الإيجار القديم يلتهم المعاشات.. أسر تنتظر سكنًا بديلًا وتخشى الإخلاء

زيادة سنوية 15% ومتأخرات تتراكم على أصحاب المعاشات وذوي الإعاقة، بينما تنتظر أسر قرارات السكن البديل وتبحث عن معلومات واضحة حول تكلفته وشروطه.
كولاج تعبيري لمبنى سكني قديم ومفتاح ويد مسنة تحمل ورقة، عن أعباء الإيجار على أصحاب المعاشات
Picture of مروة محيي الدين

مروة محيي الدين

لسنوات، عاش والد نهال مصطفى، اسم مستعار، يدفع خمسة جنيهات، قيمة إيجار شقة في حي مصر الجديدة، وأكملت من بعد رحيله والدتها، إلى أن قفز المبلغ إلى 1000 جنيه مرة واحدة، العام الماضي، بعد انتهاء لجان الحصر من تصنيف المناطق التي تقع فيها وحدات خاضعة لنظام الإيجار القديم إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية، ثم قفز إلى 1150 مع بدء شهر سبتمبر 2026، تنفيذًا لتطبيق الزيادة السنوية على القيمة الإيجارية الجديدة بنسبة 15%، وفقًا لنص المادة السادسة من القانون رقم 164 لسنة 2025.

هذه القفزة حوّلت حياة والدة نهال، التي تبلغ من العمر 73 سنة، من دفع مبلغ رمزي، كانت له قيمة في فترة السبعينيات منذ أن استأجروا الشقة، إلى أن باتت مطالبة بتسديد نحو 36% من معاشها للإيجار وحده، إذ تتقاضى معاشًا لا يتجاوز 3200 جنيه، تنفق منه على أدوية أبنائها، من ذوي الإعاقات الذهنية، واحتياجات أخرى، إلى جانب أدويتها لأمراض الشيخوخة المتعددة من قصور في القلب وضغط وسكر، وفقًا لحديث ابنتها نهال لـ “زاوية ثالثة”.

تعمل نهال، البالغة من العمر 49 عامًا، في التسويق عبر الإنترنت. وانتقلت هي وأولادها للعيش مع والدتها منذ عشرة أعوام بعد طلاقها، لكن دخلها بالكاد يكفي نفقات ابنتها التي تدرس بالثانوية العامة. ويساندها ابنها الأصغر بالعمل في محل لتدبير احتياجاتهم المعيشية. وبوصفها عاملة حرة، يتقطع دخلها حين يتوقف العمل. وتقول لـ«زاوية ثالثة»: «كما أن مراعاة أشقائي من ذوي الإعاقات الذهنية يمتص معظم وقتي، ولا أتمكن من العمل بانتظام، لذا لا تسمح ظروفي للمشاركة في الإيجار أو مصروفات المنزل». وتضيف: «العيش في سكن والدتي بمثابة نجاة لعائلتين».

غير أن العام الماضي، تسبب القانون 164 لسنة 2025، في موجة غضب واسعة لدى المستأجرين بنظام الإيجار القديم، واعترضوا على إخلاء منازلهم بعد سبع سنوات، ورأوا أنه يهدد بتشريد ملايين الأسر، كما ناشدوا الجهات المسؤولة عبر إنشاء مجموعات على فيسبوك منها (نرفض تعديل الإيجار القديم وتشريد ملايين المستأجرين).

واعترض مستأجرون على ربط القيمة الإيجارية بتصنيف المنطقة إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية. وتنص المادة الرابعة على عشرين مثل القيمة الإيجارية القانونية السارية للمناطق المتميزة، بحد أدنى ألف جنيه، وعشرة أمثالها للمناطق المتوسطة والاقتصادية، بحد أدنى 400 جنيه للأولى و250 جنيهًا للثانية. والمقصود هو الأجرة القانونية السارية، التي لا تتطابق بالضرورة مع القيمة الأصلية المكتوبة في العقد قبل أي زيادات قانونية سابقة.

وحتى انتهاء لجان الحصر من التصنيف، حدد القانون أجرة مؤقتة قدرها 250 جنيهًا شهريًا. وبعد نشر قرار المحافظ المختص، تُسدد الفروق المستحقة، إن وجدت، على أقساط شهرية خلال مدة مساوية للمدة التي استحقت عنها. وبذلك، يختلف المبلغ المؤقت أثناء الحصر عن الأجرة النهائية وعن الحد الأدنى المقرر لكل فئة.

ضاعفت الزيادة الأخيرة أزمة السداد لدى أصحاب معاشات ومستفيدين منها، مع اتساع الفجوة بين الأجرة المطلوبة وقدرتهم على تحملها. وتقول نهال إن ثلاثة أشهر من الإيجار تراكمت على الأسرة ولم تكن قد سُددت وقت المقابلة في سبتمبر 2026، بسبب احتياجات أخرى لا تستطيع تأجيلها. ومع الخوف من دعوى إخلاء، تتساءل: «كيف سنتحمل الزيادات السنوية المقررة على القيمة الإيجارية خلال الست سنوات القادمة؟».

بيع الذهب لسداد الإيجار

وبدأت تبرز الأزمة في أوضاع مستأجرين آخرين، أدلوا بشهاداتهم لـ “زاوية ثالثة” مثل سيد جابر، الذي يبلغ من العمر 65 عامًا، مستأجر شقة في مطار إمبابة أمام محور كمال عامر، فقبل التعديل القانوني رقم 164 لسنة 2025، كان يسدد 150 جنيه شهريًا، وفقًا للقيمة المُسجلة في العقد، إلى أن تغيّر كل شيء، وبات يدفع عشرة أمثاله، العام الماضي، لتصبح القيمة الإيجارية 1500، ويقول إنه أصبح مطالبًا بدفع 1750 جنيهًا شهريًا مع الزيادة الجديدة. لكن زيادة 1500 جنيه بنسبة 15% تساوي 1725 جنيهًا، بفارق 25 جنيهًا عن المبلغ الذي ذكره؛ ولم تتوافر مستندات تفسر هذا الفارق.

هذه المبالغ بالإضافة إلى الزيادة الجديدة باتت تستقطع ما يقرب من نصف معاش لا يتجاوز 4000 جنيه، ما حاصر سيد وزوجته بين خيارين كلاهما مُر، إما بيع ذهبها لتسديد الأجرة، أو مواجهة خطر فقدان المسكن، وهو ما يصفه سيد بالخوف من «الطرد الفوري». ولا يزال سيد ينفق على ولدين، أحدهما يدرس في الثانوية العامة، ويقتطع مبلغًا لدروسه الخصوصية يوميًا، وآخر في كلية تربية رياضية، يتدرب في مركز شباب مقابل 3500 جنيه شهريًا.

والخوف الذي يصفه سيد لا يمنح المالك حق تنفيذ طرد ذاتي فوري؛ فالإخلاء تحكمه أسباب وإجراءات قانونية، ويختلف عن مجرد المطالبة بأجرة أو التهديد برفع دعوى.

والدة نهال وسيد من المستأجرين من أصحاب المعاشات والمستفيدين منها، والخاضعين لقانون الإيجار القديم، إذ باتوا فجأة مشمولين بأحكام القانون رقم 164 لسنة 2025، والتي أثارت مواده جدلًا وغضبًا واسعًا، العام الماضي، ولا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن، بعد تطبيق الزيادة السنوية المقررة بموجب القانون.

ولإظهار حجم الفئة الأوسع، وليس عدد مستأجري الإيجار القديم تحديدًا، بلغ عدد أصحاب المعاشات 4 ملايين و665 ألفًا و86 شخصًا، والمستفيدين 6 ملايين و668 ألفًا و719 شخصًا، بحسب بيانات نُشرت في 12 فبراير 2025. وهذه أرقام مؤرخة بذلك الوقت، وليست حصرًا محدثًا لأصحاب المعاشات في سبتمبر 2026.

وفي تصريحات خلال نقاشات 2025، قدّر النائب إيهاب منصور أن أصحاب المعاشات يمثلون نحو 33% من مستأجري الإيجار القديم، وفق ما نقله المركز المصري للدراسات الاقتصادية عن ندوته في يونيو 2025. وتصف النسبة تركيب المستأجرين، ولا تعني أن ثلث جميع أصحاب المعاشات في مصر يقيمون بنظام الإيجار القديم.

وجاء رفع معدل الإيجارات القديمة في ظل معاشات لا تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية الحالية، حتى بعد العلاوة المقررة بنسبة 15%.

وكان إبراهيم أبو العطا، أمين نقابة أصحاب المعاشات، قد انتقد في مداخلة ببرنامج «الحكاية» على «إم بي سي مصر» ضآلة المعاشات، قائلًا إن الحد الأدنى البالغ 1755 جنيهًا لا يكفي للدواء، فضلًا عن السكن والغاز والمياه والكهرباء. وتضمنت المادة التي استند إليها التقرير حديثًا عن معاش موظف عند نحو 5300 جنيه. لكن هذا الرقم لا يصح تقديمه حدًا أقصى قانونيًا عامًا؛ إذ أعلنت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أن الحد الأقصى لمن تنتهي خدمته اعتبارًا من يناير 2026 بلغ 13360 جنيهًا، والحد الأدنى 1755 جنيهًا. وهذه حدود تسوية المعاش للفئة المحددة، وليست وصفًا موحدًا لما يتقاضاه كل أصحاب المعاشات.

وفي مواجهة هذا العبء، يطالب متضررون ونواب بآلية مالية تساعد غير القادرين على دفع الأجرة الجديدة. ويختلف هذا المقترح عن مسار التقدم للحصول على وحدة بديلة: الأول يعالج القدرة على البقاء وسداد الإيجار الآن، والثاني يتعلق بمسكن آخر وشروط تخصيصه وتوقيته.

يقول النائب إيهاب منصور، إنه تقدم خلال مناقشات القانون العام الماضي، بمقترح يقضي بأن تتحمل الدولة 85% من القيمة الإيجارية للفئات غير القادرة، على أن يسدد المستأجر 15% فقط، موضحًا أن المقترح استهدف أصحاب المعاشات ومستفيدي تكافل وكرامة وذوي الإعاقة والنساء المعيلات، إلا أنه قوبل بالرفض من مجلس النواب.

ويضيف في حديثه لـ “زاوية ثالثة” أن الهدف من المقترح كان ضمان حصول المالك على مستحقاته كاملة، مع تحمل الدولة فارق الإيجار عن الفئات الأكثر احتياجًا، ضاربًا مثالًا بما يراه تناقضًا: من غير المنطقي أن تمنح الحكومة أسرة معيلة معاش تكافل وكرامة لا يتجاوز 800 جنيه، ثم تطالبها بسداد إيجار يقترب من ألف جنيه. والـ800 جنيه هنا رقم أورده النائب في مثاله، وليس بيانًا بقيمة موحدة راهنة لجميع مستفيدي «تكافل وكرامة».

ويرى منصور أن عبء الزيادة لا يقع على أصحاب المعاشات وحدهم، بل يمتد إلى النساء المعيلات وذوي الإعاقة ممن لا يملكون مصدر دخل ثابت، معتبرًا أن هذه الفئات تحتاج إلى آلية دعم مباشرة لتحمل القيمة الإيجارية الجديدة، ويقول إنه لا يرى توجهًا لتعديل الزيادة السنوية البالغة 15%.

ويرى أن بإمكان الحكومة أن تصدر منشورًا تستثني فيه الفئات الأكثر احتياجًا من دفع القيمة الإيجارية، وأن ذلك سيتم بتحرك من مجلس النواب، محذرًا من أن استمرار الزيادة سيظل ينعكس بالسلب على المستأجرين غير القادرين تحديدًا، مشيرًا إلى أن من المفترض أن توفر الدولة مسكنًا للمستأجر تنفيذًا للدستور.

يبقى هذا طرحًا من النائب لدعم غير القادرين. ولا يتضمن القانون 164 لسنة 2025 إعفاءً تلقائيًا عامًا لهذه الفئات من الأجرة، كما أن منشورًا إداريًا لا ينسخ بذاته التزامًا قرره القانون؛ وأي دعم أو استثناء يحتاج إلى سند قانوني وآلية تنفيذ واضحة.

وبحسب بيانات تعداد السكان لعام 2017، بلغ عدد الأسر المقيمة في وحدات خاضعة لنظام الإيجار القديم مليونًا و642 ألفًا و870 أسرة. وهو أساس إحصائي تاريخي لفهم حجم المسألة، لا تقدير لعدد الأسر الباقية في هذه الوحدات عام 2026.

وفي قراءة نشرتها مؤسسة المرأة الجديدة لدراسة بالمجلة الجنائية القومية صدرت في نوفمبر 2023، مثلت النساء 26% من عينة المستأجرين، والمتقاعدون وغير العاملين وربات المنازل 33.8%، والعاملون بالخدمات والحرف 37.2%. وبلغت نسبة من يقل دخلهم الشهري عن 4000 جنيه 92.1% في البيانات التي عرضتها الدراسة. ترتبط هذه النسب بعينة الدراسة وفترتها، ولا يجوز تعميم مستويات الدخل القديمة على جميع المستأجرين اليوم أو مقارنتها بحد أدنى للأجور تغير لاحقًا.

حساب الزيادة والطعن على القانون

ويرى أيمن عصام، محامٍ شارك في تمثيل المستأجرين خلال مناقشات الإيجار القديم بالبرلمان، أن الزيادات المقررة بموجب القانون لا تُعتبر دستورية، معتبرًا أن طريقة احتساب القيمة الإيجارية منذ البداية لا تراعي أوضاع فئات عدة من المستأجرين، لا سيما أصحاب العقود المبرمة خلال فترة التسعينيات، من أصحاب المعاشات، لأن هذه العقود كانت تتضمن قيمًا إيجارية مرتفعة نسبيًا في ذلك الوقت، تجاوزت في بعض الحالات 100 و200 جنيه، ووصلت إلى 500 جنيه، قبل أن تؤدي آلية احتساب الزيادة الجديدة إلى قفز القيمة الإيجارية في بعض الحالات إلى نحو 10 آلاف جنيه شهريًا، بحسب ما رصده.

ويضيف عصام، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، أن عدم مراعاة الفروق بين الوحدات داخل المنطقة الواحدة يمثل، في تقديره، موطنًا للطعن الدستوري. ويستشهد بمستأجرين في مناطق متوسطة، حُدد لها حد أدنى قدره 400 جنيه، بينما تصل المطالبات التي يتحدث عنها إلى 2000 أو 3000 جنيه؛ ويقارن بين غرف أسفل سلالم العمارات وشقق بمساحات 100 أو 200 متر مربع. لكن زيادة 400 جنيه بنسبة 15% ترفعها إلى 460 جنيهًا فقط، ولا تنتج وحدها ألفين أو ثلاثة آلاف. فـ400 جنيه حد أدنى وليس أجرة جميع الوحدات، وأي قفزة أعلى تستلزم مراجعة أساس الأجرة والمضاعفات أو المتأخرات، كل حالة على حدة.

ويرى عصام أن هذه الحالات تكشف عن إشكالية في آلية احتساب القيمة الإيجارية وتصنيف المناطق، لافتًا إلى أن اللجان المحلية لم تستند إلى بيانات وإحصاءات دقيقة وشاملة عن أوضاع المستأجرين والوحدات الخاضعة للقانون، وهو ما أدى إلى تقديرات محلية لا تعكس الفروق الفعلية بين الوحدات، ونتائج ظهرت آثارها على أرض الواقع بصورة مغايرة، بحسب قوله لـ “زاوية ثالثة”.

وتنص المادة الثالثة بالفعل على معايير تشمل الموقع وطبيعة الشارع ومستوى البناء ومتوسط مساحات الوحدات والمرافق والطرق والخدمات والقيمة الإيجارية الضريبية. ومن ثم، يتعلق اعتراض عصام بكفاية هذه المعايير وتطبيقها وآثارها، لا بغياب معايير منصوص عليها أصلًا.

ويقول المحامي أيمن إنه نتيجة لما سبق، بات عددٌ من المستأجرين مهددين بإنهاء عقودهم، نتيجة عدم قدرتهم على سداد القيمة الإيجارية الجديدة، بعد تطبيق نظام العشرة أمثال والعشرين مثلًا، فيما لا يزال بعضهم يسدد مبلغ الـ250 جنيهًا، الذي حدده القانون رقم 164 لسنة 2025 بصورة مؤقتة خلال المرحلة الأولى، قبل انتهاء إجراءات حصر وتصنيف المناطق وتحديد القيمة الإيجارية المستحقة لكل منطقة، ما يعكس حالة من التناقض من وجهة نظره، مع الهدف من إعادة تنظيم العلاقة الإيجارية، معتبرًا أن المُشرع كان يُفترض أن يضع قواعد تحمي المستأجر، لكنه انتهى إلى وضع فئات أمام أعباء يصعب عليهم تحملها.

واستند عصام في رؤيته إلى حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في نوفمبر 2024، والذي قضى بعدم دستورية ثبات الأجرة السنوية للأماكن الخاضعة للقانون رقم 136 لسنة 1981، ومنح المُشرع مهلة زمنية لاختيار الضوابط المناسبة لتحديد أجرة جديدة، موضحًا أن الهدف كان الوصول إلى قيمة إيجارية لا تكون منخفضة إلى حد إهدار حقوق المالك، ولا مرتفعة تعجز معه فئات من المستأجرين عن سدادها، أو تصبح حاجتهم إلى المسكن مدخلًا لاستغلالهم.

غير أن عصام يرى أن القانون رقم 164 لسنة 2025 وإن أقر في بدايته قيمة إيجارية مؤقتة قدرها 250 جنيه، انتهى إلى فرض زيادات يرى أنها تتجاوز قدرة المستأجرين على السداد، خاصة من أصحاب المعاشات والفئات الأكثر هشاشة، مما دفع كثيرًا من المستأجرين إلى تراكم المتأخرات وعجزهم عن الوفاء بها، وفتح الباب أمام مزيد من المنازعات بينهم وبين الملاك، ويطرح تساؤلًا حول مدى نجاح التنظيم الجديد في تحقيق التوازن الذي كان مستهدفًا من إعادة النظر في نظام الإيجار القديم.

ومن ضمن الحالات التي رصدها عصام، سيدة مُسنة ارتفعت القيمة الإيجارية لوحدتها إلى 800 جنيه شهريًا، وعجزت عن سداد الإيجار لمدة شهرين، لتجد نفسها، أمام ضغط من المالك انتهى إلى توقيعها على إيصالات أمانة بقيمة 800 جنيه عن كل شهر تتأخر في سداده، مشيرًا إلى أن السيدة وضعت بين خطرين، فقدان مسكنها والطرد، أو الإمضاء والملاحقة الجنائية في حال عدم الوفاء بقيمة إيصالات الأمانة من ناحية أخرى.

وتنسب هذه الواقعة إلى رواية المحامي؛ أما التكييف القانوني لأي إيصال أو ثبوت مسؤولية جنائية فلا يُستخلص تلقائيًا من عدم دفع الإيجار، ويخضع للمستندات والوقائع وتقدير القضاء.

وحدات بديلة ومعلومات غائبة

ولا تقتصر ملاحظات عصام على القيمة الإيجارية، إذ يرى أن القانون يتضمن، بحسب تقديره جوانب يراها مخالفة للدستور، من بينها آلية نقل المستأجرين، ومنهم أصحاب المعاشات، إلى وحدات بديلة، ويقول إنه تلقى شكاوى من مستأجرين بشأن نقلهم إلى مناطق بعيدة لا تتوافر فيها الخدمات، بعدما كانوا يسكنون في مناطق مثل الهرم ووسط البلد ومدينة نصر، مؤكدًا أنه تقدّم بالطعن على هذا البند.

ويستحضر عصام، ضمن مخاوفه من تأخر التسليم، شكاوى تتعلق بوحدات يقول إنها لم تُسلم منذ عام 2018. ولم يحدد في المقابلة المشروع المقصود أو مستندات هذه الحالات؛ ولذلك لا يمكن نسبتها إلى برنامج السكن البديل المرتبط بقانون صدر في 2025. وتظل المقارنة التي يطرحها تعبيرًا عن قلقه من القدرة على الوفاء بالتخصيصات الجديدة.

ويرى أن غياب المعلومات التفصيلية عن الوحدات المعروضة على المستأجرين يمثل مشكلة إضافية، إذ يقول إنه تلقى شكاوى من متقدمين عبر المنصة الإلكترونية تفيد بعدم وضوح قيمة الإيجار الشهري، أو مساحة الوحدة أو موقعها قبل اتخاذ قرار بالتنازل عن عقد الإيجار القديم مقابل الحصول على وحدة بديلة.

وبحسب ما يرويه، يخشى مقدمو الطلبات الالتزام بالتخلي عن العقد قبل معرفة جميع البيانات المتعلقة بالوحدة التي سينتقلون إليها. غير أن هناك فارقًا قانونيًا بين تقديم إقرار بالإخلاء ضمن الطلب وبين موعد تنفيذ الإخلاء نفسه؛ فنص المادة الثامنة يربط تسليم العين المؤجرة بصدور قرار التخصيص واستلام الوحدة البديلة معًا، لا بمجرد تسجيل الطلب على المنصة.

وينتقد عصام هذه الآلية، معتبرًا أن المستأجر يحتاج إلى معرفة تفاصيل الوحدة البديلة قبل التخلي عن مسكنه الحالي، خصوصًا، أن بعض المستأجرين يعيشون في وحدات مكونة من ثلاث غرف تستوعب أُسرًا من خمسة أو ستة أفراد. ويقول إن موقع الوحدة البديلة يمثل عنصرًا أساسيًا في قدرة الأسرة على الاستمرار في حياتها في ظل ارتباطها بالعمل والمدارس والخدمات، بينما لا يعرف المستأجر أين ستكون وحدته الجديدة حين يُطلب منه الالتزام بالانتقال مستقبلًا.

ويشير إلى أنه تولى رفع عدد من الطعون القضائية لصالح بعض المستأجرين للمطالبة بالإبقاء على مبلغ الـ 250 جنيهًا، وعدم إلزامهم بسداد فروق القيمة الإيجارية عن الأشهر السابقة، إلى حين الفصل في المنازعات المتعلقة بالقيمة الإيجارية الجديدة أمام الجهات القضائية المختصة ومنها المحكمة الدستورية العليا في الدعاوى المنظورة أمامها.

وتظل هذه طلبات قضائية يقول المحامي إنه قدمها، لا أحكامًا نهائية ثبت صدورها بإلغاء القانون أو إعفاء أصحابها من الفروق. كما أن رفع طعن لا يعني بذاته وقف الالتزامات أو إجراءات الإخلاء.

من يحق له التقدم لسكن بديل؟

لكن أزمة الوحدات البديلة لا تقف عند مواقع الوحدات أو مواصفاتها وقيمة الإيجار شهريًا، لكنها تمتد إلى نقطة أوسع، وهي من يمكنهم الحصول على وحدة بديلة؟

وفي مداخلة على قناة «صدى البلد»، قال حسين حسان، خبير التنمية المستدامة، إن الاستفادة من الوحدات البديلة تقتصر على المستأجر الأصلي المسجل اسمه في العقد، وإنها لا تمتد إلى الأبناء إلا إذا كانت أسماؤهم مسجلة فيه. هذا التفسير الإعلامي، الذي يزيد ارتباك بعض الأسر، يحتاج إلى تمييزه عن النص القانوني نفسه.

ولم يحسم حسان في مداخلته حصول الزوجة أو الأبناء الذين امتدت إليهم العلاقة الإيجارية قانونًا على وحدات بديلة في حال وفاة المستأجر الأصلي، مشيرًا إلى أن قبول استحقاقهم وحدات بديلة يتوقف على استيفاء الشروط.

لكن حصر حق التقدم في الاسم المكتوب ابتداءً بالعقد لا يطابق نص المادة الثامنة: فهي تشمل المستأجر ومن امتد إليه العقد قانونًا. وتقرر المادة، على نحو منفصل، التزامًا بتخصيص وحدات للمستأجر الأصلي وزوجه الذي امتد إليه العقد قبل العمل بالقانون، قبل نهاية الفترة الانتقالية بعام على الأكثر. وهذا الضمان الخاص لا يلغي حق بقية من امتدت إليهم العقود قانونًا في التقدم وفق الضوابط والأولويات.

ولا تتوقف شروط الاستحقاق، بحسب حسان، عند صفة المتقدم، وإنما تمتد إلى طبيعة استخدام المسكن ووضع المتقدم السكني، إذ يقول إنه يشترط أن تكون الوحدة محل الإيجار مستخدمة فعليًا وليست مغلقة، وألا يكون لدى المستأجر مسكن آخر يمكنه الإقامة فيه، وألا يكون قد سبق له الحصول على وحدة سكنية من الدولة. وهذه شروط كما عرضها المتحدث، بينما يخضع قبول كل طلب للقواعد الرسمية وفحص المستندات، ولا يحسمه الوصف الإعلامي وحده.

وهُنا تأتي معضلة أيمن فريد، البالغ من العمر 47 عامًا، والمُصاب بشلل الأطفال والفشل الكلوي، والذي يعيش مع بناته الثلاث ونجله في شقة إيجار قديم، مُسجلة باسم والده، في صفط اللبن التابعة لمحافظة الجيزة، منذ زواجه قبل نحو 20 عامًا.

العام الماضي تقدّم بطلب للحصول على وحدة سكنية بديلة، لكن طلبه لم يُحسم وقت المقابلة في سبتمبر 2026، ولا يعرف ما إذا كان سيحصل على وحدة أم لا، خاصة وأن عقد الشقة باسم والده وحده، وكلما دخل إلى المنصة لمتابعة طلبه، يجد أن حالة الطلب ما زالت معلقة، دون معرفة ما ستؤول إليه. ووجود اسم الأب بالعقد لا يكفي وحده لإثبات أهلية أيمن أو نفيها؛ إذ يلزم التحقق من الامتداد القانوني وشروط التخصيص.

فيما يزداد قلقه من أن يجد نفسه وأبنائه بلا مسكن، خاصة بعد تعرضه لتهديد من المالك بالإخلاء، إثر مطالبته بسداد 12 ألف جنيه، كفروق إيجارية تراكمت عن الأشهر الماضية منذ سبتمبر 2025، بحسب ما أخبره المالك، وهدده باتخاذ الإجراءات القانونية ورفع دعوى طرد إذا لم يسددها.

وتتضاعف الأزمة مع كون أيمن لا يملك مصدر دخل لسداد المبلغ، غير معاش والده، البالغ 6 آلاف جنيه، ويتوزع المبلغ بين سداد الجمعيات التي يلتزم بها لتجهيز بناته الثلاث للزواج، وتكاليف أدوية الفشل الكلوي، إلى جانب احتياجات الأسرة ونفقاتها اليومية، بالإضافة إلى أنه أصبح ملزمًا بتخصيص 1380 جنيه شهريًا قيمة الإيجار بعد تطبيق الزيادة السنوية 15%، ولا يملك القدرة على سداد المبلغ المتراكم عليه.

يعقب أيمن بحسرة على قيمة الإيجار الجديدة “بت أدفع مثل المستأجرين بنظام الإيجار الجديد الذين يدفعون 1300 جنيه بجواري في المنطقة”. وهي مقارنة بحالات مجاورة كما يعرفها، وليست متوسطًا موثقًا لإيجارات المنطقة.

ويضيف بنبرة استسلام “إذا الدولة أتاحت لي وحدة بديلة سأنتقل، أما إذا لم توفر لي مسكن، سأكون في الشارع أنا وأولادي”، وفق حديثه مع “زاوية ثالثة”.

معاش تتوزعه احتياجات الأسرة

أما عن سامية عبد العزيز، اسم مستعار، التي تبلغ من العمر 60 سنة، فتحمل همًا، فالأزمة بالنسبة لها لا تبدأ من قيمة الإيجار وحدها، بل من معاش زوجها الذي تخشى أن يتراجع إجمالي ما يصل منه إلى أسرتها مع تغير أوضاع الأبناء.

فبعد وفاة زوجها قبل ست سنوات، تعيش سامية على معاش يبلغ 3400 جنيه، لكن ابنتيها بدأتا الخروج تدريجيًا من الحصة المستحقة، إحداهما ستُسجل في التأمينات الاجتماعية لشركتها بعد ثلاثة أشهر من موعد المقابلة في سبتمبر 2026، والأخرى تستعد للزواج بعد أربعة أشهر، بينما تخشى أن يفقد ابنها الأصغر نصيبه فور انتهاء دراسته، وتخشى أن تجد نفسها أمام معاش يتقلص، من دون أي مصدر دخل آخر. وتعبر هذه الشهادة عن مخاوفها، وليست حسابًا نهائيًا لاستحقاقها؛ فوقف أو قطع نصيب أحد المستحقين يخضع لشروط، وقد تترتب عليه إعادة توزيع الأنصبة على باقي المستحقين. ولا يمكن تحديد ما سيصل إلى سامية دون مراجعة ملف التأمينات والدخل والحالة العائلية لكل مستحق.

تروي سامية لـ “زاوية ثالثة” أنها لا تزال تحاول سداد 250 جنيهًا لمالكة العقار في بولاق الدكرور، باعتبار أن الشقة تقع في منطقة اقتصادية، إلا أن المالكة رفضت استلام المبلغ في الأشهر الأخيرة، وطالبتها بسداد 700 جنيه، ومع تطبيق الزيادة السنوية بنسبة 15% أصبحت القيمة المطلوبة 805 جنيهات شهريًا، متسائلة “كيف سأسدد هذا المبلغ بعد خروج أبنائي”.

وترى سامية أن القيمة الجديدة لا تعكس واقع المنطقة التي تعيش فيها في بولاق الدكرور، إذ تصف الحارة بالضيقة، اتساعها لا يتجاوز خمسة أمتار، فضلًا عن كونها مسدودة، وعلى حالتها هذه تدفع المبلغ نفسه الذي يدفعه مستأجرون قريبون منها في مناطق أعلى بكثير.

ولهذا السبب تقدمت بشكوى إلى مجلس الوزراء اعتراضًا على الزيادة، لكنها تقول إنها لم تتلق ما يغير وضعها، لتعلق آمالها على ما ستنتهي إليه المحكمة الدستورية في الطعون المقامة على القانون، أملًا في إعادة النظر في القيمة الإيجارية للمناطق الاقتصادية.

وبسبب تصاعد الخلاف بينها وبين مالكة العقار تقدمت أيضًا بطلب الحصول على وحدة سكنية بديلة، إلا أن طلبها كان لا يزال معلقًا وقت المقابلة، منتظرة قبول طلبها بفارغ الصبر حتى لا تجد نفسها بلا مأوى.

كلفة الانتقال تتجاوز الإيجار

ويؤكد حسن الصافي، عضو هيئة دفاع اتحاد المستأجرين، أن الزيادة الجديدة في القيمة الإيجارية دفعت الفئات الأكثر هشاشة إلى قلب الأزمة وفي مقدمتها أصحاب المعاشات وذوو الإعاقة، مشيرًا إلى أن كثيرًا منهم أصبحوا عاجزين عن سداد الأجرة الجديدة “وأن وجود حالة إنسانية واحدة تتضرر من تطبيق القانون يفترض أن يدفع إلى إعادة النظر فيه”.

ويتفق حسن مع حديث المحامي أيمن عصام بأن حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في نوفمبر 2024 كان يستهدف إنهاء ثبات القيمة الإيجارية، دون تحميل المستأجرين زيادات تفوق قدرتهم على السداد، قائلًا إن المحكمة شددت على ضرورة تحقيق التوازن بين حق المالك وعدم استغلال حاجة المستأجر إلى السكن، مضيفًا أن الحكومة غيّرت القانون كله، وتجاهلت أحكامًا سابقة للمحكمة الدستورية تتعلق بامتداد عقد الإيجار للجيل الأول.

ويحذر حسن من أن الأزمة تتجاوز قيمة الإيجار إلى مصير آلاف الأسر التي لا تمتلك سكنًا بديلًا، موضحًا أن الحالات الإنسانية التي يتابعها لا تملك القدرة على الانتقال إلى مسكن آخر، بسبب اعتيادهم على أماكن معينة.

كما يشير إلى أصحاب المعاشات الذين سيكونون الأكثر تضررًا من هذا الانتقال، ليس فقط لبعد المسافة، وإنما لفقدان شبكة الخدمات التي اعتادت عليها الأسر، من مستشفيات ومدارس، ومصالح يومية، وفقًا لحديثه لزاوية ثالثة.

كما انتقد غياب المعلومات الخاصة بالوحدات البديلة، موضحًا أن المتقدمين لا يعرفون مسبقًا قيمة الإيجار الشهري، متفقًا مع المحامي أيمن عصام في هذه النقطة، رغم أن هذه البيانات تمثل عاملًا حاسمًا بالنسبة لمستأجرين تتراوح معاشاتهم بين ألفين وثلاثة آلاف جنيه، وهي شريحة يقول إنها تمثل نسبة كبيرة من مستأجري الإيجار القديم.

وبين استمرار فرض القانون الزيادات الإيجارية الجديدة، واستمرار الإعلان عن وحدات السكن البديل، يعزف بعض المستأجرين الذين تحدث إليهم التقرير عن التقديم، مثل نهال، فلا تعرف كيف تنتقل بوالدتها المُسنة وأشقائها من ذوي الإعاقة، فيما ينتظر آخرون مثل سامية، وأيمن، فبالنسبة إليهم، يمثل الحصول على بديل أملًا في الحفاظ على مأوى، رغم غياب المعلومات، وفي ظل تهديدهم بالإخلاء من قبل المُلاك، وصعوبة الاستمرار في سداد الإيجار شهريًا.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

مروة محيي الدين
صحفية مصرية، عملت بعدد من المواقع المصرية والعربية، مهتمة بالصحافة الإجتماعية والإنسانية والتحقيقات

Search