للمرة الثانية في أقل من عام، يعود ملف تطوير الإعلام المصري إلى واجهة الاهتمام الرسمي، بعدما وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تطوير المنظومة الإعلامية، وفتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، مع عقد اجتماع سنوي لمراجعة الأداء الإعلامي ووضع حلول عملية تعزز دور الإعلام، خلال افتتاحه مقر القيادة الاستراتيجية للدولة “الأوكتاجون” بالعاصمة الإدارية الجديدة.
وتأتي هذه الدعوة بعد أشهر قليلة من انتهاء أعمال لجنة تطوير الإعلام، التي شُكّلت بقرار من رئيس مجلس الوزراء في سبتمبر 2025، بهدف وضع خريطة طريق لإصلاح القطاع الإعلامي. وأنهت اللجنة أعمالها بعد نحو 175 ساعة من الاجتماعات والنقاشات، بمشاركة 66 من الصحفيين والإعلاميين والأكاديميين والخبراء، قبل أن يسلّم رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، خالد عبد العزيز، توصياتها إلى رئيس مجلس الوزراء.
وبعد مرور خمسة أشهر على تسليم تلك التوصيات، لا تزال أبرز المقترحات التشريعية، التي اعتبرها المشاركون مدخلًا أساسيًا لأي إصلاح إعلامي حقيقي، معلقة دون جدول زمني معلن لمناقشتها أو إقرارها. وفي مقدمة هذه المقترحات، التي أوصت بها اللجنة التشريعية برئاسة نقيب الصحفيين خالد البلشي، إصدار قانون لحرية تداول المعلومات، وسن قانون يحظر العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.
ومع تجدد دعوة رئيس الجمهورية إلى تطوير الإعلام، قبل أن ترى توصيات اللجنة التي شُكلت استجابة للدعوة الأولى طريقها إلى التنفيذ، يعود التساؤل بشأن مصير تلك المقترحات التشريعية، وفي مقدمتها قانون حظر العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر. فهل تمثل الدعوة الجديدة فرصة لإعادة فتح هذا الملف ووضعه على أجندة الإصلاح التشريعي، أم ستظل التوصيات، كما حدث في المرة الأولى، حبيسة الأدراج، رغم ارتباطها المباشر بضمانات حرية الصحافة وتهيئة البيئة القانونية اللازمة لأي تطوير حقيقي للإعلام؟
نوصي للقراءة: تدخلات حكومية تثير غضب بشأن قانون “النقابات العمالية”

مسودة نقابة الصحفيين.. جاهزة للإقرار
وفقًا لمسودة مشروع قانون إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر والعَلانية، التي أعدتها نقابة الصحفيين وقدمتها إلى لجنة تطوير الإعلام وعدد من المسؤولين، وحصلت “زاوية ثالثة” على نسخة منها، فإن المشروع لا يستهدف إلغاء التجريم أو إعفاء مرتكبي جرائم النشر من المساءلة القانونية، وإنما يقوم على فلسفة تشريعية مختلفة، تستبدل بالعقوبات السالبة للحرية عقوباتٍ مالية أو مدنية تتناسب مع طبيعة جرائم النشر، بما يحقق التوازن بين مساءلة المخطئ وحماية الحق الدستوري في حرية التعبير.
ويعرّف المشروع جرائم النشر والعَلانية باعتبارها جميع الجرائم التي تُرتكب باستخدام وسائل النشر أو العلانية، سواء كانت العلانية ركنًا أساسيًا في الجريمة، أو وسيلة لارتكابها، أو ظرفًا ارتبط بوقوعها، دون قصرها على ما يُنشر في الصحف ووسائل الإعلام التقليدية، بما يشمل أيضًا وسائل النشر الإلكترونية وغيرها من وسائل التعبير.
ويستند المشروع، الذي أعدته لجنة الحريات والتشريعات بالمؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين، إلى المادة (71) من الدستور، التي قررت قاعدة عامة تقضي بحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر أو العلانية، مع الإبقاء على ثلاثة استثناءات فقط، هي الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف، أو التمييز بين المواطنين، أو الطعن في أعراض الأفراد.
وتنطلق المذكرة الإيضاحية للمشروع من أن مرور أكثر من عقد على صدور دستور 2014، مع استمرار وجود عشرات النصوص القانونية التي تجيز الحبس في جرائم النشر، خلق حالة من التعارض بين الدستور والتشريعات النافذة، وهو ما يستدعي تدخلًا تشريعيًا لتوحيد المنظومة القانونية مع النص الدستوري. وترى المذكرة أن الإبقاء على هذه النصوص يفتح الباب لاستمرار إصدار أحكام بالحبس استنادًا إلى قوانين تتعارض مع الضمانات الدستورية لحرية التعبير.
ولتحقيق هذا الهدف، ينص المشروع على إلغاء عقوبات الحبس والسجن في جميع جرائم النشر والعَلانية المنصوص عليها في القوانين المصرية، مع الإبقاء على العقوبات المالية المقررة في النصوص العقابية. وإذا كانت المادة العقابية لا تتضمن غرامة، يمنح المشروع المحكمة سلطة توقيع غرامة تتراوح بين ألف جنيه ومائة ألف جنيه، مع الإبقاء على الاستثناءات الثلاثة التي نص عليها الدستور.
وتستند فلسفة المشروع كذلك إلى اجتهادات المحكمة الدستورية العليا، التي أكدت في أكثر من حكم أن حرية التعبير لا يجوز إرهاقها بقيود تؤدي إلى العزوف عن ممارستها، وأن العقوبات السالبة للحرية تُعد من أشد القيود التي يمكن فرضها على الحق في التعبير عن الرأي. وتستشهد المذكرة بالاتجاه المقارن في عدد من الدول، الذي استبدل بعقوبة الحبس في جرائم النشر الغراماتِ والتعويضات، باعتبارها أكثر اتساقًا مع حماية حرية التعبير، وأكثر قدرة على جبر الضرر دون المساس بالحرية الشخصية.
من جهته، يقول الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين، إن مشروع قانون إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر سلك مسارًا رسميًا على مدار الأشهر الماضية؛ إذ أُرسل إلى المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، وإلى رئيس مجلس الوزراء، كما سُلِّم إلى عدد من أعضاء مجلس النواب، قبل أن تُفيد المخاطبات الرسمية بإحالته إلى وزارة الشؤون النيابية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
ويضيف البلشي في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن المشروع أُعيد طرحه مجددًا خلال أعمال لجنة تطوير الإعلام، التي ترأس فيها اللجنة التشريعية، مؤكدًا أن اللجنة اعتمدت المشروع بصيغته الأصلية من دون أي تعديلات، قبل أن يُرفع ضمن التوصيات النهائية إلى مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية، إلى جانب استمرار التواصل مع أعضاء البرلمان لحشد الدعم اللازم لإقراره.
ويؤكد نقيب الصحفيين أن مشروع القانون لا يقتصر على حماية الصحفيين، بل يمتد أثره إلى كل من يمارس حقه في النشر والتعبير، سواء عبر الصحافة أو المنصات الرقمية أو أي وسيلة أخرى، باعتبار أن الحماية المقترحة تتعلق بجرائم النشر بوجه عام، وليس بمهنة الصحافة وحدها. ويشير إلى أن المشروع يلتزم بالكامل بنص المادة (71) من الدستور، ولا يلغي العقوبات في جميع الجرائم، وإنما يُبقي على الاستثناءات الثلاثة التي نص عليها الدستور، بينما يستبدل بعقوبات الحبس في سائر جرائم النشر عقوباتٍ أخرى يحددها القانون.
ويلفت البلشي إلى أن فكرة المشروع ليست جديدة، وإنما تعود إلى أعمال اللجنة التي شُكلت عقب إقرار دستور 2014 لإعداد التشريعات المنظمة للإعلام، والمعروفة بـ”اللجنة الثلاثية”، التي ترأسها السياسي الراحل حسين عبد الرازق، وضمّت في عضويتها الدكتور علي عبد العال وخالد البلشي، قبل أن تتطور لاحقًا إلى مشروع قانون تتبناه نقابة الصحفيين وتعيد طرحه في كل جولة من جولات إصلاح التشريعات الإعلامية.

مشروع القانون.. ترجمة للمادة 71 من الدستور
خلص تقرير سابق لـ”زاوية ثالثة” حول جهود تطوير الإعلام المصري إلى أن أي عملية إصلاح حقيقية للمنظومة الإعلامية لا يمكن أن تنجح بمعزل عن مراجعة التشريعات المقيدة للعمل الصحفي، وفي مقدمتها القوانين التي تسمح بالحبس في قضايا النشر. وأجمع عدد من الصحفيين والخبراء المشاركين في التقرير على أن تطوير الإعلام لا يرتبط فقط بتحديث المحتوى أو تدريب الكوادر أو إعادة هيكلة المؤسسات، بل يبدأ بإقرار بيئة تشريعية تكفل حرية العمل الصحفي وحق المواطنين في المعرفة.
ورأى المشاركون في التقرير أن مراجعة التشريعات، وإصدار قانون لحرية تداول المعلومات، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، ليست مطالب نقابية منفصلة، وإنما تمثل الركيزة التشريعية التي يستند إليها أي مشروع جاد لتطوير الإعلام واستعادة دوره في المجال العام.
في السياق، يرى محمد بصل، الكاتب والباحث القانوني، أن تأخر إصدار قانون يحظر العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر يُبقي فجوة قائمة بين الدستور والتشريعات العقابية، رغم مرور 12 عامًا على إقرار دستور 2014.
ويوضح في حديثه لـ”زاوية ثالثة” أن المادة (71) من الدستور أرست قاعدة عامة تقضي بحظر توقيع العقوبات السالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر أو العلانية، معتبرًا أن هذه القاعدة “ليست منحة من أحد، لكنها انعكاس للتطور المفترض في مقاربة الدولة المصرية لحرية التعبير والحق في إبداء الرأي والإفصاح عن الإنتاج العقلي بمعزل عن الاستبداد والتعسف”.
ويضيف بصل أن هذا التوجه يتوافق مع الالتزامات الدولية لمصر، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلًا عن الاتجاه التشريعي المستقر في عدد من الدول، التي ألغت عقوبات الحبس في جرائم النشر منذ عقود، مثل بريطانيا عام 1880 وفرنسا عام 1928. ويستدل بأن الفقه القانوني الحديث، مدعومًا بالدراسات الجنائية والاجتماعية، بات يعتبر الغرامات والتعويضات أكثر فاعلية في تحقيق الردع وجبر الضرر، بينما لم تعد عقوبة الحبس تمثل وسيلة مناسبة في القضايا المرتبطة بحرية التعبير.
ويؤكد بصل أن مشروع القانون الذي تبناه المؤتمر العام السادس للصحافة المصرية يستند مباشرة إلى المادة (71) من الدستور، ويهدف إلى ترجمة هذا النص الدستوري إلى قواعد قانونية نافذة، بما يمنع الالتفاف عليه من خلال استمرار العمل بنصوص تشريعية أقدم تتضمن عقوبات بالحبس في جرائم النشر. ويستشهد بأحكام المحكمة الدستورية العليا، التي حذرت في أكثر من مناسبة من “فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يبعد المواطنين عن ممارستها”، وأكدت أن “الطريق للسلامة القومية يكمن في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح”. ويرى أن “أشد القيود التي يمكن فرضها على حرية التعبير هي العقوبات السالبة للحرية في وقائع يكون جوهرها الرأي والنقد”.
ويضيف أن سلب المواطنين حريتهم بسبب ما يكتبونه أو ينشرونه أو يقولونه “ليس المنهج القانوني الأنسب للتصدي للتجاوز في استخدام حرية التعبير”، لأن محل التجريم في هذه الحالة هو الإنتاج الفكري ذاته، وهو بطبيعته يختلف عن الجرائم التقليدية، ويستلزم وسائل مساءلة أكثر تناسبًا مع الحق الدستوري في التعبير.
ويختتم بصل حديثه بأن استمرار العمل بنصوص قانونية تجيز الحبس، رغم وجود نص دستوري صريح يحظر ذلك، يثير شبهة عدم الدستورية، وقد يهدد سلامة الأحكام الصادرة استنادًا إليها. ويرى أن إصدار قانون لإلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر لا يمثل مجرد رسالة سياسية تؤكد احترام الدولة للدستور، بل يُعد أداة تشريعية ضرورية لجسر الفجوة بين المبادئ الدستورية والواقع القانوني والتطبيقي.
نوصي للقراءة: تطوير الإعلام في مصر: فرصة لإصلاح حقيقي أم تكرار لسيناريو “الحوار الوطني”؟

بدائل الحبس.. كيف نحمي حرية النشر؟
تقول إيمان عوف، مقررة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، إن مطلب إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر يمثل أحد المطالب الأساسية للجماعة الصحفية منذ سنوات، مشيرة إلى أن هناك نحو 21 صحفيًا محبوسين حاليًا، وترتبط غالبية القضايا التي يواجهونها بالنشر عبر الصحف أو المواقع الإلكترونية أو منصات التواصل الاجتماعي.
ومن أحدث هذه القضايا وأكثرها إثارة للجدل قضية الكاتب والشاعر أحمد دومة؛ ففي 3 يونيو 2026، قضت محكمة جنح القاهرة الجديدة بمعاقبته بالحبس لمدة عام مع الشغل والنفاذ، بعد إدانته بتهمة نشر أخبار كاذبة، على خلفية مقال رأي بعنوان “من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن” نُشر في 25 مارس 2026 على موقع العربي الجديد، تناول فيه تأثير الحبس على استقرار الدولة، إلى جانب منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن أوضاع الاحتجاز في مصر. وفي 16 يوليو، رفضت محكمة مستأنف جنح القاهرة الجديدة استئناف دومة وأيدت حبسه سنة مع الشغل والنفاذ، ليصبح الحكم واجب التنفيذ. فيما اعتبرت منظمات حقوقية القضية مرتبطة بممارسة الحق في حرية التعبير، وطالبت بإلغاء الحكم والإفراج عنه؛ وتمسك دفاعه بأن الدستور قصر الحبس في جرائم النشر على أشكال محددة هي التحريض على العنف والتمييز بين المواطنين والخوض في الأعراض، وأن ما نشره دومة لا يوجب الحبس — وهو جوهر ما يسعى مشروع القانون إلى حسمه تشريعيًا.
وترى عوف، في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، أن استمرار النصوص التي تجيز الحبس في قضايا النشر يفرض قيودًا مباشرة على العمل الصحفي، رغم وجود بدائل قانونية ومهنية أكثر ملاءمة، مثل حق الرد والتصحيح والمساءلة النقابية. وتصف عقوبة الحبس بأنها “سيف مسلط على رقاب الصحفيين”، لا سيما مع توجيه اتهامات مثل “نشر الأخبار الكاذبة”، وهو ما أسهم في ترسيخ ظاهرة الرقابة الذاتية، ودفع كثيرًا من الصحفيين إلى تجنب تناول ملفات الفساد أو القضايا الاقتصادية والاجتماعية خشية الملاحقة الجنائية.
وتربط عوف هذا الواقع بغياب قانون لحرية تداول المعلومات، معتبرة أن صعوبة الوصول إلى المعلومات الرسمية تدفع المصادر إلى العزوف عن التصريح، كما تضطر الصحفيين إلى العمل في بيئة تفتقر إلى الشفافية، ما يفتح الباب أمام الشائعات بدلًا من الحد منها. وتؤكد أن الصحافة لا يمكن أن تؤدي دورها الرقابي في غياب ضمانات تشريعية تحمي حرية النشر وتكفل الحق في الوصول إلى المعلومات.
من جهته، يرى أحمد عبد النبي، المدير التنفيذي للمركز الإقليمي للحقوق والحريات، أن إصدار قانون يحظر العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر يمثل أحد أهم الإصلاحات التشريعية اللازمة لتعزيز حرية الرأي والتعبير، وتهيئة بيئة إعلامية أكثر انفتاحًا ومسؤولية.
ويقول في حديثه لـ”زاوية ثالثة” إن التجارب المقارنة أثبتت أن حماية السمعة والحقوق الشخصية لا تستلزم اللجوء إلى عقوبات الحبس، وإنما يمكن تحقيقها عبر وسائل قانونية أكثر تناسبًا، مثل التعويض المدني، وحق الرد والتصحيح، وهي أدوات تحقق جبر الضرر من دون المساس بالحرية الشخصية أو خلق أثر ردعي يحد من حرية التعبير.
ويوضح أن المادة (71) من الدستور المصري أرست قاعدة واضحة بحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر أو العلانية، باستثناء الحالات التي حددها الدستور، وهو ما يجعل مراجعة التشريعات القائمة ضرورة لضمان اتساقها مع النصوص الدستورية. ويشير إلى أن استمرار وجود نصوص قانونية تجيز الحبس في بعض جرائم النشر يخلق حالة من عدم اليقين القانوني، ويؤثر سلبًا في ممارسة العمل الصحفي والإعلامي، كما يقيد الحق في تداول المعلومات ويحد من النقاش العام، نتيجة ما يفرضه من أثر ردعي يدفع الصحفيين والكتاب إلى تجنب تناول بعض القضايا خشية الملاحقة الجنائية.
ويؤكد عبد النبي أن أي إصلاح تشريعي في هذا الملف ينبغي أن يحقق توازنًا بين حماية حرية التعبير وصون حقوق الأفراد، من خلال استبدال العقوبات المدنية المتناسبة بعقوبات الحبس، مع الإبقاء على التجريم والعقوبات الرادعة في الجرائم التي استثناها الدستور، إلى جانب تعزيز آليات حق الرد والتصحيح والتعويض المدني، وضمان استقلال القضاء وسرعة الفصل في منازعات النشر. ويختتم حديثه بالتأكيد على أن مواءمة التشريعات المنظمة للنشر والإعلام مع أحكام الدستور والمعايير الدولية لن تسهم فقط في حماية حرية الصحافة، وإنما ستعزز أيضًا الثقة في المؤسسات، وتدعم دور الإعلام المهني شريكًا في ترسيخ الشفافية والمساءلة ودعم التنمية.
وفي الاتجاه ذاته، أوضحت ورقة بحثية صادرة عن المركز الإقليمي للحقوق والحريات بعنوان “خريطة تشريعية لعقوبة الحبس في جرائم النشر والعلانية” أن استمرار عقوبات الحبس في جرائم النشر لا يقتصر أثره على الصحفيين والكتاب، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله، إذ يخلق مناخًا من الخوف والرقابة الذاتية يدفع إلى تجنب تناول القضايا العامة أو نشر المعلومات خشية الملاحقة الجنائية. وترى الورقة أن هذا الواقع ينعكس سلبًا على الحق في تداول المعلومات، ويضعف جودة النقاش العام، ويحد من قدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي، مؤكدة أن المادة (71) من الدستور لم تهدف إلى إلغاء المساءلة عن جرائم النشر، وإنما إلى استبدال وسائل أكثر تناسبًا مع طبيعة جرائم التعبير بعقوبات الحبس، مع الإبقاء على الاستثناءات الدستورية المتعلقة بالتحريض على العنف والتمييز والطعن في الأعراض.
وتشير الورقة إلى أن البديل لا يكمن في إلغاء التجريم فقط، وإنما في إعادة صياغة منظومة العقوبات، عبر الاكتفاء بالغرامات والتعويضات المدنية، وتفعيل حق الرد والتصحيح، إلى جانب آليات المساءلة المهنية، باعتبارها أدوات تحقق الردع وجبر الضرر دون المساس بحرية التعبير. وتخلص إلى أن مواءمة التشريعات مع الدستور تستلزم قصر العقوبات الجنائية على الحالات التي تمثل خطرًا حقيقيًا، ومعالجة بقية منازعات النشر بوسائل قانونية ومدنية تضمن حماية الحقوق وتحافظ في الوقت نفسه على حرية التعبير بوصفها ركيزة أساسية للمجال العام.
لا يزال مشروع قانون حظر العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر ينتظر إدراجه على الأجندة التشريعية. وبينما تتجدد الدعوات الرسمية لتطوير الإعلام، يظل إخراج هذا المشروع إلى النور أحد أبرز الاختبارات لمدى تحول هذه الدعوات إلى إصلاحات قانونية فعلية؛ إصلاحات تضمن حرية الصحافة، وتوفر بيئة تشريعية أكثر اتساقًا مع الدستور، وتحقق التوازن بين حماية حرية التعبير وحق النشر من جهة، وضمان مساءلة المخطئين بوسائل قانونية ومدنية تتناسب مع طبيعة جرائم النشر من جهة أخرى.