برمجة الصمت: تقرير حقوقي يرصد 13 مسارًا قانونيًا لتقييد الفضاء الرقمي في مصر

تقرير حقوقي يرصد 13 مسارًا قانونيًا لتقييد الحقوق الرقمية في مصر.
كولاج عن تقييد الحقوق الرقمية في مصر، يجمع هاتفًا وفمًا محجوبًا بقصاصات حمراء ومبنى مؤسسيًا.

ميريت أشهد

أصدر المنبر المصري لحقوق الإنسان تقريرًا من 55 صفحة بعنوان «برمجة الصمت: كيف تُقيّد القوانين الحقوق الرقمية في مصر؟»، رصد فيه كيف بنت تشريعات صدرت بين 2003 و2025 منظومة تحكم في الفضاء الرقمي تعمل على حساب الضمانات التي نص عليها دستور 2014.

وتتبع التقرير هذه المنظومة في ثلاثة عشر محورًا، من حجب المواقع وتراخيص الصحف الإلكترونية، إلى الاحتفاظ الإلزامي ببيانات المستخدمين، وتجريم التشفير وحيازة معدات الاتصالات والطائرات المسيّرة، وصولًا إلى قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذي أرجأ مجلس النواب العمل به إلى أكتوبر 2027.

وخلص إلى أن الأزمة لا تبدأ من غياب النصوص الدستورية، بل من ترجمتها إلى قوانين تعيد تعريف حدود الحق عبر معايير مرنة مثل «الأمن القومي» و«النظام العام» و«القيم الأسرية»، فيقع التدخل أولًا ويُراجع لاحقًا.

دستور يحمي ونصوص تستثني

بدأ التقرير من الإطار الدستوري. فالمادة 65 تكفل التعبير «بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر»، وهي صياغة تشمل المنشورات والفيديو والبودكاست والتدوين دون حاجة إلى نص خاص بالإنترنت. وتكفل المادة 70 حرية النشر الإلكتروني وحق إنشاء وسائط الإعلام الرقمي، وتحظر المادة 71 الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام ومصادرتها ووقفها وإغلاقها إلا «في زمن الحرب أو التعبئة العامة»، وتمنع العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر باستثناء التحريض على العنف والتمييز والطعن في الأعراض.

وتجعل المادة 68 المعلومات والوثائق الرسمية «ملكًا للشعب» وتلزم الدولة برقمنتها «بجميع الوسائل والأدوات الحديثة». وتحظر المادة 57 الاطلاع على المراسلات الإلكترونية أو مراقبتها إلا «بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة»، وتلزم الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة وتحظر تعطيلها أو حرمانهم منها تعسفيًا. وتضيف المواد 94 و95 و97 و99 سيادة القانون وشرعية الجرائم والعقوبات وحظر تحصين القرارات الإدارية من رقابة القضاء، وتعد الاعتداء على الحياة الخاصة جريمة لا تسقط بالتقادم. أما المادة 31 فأدخلت أمن الفضاء المعلوماتي في منظومة الأمن القومي وأحالت تدابيره إلى القانون، فيما تمنع المادة 92 أي قانون من تقييد الحقوق بما يمس جوهرها، وتمنح المادة 93 المواثيق الدولية المصدق عليها قوة القانون، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي تكفل مادته 19 حرية التعبير وتحظر مادته 17 التدخل التعسفي في الخصوصية والمراسلات.

ورأى التقرير أن جزءًا من التشريع اللاحق تعامل مع المجال الرقمي «بمنطق التحكم السلطوي وليس بضمانة الحقوق»، وحدد خمسة قوانين حملت هذا التحول: تنظيم الإعلام والصحافة، ومكافحة الإرهاب، ومكافحة جرائم تقنية المعلومات، وحماية البيانات الشخصية، وتنظيم الاتصالات وتعديلاته.

ثلاثة أبواب للحجب

وثّق التقرير أن الحجب الواسع بدأ في 24 مايو 2017 دون إعلان رسمي عن الجهة التي أصدرت القرار أو سنده القانوني، ثم اتسع تدريجيًا ليشمل منصات سياسية وحقوقية وخدمات تقنية وأدوات تجاوز الحجب، مستندًا إلى ورقة لمؤسسة مسار.

وقال إن الحجب لا يرد في قانون واحد، بل يتوزع على ثلاثة مداخل. المدخل الجنائي بدأ بقانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، أول قانون نص على الحجب صراحة؛ إذ تعاقب مادته 29 بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنين كل من أنشأ أو استخدم موقعًا للترويج لأفكار إرهابية أو «تضليل السلطات الأمنية»، وبما لا يقل عن عشر سنين من دخل موقعًا حكوميًا بغير حق، وتمنح مادته 49 النيابة سلطة وقف هذه المواقع أو حجبها. ثم جاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 بمسارين في مادته السابعة: أمر حجب من جهة التحقيق يُعرض على المحكمة في غرفة المشورة خلال 24 ساعة، فتقرر خلال 72 ساعة، ومسار عاجل تُبلغ فيه الجهات الشرطية الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، فيُخطر مقدم الخدمة بالحجب المؤقت فورًا، على أن يُعرض المحضر على جهة التحقيق خلال 48 ساعة وإلا عُدّ الحجب كأن لم يكن. ولاحظ التقرير أن مقدم الخدمة هو من ينفذ الحجب فورًا، ما يدفعه إلى الامتثال المفرط وتوسيع النطاق تجنبًا للمسؤولية.

والمدخل التنظيمي يحمله قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018: المادة 3 تحظر الرقابة لكنها تجيز للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام «حذف أو حجب المادة المخالفة» زمن الحرب أو التعبئة، والمادة 6 تجيز حجب أي موقع لا يحمل ترخيصًا ساريًا، والمادة 19 تمد المحظورات (الأخبار الكاذبة، والتحريض، والكراهية، والتمييز، وامتهان الأديان) إلى كل حساب أو مدونة يتجاوز متابعوها خمسة آلاف، وتجيز للمجلس وقفها أو حجبها بقرار منه.

أما المدخل البنيوي فيمر بقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، الذي لا يذكر الحجب نصًا، لكن مادته 64 تلزم المشغلين بتوفير «الإمكانيات الفنية» داخل الشبكة للقوات المسلحة وأجهزة الأمن القومي، ومادته 67 تجيز إخضاع شبكات أي مشغل لإدارة «السلطات المختصة» في «أي حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي». واستشهد التقرير بحكم محكمة القضاء الإداري عام 2013 بحجب يوتيوب شهرًا بسبب فيلم مسيء للرسول، استنادًا إلى تفسير موسع للمادتين، نقلًا عن مؤسسة مسار. وخلص إلى أن هذا التشظي يجعل الفاعل الرقمي عاجزًا عن معرفة «أي معيار سيُطبّق، وأي جهة ستتحرك، وبأي إجراءات».

ترخيص بخمسين ألف جنيه وبلا موافقة ضمنية

وصف التقرير الترخيص بأنه «أقرب إلى شرط وجود لا إلى تنظيم مهني محدود»، إذ يمكن معاملة موقع قائم بوصفه نشاطًا غير مشروع لمجرد غياب التصريح. ويحكم الملف ثلاثة نصوص: القانون 180 لسنة 2018، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الوزراء رقم 418 لسنة 2020، ولائحة التراخيص الصادرة بقرار المجلس الأعلى رقم 26 لسنة 2020. وألزم القانون الكيانات القائمة بتوفيق أوضاعها خلال ستة أشهر من العمل باللائحة.

وتطلب نماذج الترخيص بيانات المالك والممثل القانوني واللغة وطبيعة النشاط ومصادر التمويل والهيكل الإداري والتحريري، وهو ما رأى التقرير أنه يضع استقلال المبادرات الرقمية تحت تقييم إداري ويتيح استخدام «متطلبات الإفصاح» وسيلة ضغط. وتحدد المادة 11 من اللائحة رسم الطلب بخمسين ألف جنيه (نحو 901 دولار) للموقع الإلكتروني ومئتين وخمسين ألفًا (نحو 4507 دولارات) للوسيلة الإعلامية، وتُحال الطلبات إلى لجنة التراخيص خلال أسبوع، وتعد اللجنة تقريرها خلال ثلاثين يومًا. وتنص المادة 12 على صدور قرار المجلس خلال تسعين يومًا، لكن هذا الموعد تنظيمي لا يترتب على تجاوزه أثر، خلافًا للصحافة الورقية التي يُعد فيها سكوت المجلس موافقة ضمنية.

ومدة الترخيص خمس سنوات يُجدد قبل انتهائها بستة أشهر بالرسم ذاته. وتلزم المادة 16 المواقع المرخصة بالاحتفاظ بكل ما تنشره سنة على الأقل وإيداع نسخة شهرية لدى المجلس، وبوجود نسخة من خوادمها داخل مصر في مكان «آمن ومعلوم للمجلس» لا يُغيّر إلا بموافقته. وتنص المادة 5 من لائحة التراخيص على أن كل اشتراطات النماذج «شروط جوهرية». وانتهى التقرير إلى أن الترخيص تحول من إجراء تأسيسي إلى «وسيلة انضباط مستمرة» تتحكم في استمرارية المنصات المستقلة.

من مقويات المحمول إلى كل جهاز اتصال

تتبع التقرير تعديل قانون الاتصالات عام 2022، الذي وافقت عليه الحكومة في يوليو من ذلك العام بهدف معلن هو تغليظ عقوبات حيازة أجهزة تقوية المحمول غير الشرعية، ثم صدر بالقانون رقم 172 لسنة 2022 المنشور في الجريدة الرسمية في 26 ديسمبر 2022. واستبدل التعديل الفقرة الأولى من المادة 44 والمادة 77، فامتد الحظر من الاستيراد والتصنيع والتجميع إلى الحيازة والاستخدام والتشغيل والتركيب والتسويق لأي «معدة من معدات الاتصالات» دون تصريح من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.

وحددت المادة 77 الجديدة الحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مليوني جنيه إلى خمسة ملايين (نحو 36 ألفًا إلى 90 ألف دولار) للاستيراد والتصنيع والتجميع والتسويق، والحبس وغرامة من مئة ألف إلى ثلاثمئة ألف جنيه (نحو 1803 إلى 5408 دولارات) للحيازة والاستخدام والتركيب والتشغيل، مع استثناء الأجهزة اللاسلكية الحاصلة على ترخيص عام، والسجن المشدد إذا كان الغرض المساس بالأمن القومي، ومضاعفة العقوبة عند العود، والمصادرة في جميع الأحوال.

وقال التقرير إن العلاقة بين الفرد والقانون انقلبت من «إباحة أصلية مع منع محدد» إلى «منع شامل مع استثناء مشروط»، وإن نطاق «المعدات» مرهون بقوائم يعتمدها الجهاز وتتغير.

ونبّه إلى أن الحظر قد يطال الصيانة وإصلاح الأعطال والاختبار الميداني، ويضغط على أسواق قطع الغيار والورش الصغيرة والبيع المستعمل بما قد يُنتج «تأثيرًا احتكاريًا غير مباشر»، ويدفع الباحثين في الشبكات وأمن المعلومات إلى تجنب مشاريع بعينها أو نقلها خارج البلاد، ويرفع مخاطر الإنفاذ الانتقائي لأن أغلب المعدات مزدوجة الاستخدام.

مراقبة من أربع طبقات

رصد التقرير المراقبة الجماعية بوصفها «قدرة تشغيلية دائمة» تقوم على أربع طبقات. الأولى تمكين فني داخل الشبكات بموجب المادتين 64 و67 من قانون الاتصالات، بينما لا توجد في مصر، بحسب التقرير، رقابة مستقلة على حدود الطلبات وتوثيقها. والثانية احتفاظ إلزامي تفرضه المادة 2 من قانون تقنية المعلومات: يحفظ مقدمو الخدمة لمدة 180 يومًا البيانات التي تعرّف المستخدم، وبيانات المحتوى الخاضع لسيطرتهم، وحركة الاتصال، والأجهزة الطرفية، وأي بيانات أخرى يحددها مجلس إدارة الجهاز، ويوفرون لجهات الأمن القومي «كافة الإمكانيات الفنية» عند طلبها.

ورأى التقرير أن هذه البيانات الوصفية، حتى دون المحتوى، ترسم خريطة دقيقة لدوائر التواصل وأنماط الحركة، فتتحول المراقبة «من جمع عند الاشتباه إلى جمع مسبق عن الجميع ثم بحث لاحق داخل المخزون».

والطبقة الثالثة توسيع سلطات الاعتراض في قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، الذي نقل مركز الثقل من رقابة قضائية صارمة إلى النيابة العامة. والرابعة المادة 46 من قانون مكافحة الإرهاب، التي تجيز للنيابة في الجرائم الإرهابية الإذن بمراقبة المحادثات والرسائل وتسجيل ما يجري في الأماكن الخاصة لمدة ثلاثين يومًا قابلة للتجديد «مدة أو مددًا أخرى». ونبّه التقرير إلى أن اتساع تعريف الإرهاب يُدخل التواصل السياسي والصحفي في هذا الإطار، وأن مخزون البيانات الضخم يرفع مخاطر التسريب والاختراق.

قال التقرير إن قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 يبدو «بمظهر معاصر»، لكن المادة الثالثة من مواد إصداره تستبعد ست فئات: البيانات المعالجة للاستخدام الشخصي، وللإحصاء الرسمي أو تنفيذًا لنص قانوني، وللأغراض الإعلامية بشرط الدقة ودون إخلال بقوانين الإعلام، وبيانات محاضر الضبط والتحقيقات والدعاوى، والبيانات لدى جهات الأمن القومي «وما تقدره لاعتبارات أخرى»، والبيانات لدى البنك المركزي والجهات الخاضعة لرقابته باستثناء شركات تحويل الأموال والصرافة.

وتلزم المادة نفسها مركز حماية البيانات، بطلب من جهات الأمن القومي، بإخطار المتحكم أو المعالج بتعديل البيانات أو محوها أو حجبها خلال مدة محددة، ويلتزم المتحكم بالتنفيذ. وأضاف التقرير أن اللائحة التنفيذية بنت شبكة تراخيص وتصاريح للمتحكمين والمعالجين، وأنشأت قناة إبلاغ خاصة بالخروقات «ذات الصلة باعتبارات حماية الأمن القومي» بالتنسيق مع الجهات الأمنية، مستندًا إلى ورقة مشتركة لمؤسسة مسار والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية. وخلص إلى أن الخصوصية «تُذكر كحق، ثم تُفتح بوابات استثناء تجعل سقف الحماية مرتبطًا ببنية السلطة ومساراتها».

قانون من 1937 يلاحق منشورات اليوم

وصف التقرير قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 بأنه من أكثر أدوات تقييد الحقوق الرقمية فاعلية اليوم، لأن مادته 171 تعرّف العلانية «بأية وسيلة أخرى»، فيمكن معاملة منشور أو تعليق أو فيديو كنشر علني، حتى إن كان موجهًا للأصدقاء فقط.

وفي الأخبار الكاذبة، تعاقب المادة 102 مكرر من أذاع عمدًا أخبارًا أو إشاعات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب أو الإضرار بالمصلحة العامة بالحبس وغرامة من 50 إلى 200 جنيه، والسجن وغرامة من 100 إلى 500 جنيه زمن الحرب، وتمتد إلى حيازة المطبوعات ووسائل الطبع والتسجيل المعدة لذلك. وتعاقب المادة 188 النشر «بسوء قصد» بالحبس حتى سنة وغرامة من خمسة آلاف إلى عشرين ألف جنيه (نحو 90 إلى 361 دولارًا)، ورأى التقرير أن «سوء القصد» أمر تقديري يصعب دحضه. وتعاقب المادة 80 (د) كل مصري أذاع في الخارج أخبارًا كاذبة تضعف الثقة المالية بالدولة أو هيبتها بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من 100 إلى 500 جنيه، وهو نص يطال بطبيعة الإنترنت العابرة للحدود منشورات متاحة خارج مصر.

وفي السب والقذف، تعاقب المادة 303 على القذف بغرامة من خمسة آلاف إلى خمسة عشر ألف جنيه، ترتفع إلى عشرة آلاف حتى عشرين ألفًا إذا وقع على موظف عام بسبب وظيفته، وتعاقب المادة 306 على السب بغرامة من ألفين إلى عشرة آلاف جنيه، وتضاعف المادة 307 الغرامات عند النشر في الصحف، وتشدد المادة 308 العقوبة إلى الحبس والغرامة معًا عند الطعن في الأعراض أو «خدش سمعة العائلات». وفي الإهانة، تعاقب المادة 133 على إهانة الموظف العام بالحبس حتى ستة أشهر أو غرامة حتى 200 جنيه، والمادة 185 على سبه بغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف جنيه، والمادة 179 على إهانة رئيس الجمهورية بغرامة من عشرة آلاف إلى ثلاثين ألف جنيه (نحو 180 إلى 541 دولارًا)، والمادة 184 على إهانة البرلمان والجيش والمحاكم والسلطات بالحبس وغرامة من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف. وأضاف التقرير المادة 98 (و) الخاصة باستغلال الدين وازدراء الأديان، بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات، والمادة 178 الخاصة بالمواد «الخادشة للحياء العام»، بالحبس حتى سنتين وغرامة من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف جنيه.

رأى التقرير أن صانع المحتوى يقف بين مسارين. الأول تنظيمي يعيد تصنيف أي حساب يتجاوز خمسة آلاف متابع، وفق المادة 19 من قانون الإعلام، كوسيط نشر عام يجوز للمجلس الأعلى وقفه أو حجبه، فيقع التدخل أولًا ثم يُطعن عليه لاحقًا أمام القضاء الإداري. والثاني جنائي عبر قانون تقنية المعلومات: تعاقب المادة 24 على اصطناع حساب ونسبته زورًا للغير بالحبس ثلاثة أشهر على الأقل وغرامة من عشرة آلاف إلى ثلاثين ألف جنيه، ترتفع إلى الحبس سنة على الأقل وغرامة من خمسين ألفًا إلى مئتي ألف (نحو 901 إلى 3606 دولارات) إذا أساء الحساب لصاحبه، وإلى السجن وغرامة من مئة ألف إلى ثلاثمئة ألف إذا وقعت على شخص اعتباري عام. وحذّر التقرير، مستندًا إلى ورقة لمسار صدرت في مايو 2021، من امتداد النص إلى الحسابات الساخرة والأسماء المستعارة.

وتجمع المادة 25 في قالب عقابي واحد، بالحبس ستة أشهر على الأقل وغرامة من خمسين ألفًا إلى مئة ألف جنيه، بين «الاعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية» وانتهاك الخصوصية والرسائل الكثيفة غير المرغوبة. واستند التقرير إلى تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية «تأديب المجتمع» الصادر في ديسمبر 2025، الذي قرأ هذه المادة أداة ضبط اجتماعي «بآثار طبقية وجندرية».

الإرهاب: حين تصبح البيانات الرسمية هي الحقيقة

قال التقرير إن قانون مكافحة الإرهاب يعيد تعريف الفضاء الرقمي كله «باعتباره مجالًا أمنيًا»، بدءًا من تعريف المادة 2 الذي يتسع لأفعال التهديد والترويع بهدف «الإخلال بالنظام العام». وتعاقب المادة 28 بالسجن خمس سنين على الأقل على الترويج المباشر وغير المباشر لجريمة إرهابية، وسبع سنين إذا وقع داخل دور العبادة أو بين أفراد الجيش والشرطة، وتسري العقوبة على حيازة وسائل الطبع والتسجيل. وتعاقب المادة 35 بغرامة من مئتي ألف إلى خمسمئة ألف جنيه (نحو 3606 إلى 9014 دولارًا) من نشر أخبارًا عن العمليات الإرهابية أو عمليات مكافحتها «بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع»، مع جواز منعه من مزاولة المهنة سنة. ورأى التقرير أن هذا النص يجعل «الحقيقة مسألة قرار إداري أكثر من كونها ثمرة تحقيق مستقل»، ويضيّق على الصحافة الاستقصائية والتغطية القائمة على شهود ومصادر غير رسمية.

الإجراءات الجنائية: مراقبة وتتبع ومحاكمة عن بعد

ذكّر التقرير بأن قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 أُقر بعد تعديل مواد اعترض عليها رئيس الجمهورية، ونُشر في 12 نوفمبر 2025، وكان مقررًا العمل به في أول أكتوبر 2026، قبل أن يوافق مجلس النواب في 30 سبتمبر 2026 على إرجائه عامًا. وقال إن القانون يقنن «ممارسات اعتادت عليها السلطات» في السنوات الأخيرة، ورصد خمسة مداخل تمس الحقوق الرقمية.

تمنح المادة 117 رئيس النيابة سلطة أمر مسبب لثلاثين يومًا قابلة للتجديد بمراقبة الاتصالات وحسابات التواصل الاجتماعي «غير المتاحة للجميع» والبريد الإلكتروني والرسائل النصية والصوتية والمصورة على الهواتف. وتضيف المادة 114 إلى بدائل الحبس الاحتياطي «استخدام الوسائل التقنية في تتبع المتهم» بقرار من وزير العدل بالتنسيق مع وزيري الداخلية والاتصالات، وهو ما وصفه التقرير بنقل الحرمان من الحرية «من مكان الاحتجاز إلى البنية الرقمية»، وتجيز المادة نفسها منع المتهم من الاتصال بأشخاص «بأي شكل من الأشكال»، وهي عبارة تبتلع الهاتف والتطبيقات والبريد. وتنشئ المادة 232 مراكز للإعلانات الهاتفية تابعة لوزارة العدل تستعلم عن الرقم القومي للمتهم ورقم هاتفه، وتحيل المادة 233 إثبات وصول الإعلانات إلى قرار وزاري، وحذّر التقرير من مساواة وصول الرسالة تقنيًا بعلم المتهم فعليًا، متجاهلًا ملكية الخط وتغييره وتعطل الهاتف والوجود خارج البلاد. وتنظم المواد من 530 إلى 537 التحقيق والمحاكمة عن بعد، بما فيها النظر في الحبس الاحتياطي، وتمنح جهات التحقيق والمحاكمة سلطة تسجيل الجلسات وحفظها دون توقيع المتهمين أو الشهود، فتصبح الدولة، بحسب التقرير، الحائز الوحيد لما يثبت ما جرى، وعلى الدفاع أن يطلب من خصمه نسخة من التسجيل إذا وقعت مخالفة.

عاد التقرير إلى المادة 67 من قانون الاتصالات بوصفها الإطار الأقدم لقطع الاتصالات، لأنها تنقل إدارة الشبكة نفسها إلى الدولة في الكوارث والتعبئة العامة و«أي حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي»، دون تعريف لـ«السلطات المختصة» أو قيود على المدة أو النطاق الجغرافي أو التناسب. ورغم أن المادة 25 تلزم المرخص لهم باستمرار الخدمة، تعاقب المادة 82 بالحبس من يخالف أوامر الاستدعاء، وبالسجن زمن الحرب أو التعبئة. واستشهد التقرير بقطع الإنترنت والاتصالات على مستوى الجمهورية في 28 يناير 2011، نقلًا عن ورقة «عزلة» لمؤسسة حرية الفكر والتعبير الصادرة في مارس 2018.

تلزم المادة 64 من قانون الاتصالات المشغلين والمستخدمين معًا بعدم استخدام أي أجهزة لتشفير خدمات الاتصالات إلا بموافقة الجهاز والقوات المسلحة وأجهزة الأمن القومي، باستثناء البث الإذاعي والتلفزيوني، وتعاقب المادة 81 المخالف بالحبس وغرامة من عشرة آلاف إلى مئة ألف جنيه (نحو 180 إلى 1803 دولارات) مع وقف الترخيص مؤقتًا. ورأى التقرير أن غموض ما «يُعد جهاز تشفير» يدفع الصحفيين والباحثين والنشطاء إلى تجنب أدوات الحماية. ورصد مفارقة في اللائحة التنفيذية لقانون تقنية المعلومات، التي تلزم مقدمي الخدمة بتشفير البيانات بمعيار AES-128 ومفتاح لا يقل عن 128 بت يحتفظون به، أي تشفير «مُدار» داخل منظومة الامتثال، مقابل تضييق التشفير الذي يتحكم فيه المستخدم.

الدرونز: الحيازة جريمة حتى تأذن وزارة الدفاع

قدّم التقرير القانون رقم 216 لسنة 2017 نموذجًا لـ«تجريم التكنولوجيا». فالمادة الأولى تعرّف الطائرة المسيّرة بأنها أي جسم يطير دون طيار «أيًا كان شكله أو حجمه» ويمكن تحميله بما «يمثل تهديدًا للأمن القومي»، وتسمي وزارة الدفاع جهة مختصة. وتحظر المادة الثانية على الجهات العامة والخاصة والأفراد استيرادها أو تصنيعها أو تجميعها أو تداولها أو حيازتها أو استخدامها دون تصريح.

وتنص اللائحة التنفيذية (قرار رئيس الوزراء رقم 931 لسنة 2018) على تقديم الطلب إلى هيئة عمليات القوات المسلحة، واعتبار مرور ثلاثين يومًا دون رد رفضًا، وإصدار التصريح لثلاث سنوات على الأكثر يُجدد قبل انتهائه بثلاثة أشهر، وإلزام المصرح له بسجلين يراجعهما مختصون تحددهم الوزارة، وإبلاغها خلال ثلاثة أيام إذا انتهى النشاط، ويُنظر التظلم أمام لجنة يشكلها وزير الدفاع. وتشترط موافقات أمنية وموافقة وزارة الطيران المدني بحسب الغرض، اقتصاديًا أو رياضيًا أو بحثيًا، ولا تعفي الجامعات إلا إذا ضمت قسمًا للطيران. وحتى الطائرات الخفيفة جدًا المعفاة تمر بتقرير من الجمارك ومراجعة من وزارة الدفاع خلال ثلاثين يومًا، نقلًا عن مسار.

وتعاقب المادة الثالثة بالحبس من سنة إلى سبع سنوات وغرامة من خمسة آلاف إلى خمسين ألف جنيه (نحو 90 إلى 901 دولار) أو إحداهما، وبالسجن المؤبد إذا كان الغرض إرهابيًا، وبالإعدام إذا ترتبت وفاة، مع المصادرة لصالح القوات المسلحة. وتمنح المادة الرابعة أعضاء الضبط القضائي العسكري صفة مأموري الضبط، ويسند القانون الاختصاص إلى القضاء العسكري. وحذّر التقرير من أن هذا النموذج «قابل للتمدد إلى تقنيات أخرى».

تسع توصيات

طالب المنبر بربط الحجب والوقف بمعايير محددة وتعريف «الأمن القومي» و«الخطر الوشيك» و«القيم الأسرية»، وبإخطار مكتوب مسبب وطعن فوري أمام قاض مستقل، ووقف الإجراء عند الطعن إذا ترتب ضرر جسيم، ونشر بيانات دورية عن أوامر الحجب. ودعا إلى إنهاء الترخيص المسبق المكلف للمواقع الصحفية المستقلة، ورسوم متناسبة، واعتبار السكوت موافقة، وتقليص اشتراطات الأرشفة وتوطين الخوادم. وطالب بتقليص مدد الاحتفاظ بالبيانات ونطاقه وربط النفاذ إليها بأمر قضائي مسبب، وتضييق استثناءات قانون حماية البيانات وتعزيز استقلال جهة إنفاذه.

ودعا كذلك إلى مراجعة جرائم الأخبار الكاذبة وتقليص الحبس في قضايا النشر وتطوير بدائل مدنية في السب والقذف، وحماية التشفير وإخفاء الهوية «بوصفهما أدوات أمان لا شبهة»، والانتقال في معدات الاتصالات والدرونز إلى تنظيم يميز درجات الخطورة ويستثني الصيانة والبحث. وطالب، قبل نفاذ قانون الإجراءات الجنائية في أكتوبر 2027، بضوابط تنفيذية للتتبع الرقمي والمحاكمة عن بعد تحمي السرية وحق الدفاع وسلامة التسجيل.

وختم التقرير بأن المشكلة «لا تكمن في غياب النصوص بقدر ما تكمن في غياب حدود تشغيلية واضحة» تمنع تحول الاستثناء إلى ممارسة يومية، وبأن حضور الدولة لا يُقاس باتساع قدرتها على التدخل، بل بقدرتها على إدارة المخاطر «دون تحويل المجتمع إلى دائرة اشتباه دائمة».

ولم تصدر الحكومة المصرية أو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أو الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تعليقًا على التقرير حتى لحظة إعداد هذه التغطية.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

ميريت أشهد
صحفية مصرية حاصلة على ماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة

Search