه مكان كويس لازم تدفعي وده عبء كبير».
اختبرت دراسة مخبرية أثر الكافور على هرمونات جنسية لدى ذكور الجرذان، ولم تجد فروقًا ذات دلالة إحصائية في مستويات GnRH وLH وFSH والتستوستيرون بين المجموعات. ولم تكن تجربة علاجية على البشر، ولا اختبرت مأمونية إعطاء الزيت عن طريق الطعام. لذلك لا تسند الادعاء بأنه وسيلة آمنة لضبط الرغبة الجنسية لدى المراهقين أو البالغين.
ويحذر المرجع الطبي MedlinePlus من أن التسمم بالكافور قد يسبب تشنجات واضطرابًا في الوعي والتنفس. وعند الاشتباه في ابتلاعه يجب طلب المساعدة الطبية فورًا، وعدم إحداث القيء من دون توجيه متخصص. ووصف المستحضر بأنه طبيعي لا يجعل تناوله آمنًا.
كما وثق تقرير حالة طبية نُشر عام 2023 تسمم رجل بالغ بزيت الكافور، وناقش أعراضًا قد تشمل التعرق والتهيج والنوبات واضطراب نظم القلب وتوقف القلب والتنفس. وهو تقرير عن التسمم، لا دراسة تثبت فاعلية الزيت في كبت الرغبة. والتمييز بين روايات الاستخدام الشعبي والأدلة الطبية ضروري حتى لا تتحول معاناة الأسر إلى ترويج لممارسة مؤذية.
البحث عن المساعدة بين الوعود المكلفة والواقع
على النقيض من سمية، تخشى منى، وهو اسم مستعار لأم في الخمسين من عمرها، أن تعلّم ابنها على طيف التوحد ممارسة سلوك خاص داخل مكان آمن، كما اقترحت عليها مراكز تأهيل. وتقول إنها لا تعرف كيف توصل إليه الفرق بين الخصوصية والتصرفات غير المناسبة، ولا كيف تتحقق من أنه فهم ما يُشرح له. وتعكس تساؤلاتها حاجتها إلى تدريب عملي يناسب طريقة تواصله، لا حكمًا بأنه عاجز عن التفكير أو التعلم.
دفعها الإحباط إلى كتابة منشور في إحدى مجموعات فيسبوك الخاصة بأسر الأشخاص ذوي الإعاقة. سألت عن تجارب الآخرين مع البلوغ، وأكثر المشكلات التي واجهوها، وكيف ساعدوا أبناءهم على فهم تغيرات أجسادهم، وما إذا كانت لديهم تجارب ناجحة مع طبيب أو أخصائي. كانت تبحث عن مسار واضح وسط نصائح متفرقة لا تعرف كيف تقيمها.
تقول منى لـ«زاوية ثالثة» إنها لم تستجب لاقتراحات إعطاء ابنها أدوية: «الجميع ينصح دائمًا بالمهدئات». وكانت قد تجنبتها أيضًا عندما واجه تشتتًا في الانتباه وفرط حركة وسلوكًا عنيفًا، خوفًا من الآثار الجانبية ومن زيادة الجرعات. وتصف ما تخشاه بأنه «دائرة لن تنتهي». وهذه مخاوفها من تجربتها، وليست قاعدة طبية بأن كل علاج يستلزم زيادة مستمرة في الجرعة.
في هذا الفراغ، تصل إلى الأسر إعلانات تقدم وعودًا بعلاجات حاسمة للتوحد، وتستخدم رغبتها في مساعدة أبنائها مدخلًا لتسويق برامج باهظة الثمن. وتروي منى كيف تابعت محتوى يشرح التوحد وأسبابه، ثم انتقل صاحبه إلى الإعلان عن علاج يزعم أنه يعمل على تطويره لإنهائه تمامًا.
تقول إنها استشارت صاحب هذا المحتوى، الذي قدم نفسه طبيبًا، بعدما بدا لها أن كلامه يلامس أسئلتها اليومية. ثم عُرضت عليها دورات علاجية بمبالغ تصل إلى آلاف الدولارات. ولا تتوافر في ملف المقابلة مستندات تسمح بالتحقق من هوية مقدم العرض أو برنامجه؛ لذا تظل الواقعة شهادة الأم عن عرض تلقته، ولا تُستخدم لإثبات اتهام ضد شخص بعينه.
وبحسب منى، أخبرها مقدم العرض بأنه لا يقبل من هم دون الحادية عشرة، وأن ابنها من المقبولين، وأرسل إليها برامج لتختار بينها. لكنها تراجعت أمام التكلفة وغياب معلومات طبية موثوقة عن البروتوكول. وتقول إن علامات البلوغ كانت قد بدأت لديه قبل المقابلة بنحو ثمانية أشهر: «هذه مشكلة، أخشى ألا أجد أحدًا يساعدنا». ولا يعني رفض وعود إنهاء التوحد غياب تدخلات داعمة؛ إذ توجد خدمات يمكن أن تحسن التواصل والمهارات والصحة وجودة الحياة بحسب الاحتياج الفردي.
من جانبها، تقول عبير عبد الله، استشارية التربية الخاصة، إن البلوغ قد يكون تحديًا كبيرًا للأسر عندما يحتاج الأبناء إلى مساعدة إضافية لفهم تغيرات أجسادهم والتعبير عن مشاعرهم. وتؤكد أهمية النظر إلى قدرة كل شخص على الفهم والتواصل، وإلى نوع الدعم الذي يتلقاه، بدلًا من افتراض استجابة واحدة لجميع الأشخاص ذوي الإعاقة.
وتوضح أن الألم أو التغيرات الحسية قد يظهران في صورة بكاء أو غضب أو إيذاء للجسد لدى بعض من يصعب عليهم وصف ما يشعرون به بالكلمات. وتذكر مثال فتاة مع بدء الحيض تضرب بطنها بسبب التقلصات ولا تستطيع شرح الألم. لا يصح عندئذٍ افتراض أن السلوك بلا سبب أو إرجاع كل ضيق إلى الرغبة الجنسية؛ بل يحتاج السبب المحتمل إلى تقييم.
تضيف عبير أن الأمهات قد يحتجن إلى وقت ومساندة كبيرين لتعليم بناتهن العناية الشخصية، من تغيير الفوط والملابس الداخلية إلى فهم الحيض والاستحمام. وتختلف الاستجابة للتدريب بحسب الشخص، وقد تتطلب تكرار الخطوات واستخدام وسائل بصرية ومراعاة الحساسية تجاه ملمس المستلزمات، بدلًا من الضغط أو التوبيخ.
وبالنسبة إلى الذكور، تشير إلى حاجة بعض الأسر إلى متخصصين لتعليم أبنائهم مهارات العناية الشخصية والتعامل مع تغيرات البلوغ، ومنها تغيير الملابس الداخلية عند الحاجة واحترام الخصوصية. وتقول إن بعض الأسر تلاحظ انفعالات حادة في تلك المرحلة، لكن وجود التوحد لا يعني تلقائيًا العنف أو زيادة الرغبة الجنسية، ولا يبرر تعميم هذه الخبرات على الجميع.
وتذكر أن الانتصاب قد يحدث في أوقات غير متوقعة، كما يحدث لدى مراهقين آخرين، وأن بعض من تتابعهم قد يواجهون صعوبة في فهم السلوك المناسب أو حدود لمس الآخرين. وتصف وقوع حالات من اللمس غير المرغوب فيه، ما يستدعي تعليم الحدود وحماية جميع الأطراف. ولا يعني وجود استجابة جسدية طبيعية أن الاعتداء حتمي، أو أن الإعاقة تبرره.
وتوضح عبير أن أسر الفتيات اللاتي يحتجن إلى دعم في التواصل تقلق من تعرضهن للاعتداء الجنسي، خصوصًا إذا تعذر عليهن وصف ما حدث أو طلب المساعدة. وتذكر أن الخوف من الحمل بعد الاعتداء يزيد هذا القلق. ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن جميع الفتيات ذوات الإعاقة غير قادرات على الرفض؛ فالقدرات تختلف، وتوفير وسائل مناسبة للتعبير والحماية مسؤولية المحيطين بهن.
ويمتد الخطر إلى الفتيان أيضًا. وتحذر عبير من ترك الأبناء فترات طويلة في مراكز لا تتوافر فيها رقابة وآليات واضحة للحماية والشكاوى. والمشكلة هنا ترتبط باحتمال استغلال الاعتماد على مقدمي الرعاية وصعوبات الإبلاغ، ولا تعني أن كل مراكز التأهيل أماكن اعتداء، أو أن واجب الحماية يقع على الأم وحدها.
تدعم أبحاث دولية أهمية هذه المخاوف. فقد شملت مراجعة منهجية نُشرت عام 2022 دراسات تضم أكثر من 16 مليون طفل وشاب من 25 دولة، ووجدت ارتفاع التعرض للعنف بين ذوي الإعاقة، بما يشمل العنف الجنسي والجسدي والعاطفي والإهمال. وهي مراجعة لبحوث متعددة عن أنواع مختلفة من الإعاقة والعنف، وليست مسحًا واحدًا لذوي الإعاقة الذهنية وحدهم أو قياسًا لانتشار الاعتداء في مصر.
تقول عبير إن الخوف من الاعتداء دفع بعض الأسر التي قابلتها إلى طلب أدوية لكبت الرغبة، وإن أسرة تحدثت معها عن استئصال رحم ابنتها، وكانت تتردد على دار الإفتاء لطلب السماح بذلك خوفًا من الحمل والولادة إذا تعرضت للاعتداء، خصوصًا أنها كانت تغادر المنزل لأيام. تورد الاستشارية هذه الواقعة وصفًا لما تصل إليه مخاوف الأسر، لا إقرارًا بأن الجراحة وسيلة حماية؛ فاستئصال الرحم لا يمنع الاعتداء الجنسي، ويمس سلامة الجسد والحقوق الإنجابية.
وتنص المادة 23 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على احترام الحق في الزواج برضا حر وكامل، وفي الاحتفاظ بالخصوبة على قدم المساواة مع الآخرين. وحماية الشخص من العنف لا تتحقق بحرمانه من سلامة جسده أو فرض تدخل إنجابي عليه.
الزواج والمهدئات لا يعوضان الاختيار والدعم
ترى ماجدة سليمان، مسؤولة برنامج الحقوق الصحية والإنجابية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن جانبًا أساسيًا من المشكلة يبدأ من إنكار بعض الأسر احتياجات أبنائها الجنسية والعاطفية. وتقول إنها قابلت أسرًا تعتقد أن أبناءها لا يمرون بتغيرات هرمونية وجسدية مثل أقرانهم، وحين تواجه علامات البلوغ تبدأ البحث عن أدوية لكبت الرغبة بدلًا من المعلومات والدعم.
وتلجأ أسر أخرى، بحسب ماجدة، إلى الزواج بوصفه حلًا لتلك الاحتياجات أو وسيلة للحماية من الاستغلال. وتنتقد هذا التصور لأنه يتجاهل رغبة الشخص نفسه وقدرته على اتخاذ القرار وفهم العلاقة. كما تلفت إلى مخاطر التحرش والاستغلال التي تواجه أشخاصًا ذوي إعاقة، وإلى الصمت المحيط بتجاربهم وصعوبة الوصول إلى دعم مناسب.
وتحذر ماجدة من أن غياب التوعية قد يعرض الشخص للاستغلال داخل الزواج، أو يدفع الأسرة إلى اتخاذ قرار الإنجاب دون استعداد. وتثير أيضًا احتمال انتقال بعض الحالات وراثيًا. لكن هذا الاحتمال لا يصح تعميمه: فالإعاقات الذهنية لها أسباب متنوعة، ولا يعني تشخيص أحد الزوجين أن أطفالهما سيولدون بإعاقة بالضرورة، ويختلف تقييم المخاطر الوراثية بحسب التشخيص المحدد.
وتوضح المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن قدرات الأشخاص على طيف التوحد تختلف كثيرًا. لذلك تظل احتياجات الرعاية والتعليم والتواصل والتقييم الصحي فردية، ولا يجوز بناء قرار يخص شخصًا على تصور عام عن تشخيصه.
وتدين ماجدة تزويج الأبناء بهدف التخلص من مسؤولية رعايتهم، وتؤكد أن رغبة الأسرة لا تعوض حق صاحب الشأن في الاختيار والقبول أو الرفض. وتدعو إلى تقييم الأمر من جوانبه الصحية والاجتماعية والنفسية، وإلى إتاحة المعلومات والدعم بدلًا من اتخاذ القرار نيابة عن الشخص لمجرد وجود إعاقة لديه. وتقول إنها تركز على هذه المسائل في جلسات توعية الأهالي.
وتضيف أن الرغبة الجنسية وحدها ليست معيارًا كافيًا لاتخاذ قرار الزواج، وأن غياب الاستعداد والدعم قد يخلق أعباء جديدة على الشخص والأسرة. وتلفت إلى تفاوت الفهم والمهارات بين الأفراد، وهو ما يستلزم تقييمًا فرديًا. ولا يكفي المظهر الجسدي لتقدير القدرة على اتخاذ القرار، كما لا يصح اختزال المراهق أو البالغ في تشبيه ثابت بعمر طفل أصغر منه.
حقوق الجسد والرضا
يرى المحامي غريب سليمان، المتخصص في ملف الإعاقة، أن القانون المصري يقر بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في الزواج وفق الضوابط القانونية، انطلاقًا من المساواة وحقهم في تكوين حياة مشتركة. ويؤكد أنه لا ينبغي حرمان من يستطيعون بناء علاقة من هذا الحق لمجرد وجود إعاقة، مع مراعاة الرضا والقدرة على اتخاذ القرار والالتزامات التي يرتبها الزواج.
ويشير سليمان إلى تغيرات إيجابية في نظرة بعض فئات المجتمع إلى زواج الأشخاص ذوي الإعاقة خلال السنوات العشر السابقة للمقابلة، ويدعو إلى تعزيز احترام حقوقهم. ويظل هذا تقييمًا يطرحه من خبرته، لا قياسًا إحصائيًا لاتجاهات المجتمع بأكمله.
وفيما يتعلق بالأدوية، يعتبر سليمان إعطاء شخص مواد لتثبيط رغبته الجنسية دون علمه أو موافقته مساسًا بحقوقه وسلامة جسده، ويرى أن هذه الممارسات تزداد خطورتها حين تقترن بالفقر وضعف الوصول إلى الرعاية. وهو ينبه إلى أن الدعم المطلوب ينبغي أن يحترم الشخص، لا أن يجعل جسده مجالًا لتجارب أو قرارات هدفها تسهيل رعاية الآخرين له.
توعية تحمي الخصوصية وحدود الجسد
في إطار التوعية بالصحة الجنسية والإنجابية، تقدم ماجدة سليمان توعية كبيرة للأمهات، حول كيفية التعامل مع بناتهن منذ بدء البلوغ، تخفيفًا لمعاناتهن، وتشرح لهن كيف يتعاملون مع مرحلة الدورة الشهرية لبناتهن.
كما تقدم مهارات الحماية من التحرش، وكيفية بناء الحدود الشخصية، لذوي الإعاقات الذهنية، وتوضح لهم كيف يتعاملون مع التلامس، أو القبلات، أو طلب الخروج من أحد، ذلك من خلال عرض أفلام كرتونية، والتمثيل البصري، وسرد القصص، البالونات واستخدام الموسيقى، والأغاني.
وترى ماجدة أن الاعتراف بالاحتياجات الجنسية والإنجابية للأبناء جزء من رعايتهم، وأن الأسر تحتاج إلى فهم التغيرات الطبيعية بدلًا من إنكارها أو التعامل معها باعتبارها عيبًا. ويشمل ذلك احترام الخصوصية، وشرح حدود الجسد، والتمييز بين السلوك الخاص والتصرفات التي تمس الآخرين.
وتحذر من الاعتماد على القمع والعقاب، وتدعو إلى توفير أنشطة ولعب ورياضة ومشاركة اجتماعية آمنة تساعد على خفض التوتر وبناء المهارات. وهذه الأنشطة تدعم جودة الحياة والتواصل، ولا تعني أن الاحتياجات الجنسية تختفي بممارسة الرياضة أو أن كل سلوك صعب سببه الكبت.
كما تطالب المسؤولين من وزارة الشباب والرياضة بضرورة الإكثار من عدد المراكز الرعائية، لاستغلال طاقاتهم، وتأهيل سلوكهم، لا أن يكون يوم رياضي من فترة لأخرى.
الدعم يبدأ قبل الأزمة
تقول شيماء عبد الغني، استشارية الطب النفسي، إن البلوغ يحمل تغيرات جسدية وانفعالية قد تربك المراهقين عمومًا، وإن بعض المراهقين ذوي الإعاقة يحتاجون إلى دعم إضافي لفهمها والتعامل معها. وتؤكد أهمية الاستعداد المبكر، بدلًا من انتظار حدوث أزمة ثم البحث عن حل سريع.
وتشرح أن الأسرة يمكن أن تهيئ أبناءها باستخدام قصص ووسائل مرئية توضح الجسد والتغيرات المصاحبة للبلوغ لدى الأولاد والفتيات. وتقول إن هذا الإعداد قد يقلل مفاجأة التغيرات والقلق الناتج عنها، ويساعد على تقديم المعلومات تدريجيًا وبطريقة تناسب الشخص، بدلًا من انتظار قدرته على استيعاب شرح طويل مرة واحدة.
وتضيف أن الأسر التي لا تستطيع الوصول إلى استشاري يمكنها الاستعانة بمواد مرئية موثوقة لشرح الحيض والألم المصاحب له والنظافة والاستحمام، أو تغيرات مثل نمو شعر الوجه. وتظل ملاءمة المادة لعمر الشخص وطريقة فهمه مهمة؛ كما أن الموارد على الإنترنت لا تعوض التقييم عند وجود ألم أو ضيق أو سلوك مؤذٍ.
وتشير شيماء إلى أن تغيرات البلوغ تشمل مشاعر ودوافع جنسية قد لا يعرف المراهق كيف يعبّر عنها أو يتعامل معها. ويبدأ الدعم بتفسير أنها تغيرات طبيعية، مع توضيح قواعد الخصوصية والرضا واحترام أجساد الآخرين، من دون لوم الشخص على مجرد وجود هذه المشاعر.
وبحسب شيماء، تستطيع الأسرة استخدام الصور والوسائل المرئية ضمن برامج تربية جنسية مناسبة لتعليم الفرق بين الأماكن الخاصة والمشتركة، وكيفية العناية بالجسد، وما لا يجوز للآخرين فعله به. ويشمل ذلك تعليم المراهق وسيلة واضحة للرفض وطلب المساعدة، بما يناسب قدرته على الكلام أو التواصل بطرق أخرى.
وتقول الاستشارية إن بعض الحالات قد تستدعي تقييمًا نفسيًا وتدخلًا دوائيًا عندما يوجد قلق أو اكتئاب شديد أو سلوك يهدد السلامة. ولا يعني ذلك وصف دواء لمجرد البلوغ أو وجود رغبة جنسية؛ بل يتطلب تحديد المشكلة التي يعالجها الدواء وموازنة فوائده وآثاره ومتابعته طبيًا.
وتفضل شيماء التوجيه والتعليم والأنشطة المناسبة عندما يمكن التعامل مع السلوك بهذه الوسائل، وتدعو إلى تحويل الانتباه بلطف بدلًا من التوبيخ. أما تكرار سلوك مؤذٍ أو عنيف فيتطلب فهم أسبابه، وليس افتراض أن المهدئات هي الحل التلقائي لكل شخص.
وتحذر من التعنيف والعقاب، وتؤكد ضرورة اللجوء إلى الطبيب النفسي إذا أصبحت الأسرة عاجزة عن التعامل مع خطر أو ضيق شديد. وتوصي الإرشادات المهنية بتقييم الألم والمشكلات الصحية والنفسية والبيئة وطرق التواصل أولًا، وباستخدام تدخلات نفسية واجتماعية مناسبة، مع قصر الأدوية على حالات تستدعيها ومتابعة أثرها بوضوح.
تكشف تجارب الأسر أن مرحلة البلوغ لدى المراهقين من ذوي الإعاقات الذهنية لا تمثل تحديًا بيولوجيًا فحسب، بل تفضح أيضًا فجوة واسعة في منظومة الدعم والتوعية. ففي ظل محدودية الخدمات المتخصصة، وغياب برامج التربية الجنسية المناسبة، يجد كثير من الآباء والأمهات أنفسهم بين اجتهادات فردية، ووصفات شعبية، أو اللجوء إلى المهدئات، بينما يؤكد المتخصصون أن الحل يبدأ بالتأهيل المبكر، وتدريب الأسر، وتوفير خدمات نفسية وسلوكية مستمرة، تضمن حماية هؤلاء المراهقين، واحترام حقوقهم، وتمكينهم من عبور هذه المرحلة بأمان وكرامة.
