626 شخصًا لاحقتهم تهمة “قيم الأسرة” منذ 2018: ماذا سيضيف قانون “الأفعال المسيئة”؟

أعلن رئيس الوزراء مشروع قانون لتغليظ عقوبات «الفيديوهات المسيئة» و«الممارسات غير الأخلاقية»، وسط حديثٍ عن وحدة رصد وتسريعٍ للفصل في القضايا، بينما يرى نواب وحقوقيون أن القوانين القائمة تُجرّم هذه الأفعال بالفعل، وأن الخطر يكمن في مصطلحاتٍ فضفاضة لاحقت مئات المتهمين تحت بندٍ واحد
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

في خطوة تستهدف من جديد المحتوى المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، أعلن رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، إعداد مشروع قانون لتغليظ العقوبات على ما وصفه بـ«الفيديوهات المسيئة» و«الممارسات غير الأخلاقية»، بدعوى أن التشريع المرتقب لا يمس حرية الرأي أو ما وصفه بالنقد «الموضوعي»، وإنما يستهدف حماية المجتمع من «الممارسات غير الأخلاقية» التي تتضمن، بحسب قوله، «ألفاظًا غير لائقة، وجرائم سب وقذف، وبث شائعات، وإساءات لرموز الدولة والمجتمع»، معتبرًا أن هذه الممارسات تمثل تهديدًا للسلم والأمن الاجتماعي، وتمس القيم والثوابت الثقافية والموروث الحضاري والديني للمجتمع المصري.

وأوضح مدبولي، خلال المؤتمر الصحفي عقب اجتماع الحكومة الأسبوعي، أن لجنة حكومية انتهت من إعداد مسودة مشروع قانون جديد، إلى جانب تعديلات على بعض القوانين القائمة، لمواجهة ما وصفه بـ«الممارسات التي تهدد المجتمع»، مشيرًا إلى أن المسودة تخضع حاليًا للمراجعة تمهيدًا لإحالتها إلى مجلس النواب مع بداية الفصل التشريعي الجديد. وحتى الآن، لم تكشف الحكومة عن الصياغة القانونية لهذه المصطلحات أو المعايير التي ستحدد نطاق تطبيقها داخل مشروع القانون.

لكن الإعلان يأتي في وقتٍ تتضمن فيه المنظومة التشريعية المصرية بالفعل عددًا من القوانين التي تنظم النشر عبر الإنترنت وتعاقب على جرائم السب والقذف والتحريض وإساءة استخدام وسائل الاتصال، من بينها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام، إلى جانب نصوص متعددة في قانون العقوبات؛ ما يثير تساؤلًا حول الإضافة التي سيقدمها التشريع الجديد على منظومة تُجرّم بالفعل معظم الأفعال التي أشار إليها رئيس الوزراء. ويعيد المشروع كذلك الجدل حول استخدام مصطلحات عامة أو غير محددة في تشريعات المجال الرقمي، وهي مسألة أثارت انتقادات منظمات حقوقية ومؤسسات مجتمع مدني، لا سيما في ما يتعلق بعبارات مثل «قيم الأسرة المصرية» الواردة في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي اعتبرها منتقدون صياغة فضفاضة تفتقر إلى تعريف قانوني دقيق، بما يفتح المجال أمام تفسيرات متباينة عند تطبيقها.

من جهته، يقول النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إن مصر لا تحتاج إلى إصدار قانون جديد تحت مسمى مواجهة «الممارسات المسيئة» أو «غير الأخلاقية»، إذ يرى أن المنظومة التشريعية الحالية تتضمن بالفعل نصوصًا تجرّم أفعالًا مثل السب والقذف وانتهاك الخصوصية والابتزاز الإلكتروني والتحريض على العنف والكراهية، فضلًا عن نشر الأخبار الكاذبة. ويضيف في حديثه لـ«زاوية ثالثة» أن الأولوية يجب أن تكون لتطبيق القوانين القائمة بعدالة، لا لإصدار تشريعات جديدة قد تفرض قيودًا إضافية على الحريات.

ويوضّح البياضي أن أكثر ما يثير القلق في مشروع القانون هو استخدام مصطلحات وصفها بـ«الفضفاضة وغير المحددة»، مثل «غير لائق» و«مخالف لثوابت المجتمع» و«الإساءة إلى الرموز»، مشيرًا إلى أنها تفتقر إلى تعريفات قانونية دقيقة وقد تختلف تفسيراتها باختلاف الجهة التي تطبقها. ويرى أن القانون الجنائي ينبغي أن يستند إلى أفعال محددة يترتب عليها ضرر واضح، لا إلى تقييمات أخلاقية أو اجتماعية غير منضبطة، محذرًا من أن الصياغات غير المحددة قد تُستخدم لمعاقبة الآراء المخالفة أو النقد الحاد.

وفي المقابل، يشدد البياضي على دعمه لتجريم الأفعال التي تمثل اعتداءً حقيقيًا على حقوق الآخرين، مثل استغلال الأطفال والتحريض على العنف والكراهية والابتزاز الإلكتروني وانتهاك الخصوصية والتزييف العميق وانتحال الشخصيات، مؤكدًا أن التشريعات النافذة توفر بالفعل أدوات للتعامل معها؛ أما النقد السياسي والسخرية وكشف وقائع الفساد وانتقاد الحكومة أو المسؤولين، فتندرج ضمن حرية الرأي والتعبير، ولا ينبغي إخضاعها لمفاهيم عامة مثل «الإساءة» أو «تهديد السلم الاجتماعي». ويختتم بأن حماية السلم الاجتماعي لا تتحقق بتجريم الاختلاف، وأن حماية القيم لا تكون عبر نصوص غامضة، معتبرًا أن الضمان الحقيقي لحرية التعبير يكمن في سنّ تشريعات واضحة ومحددة لا تسمح بالتوسع في التجريم أو إساءة استخدامه بحق المواطنين وأصحاب الرأي.

نوصي للقراءة: بين دعوتين رئاسيتين لتطوير الإعلام: 21 صحفيًا محبوسًا وقانون معطل

تشريع التقييد

شهدت السنوات العشر الأخيرة توسعًا ملحوظًا في إصدار تشريعات جديدة، إلى جانب تفعيل نصوص قائمة، لتنظيم استخدام الإنترنت ومنصات التواصل، ومواجهة ما تصفه السلطات بالجرائم الإلكترونية ونشر الشائعات والإساءة إلى الأفراد أو مؤسسات الدولة. ويُعد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 أبرز هذه التشريعات؛ إذ منح جهات التحقيق صلاحيات واسعة، وجرّم عددًا من الأفعال المرتبطة باستخدام وسائل الاتصال وتقنية المعلومات، كما تضمّن نصوصًا أثارت جدلًا حقوقيًا وقانونيًا، من بينها المادة (25) التي تعاقب على الاعتداء على «المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري»، وهي عبارة اعتبرتها منظمات حقوقية ومحامون ذات صياغة فضفاضة لعدم اقترانها بتعريف قانوني محدد.

وفي مذكرتها الإيضاحية بعنوان «الأثر التشريعي لجريمة الاعتداء على قيم الأسرة المصرية»، رأت مؤسسة مسار «مجتمع التقنية والقانون» أن صياغة المادة تتعارض مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المنصوص عليه في المادة (95) من الدستور، التي تشترط أن تكون النصوص العقابية واضحة ومحددة، بحيث يعرف المخاطبون بها الأفعال المجرمة على وجه الدقة دون ترك مجال لتأويلات متباينة. واعتبرت أن عبارة «الاعتداء على مبادئ أو قيم الأسرة المصرية» تفتقر إلى تعريف قانوني محدد، بما يوسّع السلطة التقديرية في تفسيرها وتطبيقها، وأن غياب التعريف الدقيق قد يثير إشكاليات تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة وافتراض البراءة المنصوص عليهما في المادة (96)، فضلًا عن أثره المحتمل على الحق في حرية الرأي والتعبير المكفول بالمادة (65)، إذ قد يؤدي اتساع نطاق التفسير إلى ملاحقة أشكال مختلفة من المحتوى المنشور عبر منصات التواصل، بما في ذلك المحتوى الترفيهي أو الإبداعي.

في هذا الإطار، يرى المحامي الحقوقي أحمد عبد النبي أن المنظومة القانونية المصرية تتضمن بالفعل نصوصًا تعاقب على الأفعال التي أعلنت الحكومة استهدافها، ويضيف أن «ما نشهده اليوم هو حالة من التضخم التشريعي الموجَّه بالأساس لتقييد حرية التعبير، لا لتبسيط المنظومة القانونية أو حماية حقوق المواطنين»، موضحًا أن هذه الخطوة تدل على اهتمام حكومي مفرط بسنّ تشريعات عقابية، في مقابل غياب خطوات موازية لتعزيز الحقوق الدستورية وتوفير الضمانات اللازمة لممارستها.

ويتساءل عبد النبي، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، عن الحاجة الفعلية إلى قانون جديد، قائلًا إن «المنظومة القائمة تضم بالفعل نصوصًا متعددة، بدءًا من قانون العقوبات، مرورًا بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ووصولًا إلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وهي جميعًا تتضمن مواد تعاقب على جرائم مثل السب والقذف والابتزاز والاعتداء على الحياة الخاصة». ويؤكد أن استمرار طرح تشريعات «تتضمن مصطلحات فضفاضة» قد يوسّع نطاق التجريم والسلطة التقديرية في تفسير مصطلحات مثل «الممارسات المسيئة»، بما قد يؤثر سلبًا على مساحة حرية التعبير في الفضاء الرقمي.

ولم يقتصر تنظيم المحتوى على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، إذ منح قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطات واسعة في الإشراف على المحتوى الإعلامي والرقمي، بما في ذلك الحسابات الشخصية التي يتجاوز عدد متابعيها خمسة آلاف متابع، باعتبارها في بعض الحالات وسائل إعلامية تخضع لأحكام القانون؛ وهو ما واجه انتقادات من الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني، الذين رأوا أن صلاحياته المتّسعة تسمح بفرض قيود على المحتوى المنشور خارج الإطار الإعلامي التقليدي.

وفي تقرير بعنوان «من أجل بيئة تنظيمية وتشريعية داعمة لحرية الصحافة والإعلام في العالم العربي» صدر عام 2020، اعتبر الاتحاد الدولي للصحفيين أن المادة (19) من القانون رقم 180 لسنة 2018 تضمّنت قيودًا واسعة على حرية الصحافة والإعلام، لاعتمادها على عبارات فضفاضة مثل «الأخبار الكاذبة» و«التحريض» و«التمييز» دون تعريفات دقيقة، وأنها لا تقتصر على المؤسسات الصحفية والإعلامية بل تمتد إلى المواقع الشخصية والمدونات والحسابات التي يتجاوز عدد متابعيها خمسة آلاف متابع، بما يمنح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام صلاحية اتخاذ إجراءات تصل إلى وقف أو حجب الموقع أو الحساب. ورأى التقرير أن اتساع هذه النصوص وغموض بعض مصطلحاتها يجعل من الصعب على الصحفيين والمستخدمين تحديد الحد الفاصل بين السلوك المباح والمجرّم، مستشهدًا بقضية التحقيق مع رئيس التحرير السابق لصحيفة «المصري اليوم» وعدد من صحفييها عام 2018، الذين واجهوا اتهامًا بـ«نشر أخبار كاذبة» على خلفية عنوان صحفي تناول الانتخابات الرئاسية. وأوصى التقرير بمراجعة القانون وإلغاء المادة (19) وإعادة صياغة النصوص المتعلقة بحجب المواقع، بحيث يكون الحجب بقرار قضائي نهائي ولأسباب محددة على سبيل الحصر، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحرية التعبير.

نوصي للقراءة: مقترحان لخفض سن الطفل جنائيًا.. وتحليل رقمي يكشف حملات منظمة خلف الضجة


من الملاحقة بعد الفعل إلى الرصد المسبق

إذا كانت القوانين القائمة تكفي، فما الجديد الذي يحمله المشروع؟ يجيب مصطفى فؤاد، المدير التنفيذي لمؤسسة هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية، بأن أكثر ما يلفت الانتباه في التصريحات الرسمية بشأن المشروع هو الحديث عن تغليظ العقوبات، وتسريع الفصل في القضايا، وإنشاء وحدة للرصد داخل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بما يتطلب، وفق ما أُعلن، غطاءً تشريعيًا. ويقول: «إذا انعكست هذه المؤشرات في النص النهائي للقانون، فنحن أمام انتقال من الملاحقة التي تتم بعد وقوع الفعل إلى الرصد المستمر يعقبه مسار عقابي أكثر سرعة، وهو ما يثير، من وجهة نظري، تساؤلات بشأن ضمانات التقاضي».

ويوضّح فؤاد، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، أن الحكومة لا تبدو في حاجة إلى تشريع جديد، فالمادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والمادة (19) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، إلى جانب نصوص قانون العقوبات المتعلقة بالسب والقذف ونشر الأخبار الكاذبة، توفر بالفعل إطارًا واسعًا للتعامل مع المحتوى الرقمي؛ فالقضية، من وجهة نظره، لا تتعلق بفراغ تشريعي، وإنما بكيفية تطبيق النصوص القائمة، مؤكدًا أن هذا التقييم يستند إلى التصريحات الرسمية والتشريعات النافذة، في ظل عدم نشر الحكومة مسودة القانون حتى الآن. ويختتم بأن «أي تجريم يجب أن يستند إلى نص واضح ومحدد يعرف المواطن مسبقًا بموجبه ما هو السلوك المجرّم؛ أما مصطلحات مثل ‹الممارسات المسيئة› أو ‹السلم الاجتماعي› أو ‹ثوابت المجتمع›، فهي تعبيرات قيمية تحتمل أكثر من تفسير إذا لم يضع المشرع تعريفات دقيقة لها»، داعيًا إلى نشر المسودة وإخضاعها لحوار مجتمعي يضم نقابتي الصحفيين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني المستقلة قبل إحالتها إلى البرلمان، باعتباره ضمانة أساسية لمناقشة اتساقها مع الدستور والتزامات مصر القانونية.

هذا المسار ليس افتراضيًا. ففي ورقة موقف أعدتها الباحثة لبنى درويش، مديرة المناصرة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حذّرت المبادرة من أن إعلان الحكومة إعداد قانون جديد لتنظيم المحتوى لا يمكن قراءته بمعزل عن مسار تشريعي بدأ منذ سنوات، توسعت خلاله الدولة في استخدام نصوص لتنظيم الفضاء الرقمي، ومن أن المراجعات المعلنة قد تُفضي إلى استحداث جرائم تستند إلى تعبيرات فضفاضة مثل «العادات والتقاليد» و«القيم المجتمعية» و«السلم المجتمعي»، أو إلى تشديد العقوبات القائمة. واعتبرت أن تطبيق المادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الخاصة بـ«التعدي على قيم الأسرة المصرية»، يقدّم نموذجًا لكيفية تحوّل المصطلحات غير المحددة قانونًا إلى أساس للملاحقات القضائية.

وأوضحت الورقة أن هذه التهمة، التي استحدثها القانون عام 2018، استُخدمت على نطاق واسع في ملاحقة المحتوى المنشور عبر الإنترنت، بداية من صانعات المحتوى على تطبيق «تيك توك»، قبل أن تمتد إلى فئات وأنماط مختلفة من التعبير والعمل الرقمي؛ إذ لم يقتصر مسار الملاحقات على المحتوى السياسي، بل اتسع ليشمل الرقص والغناء والكوميديا والملابس واللهجة وطريقة الحديث أمام الكاميرا والعمل في مجالات مثل التجميل والوشم، ومشاركة تفاصيل الحياة اليومية وتحقيق الدخل عبر المنصات، بما يعكس انتقال الملاحقات من استهداف الرأي السياسي إلى فرض رقابة أوسع على أنماط التعبير والسلوك.

واستشهدت المبادرة ببيانات تقريرها «تأديب المجتمع» الذي وثّق، بعد تحديثه حتى نهاية يوليو 2026، ما لا يقل عن 545 قضية أو واقعة ملاحقة مرتبطة باتهام «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، طالت 626 شخصًا، بينهم 392 امرأة و234 رجلًا في 17 محافظة على الأقل، محذّرة من أن إدخال مصطلحات عامة جديدة في أي تشريع مرتقب قد يوسّع نطاق التجريم والملاحقات في الفضاء الرقمي.

حرية التعبير والمساحة المشروطة

تضع سمر الحسيني، المديرة التنفيذية لمؤسسة المنبر المصري لحقوق الإنسان، مشروع القانون في سياق حالة من «السخط العام المتزايد»، مشيرة إلى أن هذا الغضب لم يعد مقتصرًا على فئة اجتماعية بعينها، بل امتد، بحسب تقديرها، إلى شرائح مختلفة، وأن الانتقادات الموجهة للسياسات الاقتصادية لم تعد تظهر في صورة تعليقات مباشرة فحسب، وإنما اتخذت أشكالًا جديدة عبر مقاطع فيديو ومنشورات ساخرة ومحتويات إبداعية على منصات التواصل.

وترى الحسيني، في حديثها لـ«زاوية ثالثة»، أن الصياغات الواردة في المشروع تثير مخاوف حقوقية لاستخدامها مصطلحات «فضفاضة» مثل «الممارسات المسيئة»، مشيرة إلى تشابهها مع «قيم الأسرة المصرية» التي استُخدمت في ملاحقة صناع المحتوى، وأن غياب تعريف واضح يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة للسلوكيات التي يمكن اعتبارها مخالفة، موضحة: «لا نعرف بشكل دقيق ما المقصود بالممارسات المسيئة، كما لم يكن هناك تعريف واضح لمفهوم قيم الأسرة المصرية، وهو مفهوم نسبي يختلف تفسيره باختلاف السياقات الاجتماعية والثقافية». وتحذّر من أن توسيع نطاق هذه المصطلحات قد يُدخل جوانب من الحياة الشخصية والتعبير الفردي ضمن دائرة التجريم، ومن إمكانية استخدامها بصورة منهجية ضد فئات بعينها، من بينها مجتمع الميم في مصر.

وتتقاطع هذه المخاوف مع ورقة لمؤسسة حرية الفكر والتعبير بعنوان «من قيم الأسرة إلى الإرهاب: كيف تحاصر السلطات المصرية الفضاء الرقمي (تيك توك نموذجًا)»، رأت فيها المؤسسة أن حملات ملاحقة مستخدمي منصات مثل «تيك توك» لم تعد تدور حول طبيعة المحتوى محل الاتهام فحسب، بل أثارت قضايا أوسع تتعلق بحدود حرية التعبير والحق في الخصوصية وضمانات المحاكمة العادلة. وبحسب الورقة، بدأ تصاعد هذه الملاحقات بوضوح منذ عام 2020، واعتمد في جانب كبير منه على نصوص تتضمن مصطلحات غير محددة، وفي مقدمتها المادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 التي تجرّم «الاعتداء على مبادئ أو قيم الأسرة المصرية»؛ إذ أدى غياب تعريف واضح لمفهوم «قيم الأسرة المصرية» إلى توسيع مساحة تفسير النص، بما سمح، وفق رؤيتها، باستخدامه في ملاحقة أشكال متعددة من التعبير الرقمي، خاصة المحتويات الشخصية والترفيهية والفنية.

واستندت المؤسسة إلى المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على أن أي قيود على حرية التعبير يجب أن تكون محددة بالقانون ومرتبطة بهدف مشروع وضرورية ومتناسبة معه. ولم تقتصر ملاحظاتها على حرية التعبير، إذ أشارت إلى أن قضايا صناع المحتوى طرحت إشكاليات تتعلق بالحق في الخصوصية الرقمية، خاصة مع فحص الحسابات الشخصية والمحتوى السابق المنشور عند التحقيق، بما ينقل الملاحقة من فحص منشور أو مادة محددة إلى مراجعة واسعة للحسابات الرقمية، ويحوّل الحضور الرقمي إلى مساحة محتملة للمساءلة القانونية؛ مستندة في ذلك إلى المادة (17) من العهد الدولي التي تحظر التدخل التعسفي أو غير القانوني في الحياة الخاصة، وإلى المادة (57) من الدستور المصري التي تكفل حرمة الحياة الخاصة والمراسلات والاتصالات. ودعت المؤسسة إلى إعادة النظر في النصوص التي تعتبرها فضفاضة بما يضمن تحديد الأفعال المجرّمة بدقة ويمنع استخدامها في ملاحقة التعبير الرقمي المشروع، وإلى الحد من الحبس الاحتياطي في قضايا التعبير الإلكتروني، وإشراك صناع المحتوى والخبراء ومنظمات المجتمع المدني في صياغة سياسات تنظيم المنصات، بما يوازن بين مواجهة الجرائم الإلكترونية وحماية المجتمع من جهة، وضمان ألا يتحول تنظيم المجال الرقمي إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير أو التدخل في الحياة الخاصة من جهة أخرى.

وبينما تؤكد الحكومة أن مشروع القانون يستهدف حماية المجتمع من الممارسات التي وصفتها بـ«المسيئة»، يرى الخبراء الذين تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» أن المنظومة التشريعية تضم بالفعل نصوصًا تجرّم معظم الأفعال المعلنة، فلا يدور الجدل حول غياب الأدوات القانونية بقدر ما يتعلق بطبيعة الصياغات الجديدة وحدود استخدامها. ويبقى النص غير منشور حتى الآن، بينما يُقرأ المصطلح الجديد على ضوء سجلّ المصطلح الذي سبقه: 626 متهمًا تحت بند «قيم الأسرة» وحده.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search