صناعة الإجماع الزائف في مصر: «اللجان الإلكترونية» من حسابات مبارك إلى شركات التسويق

خلال سبعة أيام، سافرت عبارة واحدة من بيان وزارة الداخلية إلى شاشات التلفزيون ومواقع الأخبار ومنشورات قديمة أُعيد تدويرها، ثم إلى بيان النيابة العامة. هذا التقرير يتتبع ما وثقته المنصات والباحثون منذ 2019 عمن يصنع هذه الروايات في مصر، وأين يتوقف الدليل.
كولاج تعبيري يجمع صفوفًا متطابقة من الهواتف تعرض فقاعة الكلام نفسها وميكروفونًا قديمًا تتفرع أسلاكه نحوها، على خلفية رمادية ودائرة مرجانية.
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

في 1 أكتوبر وصفت وزارة الداخلية في بيانها صحفيي منصة «متصدقش» الستة بأنهم «لجنة إعلامية» تابعة لجماعة الإخوان، وفي 7 أكتوبر قالت النيابة العامة إن أحد المتهمين «أقر خلال التحقيقات بانضمامه والمتهمين المضبوطين وآخرين إلى اللجنة الإعلامية لجماعة الإخوان». وبين البيانين، تكررت العبارة نفسها في حلقات تلفزيونية ومواد صحفية ومنشورات متداولة بمفردات متطابقة، في الوقت الذي كان فيه الستة في أماكن احتجاز لم تُعلن، ولم يُسمح لمحاميهم بالانفراد بهم. ما جرى في هذا الأسبوع ليس جديدًا في مصر؛ لكنه المرة التي يمكن فيها وضع الأسبوع كله إلى جوار ما وثقته شركات ميتا وتويتر ومختبر الأبحاث الرقمية في المجلس الأطلسي ومعهد ستانفورد للإنترنت عن الشبكات التي تنتج الخطاب الموالي للحكومة المصرية وتضخمه، لمعرفة ما الذي يثبته الدليل وما الذي يبقى في دائرة «اللجان الإلكترونية» بوصفها تهمة متبادلة لا شبكة مرئية.

أسبوع واحد ورواية واحدة

بدأت الحملة الأمنية مساء الاثنين 28 سبتمبر بالقبض على محمد أشرف أبو عميرة وعبد الله قدري، ثم إسلام بركات وعمر هلال ومحمد محمود ومحمد عادل خلال الساعات التالية، بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي تتولى الدفاع عنهم. وصدر بيان الداخلية بعد نحو ثمانٍ وأربعين ساعة، ووصف الصفحة بأنها «غير مرخصة وتُدار من الخارج» وضمن «اللجان الإعلامية» للجماعة، وأن أحد الستة مقيد بنقابة الصحفيين. وخلال الساعات التالية، كما وثقت زاوية ثالثة في 3 أكتوبر، تناقلت صحف وقنوات محسوبة على الدولة الرواية نفسها بالمفردات نفسها، وأضافت إليها ما لم يقله البيان: سيرة لوالد مؤسس المنصة عبد الرحمن منصور، واسم شركة في نيويورك، وآلية تحويلات مالية، كلها منسوبة إلى «مصادر» بلا أسماء. وفي مساء 1 أكتوبر نشر موقع «المصري اليوم» خبرًا عن حبس الستة خمسة عشر يومًا نفاه محاموهم، وقال حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة، إن رئيس نيابة أمن الدولة العليا نفى له أن يكون أحد منهم قد عُرض على التحقيق، وفق ما نشره «مدى مصر».

وفي الساعة الأولى من 2 أكتوبر نشرت بوابة «الأهرام» مادة قالت فيها إن الأجهزة الأمنية ضبطت ستة من القائمين على الصفحة «من بينهم عبد الرحمن منصور، مقيد بنقابة الصحفيين»، مع أن بيان الداخلية نفسه وصف منصور بأنه «الهارب بالخارج»، وبنت المادة على مقطع قديم للقيادي الإخواني الراحل عصام العريان لتقول إن تداوله يشكل «ردًا عمليًا» على من قالوا إن القبض على منصور تعسفي. وفي مساء اليوم نفسه عرض الكاتب عبد الرحيم علي، في مداخلة هاتفية مع عمرو أديب على «إم بي سي مصر»، ثلاثة تسجيلات صوتية قال إنها لمنصور ولم يكشف مصدرها، بحسب ما نقله موقع «كايرو 24». وفي 3 أكتوبر تداول مستخدمون منشورات قديمة منسوبة إلى حساب باسم عبد الله قدري على منصة «إكس» تتضمن تعاطفًا مع الإخوان والرئيس الراحل محمد مرسي، ونشرت مواقع إخبارية لقطاتها بوصفها «اعترافات»، كما رصد موقع «تليجراف مصر»، من دون أن يتحقق أحد من صاحب الحساب ولا من تاريخ المنشورات، ثم حملت مواقع موالية العناوين نفسها تقريبًا، من «صدى البلد» الذي نسب إلى «أحد القائمين على متصدقش» أن تدوينات قدري تكشف انتماءه، إلى «إيجي إن» الذي وصفه في عنوانه بـ«الإخواني». وفي اليوم نفسه توعدت وزارة الداخلية باتخاذ الإجراءات القانونية حيال «مروجي الادعاءات» على صفحات قالت إنها تابعة للإخوان.

ثم جاء ما قاله الصحفيون أنفسهم حين ظهروا أخيرًا أمام النيابة. فقد قالت المبادرة المصرية، نقلًا عن محامي الدفاع الحاضرين، إن بعض الصحفيين أثبتوا أمام نيابة أمن الدولة العليا في جلسات الأحد 4 أكتوبر تعرضهم للتقييد والتغمية والضرب وخلع الملابس والصعق بالكهرباء في مقار الأمن الوطني، وإن ضباطًا أجبروهم على قراءة «اعترافات» من أوراق أمام الكاميرا. وبعد ثلاثة أيام قالت النيابة في بيانها إنها أحالت ثلاثة ممن ادعوا الإكراه إلى الطب الشرعي فأثبتت تقاريره «خلوهم من الإصابات وعدم وجود علامات تدل على استعمال العنف ضدهم»، وإن المتهمين أقروا بتلقي مبالغ دورية بالدولار من شركة يملكها عضو هارب في الخارج، وإن الصفحة «إحدى المنصات الإعلامية للجماعة». وردت المبادرة، بحسب «مدى مصر»، بأن البيان «أضفى طابعًا إجراميًا غير حقيقي على أفعال مشروعة». وهكذا أغلقت الدائرة: العبارة التي بدأت في بيان الشرطة قبل أن يُسأل أحد من الستة سؤالًا واحدًا، صارت بعد أسبوع إقرارًا منسوبًا إليهم في بيان النيابة، مرورًا بشاشات ومواقع ومنشورات أعادت إنتاجها كل يوم.

ما يراه مدقق حقائق

يرى الصحفي حسام الهندي، مدير مبادرة «التحقق بالعربي» المتخصصة في تدقيق المعلومات بتقنيات المصادر المفتوحة، أن الحديث عن «لجان إلكترونية» يحتاج «إلى دليل والبحث وراءه وتفصيل كل حالة على حدة»، ويفضل مفهوم «النشر الجماعي»: رواية أو معلومة تُتداول جماعيًا عبر حسابات وأفراد وبأشكال مختلفة من المحتوى. ويقول لزاوية ثالثة إن النشر الجماعي «ليس مشكلة في حد ذاته إذا كان الناس ينقلون معلومة صحيحة»، لكن المشكلة تبدأ حين تُعرض واقعة أو تصريح مع إغفال الرد والسياق.

ويضرب مثلًا بما جرى مع متصدقش: «يمكن أن آتي بتصريح للقيادي الإخواني الراحل عصام العريان يتحدث فيه عن انتماء عبد الرحمن منصور إلى الإخوان، وهو تصريح قديم، ولا أورد رد منصور عليه، رغم أنه رد مباشرة وقال إنه ليس من الإخوان وإنه ترك الجماعة قبل الثورة». والتصريح الذي يقصده الهندي قاله العريان على قناة «أون تي في» في 2 سبتمبر 2012، ورد عليه منصور في اليوم نفسه، في تصريحات أعاد موقع «المواطن» نشرها هذا الأسبوع، بأنه انفصل عن الجماعة قبل الثورة بعام وأن محاولة نسب الثورة إلى تنظيم بعينه لا تعكس ما جرى. «هنا نشر جماعي لا يتسم بالأمانة وفيه تضليل مباشر؛ يوضع الفيديو ويُتغاضى عن باقي الموضوع»، يقول الهندي، مضيفًا أن الطرف الذي يقدم الرواية «قد يكون جهات أمنية، أو جهات سياسية، أو أفرادًا، أو أصحاب مصالح، أيًا كان الطرف».

ويذكر مثالًا ثانيًا: «يمكن أن تنشر المجموعات مقالًا للكاتب الصحفي الراحل محمد أبو الغيط، وهو أحد مؤسسي متصدقش، معادًا نشره على موقع يتبع الإخوان، ثم يُقال إن أبو الغيط كان يعمل في منصة إخوانية، رغم أن النسخة الأصلية من المقال منشورة في صحيفة الشروق». ويفرق الهندي بين ثلاثة أنماط: التضليل الذي يقوم على معلومة «صحيحة في أصلها لكن لها رد ولها أبعاد ولها سياق» ثم يُتغاضى عن بقيتها، والكذب الذي هو «أن آتي بمعلومة غير صحيحة وأرفض أن أوضح للناس حقيقتها»، والفبركة التي لا تعني بالضرورة تصنيع المادة من الصفر بل «فبركة الفكرة أو النص؛ آتي بشيء وأظل أقول: هذا دليل على أنه كذا». وعن التسجيلات الصوتية المتداولة يقول: «عندما يستمع إليها أي شخص عاقل كاملة سيجد أنه لا شيء فيها؛ شخص يسلّم على شخص، أو يقول له ما يقوله الناس جميعًا». ويرى أن «أكبر مشكلة في فكرة النشر الجماعي» هي استخدام عدد كبير من الحسابات لتثبيت رواية «في أغلبها مضللة وغير صحيحة»، وأن هذه الروايات تُستخدم لتثبيت سردية بشأن «التهم المنسوبة إلى الأشخاص الذين يجري التحقيق معهم».

من «لجان الوطني» إلى «لجان الدولة»

لا يملك المصطلح نفسه تاريخًا محايدًا. ففي دراسة نشرها الباحثان نرمين الشريف وطارق أنور في المجلة الدولية للاتصال عام 2024، بعد تحليل 110 مواد صحفية مصرية بين 2011 و2021 في «الأهرام» و«اليوم السابع» و«الوطن» و«الشروق» و«المصري اليوم» و«ساسة بوست»، تبين أن أول إشارة صحفية إلى «اللجان الإلكترونية» تعود إلى 26 فبراير 2011 في «اليوم السابع» وتخص لجان الحزب الوطني الديمقراطي، أي أن المصطلح وُلد لوصف حسابات موالية لمبارك ظهرت بعد عودة الإنترنت في 5 فبراير 2011. ثم انتقلت التهمة خلال عام حكم محمد مرسي إلى جماعة الإخوان، وسمّت الصحف خيرت الشاطر «عقلها المدبر»، ومنذ 2016 صارت صحف موالية تحتفي علنًا بلجان مدعومة من الدولة، من بينها مجموعة على فيسبوك يقودها شريف خيري، قبل أن يعود الخطاب الرسمي إلى تحميل الإخوان وتركيا وقطر مسؤولية كل وسم معارض. وتخلص الدراسة إلى أن الإفراط في استخدام المصطلح حوّله إلى «دال فارغ» يُلقى على أي وسم ينتقد الحكومة، وإلى أن هذا الغموض نفسه أداة من أدوات السلطوية الرقمية.

وفي الموازاة، بنت الدولة أدواتها الرسمية. ففي يونيو 2014 كشفت صحيفة «البوابة» عن كراسة شروط أعدتها وزارة الداخلية لنظام «رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي»، وفق ما حللته «المفكرة القانونية» آنذاك، وفي العام نفسه أُنشئ المجلس الأعلى للأمن السيبراني وداخله لجنة لمتابعة الفضاء الإلكتروني ورصد ما تصفه السلطات بالآراء «المنحرفة» والمحتوى المرتبط بالإرهاب من دون تعريف لأي من المصطلحين، كما كتب الباحثان بسنت حسيب وجيمس شايرز في دراسة نشرتها «جورنال أوف سايبرسكيوريتي» عام 2021. وفي دراسة نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في أكتوبر 2020، رصد الباحث مصطفى السيد حسين مكتبًا أُنشئ بقرار النائب العام رقم 2376 لسنة 2019 لإنشاء حسابات على مواقع التواصل والعمل «برجًا للمراقبة في الفضاء الإلكتروني». وخلصت دراسة يزيد صايغ الصادرة عن مركز كارنيجي للشرق الأوسط في مايو 2025 بعنوان «الجمهورية الثانية» إلى أن النظام سعى إلى الهيمنة على الفضاء العام والخطاب الإعلامي وتوسيع دور الأجهزة الأمنية في إدارة المجال السياسي.

ست شبكات في ثمانية أشهر

ما تملكه المنصات هو الجزء الوحيد من هذا الملف الذي يُقاس بالأرقام. ففي 1 أغسطس 2019 أعلنت فيسبوك حذف شبكة منشؤها مصر والإمارات ضمت 259 حسابًا و102 صفحة وخمس مجموعات وسبعة عشر حسابًا على إنستغرام، تابع صفحاتها أكثر من 13.7 مليون حساب، وأنفقت نحو 167 ألف دولار على الإعلانات، ونشرت عن دعم قطري وتركي مزعوم للإرهاب ونشاط إيران في اليمن وحرب ليبيا، وقالت الشركة إن تحقيقها وجد صلات بشركتي تسويق: «نيو ويفز» في مصر و«نيوويف» في الإمارات. وحين حلل مختبر الأبحاث الرقمية في المجلس الأطلسي الشبكة بعد أسبوعين، وجد أن الشخص الأرجح خلف «نيو ويفز» هو عمرو حسين، الذي سُجلت باسم بريده الإلكتروني كيانات أخرى وروجت صفحات الشركة لمدونته الشخصية، وأن الشركة تعمل منذ 2015، وأن محتواها وازى المصالح السياسية للسعودية والإمارات ومصر والبحرين، لكنه قال صراحة إنه لم يجد «صلة مباشرة بأي حكومة». ويقول مصطفى السيد حسين، الباحث في المركز العربي، إن الشركة كان يرأسها ضابط سابق في الجيش، وإنه تعرف على ثلاثة من موظفيها الخمسة انتقلوا بعد إغلاقها إلى وظائف مماثلة في هيئات رسمية، وهي معلومة ينفرد بها ولم تؤكدها المنصة ولا المختبر.

وفي 3 أكتوبر 2019 أزالت فيسبوك شبكتين في آن: الأولى منشؤها الإمارات ومصر ونيجيريا (211 حسابًا و107 صفحات و43 مجموعة و87 حسابًا على إنستغرام) ربطتها بشركات «تشارلز كوميونيكيشنز» الإماراتية و«مينت ريتش» النيجيرية و«فليكسيل» المصرية، والثانية منشؤها مصر وحدها (163 حسابًا و51 صفحة و33 مجموعة وأربعة حسابات على إنستغرام) تابعتها 5.6 مليون حساب، قدمت صفحاتها نفسها وسائل إعلام محلية مستقلة في الصومال واليمن والسعودية والسودان وتونس وإيران وتركيا ولبنان وقطر، وقالت الشركة إن تحقيقها «وجد صلات بصحيفة مصرية هي الفجر». وفي فبراير 2020 أزالت الشبكة الأكبر: 333 حسابًا و195 صفحة وتسع مجموعات و1,194 حسابًا على إنستغرام، نشأت في مصر واستهدفت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وربطتها بشركتي «نيو ويفز» و«فليكسيل» اللتين قالت إنهما سبق أن خالفتا سياساتها. وفي مارس 2020 أزالت شبكة رابعة من 81 حسابًا و82 صفحة ومجموعة و76 حسابًا على إنستغرام ربطتها بشركة تسويق مصرية اسمها «معات». وفي كل هذه الحالات الأربع، نسبت فيسبوك الشبكات إلى شركات لا إلى الدولة.

الاستثناء الوحيد جاء من تويتر. ففي 2 أبريل 2020 أعلنت الشركة حذف 2,541 حسابًا في مصر ضمن شبكة «الفجر»، قالت إنها أنشأت حسابات غير أصيلة لتضخيم رسائل تنتقد إيران وقطر وتركيا، وإن «معلومات حصلنا عليها من الخارج تشير إلى أنها كانت تتلقى توجيهاتها من الحكومة المصرية». وحلل معهد ستانفورد للإنترنت، في ورقة أعدتها رينيه ديريستا وتارا خرادبير وكارلي ميلر في اليوم نفسه، البيانات التي أتاحتها تويتر: 7.9 مليون تغريدة، 84.5 في المئة منها بالعربية، تمدح الحكومة المصرية والرئيس عبد الفتاح السيسي وتهاجم الإخوان وقطر وإيران وتركيا، وتدعم خليفة حفتر في ليبيا وتؤيد الإمارات والسعودية. ولاحظ الباحثون أن الشبكة تشبه «أصلًا إعلاميًا» أكثر مما تشبه «منظمة مرتزقة» أو حكومة، وأن الصحيفة الأسبوعية التي تأسست عام 2005 تملكها شركة «الفجر للطباعة والنشر» ورئيس تحريرها مصطفى ثابت. ولم تنشر الشركات الثلاث ولا الصحيفة ردًا علنيًا على قرارات الحذف تمكنت زاوية ثالثة من الوصول إليه.

خمس عمليات حذف في ثمانية أشهر شملت ست شبكات، ونحو 3,050 حسابًا وصفحة ومجموعة على منصات ميتا بحساب زاوية ثالثة، و2,541 حسابًا على تويتر، وثلاث شركات تسويق مصرية وصحيفة، وجملة واحدة من منصة واحدة عن «توجيه من الحكومة». هذا هو الدليل العلني كله، وهو كثير بما يكفي لنفي أن الخطاب الموالي عفوي بالكامل، وقليل بما لا يكفي لإثبات أن جهازًا واحدًا يديره.

شبكة تعاود الظهور

ما لم تحذفه المنصات وثّقه الباحثون. ففي 23 مارس 2023 وصف مختبر الأبحاث الرقمية شبكة من 21 حسابًا نشطًا على تويتر، لاحظ تنسيقًا بين اثني عشر منها على الأقل، ضخمت وسم «#هندعم_السيسي_ل2030» (نحو 55,400 تغريدة) ووسم «#كل_الدعم_لرجال_الشرطة» (نحو 10,600)، ثم استخدمت الحسابات نفسها وسمًا للسخرية من منصة «صحيح مصر» لتدقيق الحقائق (نحو ألف تغريدة)، وقال إن الهدف على الأرجح «بناء تصور زائف عن تأييد واسع للحكومة» و«تشويه مبادرات تدقيق الحقائق». وفي 31 مايو 2023 رصدت الباحثة دينا صادق في المختبر نفسه وسم «#مصر_تدعم_حقوق_الانسان» الذي أطلقه حساب في 21 مارس 2023، يوم إعلان الرئيس العفو عن 85 غارمًا، وبلغ 1,084 إشارة من 352 مستخدمًا، وكان ثلاثة من أكثر خمسة حسابات نشاطًا فيه أعضاء في شبكة الحسابات الإحدى والعشرين نفسها، ونشرت حسابات عدة التغريدة نفسها بالصورة نفسها خلال دقائق.

ثم في 19 أكتوبر 2023 وثق المختبر حملة وسمي «#يسقط_نقيب_المهندسين» و«#نعم_لسحب_الثقه» ضد نقيب المهندسين طارق النبراوي، بلغت ذروتها في 30 و31 مايو 2023، يوم التصويت على سحب الثقة واليوم التالي، ثم خمدت: حساب واحد استخدم الوسمين 209 مرات، وآخر 163 مرة في أقل من ساعة، وخمسة حسابات نشرت النص نفسه بالترتيب نفسه، وثلاثة نشرت بيان حزب «مستقبل وطن» في الدقيقة نفسها، وشارك في الحملة حسابان سبق أن ظهرا في حملات ضد الحقوقيين جورج إسحق وجمال عيد. وفي الحالات الثلاث وصف المختبر الحسابات بأنها «موالية للحكومة» و«غير أصيلة على الأرجح»، ولم يقل إن الدولة تديرها. ما تثبته هذه التقارير إذن ليس هوية المشغل، بل أن بنية واحدة من الحسابات تُفعّل عند كل حدث: دعم الرئيس، مدح الشرطة، الدفاع عن سجل حقوق الإنسان، إسقاط نقيب، تشويه مدقق حقائق، بالمفردات نفسها وفي الدقائق نفسها.

ما الذي تقيسه المنصات

لا تحكم المنصات على الشبكات بمضمونها بل بسلوكها. فمعايير ميتا تعرّف «السلوك المنسق غير الأصيل» بأنه تعاون منظم بين حسابات لتضليل الناس بشأن هوية القائمين عليها أو طبيعة نشاطها، ويُستدل عليه بتوقيت النشر وتكرار الصياغات وإعادة استخدام الصور والروابط وطريقة إخفاء الهوية. ويقول خبير في الأمن السيبراني، تحدث إلى زاوية ثالثة شريطة عدم ذكر اسمه، إن الفارق الجوهري هو أن التأييد الشعبي الواسع «لا يحتاج إلى انتحال هويات أو تشغيل آلاف الحسابات بصورة منسقة»، وإن ارتباط أكثر من شبكة بشركات تسويق متخصصة يرجح أن التأثير الرقمي نُظم عبر بنية شبه مهنية، «حتى إن لم تكشف البيانات العلنية كامل سلسلة القيادة والتمويل». ويصف تكتيكين يفسران فعالية هذه الشبكات: «الإغراق» بضخ كميات كبيرة من المنشورات والوسوم في وقت متقارب فتملأ واجهات المستخدمين وتدفع الروايات المنافسة إلى الهامش، ولا يحتاج ذلك إلى حسابات آلية بالكامل بل إلى إدارة مركزية أو شبه مركزية برسالة ووسم وتوقيت واحد؛ و«التدوير» بزرع معلومة في حسابات غير أصيلة ثم إعادة تدويرها عبر صفحات أخرى حتى تظهر على مواقع موالية بوصفها خبرًا متداولًا، فتنفصل عن مصدرها الأول وتكتسب مصداقية من كثرة التداول لا من التحقق. ويرى أن هذه الأساليب فعالة على المدى القصير في السيطرة على الرواية الرسمية ومنع أي نقاش في السياسات العامة، لكنها تؤدي على المدى الطويل إلى فقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة والميل إلى تصديق الشائعات المضادة.

وتجري هذه المعركة في ساحة غير متكافئة. فعدد مستخدمي الإنترنت في مصر بلغ 96.3 مليون شخص في يناير 2025 بنسبة انتشار 81.9 في المئة، بينما لا يتجاوز الجمهور الإعلاني لمنصة «إكس»، حيث تُقاس معظم حملات الوسوم، 5.22 مليون مستخدم مقابل 48.7 مليونًا لفيسبوك. أي أن وسمًا يتصدر «إكس» بعشرات آلاف التغريدات من بضع عشرات من الحسابات يصل إلى جمهور أصغر بتسع مرات من الجمهور الذي تصل إليه المواقع والصفحات التي تعيد نشره بوصفه «ترندًا». وفي الاتجاه الآخر يعمل القانون: فقد صنف تقرير «حرية الإنترنت» الصادر عن فريدم هاوس لعام 2025 مصر «غير حرة» بـ28 نقطة من مئة، ورصد حجب موقع زاوية ثالثة داخل مصر في فبراير 2025 ضمن حجب مواقع إخبارية بقرار من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. وقالت منظمة العفو الدولية في 18 يوليو 2024 إن قوات الأمن احتجزت تعسفيًا 119 شخصًا منذ مطلع الشهر على خلفية دعوات على مواقع التواصل للتظاهر في 12 يوليو ضد الأسعار وانقطاع الكهرباء، ثم وثقت بعدها القبض على رسام الكاريكاتير أشرف عمر في 22 يوليو. فالمستخدم الذي يواجه الوسوم المنسقة يواجه في الوقت نفسه الحجب والاعتقال، وهو ما يجعل المسافة بين «لجنة إلكترونية» تهاجم صحفيًا وجهة تحقيق تحتجزه أقصر مما تبدو.

ما يبقى من الدليل

في 2 أبريل 2020 كتبت تويتر الجملة الوحيدة التي سمّت فيها منصة عالمية من يوجّه شبكة مصرية: «تتلقى توجيهاتها من الحكومة المصرية». ومنذ ذلك اليوم لم تضف المنصات جملة مماثلة، واكتفت بأسماء شركات تسويق، وبقي الباحثون عند عبارة «موالية للحكومة». وفي 7 أكتوبر 2026 كتبت النيابة العامة أن صفحة تدقيق حقائق «إحدى المنصات الإعلامية» لجماعة إرهابية، بعد أسبوع قال فيه الصحفيون إنهم قرأوا اعترافاتهم من أوراق أمام الكاميرا. وبين الجملتين تقف خلاصة الشريف وأنور: إن «اللجان الإلكترونية» صارت دالًا فارغًا يلقيه كل طرف على الآخر، وإن الغموض نفسه هو الأداة. فالدولة التي تملك مجلسًا للأمن السيبراني ومكتبًا في النيابة لإنشاء الحسابات وقانونًا يحجب المواقع لا تحتاج إلى إثبات أن منصةً ما لجنة؛ يكفيها أن تقول ذلك في بيان، ثم تترك للشبكات التي لا يعرف أحد من يديرها أن تكرره حتى يصير إقرارًا.

Search