دخل الصحفيون الستة في منصة «متصدقش» صباح السبت 3 أكتوبر يومهم الخامس في الاختفاء، من دون أن يصل إليهم محامٍ، أو تعلن نيابة أمن الدولة العليا تهمة واحدة أو رقم قضية. وفي المقابل، تناقلت الصحف والقنوات المحسوبة على الدولة، منذ صدور بيان وزارة الداخلية صباح الخميس 1 أكتوبر، رواية واحدة بمفردات واحدة تصف الستة بأنهم «لجنة إعلامية» تابعة لجماعة الإخوان يديرها «إخواني هارب»، ثم عرض الكاتب عبد الرحيم علي على شاشة «إم بي سي مصر» تسجيلات صوتية لم يكشف مصدرها، ونشر موقع «المصري اليوم» خبرًا مؤرخًا بالخميس عن حبسهم خمسة عشر يومًا نفاه محاموهم ونقابة الصحفيين..
بدأت الحملة مساء الاثنين 28 سبتمبر حين داهمت قوة أمنية منزل الصحفي عبد الله قدري، ثم منزل زميله محمد أشرف أبو عميرة، بحسب ما وثقته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي يتولى محاموها الدفاع عن الفريق كله. وخلال نهار الثلاثاء 29 سبتمبر اعتُقل إسلام بركات من منزله في الغربية، وعمر هلال من منزله في بورسعيد، ثم محمد محمود ومحمد عادل من أحد شوارع القاهرة، وهما آخر عضوين في الفريق كانا خارج الاحتجاز، وفق رواية منظمة مراسلون بلا حدود التي وصفت ما جرى بأنه الأول من نوعه في مصر: غرفة أخبار كاملة خلف القضبان. وقالت المبادرة المصرية إن القوات التي داهمت المنازل لم تعرض إذنًا بالضبط أو التفتيش، ولم تخبر الأسر بمكان اقتياد أبنائها، وصادرت الهواتف والحواسيب بما فيها أجهزة تخص أفراد الأسر. وذكر عبد الرحمن منصور، أحد مؤسسي المنصة، لوكالة أسوشيتد برس أن القوة التي اقتادت أبو عميرة حطمت مكتبته وجهاز الإنترنت في منزله.
وفي ليلة الثلاثاء أصدرت لجنة الحريات بيانًا أعلنت فيه تضامنها مع قدري وأبو عميرة، ووصفت القبض عليهما وتفتيش منزل أحدهما بأنه مخالفة للقانون والدستور، وقالت رئيسة اللجنة إيمان عوف إن إضافة صحفيين جدد إلى قائمة المحتجزين تعني مواصلة النمط ذاته في استهداف الصحفيين ومنع الصحافة من أداء دورها. وفي الأربعاء 30 سبتمبر تقدمت النقابة بشكوى إلى وزير الداخلية وبلاغ إلى النائب العام المستشار محمد شوقي، تطالب فيهما بالكشف عن أماكن احتجاز الستة وملابسات القبض عليهم والإفراج عنهم، وفي اليوم نفسه أرسل نقيب الصحفيين خالد البلشي خطابًا إلى النيابة يطلب إبلاغ النقابة بموعد أي تحقيق ليتسنى لممثليها الحضور. وفي اليوم ذاته وقّعت أكثر من خمسين منظمة ووسيلة إعلام مستقلة، بينها لجنة حماية الصحفيين ومعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومنظمة «المادة 19»، نداءً عالميًا للإفراج الفوري عن الفريق، ارتفع عدد الموقعين عليه لاحقًا إلى أكثر من ثمانين، ونوهت لجنة حماية الصحفيين إلى أن تسعة عشر صحفيًا آخرين كانوا خلف القضبان في مصر لحظة صدور النداء.
لم تعترف أي جهة رسمية باحتجاز الزملاء نحو ستين ساعة. ثم نشرت وزارة الداخلية صباح الخميس 1 أكتوبر بيانها على صفحتيها في فيسبوك وإكس، وجاء فيه أنها رصدت صفحة على الإنترنت بعنوان «متصدقش» وصفها بأنها «غير مرخصة وتدار من الخارج» وتبث أخبارًا مغلوطة وتحرف الحقائق، وأن الفحص أظهر أنها «ضمن اللجان الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية ويديرها الإخواني الهارب بالخارج» عبد الرحمن شكري علي عبد الجليل منصور، بالاسم الرباعي الكامل كما يُكتب في المحاضر، وأن عناصر إخوانية داخل البلاد تعد الأخبار المفبركة وترسلها إليه لنشرها مقابل تمويل مالي من الخارج. وأضاف البيان أنه أمكن «تقنين الإجراءات» وضبط ستة من أعضاء هذه اللجنة، أحدهم مقيد بنقابة الصحفيين والباقون غير مقيدين، وأن الوزارة أحاطت نقيب الصحفيين في حينه بضبط الصحفي المقيد وخلفيات ضبطه. خلى البيان من تهمة محددة في قانون العقوبات أو قانون الإرهاب، أو رقم قضية، كما لم يتضمن مكان الاحتجاز، ولا الجهة التي تحقق مع الستة. وهي الثغرات الأربع التي بنت عليها منظمة هيومن رايتس ووتش بيانها في اليوم التالي، إذ اعتبرت أن احتجاز الصحفيين بمعزل عن العالم مع إنكار مكانهم قد يرقى إلى الإخفاء القسري بموجب القانون الدولي، وقال نائب مدير قسم الشرق الأوسط في المنظمة بسام خواجة إن تفكيك غرفة أخبار كاملة خلال ساعات من دون سابق إنذار أو سبب يبعث برسالة مرعبة لكل صحفي يعمل في مصر.
ردت «متصدقش» في اليوم نفسه ببيان من خمس نقاط تحت عنوان «لسنا إخوان بشهادة الأجهزة الأمنية»، فنّدت فيه ما سمته «خمس معلومات مضللة» في بيان الوزارة. قالت في النقطة الأولى إن المنصة نشرت خلال ثماني سنوات مئات التصحيحات لتصريحات وأخبار روجتها جهات وشخصيات محسوبة على الإخوان، وفندت مئات الشائعات التي بثتها وسائل إعلام تعمل من خارج مصر، وإن آخر هذه التصحيحات صدر قبل القبض على الفريق بيوم واحد، في 27 سبتمبر، حين صححت معلومات مغلوطة انتشرت عن القرار الجمهوري رقم 395 لسنة 2026 بتفويض وزير الدفاع والإنتاج الحربي الفريق أشرف سالم في بعض اختصاصات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في قانون التعبئة العامة.
وفي النقطة الثانية قالت إن جميع أعضاء الفريق مصريون يقيمون داخل مصر، وإن بيانات الشفافية في حساباتها على فيسبوك وإكس تظهر أنها تُدار من داخل البلاد. وفي الثالثة قالت إن منصور غادر مصر بصورة قانونية قبل سنوات، وإنه ليس مطلوبًا على ذمة أي قضية ولم يصدر بحقه حكم، وإنه استخرج قبل سنوات قليلة صحيفة حالة جنائية إلكترونية من وزارة الداخلية نفسها لم تتضمن أحكامًا بحقه. وفي الرابعة قالت إن ثلاثة من الصحفيين الستة خضعوا قبل نحو ثلاث سنوات لفحص وتحقيق في خلفياتهم، عقب القبض على زميل سابق لهم، وأُبلغت المنصة بعدها بعدم ثبوت أي علاقة لهم بجماعة سياسية أو تلقيهم تمويلًا. وفي الخامسة قالت إن الصحفيين يتقاضون رواتب عادية بعقود عمل وإثباتات دخل رسمية، تُصرف عبر النظام المصرفي المصري، في مستوى الأجور المتعارف عليها في المؤسسات المستقلة.
يحيل الفحص الذي تشير إليه النقطة الرابعة إلى أغسطس 2023، حين داهمت قوة أمنية فجرًا منزل محرر المنصة كريم أسعد في مدينة الشروق، وجرى الاعتداء وعلى زوجته وتهديدهما بابنهما، ثم الولوج إلى حسابات «متصدقش» وحذف منشورين عن هوية ركاب مصريين على طائرة ضُبطت في زامبيا محملة بالنقد والذهب. وقال منصور لأسوشيتد برس إن محققي الأمن الوطني أفرجوا حينها عن محررين اثنين بعد ست وثلاثين ساعة من دون توجيه أي اتهام بعدما لم يجدوا صلة لهما بالإخوان. وبعد تلك الواقعة، عرضت المنصة على الجهات الأمنية أن تقنن أوضاعها رسميًا بوصفها منصة صحفية وأن تنشئ مقرًا يجمع فريقها داخل مصر، فقوبل العرض بالتجاهل. وهذا بالضبط ما يجعل وصف «صفحة غير مرخصة» في بيان الوزارة وصفًا مشكلًا: فالجهة التي تحاسب المنصة على غياب الترخيص هي التي لم ترد حين طُلب منها. وحين استخدمت الأجهزة هذه الحجة لصد وساطة النقابة، بدعوى أن «متصدقش» صفحة على مواقع التواصل لم تطلب ترخيصًا من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أجابها البلشي، بحسب ما قال لمدى مصر: «بس أنا قلتلك: ما تتعاملش معاه، مش تقبض عليه».
تملك المنصة سجلًا علنيًا يسبق الحملة بثماني سنوات. تأسست عام 2018 منصةً لتدقيق الحقائق ثم توسعت في التحقيقات مفتوحة المصدر في مصر وبلدان عربية أخرى، وموقعها الإلكتروني محجوب داخل مصر بينما تتابع صفحتها على فيسبوك أكثر من مليون شخص، بحسب أسوشيتد برس. وأدرجتها دراسة أكاديمية منشورة عام 2021 عن التدقيق السياسي في الشرق الأوسط ضمن ست منصات عربية رئيسية إلى جانب «مسبار» و«فتبينوا» و«صحيح مصر»، ورصدت أنها الثانية بين الست في عدد مرات تدقيق تصريحات الرؤساء والحكام العرب. وليس في هذا السجل ما يدعم أو ينفي اتهامًا جنائيًا، لكنه يحدد ما الذي كانت الدولة تعرفه عن المنصة قبل أن تصفها بأنها لجنة سرية.

تسريب مكالمات
ما إن صدر بيان الوزارة حتى تشكلت حوله، خلال ساعات خطابات حملت كل علامات المصدر الواحد. ففي عصر الخميس ومساءه نشرت بوابة «الجمهورية أون لاين» مادة تنسب إلى «مصادر» لم تسمّها أن منصور «كادر تنظيمي» أسس أربعة مواقع وصفحات إخوانية هي «إخوان أون لاين» و«إسلام أون لاين» و«كلنا خالد سعيد» ثم «متصدقش»، وأنه غادر إلى الولايات المتحدة عام 2013 عقب فض اعتصام رابعة، وأن والده كان كادرًا إخوانيًا في الدقهلية قُبض عليه عام 2008 بعد عودته من الخليج، وأنه أنشأ شركة في نيويورك باسم «أوبن ترانسفورميشن لاب»، ويدير المنصة من الخارج «عبر ستة صحفيين بتحويلات بنكية»، ويوجه إليهم «تكليفات بملفات محددة ضد الدولة». وفي الساعات نفسها ظهرت الجمل ذاتها، بترتيبها وصياغتها، في «أخبار اليوم» القومية التي وصفت ما جرى بأنه «صفعة جديدة للإخواني الهارب»، وفي «تليجراف مصر» و«أخبار برس» و«صدى البلد» وعشرات المواقع الأصغر، وبينها جملة لافتة تقول إن النقيب «تم إبلاغه بأن القضية ذات طابع إخواني». ونشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية وجريدة «الأهرام» صورًا لمنصور مع الإشارة إلى أن والده «كادر إخواني سبق أن قُبض عليه».
أضافت تلك الاتهامات الإعلامية الموحدة إلى الاتهام ما لا تستطيع وزارة الداخلية أن تكتبه في بيان يُحتج به أمام القضاء، سيرة الأب، وتاريخ المغادرة، واسم الشركة، وآلية التحويلات، وكلها معلومات تُنسب إلى «مصادر». يقول مصدر في نقابة الصحفيين، أن تلك الاتهامات تنقل عبء الإثبات من الجهة التي تحتجز ستة أشخاص بلا تهمة إلى الأشخاص أنفسهم وذويهم، فيصير على منصور أن يثبت أن والده ليس كادرًا، وعلى الصحفيين أن يثبتوا أنهم لم يتلقوا تحويلات سوى رواتبهم، بينما لم يُعرض على أحد منهم سؤال واحد في تحقيق.
ومما يُذكر أن ما هو موثق علنًا عن منصور أضيق من هذه السيرة وأبعد عنها. فمنصور، وفق سيرة نشرها موقع «مبتدا» نفسه عام 2015، شارك في أول مظاهرة له عام 2003 ضد غزو العراق، والتحق بحركة «كفاية» عام 2005 وهو طالب في جامعة المنصورة حيث أصدر مع أصدقائه مجلة سياسية ساخرة باسم «أولاد البلد»، ودوّن منذ 2005 في مدونة «مراسل الأرض»، وقُبض عليه عام 2008 وأخلت مباحث مركز أجا سبيله وكان في الحادية والعشرين، ثم شارك وائل غنيم في إدارة صفحة «كلنا خالد سعيد» منذ 2010 واقترح موعد 25 يناير، والتحق بالخدمة العسكرية في 17 يناير 2011 فأخفى أصدقاؤه اسمه ثم كشفه غنيم. ويلفت أن واقعة 2008 الوحيدة الموثقة في هذه السيرة تخص منصور نفسه لا والده، بينما تنسب مواد «المصادر» القبض في العام ذاته إلى الأب بعد عودته من الخليج، ولم تتمكن زاوية ثالثة من التحقق من أي من الروايتين.
أما نسبة الإخوانية الحالية إليه فمصدرها الوحيد المتداول تصريح للقيادي الراحل عصام العريان على قناة «أون تي في» في 2 سبتمبر 2012 قال فيه إن منصور عضو في الجماعة وإن غنيم «التحق فترة بالإخوان»، وقد رد منصور في اليوم نفسه، في تصريحات أعاد موقع «المواطن» نشرها، بأنه انفصل عن الجماعة قبل الثورة بعام، وأن نشاطه السياسي خلال فترة وجوده فيها كان خارج أجندتها وفعالياتها، وأن محاولة إعادة كتابة تاريخ الثورة ونسبها إلى تنظيم بعينه لا تعكس ما جرى، لأن الثورة بدأت بنضال المصريين لا بقرار جماعة، ونفى غنيم بدوره أي انتماء تنظيمي. أي أن الواقعة الكاملة، كما جرت عام 2012، كانت محاولة من قيادي في الجماعة وهي في الحكم أن يضم الثورة وصفحتها الأشهر إلى رصيد تنظيمه، فرد عليه اثنان من مؤسسي الصفحة بالنفي. وأعادت بوابة الأهرام و«كايرو 24» و«صدى البلد» وغيرها تداول مقطع العريان خلال الساعات الماضية تحت وسم «المجد للأرشيف» باعتباره «اعترافًا» يحسم المسألة، فحذفت من الأرشيف نصفه، وهو الرد الذي صدر في اليوم ذاته، واعتمدت استدلالًا يفترض أن شهادة قيادي في جماعة ضد خصومها كافية لتجريمهم، في حين لا يملك البيان الرسمي حتى هذه الشهادة. وبلغ التسرع بالبوابة الرسمية لمؤسسة الأهرام أن كتبت في المادة نفسها أن الأجهزة ضبطت ستة من القائمين على الصفحة «من بينهم عبد الرحمن منصور، مقيد بنقابة الصحفيين»، فجعلت الرجل الذي يصفه بيان الداخلية بالهارب في الخارج واحدًا من المقبوض عليهم في الداخل، وهو خطأ لم تصححه حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

بوابة الأهرام، 2 أكتوبر 2026: المادة تجعل عبد الرحمن منصور واحدًا من الستة المقبوض عليهم و«مقيدًا بنقابة الصحفيين»، في حين يصفه بيان الداخلية بـ«الهارب بالخارج». الصفحة بلا تصحيح حتى 3 أكتوبر
ثم جاء دور الشاشات.فمساء الجمعة 2 أكتوبر في برنامج «الحكاية» على «إم بي سي مصر». استضاف عمرو أديب، في مداخلة هاتفية، الكاتب عبد الرحيم علي، الذي عرض على الهواء تسجيلات صوتية لم يكشف مصدرها ولا كيفية الحصول عليها، قال إنها لمنصور وإنها تثبت ارتباطه بالإخوان. وأذاع علي ثلاثة تسجيلات: الأول قال إنه يعود إلى مارس 2011 بين منصور ونائب المرشد آنذاك خيرت الشاطر، يدعو فيه الشاطر لمنصور بالتوفيق ويثني على ما أعاده من عزة للجماعة؛ والثاني بين منصور والصحفية مروة عوض، مراسلة رويترز السابقة، عن مساعدتها له في الانتقال إلى نيويورك وتأسيس شركته؛ والثالث بين منصور وشخص وصفه بأنه عضو في ائتلاف شباب الثورة عن طلب مقابلة السفير الفرنسي. وقال علي إنه يملك نحو خمسمئة مكالمة تخص منصور، وإن قيادات الجماعة عدّته أحد عناصر «القوة الناعمة» ورمزًا لإعلامها، وإنه أنشأ أربعًا وعشرين منصة في عشر دول.
فالمكالمة الأقدم، إن صحت، سُجلت في مارس 2011، أي قبل تأسيس «متصدقش» بسبع سنوات، وفي شهر كانت فيه الجماعة طرفًا شرعيًا في المشهد يلتقي قادتها كل قوى الثورة ومنهم مديرو أشهر صفحة صنعتها، ولم يكن في مصر قانون يجرّم مكالمة معها؛ وأما مكالمة الانتقال إلى نيويورك فهي، في أسوأ تفسير لها، دليل على أن رجلًا غادر بلده واستعان بزميلة في بلد الوصول، وهو ما تقوله المنصة نفسها عن مغادرته القانونية. والعبارة الأهم في المداخلة ليست في التسجيلات بل في عددها: فمن يملك خمسمئة مكالمة لمواطن واحد يمتد تسجيلها خمسة عشر عامًا قد يكون متلقيًا لنتاج مراقبة ممنهجة لا تملك إجراءها إلا جهة سيادية، وهي الجهة التي نفت وزارة الداخلية عام 2014 أي صلة لها بما أذاعه الرجل نفسه. وقال علي إن «متصدقش» تتبع شركة أمريكية غير ربحية مقرها نيويورك اسمها «أوبن ترانسفورميشن لاب» تأسست عام 2017 وحصلت على إعفاء ضريبي عام 2018، تملك أيضًا منصة «عربي فاكتس هب»، وتتبعها أربعة وعشرون موقعًا في عشر دول عربية. وحين سأله أديب لماذا صارت المنصة مشكلة الآن وقد عملت ثماني سنوات، أجاب بأنها تلحق ضررًا بسمعة البلد، ووصف من لا يقف ضدها بأنه يرتكب خيانة عظمى.
فالمنصة في روايته طرف في شبكة يديرها منصور من الولايات المتحدة وتتفرع إلى عشر دول عربية، وعملها الفعلي عمل استخباري لا صحفي، والدليل عنده أنها تتبع الطائرات والسفن. وهذا الوصف يستحق أن يُفحص، لأن كل جزء منه يحيل إلى شيء منشور على الملأ.
فالشبكة التي تحدث عنها اسمها «مجتمع التحقق العربي» (Arabi Facts Hub)، وهي، بحسب صفحتها التعريفية، منظمة بحثية غير ربحية تدرس المعلومات المضللة بالعربية على الإنترنت وتبني قاعدة بيانات مفتوحة من تدقيقات المنصات العربية وتطور أدوات ذكاء اصطناعي لرصد الأخبار الزائفة. وأما «المواقع الأربعة والعشرون في عشر دول» التي قدمها علي بوصفها كشفًا، فهي قائمة الشركاء المنشورة على موقع المجتمع بأسمائها وشعاراتها وأعداد موادها: «متصدقش» و«صحيح مصر» من مصر، و«بيم ريبورتس» و«تحقق» من السودان، و«صحيح العراق» و«The Checker» من العراق، وأربع منصات ليبية، وخمس يمنية، وثلاث فلسطينية بينها «تحقق» عضو الشبكة العربية لمدققي المعلومات التابعة لـ«أريج»، وثلاث سورية، ومنصة من تونس وأخرى من الجزائر وثالثة من المغرب، بمجموع أربعة وعشرين شريكًا في عشر دول تمامًا كما قال، وبما يزيد على 42 ألف مادة تحقق مجمعة. وهذه المنظمة لا تعمل في الظل: فقد نفذت في يونيو الماضي ورشًا لصحفيين عراقيين عن التحقق من الادعاءات المناخية بتنظيم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبدعم من الاتحاد الأوروبي، ووقعت بروتوكول تعاون مع المعهد الليبي للصحافة الاستقصائية، ونقلت على صفحتها في فيسبوك وقائع فعالية «يوم الذكاء الاصطناعي» في مصر، وتنشر تقاريرها البحثية بأسماء محرريها، ومنها ما نشرته زاوية ثالثة. فالذي سماه علي شبكة سرية هو شبكة فعلًا، لكنها شبكة مدققي حقائق مكتوبة على صفحة عنوانها «شركاؤنا».
والشركة الأم التي عرض علي رقمها الضريبي بوصفه وثيقة من «الصندوق الأسود» هي بدورها كيان مسجل علنًا لدى مصلحة الضرائب الأمريكية تحت الرقم 82-3402717، ويحمل ملفها العام على موقع «تشاريتي نافيغيتور» تصنيف أربع نجوم من أربع، وتظهر إقراراتها السنوية المتاحة للجميع أنها تأسست عام 2018 بإعفاء ضريبي صدر في مايو من العام نفسه، وأن مهمتها المعلنة توفير محتوى موثوق يواجه التضليل والدعاية عن أحداث الشرق الأوسط وتفنيد الشائعات التي تغذي خطاب الكراهية ضد الفئات الضعيفة في مصر والمجتمعات العربية.
أما الاتهام الذي خصّه علي بأطول شرح، فهو أن تتبع الطائرات والسفن عمل استخباري. وقد بناه على طبقتين: طبقة الآلية، إذ قال إن المنصة ومثيلاتها من «الشبكات المدعومة» تعتمد على أدوات مفتوحة المصدر وبرامج متخصصة لرصد الملاحة الجوية والبحرية، من مواقع تتبع الطائرات ورادارات السفن؛ وطبقة الغرض، إذ قال إن هذا التتبع لا يُجرى من أجل التدقيق الصحفي، بل يُستغل لمراقبة وحصر حركة الطائرات السيادية والدبلوماسيين وتحركات شحن الدولة المصرية وسفنها، ولصياغة روايات موجهة تُحرج مؤسسات الدولة أو تفشي معلومات عن تحركات وتفاهمات إقليمية تحت شعار التحقق من الحقائق. والطبقة الأولى صحيحة تمامًا، والمنصة نفسها تقولها قبل أن يقولها هو: فهي تكتب في صفحة منهجيتها المعلنة منذ 2018 أنها تعود إلى المصادر الأولية وتستخدم البحث العكسي عن الصور، وقد تستخدم أدوات المصادر المفتوحة ومنها تحديد المواقع وتتبع رحلات الطائرات حين يتطلب الموضوع ذلك. والطبقة الثانية هي التي تنهار حين تُفحص.
فما الذي تلتقطه هذه الأدوات أصلًا؟ تلتقط إشارات تبثها الطائرات والسفن عن نفسها بأمر القانون الدولي لا رغمًا عنه. فالطائرة التي تظهر على «فلايت رادار 24» تظهر لأن جهاز إرسالها التلقائي (ADS-B) يبث هويتها وموقعها وارتفاعها وسرعتها إلى كل جهاز استقبال في مداها، وهو بث تفرضه قواعد الطيران المدني في معظم أجواء العالم من أجل منع التصادم، وتلتقطه شبكة من أكثر من عشرين ألف جهاز استقبال يملكها هواة وشركات. والسفينة التي تظهر على «مارين ترافيك» تظهر لأن نظام التعريف الآلي (AIS) يبث اسمها وعلمها وموقعها ومسارها ووجهتها، وهو نظام تلزم اللائحة 19 من الفصل الخامس من اتفاقية سلامة الأرواح في البحار «سولاس» كل سفينة تزيد حمولتها على ثلاثمئة طن في الرحلات الدولية، وكل سفينة ركاب، بتشغيله طوال الوقت، وتُعفي منه السفن الحربية صراحة، وتسمح لدولة العلم باستثناء سفن بعينها. أي أن الدولة التي تريد أن تخفي سفينة حربية أو طائرة سيادية تملك الوسيلة القانونية لذلك ولا تحتاج إلى منع الصحفيين: فالطائرات العسكرية لا تبث على الترددات المدنية، ومواقع التتبع الكبرى تلتزم بقوائم حجب تطلبها الحكومات ومشغلو الطائرات فتختفي الطائرة من الخرائط، والسفينة الحكومية تُدرج ضمن ما تعفيه دولة علمها. فما يظهر على هذه المواقع من حركة الدولة هو، بحكم التعريف، ما اختارت الدولة ألا تخفيه. وهنا تحديدًا يسقط وصف «الإفشاء»: فالمادة 85 من قانون العقوبات تعرّف أسرار الدفاع بأنها المعلومات التي يستلزم صالح الدفاع عن البلاد أن تبقى سرية عن غير من لهم صفة الاطلاع عليها، ومعلومة تبثها الطائرة نفسها لكل من يملك هاتفًا ليست سرًا على أحد، ولا يستطيع صحفي أن يفشي ما تذيعه الطائرة عن نفسها. ولا تُظهر هذه المواقع ركاب الطائرة ولا مسافري السفينة، فالحديث عن «حصر تحركات الدبلوماسيين» يفترض أداة لا توجد.
ثم من يستخدم هذه الأدوات؟ تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة قبل أيام، عبر «مارين ترافيك» و«كبلر»، ثماني ناقلات إيرانية اعترضتها القوات الأمريكية، وأفادت فايننشال تايمز بأن عدد مستخدمي «مارين ترافيك» قفز إلى 8.5 ملايين في أبريل الماضي مع حرب إيران لأن الحكومات والشركات ووسائل الإعلام تراقب به تدفقات الطاقة في هرمز. وفي مصر نفسها، نشرت قناة «القاهرة الإخبارية» المملوكة للشركة المتحدة خبرًا عنوانه «فلايت رادار» يرصد إقلاع طائرة نتنياهو من قاعدة نيفاتيم إلى وجهة غير معروفة، أي أنها تتبعت الطائرة السيادية لرئيس وزراء دولة أخرى في لحظة حساسة أمنيًا، وهو بالضبط ما يصفه علي بالتجسس حين تفعله «متصدقش»؛ وشرحت جريدة «الوطن» لقرائها كيف يعمل الموقع حين رصد اختفاء طائرة بشار الأسد؛ ولدى «أخبار اليوم» وسم كامل باسم الأداة. بل إن وزارة النقل المصرية حين أرادت في أغسطس الماضي أن تنفي صلة مصر بالسفينة «تهامة» التي استهدفها الحوثيون، استندت إلى بيانات العلم والمالك والمشغل التي تنشرها قواعد البيانات الملاحية ذاتها، وقالت إنها تراقب حركة الملاحة في البحر الأحمر والمتوسط، وهو ما يعني أن الدولة تقرأ الخرائط نفسها التي تجرّم قراءتها على غيرها.
وماذا تتبعت «متصدقش» فعلًا؟ ثلاثة أمثلة موثقة تكفي. الأول طائرة زامبيا في أغسطس 2023: فالطائرة الخاصة من طراز غولفستريم التي ضبطتها لجنة مكافحة المخدرات الزامبية وعلى متنها نحو ستة ملايين دولار وسبائك وأسلحة، أعلنت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية نقلًا عن مصدر مطلع أنها طائرة خاصة توقفت ترانزيت في مطار القاهرة وخضعت للتفتيش، فالدولة نفسها نفت أن تكون الطائرة سيادية، ومسارها من عمّان إلى القاهرة إلى لوساكا كان معروضًا على «فلايت رادار 24» لكل من بحث عنه؛ أما ما أضافته المنصة فهو ما لم يكن معروضًا: هوية الركاب المصريين من جوازات سفرهم ومراسلات محاميهم، وبينهم ضابط بوزارة الداخلية ورائد سابق شغل وظيفة مساعد الملحق العسكري في واشنطن، وهي معلومات لم تصدر أي جهة رسمية نفيًا علنيًا لها، بل ردت عليها الأجهزة بمداهمة منزل كريم أسعد وحذف منشورين. الثاني تحقيق «خزان عائم» الذي نشرته المنصة في الصيف الماضي بالاشتراك مع «رصيف22» وتتبع فيه مسار الناقلة «YEMEN» التي تعمل خزانًا عائمًا قبالة رأس عيسى وشبكة الشركات ورجال الأعمال التي تملأه بالوقود لجماعة الحوثيين، أي الجماعة التي كلفت قناة السويس جزءًا من إيراداتها بهجماتها على الملاحة؛ وبعد أسابيع نشرت وحدة أمن بحري يمنية تقريرًا عن الخزان نفسه بالمنهج نفسه، تداولته صحيفة «عكاظ» السعودية ومواقع خليجية بوصفه كشفًا لمخطط حوثي، فالعمل الذي يُعد في الرياض كشفًا أمنيًا نافعًا يُعد في القاهرة عملًا استخباريًا معاديًا، والفارق الوحيد هوية من أنجزه. والثالث السفينتان المتضررتان في دمياط في يوليو الماضي، وإحداهما سفينة تغويز أمريكية استأجرتها الحكومة لتأمين احتياجات الطاقة: فالحادث نقلته وكالات العالم، ونفى الحوثيون مسؤوليتهم عنه علنًا، وأصدرت القاهرة بيانًا رسميًا تهيب فيه بوسائل الإعلام الأجنبية تحري الدقة في تناوله، وتحدث رئيس الخدمات البحرية لبوابة الأهرام عن أسرار نجاح التعامل مع حريق سفينة التغويز؛ فكل ما كتبته المنصة كان عن واقعة أعلنتها الدولة وناقشتها صحفها القومية، وأضافت إليها ما يُفترض بالصحافة أن تضيفه: من هي السفينة ومن استأجرها ولماذا.
وتُكمل بقية قائمة تحقيقات المنصة المعروضة على موقعها الصورة من داخلها: رصد بصور الأقمار الاصطناعية لاتساع الأعمال الإنشائية في جزيرة ميون اليمنية المطلة على باب المندب، وتحقيق عن منظمة يمينية إسرائيلية متطرفة تتوغل عند الحدود اللبنانية، وانفراد بأن نيابة النقض أوصت بتأييد استرداد الدولة 29 قطعة أرض في دير سانت كاترين، إلى جانب تحليل لقروض قطاع الكهرباء وتدهور الأداء المالي لـ«الوطنية للإعلام». فالمنصة التي تُتهم بخدمة الإخوان تنشر عن الحوثيين والمستوطنين وقواعد البحر الأحمر ما تتمناه أي صحيفة قومية، والمنصة التي تُتهم بتحريف الحقائق أنفقت يومها الأخير قبل المداهمة في تصحيح شائعة عن قرار رئاسي. ويبقى من اتهام علي شيء واحد لا تنفيه الوقائع: أن المنصة قد تنشر ما يُحرج مؤسسة من مؤسسات الدولة. وهذا، في أي تعريف للصحافة بما فيها تعريف الدستور المصري الذي يحظر في مادته 71 الحبس في جرائم النشر إلا في التحريض على العنف أو التمييز أو الطعن في الأعراض، اسمه الصحافة، لا التجسس.
يبقى سؤال التسجيلات.. فالمادة 57 من الدستور تكفل حرمة المراسلات والمحادثات الهاتفية ولا تجيز مراقبتها أو الاطلاع عليها إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة، والمادة 309 مكررًا من قانون العقوبات تعاقب بالحبس من يسجل أو ينقل محادثات جرت في مكان خاص من دون رضا أصحابها، فإذاعة تسجيل لمكالمة خاصة على قناة فضائية، أيًا كان صاحبها وأيًا كان مضمونها، فعل مجرَّم ما لم يكن مصدره أمرًا قضائيًا معلنًا، ولم يُعلن أي أمر من هذا النوع. وعبد الرحيم علي ليس طارئًا على هذا الفعل بل هو اسمه الأول في مصر: ففي ديسمبر 2013 ويناير 2014 أذاع في برنامج «الصندوق الأسود» على قناة «القاهرة والناس» تسجيلات نسبها إلى أحمد ماهر ومحمد عادل من حركة 6 أبريل والنائب السابق مصطفى النجار والشاعر عبد الرحمن يوسف، ثم إلى وائل غنيم شريك منصور في «كلنا خالد سعيد»، فطالبت خمس منظمات حقوقية بينها المبادرة المصرية والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان النائب العام بالتحقيق في التنصت والإذاعة بوصفهما جريمتين يحظرهما قانون العقوبات، ورفع النجار دعوى قضائية، ونفى وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم في مؤتمر صحفي أي صلة للوزارة بالتسريبات، ودافع علي عن النشر بأن قسم نقابة الصحفيين يوجبه. وفي أكتوبر 2020 انقلب الصندوق على صاحبه حين تداول نشطاء تسجيلًا منسوبًا إليه يقول فيه إن رئيس الجمهورية نفسه لا يستطيع إحالته إلى النيابة، فقال إن الإخوان فبركوه ببرنامج لتوليد الأصوات. وفي 6 سبتمبر الماضي استضافه أديب في الاستوديو ليعرض «الصندوق الأسود» الجديد عن تمويل الإخوان في أوروبا، فمداخلة الجمعة امتداد لخط عمره ثلاثة عشر عامًا بدأ بمكالمات أدمن «كلنا خالد سعيد» الأول وانتهى بمكالمات أدمنها الثاني. والقاسم المشترك في هذا الخطاب كله أنه يعمل بالقاموس لا بالوثيقة: فيسمي الشركاء «شبكة»، والمحررين «عناصر»، والمهام الصحفية «تكليفات»، وتتبع طائرة تبث موقعها «رصدًا استخباريًا»، وإقرارًا ضريبيًا منشورًا «كشفًا»، فإذا نُقل كل مفردة إلى معناها الأصلي لم يبق من الرواية إلا منظمة مسجلة تمول منصة معلنة تعمل بأدوات متاحة للجميع. وقد ظهرت التسجيلات والأرقام على الشاشة قبل أن يُعرض الستة على نيابة أو يُواجهوا بأي سؤال، أي أن محاكمة الرأي العام سبقت التحقيق، ومحتوى التحريات الذي يفترض أن يبقى في حوزة النيابة صار مادة لبرنامج مسائي، وهو ما قصده المصدر النقابي الذي قال لمدى مصر إن هيئة الخبر والتسريبات تشي بتصعيد من جانب الجهات الأمنية.

خبر مؤرخ بالأمس

في ليلة الجمعة نفسها ظهر على موقع «المصري اليوم» خبر يقول إن نيابة أمن الدولة العليا قررت حبس «6 متهمين من القائمين على صفحة متصدقش» خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات، وإن النيابة تواصل التحقيق معهم لتحديد دور كل منهم وما ورد في التحريات عن التمويل والتواصل مع القائم على الصفحة من الخارج. حمل الخبر تاريخ الخميس 1 أكتوبر الساعة 23:44، لكنه لم يظهر للقراء على الموقع إلا مساء الجمعة 2 أكتوبر، ولم يتضمن رقم قضية ولا نص اتهام، وأعاد إنتاج الاتهامات ذاتها الواردة في بيان الوزارة وفي مواد «المصادر». وفي صباح السبت تقدم إسلام سلامة، المحامي بالمبادرة المصرية، بطلب إلى نيابة أمن الدولة العليا، ثم كتب على صفحته أنه تبين له أن الخبر غير صحيح، وأن النيابة لم تحقق مع الصحفيين حتى الآن، وأنها ستمكّن الدفاع من الحضور إذا أُحضروا. وحاولت زاوية ثالثة الاتصال بمدير تحرير «المصري اليوم» للسؤال عن مصدر الخبر وتاريخه، فلم يرد، ولم يحذف الموقع الخبر رغم ما أثاره على مواقع التواصل. ورجح سلامة والمحامي ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحامين، في حديثهما لمدى مصر، أن يكون القرار الذي يشير إليه الخبر، إن وُجد أصلًا، إذنًا من النيابة لجهات التحري باحتجاز الستة لاستكمال التحريات لمدة قد تبلغ ثلاثين يومًا من دون عرضهم عليها، استنادًا إلى قانون مكافحة الإرهاب، وهو تفسير يعني أن الستة قد يبقون في المجهول شهرًا كاملًا بغطاء قانوني.
واليوم السبت 3 أكتوبر تقدم البلشي بطلبين إلى مكتب النائب العام والمحامي العام لنيابة أمن الدولة العليا لاستيضاح حقيقة ما نشرته «المصري اليوم». وروى الطلب أن وفدًا من النقابة يضم عضوي المجلس محمود كامل وإيمان عوف وأربعة محامين من إدارتها القانونية توجه إلى مقر النيابة في التجمع الخامس صباح الخميس عقب صدور بيان الداخلية، وقدم طلبات رسمية لحضور التحقيقات، وبقي في مقر النيابة طوال اليوم يسأل عما إذا كان ثمة تحقيق مع الزملاء، فلم يخبره أحد بشيء، ولم يطلع على رقم قضية أو لائحة اتهام، ثم فوجئ بخبر الحبس. واستند الطلب إلى المادة 69 من قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 التي تلزم النيابة بإخطار مجلس النقابة بأي شكوى تتصل بعمل صحفي قبل التحقيق بوقت مناسب، وتمنح النقيب أو من ينيبه حق حضور التحقيق، وإلى المادتين 5 و53 اللتين تدافع النقابة بموجبهما عن كل ممارس فعلي للمهنة مقيدًا كان أو متدربًا، وختم بطلب الكشف عن مكان الاحتجاز ومبررات القبض والإفراج الفوري. وكانت عوف قد أمضت ظهر الجمعة، وهو يوم عطلتها، في مكتب النائب العام تحسبًا لإحضار الستة فجأة، وقالت لمنظمة «إندكس أون سنسورشيب» إنها تخشى أن يُحضروا وحدهم، فعادة ما يتبع بيانات الداخلية عرض سريع على النيابة، وفق تقرير المنظمة الذي قدّرت فيه المبادرة المصرية عدد الصحفيين المحتجزين على خلفية عملهم في مصر بستة وعشرين بعد هذه الحملة، وقالت فيه لبنى درويش، مديرة المناصرة بالمبادرة، إن السلطات لم تستهدف هذه المرة صحفيًا بعينه بسبب مادة بعينها، بل سعت إلى إخراج منصة مستقلة كاملة من الخدمة باعتقال فريقها كله، وإن بيان الوزارة يتعامل مع النشاط الصحفي بوصفه مسألة أمن قومي، وهو ما يعني عمليًا استخدام إطار مكافحة الإرهاب للالتفاف على ضمانات المحاكمة العادلة وعلى الحظر الدستوري للحبس في جرائم النشر.
يذكر أنه 20 أغسطس وجّه وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان إلى الصحفيين رسالة وصفها بأنها «فضفضة ضرورية» وأعلن فيها اجتماعًا سنويًا للإعلام في ديسمبر تنفيذًا لتوجيهات رئاسية بإتاحة الرأي والرأي الآخر. وفي 21 سبتمبر اقترح على رؤساء تحرير المواقع المرخصة «كيانًا موحدًا» للمواقع الإلكترونية، فرد سكرتير عام النقابة جمال عبد الرحيم بأن أي نقابة موازية تخالف المادة 77 من الدستور، وقدم وكيل النقابة محمد الجارحي مذكرة يطالب فيها بنقل الوزير إلى جدول غير المشتغلين. وبعد أسبوع من اقتراح تنظيم الإلكترونيين في كيان، اعتُقل فريق منصة إلكترونية كامل. وفي الشهر نفسه كانت الحكومة تستعد لمؤتمر عرض إنجازاتها على المواطنين في أكتوبر بتوجيه من الرئيس عبد الفتاح السيسي، ونقلت مدى مصر عن مصادر أن التيار المتشدد داخل الأجهزة ساق حجة أن «متصدقش» كانت تعد لنقد الدولة قبل هذا المؤتمر. وفي يوم بيان الداخلية نفسه، الخميس 1 أكتوبر، كشفت رويترز أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أعفى في رسالة مؤرخة بـ21 سبتمبر 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر من شروط حقوق الإنسان بدعوى الأمن القومي والدور المصري منذ الحرب الأمريكية على إيران، ورحب مصدر مصري مسؤول بالقرار قائلًا إن المشروطية لا تخدم العلاقات بين الدول. وفي اليوم التالي دعا النائبان الديمقراطيان دون باير وسوزان ديلبيني، رئيسا تجمع حقوق الإنسان في مصر بالكونغرس، إلى الإفراج الفوري غير المشروط عن الستة. وجاءت الحملة كلها قبل أيام من دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز التطبيق في أكتوبر، وهو القانون الذي سوّقته الدولة بوصفه معالجة تاريخية للحبس الاحتياطي، فاستُقبل بستة محتجزين لا يُعرف لهم مكان ولا تهمة.

تضامن دولي ومحلي
اتسع التضامن مع الستة على ثلاث دوائر لم تلتقِ على قضية صحفية مصرية بهذا الاتساع منذ سنوات. في الدائرة الدولية، قالت سارة قضاة، المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين، إن عدم قيد خمسة من الستة في النقابة لا يبرر احتجازهم وإن أي خلاف حول الترخيص يُحسم بإجراءات إدارية أو قضائية شفافة لا بالاعتقال، وقال أنتوني بيلانجر، الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين الذي تنتمي إليه النقابة المصرية، إن الزملاء اعتُقلوا لسبب واحد هو أداء عملهم، ووصفت مراسلون بلا حدود الواقعة بأنها الأولى في مصر التي تضع غرفة أخبار كاملة خلف القضبان، وطالبت منظمة «المادة 19» في بيانها بوقف كل أشكال استهداف المنصة، وضم النداء المشترك الذي استضافه معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط توقيعات تجاوزت ثمانين منظمة ووسيلة إعلام، إلى جانب هيومن رايتس ووتش التي وضعت الواقعة في خانة الاختفاء القسري، و«إندكس أون سنسورشيب» التي رأت أن الدولة تعامل الصحافة بوصفها مسألة أمن قومي. وفي الدائرة العربية، وقّع اتحاد الصحفيين والصحفيات في لبنان والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ورابطة الصحفيين السوريين ونقابة الصحفيين الفلسطينيين ونقابة الصحفيين السودانيين بيانًا أعلنوا فيه تضامنهم مع نقابة الصحفيين المصريين وتحركاتها، وقالوا إن استهداف الصحفيين لا يمس العاملين في القطاع وحدهم بل يطال حق المجتمع في المعرفة، وهي نقابات تعرف بعضها هذا النوع من الحملات من تجربتها الخاصة. أما الدائرة الداخلية، وهي الأثقل وزنًا لأن أثمانها تُدفع في القاهرة، فقد بدأت بعشرات الصحفيين الذين وقّعوا بيانًا قبل صدور بيان الداخلية بساعات يطالب بالإفراج عن الزملاء الستة وضمان سلامتهم والكشف عن أماكنهم، ووصف بعضهم للعربي الجديد اتهام الإرهاب بأنه «التهمة المعلبة» التي تُلصق بكل من يعمل في صحافة مستقلة بعيدة عن التدخل الأمني، وقال عضو مجلس النقابة محمود كامل لوكالة فرانس برس إن الواقعة «فجة» وإن الجريمة الوحيدة التي ارتكبها الموقوفون هي أداء عملهم بالبحث والتحليل وكشف الحقائق. ثم انضمت إلى الصحفيين منظمات حقوقية مصرية وقّعت النداء العالمي من داخل البلاد رغم كلفة التوقيع: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومؤسسة حرية الفكر والتعبير والجبهة المصرية لحقوق الإنسان والمنبر المصري لحقوق الإنسان ومركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب، ثم الأحزاب: فأصدر حزب الدستور بيانًا يدين القبض على الفريق ويقول إن حرية الصحافة ليست امتيازًا تمنحه السلطة أو حقًا يُقيد بحسب طبيعة التناول الصحفي بل حق دستوري أصيل وضمانة لحق المجتمع في المعرفة والمساءلة، وأعربت الحركة المدنية الديمقراطية في بيان عن قلقها البالغ من «تصعيد غير مسبوق» أدى إلى احتجاز فريق التحرير بأكمله، وأعلنت تضامنها مع موقف النقابة وبلاغ نقيبها ومع بيان متصدقش، وطالبت بالإفراج الفوري عن الستة وعن المحبوسين في قضايا الرأي.
وتحوّل هذا التضامن إلى جسد في اليوم الخامس. ففي ليلة الجمعة، وقد مضت نحو مئة ساعة على المداهمة الأولى، نشرت «متصدقش» نداءً إلى كل صحفية وصحفي في مصر، وصفت فيه ما يجري بأنه حدث جلل في تاريخ الصحافة المصرية: غرفة أخبار كاملة تُعتقل بلا سبب سوى أن أفرادها قدموا صحافة جادة، ويواجه زملاؤها حملة تشويه يدفعون هم وأسرهم ثمنها من سمعتهم المهنية وحياتهم الشخصية. وقال النداء للصحفيين: «نحن لا نطلب منكم أن تدافعوا عن متصدقش فقط. دافعوا عن أنفسكم أيضًا. فاليوم نحن وغدًا أنتم»، ودعاهم إلى اعتصام رمزي في نقابة الصحفيين من الثالثة إلى الخامسة مساء السبت 3 أكتوبر، نقابيين وغير نقابيين، وتناقل شباب الصحفيين الدعوة باسمهم. وجاء رد الدولة على الدعوة قبل أن تبدأ: فمنذ ظهر السبت فرضت الشرطة طوقًا أمنيًا حول الطرق المؤدية إلى مقر النقابة في شارع عبد الخالق ثروت، وأقامت حواجز لتفتيش المارة وطالبت بعضهم بإبراز بطاقات الهوية للتأكد من أنهم ليسوا صحفيين، فيما طلب مسؤولو النقابة من الوافدين ألا يخرجوا إلى الشارع ولا يقفوا على السلالم التي اعتادوا الوقوف عليها، وأن يكتفوا بالتجمع في البهو الرئيسي تجنبًا لأي احتكاك مع القوات المنتشرة حول المبنى، فجرى الاعتصام داخل الجدران بينما وقفت الشرطة خارجها تفرز المارة إلى صحفيين وغير صحفيين. وفي الساعات نفسها قالت إيمان عوف إن نيابة أمن الدولة العليا نفت لوفد النقابة إجراء أي تحقيق مع الستة، فصار نفي النيابة هو الدليل الرسمي الوحيد على أن خبر «المصري اليوم» لا أصل له، وأن الستة ما زالوا، في نهاية يومهم الخامس، خارج أي إجراء معلن. وفي الخامسة من مساء اليوم نفسه كانت النقابة قد حددت، قبل الحملة بأيام، موعد مناقشة مفتوحة حول السبل القانونية لشمول الحماية النقابية كل ممارسي المهنة الحقيقيين وتنظيم حقوق العاملين في المواقع، فاجتمع في بناية واحدة وفي ساعة واحدة اعتصام من أجل ستة صحفيين إلكترونيين لا يحميهم قيد، ونقاش عن كيفية حمايتهم، وطوق أمني يحدد من يحق له الدخول إلى الاثنين، وهو السؤال الذي طرحته زاوية ثالثة قبل المداهمات بيوم واحد في مقال عن الصفة التي تُكتب في محاضر الشرطة ضد جيل كامل يصنع الصحافة المصرية من خارج جداول النقابة.
تبقى الأسئلة المفتوحة أكثر من الأجوبة، وهي أسئلة تخص الدولة قبل الصحفيين: أين يُحتجز محمد أشرف أبو عميرة وعبد الله قدري وإسلام بركات وعمر هلال ومحمد محمود ومحمد عادل؟ وإذا كانت النيابة قد أصدرت قرارًا بحبسهم كما نشرت «المصري اليوم»، فلماذا لم يبلغ به المحامون الذين قدموا طلباتهم في مقرها، ولا النقابة التي أمضت يومًا كاملًا في ردهاتها؟ وإذا لم تصدره، فمن أعطى الموقع الخبر ولماذا أرّخه بالأمس؟ ومن أعطى عبد الرحيم علي تسجيلات لمكالمات خاصة، وبأي سند قانوني أُذيعت على قناة فضائية قبل أن يرى الستة محققًا؟ وأي معنى لبيان رسمي يحاسب منصة على غياب ترخيص رفضت الأجهزة أن تمنحه حين طُلب؟ وقد سبق أن سألت زاوية ثالثة النيابة العامة، في مقالها عن القبض، في أي نص قانوني تقع جريمة مطابقة الخبر بالمستند، ولم تصل الإجابة. ما وصل بدلًا منها هو خمسة أيام من الصمت الرسمي يملؤه إعلام يعرف كل شيء عن المتهمين إلا مكانهم، وطوق أمني حول النقابة يعرف كل من يسأل عنهم بالاسم.