تدخلات حكومية تثير غضب بشأن قانون “النقابات العمالية”

القانون رقم 74 لسنة 2026 يمدد الدورة النقابية الحالية ستة أشهر، ويرفع مدة الدورات المستقبلية من أربع سنوات إلى خمس بشكل دائم، فيما وصف تقرير دار الخدمات النقابية انتخابات 2022-2026 بأنها لم تكن حقيقية، ورصد حالات منع وشطب واستبعاد لمرشحين مستقلين.
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

تجدّدت في مصر النقاشات حول حدود تدخل الدولة في الشأن النقابي، عقب تعديلات تشريعية مست الدورة النقابية للمنظمات العمالية ومدتها الزمنية، في خطوة أثارت انقسامًا بين مؤيدين يرون فيها وسيلة لتعزيز الاستقرار المؤسسي وإتاحة وقت أكبر للتنظيمات النقابية لتنفيذ برامجها، ومعارضين يعتبرونها امتدادًا لتدخلات حكومية تقوض استقلال النقابات وحق العمال في اختيار ممثليهم بصورة دورية وحرة، ويأتي الجدل الجديد في سياق تاريخ طويل من الخلافات بشأن قانون التنظيمات النقابية العمالية، ومدى توافقه مع الدستور المصري واتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بحرية التنظيم النقابي.

وفي 10 يونيو الجاري، صدّق السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى، على القانون رقم 74  لسنة 2026 باستمرار الدورة النقابية الحالية لمجالس إدارات المنظمات النقابية العمالية. وبحسب ما جاء في القانون المنشور في الجريدة الرسمية، تستمر الدورة النقابية العمالية الحالية لمجالس إدارات المنظمات النقابية العمالية المنتخبة وفقًا لأحكام قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابى الصادر بالقانون رقم ٢١٣ لسنة ٢٠١٧، لمدة ستة أشهر، على أن تتم الدعوة لإجراء انتخابات مجالس الإدارات لهذه المنظمات للدورة النقابية الجديدة قبل انتهاء المدة المشار إليها فى هذه المادة بستين يومًا على الأقل.

وكان مجلس الوزراء المصري، قد وافق في نهاية أبريل الماضي، على مشروع قانون يقضي بمد أجل الدورة النقابية الحالية لمجالس إدارات المنظمات النقابية العمالية لمدة ستة أشهر، إلى جانب تعديل بعض أحكام قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، بما يسمح بمدة الدورة النقابية مستقبلاً من أربع إلى خمس سنوات.

وقالت الحكومة إن القرار يأتي بغرض إتاحة الفرصة أمام التنظيمات النقابية للمشاركة في فعاليات ومؤتمرات دولية وإقليمية مرتقبة، من بينها مؤتمر العمل العربي التابع لـ”منظمة العمل العربية” والمقرر عقده خلال مايو الجاري، إلى جانب مؤتمر العمل الدولي التابع لـ “منظمة العمل الدولية” خلال يونيو المقبل، فيما أكد بيان مجلس الوزراء، يستهدف “إتاحة المزيد من أوجه التمكين لمجالس الإدارات، وتحقيق أهدافها وتنمية مهارات كوادرها”.

وفتح القرار، بشقيه المؤقت والدائم، بابًا واسعًا للانتقادات إذ اعتبرت كوادر عمالية ومنظمات معنية بالشأن العمالي تحدثوا إلى “زاوية ثالثة” أن مبررات الحكومة لا تبدو كافية لتمرير ما وصفوه بالتدخل في الشأن النقابي، إذ رأوا أن هذه الخطوة تأتي ضمن مسار أوسع لمزيد من هندسة المجال التنظيمي والنقابي في مصر.

تدخل يخالف المواثيق الدولية

صدر قانون التنظيمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، في سياق تعهدات الحكومة المصرية بتعديل الإطار التشريعي المنظم للعمل النقابي، بعد سنوات من الانتقادات المحلية والدولية للقانون السابق رقم 35 لسنة 1976، الذي كان يُتهم بتقييد حرية التنظيم النقابي وحصر التمثيل العمالي داخل إطار نقابي واحد، وجاء القانون الجديد متضمنًا نصوصًا تسمح، للمرة الأولى منذ عقود، بالتعددية النقابية وتأسيس النقابات المستقلة، استجابة لملاحظات منظمة العمل الدولية بشأن حرية التنظيم النقابي.

ورغم الترحيب الذي صاحب إقرار القانون باعتباره خطوة نحو تحديث التشريعات العمالية، آنذاك، إلا أنه واجه انتقادات من نقابيين ومنظمات حقوقية وعمالية وكذلك برلمانيين، اعتبرت أن بعض مواده فرضت شروطًا معقدة لتأسيس النقابات واستمرارها، خاصة ما يتعلق بأعداد العضوية المطلوبة وإجراءات التوفيق القانوني، وهو ما رأت فيه تلك الأطراف عائقًا أمام النقابات المستقلة والكيانات النقابية الصغيرة.

شهد قانون التنظيمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017، تعديلات لاحقة صدرت عام 2019 بموجب القانون رقم 142 لسنة 2019، تضمنت تخفيف بعض القيود المتعلقة بتأسيس التنظيمات النقابية، وعلى رأسها خفض الحد الأدنى لعدد العمال اللازم لتكوين اللجنة النقابية من 150 عاملًا إلى 50 عاملًا، وكذلك تقليل عدد اللجان النقابية المطلوبة لتأسيس النقابة العامة من 15 لجنة إلى 10 لجان، مع تخفيض الحد الأدنى لعدد الأعضاء من 20 ألف عامل إلى 15 ألفًا.

كذلك شملت التعديلات تخفيض عدد النقابات العامة اللازمة لتكوين الاتحاد النقابي من 10 نقابات إلى 7 نقابات عامة، وخفض الحد الأدنى لعدد العمال المنضمين إلى الاتحاد من 200 ألف إلى 150 ألف عامل، في محاولة لإعادة ضبط شروط التمثيل النقابي وتوسيع نطاق إمكانية التأسيس مقارنة بالنصوص السابقة.

وجاءت هذه التعديلات في سياق استجابة جزئية  لملاحظات مرتبطة بمدى توافق القانون مع معايير الحرية النقابية وتجنبًا للعودة إلى القائمة السوداء، خصوصًا ما أثير من جانب منظمة العمل الدولية بشأن القيود الإجرائية على تأسيس النقابات واشتراطات العضوية، ورغم هذه التعديلات استمر الجدل حول مدى كفاية هذه التعديلات لمعالجة الإشكاليات الهيكلية في القانون.

ومؤخرًا أثار قرار الحكومة حالة جدل جديدة حول القانون، ومن جهته يعتبر كرم عبد الحليم، القيادي العمالي ورئيس نقابة العاملين بأندية هيئة قناة السويس بالإسماعيلية، أن مشروع مد الدورة النقابية الحالية وتعديل مدتها مستقبلًا يمثل “تدخلًا صارخًا” في العمل النقابي، ويتعارض مع مبادئ الحرية النقابية والاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها مصر، وعلى رأسها اتفاقيات منظمة العمل الدولية الخاصة بحرية التنظيم النقابي.

ويقول  عبد الحليم، في حديثه لـ”زاوية ثالثة”، إن جوهر العمل النقابي يقوم على حق العمال في اختيار ممثليهم ووضع اللوائح المنظمة لنقاباتهم بشكل مستقل، بينما تستمر الدولة في التدخل بتحديد مواعيد الانتخابات ومدد الدورات النقابية وآليات إدارة التنظيمات العمالية. 

ويضيف أن الأزمة لم تتوقف عند النصوص القانونية، بل امتدت إلى طريقة تطبيق قانون التنظيمات النقابية رقم 213 لسنة 2017، مشيرًا إلى أن وزارة القوى العاملة “تدخلت في كل شيء”، على حد تعبيره، بما في ذلك تعطيل بعض النقابات المستقلة ووقف نشاطها.

ويرى عبد الحليم أن تعديل مدة الدورة النقابية من أربع إلى خمس سنوات لا يرتبط بأي مبررات حقيقية تتعلق بتطوير العمل النقابي أو تمكين القيادات العمالية، لافتًا إلى أن بعض القيادات النقابية داخل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر استمرت لعقود طويلة دون أن ينعكس ذلك على تحسين أوضاع العمال أو تطوير الأداء النقابي.

 ويضيف أن النقاش، إذا كان الهدف منه تعديل القانون، كان ينبغي أن يشمل المواد المثيرة للجدل المتعلقة بحرية تأسيس النقابات وأعداد العضوية المطلوبة واستقلال التنظيمات النقابية، بدلًا من التركيز على مد الدورة النقابية.

ويعتبر أيضًا أن القرار يعكس استمرار ما وصفه بـ”هندسة الحياة النقابية” في مصر، من خلال التحكم في الإطار الزمني والتنظيمي للعمل النقابي، بما يحد من فرص التداول وتجديد القيادات، خاصة داخل النقابات المستقلة. ويشير إلى أن الدولة لا تقدم دعمًا حقيقيًا للنقابات التي تعبر عن العمال بصورة مستقلة، بقدر ما تسعى إلى الإبقاء على نموذج نقابي خاضع للسيطرة الإدارية، بحسب تعبيره.

بالإضافة إلى ذلك، يطرح القيادي العمالي تساؤلات حول أحقية الحكومة في التدخل بتحديد مدة الدورة النقابية أو مدها، معتبرًا أن هذه المسائل يفترض أن تُترك للجمعيات العمومية والعمال أنفسهم وفقًا للوائحهم الداخلية، وليس عبر قرارات تصدرها السلطة التنفيذية، حيث لا يجب على الحكومة أن تقوم بدور الجمعية العمومية، في إشارة إلى منح شرعية إضافية لمجالس إدارات انتهت مدتها الانتخابية بقرار إداري أو تشريعي.

في السياق، أعرب عدد من النقابيين والحقوقيين عن رفضهم للمشروع، عبر نداء موجّه إلى أعضاء مجلس النواب طالبوا فيه بعدم تمرير التعديلات المقترحة، معتبرين أنها تمثل “التفافًا على جوهر الحق في التنظيم النقابي” وتكريسًا لاستمرار التدخل الإداري في شؤون النقابات.

وجاء في البيان، الذي وقّع عليه نقابيون وعمال ومهتمون بالشأن العمالي، أن التوصية الصادرة عن المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، والتي أقرها مجلس الوزراء في 29 أبريل 2026، ثم وافقت عليها لجنة القوى العاملة بمجلس النواب في 11 مايو 2026، تثير مخاوف تتعلق بمستقبل استقلال التنظيمات النقابية وحق العمال في اختيار ممثليهم بصورة دورية وحرة.

واعتبر الموقعون أن التعديلات المقترحة تتجاهل الإشكاليات الجوهرية المرتبطة بقانون التنظيمات النقابية رقم 213 لسنة 2017، خاصة ما يتعلق بالقيود الإجرائية والتدخلات الإدارية التي تواجه النقابات المستقلة، مطالبين بفتح حوار مجتمعي أوسع حول إصلاح التشريعات المنظمة للعمل النقابي، بما يضمن احترام مبادئ الحرية النقابية المنصوص عليها في الدستور المصري واتفاقيات منظمة العمل الدولية.

 

نوصي للقراءة: الإسكان الاجتماعي لمحدودي الدخل يدخل عصر المليون جنيه


تتعدى حدود التشريع

يحذر القيادي العمالي كرم عبد الحليم إلى  التعديلات الأخيرة، من أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى إفراغ الانتخابات النقابية من مضمونها الديمقراطي، مع تزايد المخاوف من الاتجاه مستقبلًا نحو تثبيت القيادات الحالية أو تقليص فرص إجراء انتخابات حقيقية، مشيرًا إلى وجود نقابات مستقلة “معلقة” أو متوقفة، بينها نقابة العاملين بأندية قناة السويس التي يرأسها والإسعاف والنقل البري وغيرهم، متسائلًا عن مصيرها في ظل غياب حوار مجتمعي حقيقي حول التعديلات المقترحة.

ومن جانبه يقول كمال عباس، رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، إن الموقف المبدئي من تحديد مدة الدورة النقابية يقوم على أن هذه المسألة يجب أن تظل من اختصاص الجمعية العمومية لكل تنظيم نقابي، باعتبارها الجهة الوحيدة المخوّلة بتحديد مدة الدورة وفقًا للائحة الداخلية، وليس من خلال تدخل تشريعي أو حكومي يفرض مدة موحدة على جميع التنظيمات.

ويوضح  في حديثه لـ”زاوية ثالثة”، أن قانون التنظيمات النقابية رقم 213 لسنة 2017 منح الشخصية الاعتبارية للجان النقابية، ما يعني أن منطق التنظيم الديمقراطي يقتضي أن يكون للعمال الحق في تحديد دورة مجالسهم النقابية بحرية، سواء كانت سنتين أو ثلاث أو أكثر، مع وضع حد أقصى فقط دون فرض نموذج موحد، معتبرًا أن توحيد مدة الدورة على مستوى جميع التنظيمات يمثل تدخلاً مباشرًا في استقلالها.

وفيما يتعلق بقرار مد الدورة النقابية، تساءل عباس عن المبررات التي قدمتها الحكومة، معتبرًا أنها “غير مقنعة”، وأن ربط التمديد بترتيبات إدارية أو مواعيد مؤتمرات دولية لا يعكس مصلحة العمال، بل يخدم اعتبارات تنظيمية تخص قيادات نقابية بعينها – بحسب قوله.

في السياق ذاته، تعتبر وفاء عشري، الباحثة في الشأن الاجتماعي والعمالي، في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، أن قرار مد الدورة النقابية وتأجيل الانتخابات يمثل تدخلًا مباشرًا في الحريات النقابية، مشيرة إلى أن الأصل في العمل النقابي هو استقلاله عن السلطة التنفيذية، باعتباره أداة لتمثيل العمال في تحسين شروط العمل والتفاوض حول الحقوق الأساسية مثل الأجور والإجازات وظروف السلامة المهنية. معتبرة أن فرض موعد موحد للانتخابات على جميع النقابات يمثل، من وجهة نظرها، إخلالًا بمبدأ استقلال التنظيمات النقابية وتجاوزًا لدور الجمعية العمومية في إدارة شؤونها الداخلية.

وتضيف أن استمرار مجالس نقابية، دون تقييم فعلي لأدائها أو استجابة حقيقية لمطالب العمال بدليل تزايد الاحتجاجات العمالية خلال الأشهر الأخيرة، يمنح فرصة لبقاء هياكل لا تحقق نتائج ملموسة للعمال.

وتنتقد الباحثة العمالية ما وصفته بغياب العدالة في تنظيم العملية الانتخابية، نتيجة توحيد توقيت الانتخابات بين نقابات حديثة التأسيس وأخرى مستقرة منذ سنوات، معتبرة أن هذا التوحيد يضعف فرص النقابات الناشئة ويحد من قدرتها على بناء قاعدة عضوية مستقرة قبل الدخول في المنافسة الانتخابية، بما يخل بتكافؤ الفرص داخل المشهد النقابي.

وتشير وفاء إلى أن تأجيل الانتخابات يرتبط أيضًا باعتبارات سياسية غير معلنة، ما تعتبره امتدادًا لتدخل الدولة في إدارة المجال النقابي. كما حذرت من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إطالة عمر قيادات نقابية قائمة دون تجديد فعلي، بما يحد من فرص التمثيل الحقيقي للعمال ويضعف ديناميكية الحركة النقابية.

وتلفت وفاء كذلك إلى أن النقابات المستقلة تواجه، بحسب قولها، صعوبات كبيرة على أرض الواقع في إجراءات التسجيل والاعتراف القانوني، إلى جانب عراقيل إدارية وتأخير في الإجراءات، وهو ما يحد من قدرتها على المنافسة، في مقابل استمرار هيمنة تنظيمات نقابية تقليدية مرتبطة بالاتحاد العام، الأمر الذي يكرّس اختلالًا في ميزان التمثيل العمالي ويضعف التعددية النقابية الفعلية- بحسب وصفها.

وفي سياق متصل، جدد المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رفضه القاطع لأي اتجاه نحو مد الدورة النقابية الحالية، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل مساسًا جوهريًا بمبدأ التداول الديمقراطي داخل التنظيمات النقابية، وإهدارًا لحق العمال في الاختيار الحر والدوري لممثليهم.

ورأى المركز، في بيان له، أن الأولوية كان ينبغي أن تتجه نحو معالجة أوجه القصور التشريعي والتنظيمي التي كشفت عنها الممارسة العملية لقانون التنظيمات النقابية، بدلًا من التركيز على مد مدة الدورة النقابية. وأشار إلى أن من بين أبرز الإشكاليات التي تتطلب إصلاحًا تشريعيًا وضع تنظيم قانوني واضح وفعّال لإجراءات التظلمات والطعون الانتخابية، بما يضمن وجود مسار قضائي حقيقي وفعّال للفصل في النزاعات المرتبطة بالعملية الانتخابية.

كذلك طالب المركز بإعادة الاختصاص القضائي الأصيل في الرقابة على الانتخابات النقابية والفصل في الطعون إلى محاكم مجلس الدولة، باعتبارها الجهة القضائية المختصة بمنازعات الانتخابات والقرارات الإدارية، منتقدًا نقل هذا الاختصاص إلى المحاكم العمالية، وهو ما اعتبره قد أضعف فعالية الرقابة القضائية، خاصة في ظل غياب نصوص تنظم الجدول الزمني للانتخابات بما يراعي مواعيد الطعون والفصل فيها.

وشدد المركز كذلك على ضرورة تضمين القانون نصوصًا صريحة تضمن منع أي تدخل إداري، مباشر أو غير مباشر، في إجراءات الترشح أو سير العملية الانتخابية، بما يكفل نزاهة الانتخابات وتكافؤ الفرص بين المرشحين، ويعزز استقلال التنظيمات النقابية عن أي تأثيرات خارجية.

أعباء مالية دون مردود حقيقي

حول مشاركة الوفود النقابية المصرية في اجتماعات منظمة العمل الدولية والتي على أساسها مدَت رئاسة الوزراء الدورة النقابية الحالية 6 أشهر، يعتبر رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، كمال عباس،  أن المشاركة في حد ذاتها لا تنعكس على تحسين أوضاع العمال أو الدفع باتجاه الالتزام الفعلي بالاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها الاتفاقيتين 87 و98 الخاصة بالحرية النقابية وحق التنظيم.

ويشير إلى أن هذه المشاركات، في بعض الحالات، تتحول إلى “أعباء مالية دون مردود حقيقي”، على حد وصفه، متسائلًا عن حجم الاستفادة الفعلية من هذه المؤتمرات مقارنة بالتكاليف والبدلات التي تتحملها النقابات، وما إذا كانت تُترجم إلى مواقف داعمة لحقوق العمال داخل مصر.

ويستعيد عباس خلفية صدور قانون 213 لسنة 2017، إذ يعتبر أنه جاء تحت ضغوط مرتبطة بملاحظات منظمة العمل الدولية وبرامج العمل اللائق، إلى جانب تأثيرات اقتصادية على بعض القطاعات، وهو ما دفع إلى إدخال تعديلات تشريعية دون تحول جذري في فلسفة الحريات النقابية. مشيرًا إلى أن القيود المرتبطة بتأسيس النقابات، وخاصة ما يتعلق بالأعداد المطلوبة لإنشاء النقابات العامة والاتحادات، ما زالت تمثل عائقًا أمام نشوء نقابات مستقلة حقيقية، في ظل استمرار هيمنة نموذج نقابي واحد، في إشارة إلى ” إتحاد عمال مصر”.

كذلك ينتقد عباس ما وصفه بالبيروقراطية في إجراءات تسجيل النقابات، وأن تدخل وزارة القوى العاملة في إجراءات التسجيل والموافقة يتعارض مع مبدأ حرية التنظيم، مقترحًا أن يكون التسجيل عبر جهة قضائية أو إخطاريًا دون وصاية إدارية.

ويؤكد أن الأزمة ليست في النصوص وحدها، بل في التطبيق والممارسة، معتبرًا أن استمرار التدخل في الشأن النقابي يؤدي إلى إفراغ الحريات النقابية من مضمونها، ويقوّض فرص بناء تنظيمات عمالية مستقلة تعبر عن مصالح العمال بشكل حقيقي.

تكرّس اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم والاتفاقية رقم 98 بشأن حق التنظيم والمفاوضة الجماعية، على أن للعمال الحق في تأسيس منظمات يختارونها بحرية دون تدخل من السلطات العامة، مع ضمان استقلال هذه التنظيمات في إدارة شؤونها الداخلية، بما في ذلك وضع لوائحها وانتخاب ممثليها وتحديد برامج عملها. كما تؤكد هذه المعايير أن أي قيود تُفرض على إنشاء النقابات أو عملها يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة ولا تُفرغ الحق من مضمونه العملي.

 

نوصي للقراءة: 30 ألف باحث يستغيثون: تخصيص أراضي مركز البحوث الزراعية لـ”مستقبل مصر” يهدد الأمن الغذائي


فرصة أكبر للاستقرار رغم الانتقادات

من جهته، دافع مجدي البدوي، نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، عن مشروع مد الدورة النقابية الحالية وتعديل مدتها إلى خمس سنوات، معتبرًا أن الأمر جاء عبر مسار مؤسسي من خلال مجلس التشاور الاجتماعي، الذي يضم ممثلين عن الحكومة وأصحاب الأعمال والتنظيمات النقابية، ويترأسه وزير العمل.

يقول “البدوي”، في حديثه لـ”زاوية ثالثة”، إن التوصية الخاصة بمد مدة الدورة النقابية نوقشت داخل المجلس وانتهت إلى توافق بين ممثلي العمال على أن تصبح الدورة النقابية خمس سنوات بدلًا من أربع، موضحًا أن الهدف من التعديل هو منح التنظيمات النقابية وقتًا أطول للعمل وتنفيذ برامجها بشكل أكثر فاعلية. 

ويضيف أن فلسفة التمديد تتسق مع مدد مؤسسات منتخبة أخرى مثل مجلس النواب ومجلس الشيوخ، مشيرًا إلى أن بعض التنظيمات النقابية في دول أخرى تعتمد أيضًا دورة تمتد لخمس سنوات.

ويوضح “البدوي” أن التعديل الخاص بالخمس سنوات لن يُطبق على الدورة الحالية، وإنما يبدأ مع الدورة المقبلة، بحيث يدخل الناخبون الانتخابات المقبلة وهم على دراية بمدة الدورة الجديدة. أما قرار المد المؤقت لمدة ستة أشهر، يرى أنه يرتبط باعتبارات تنظيمية تتعلق بتزامن الانتخابات النقابية مع عدد من الفعاليات، بينها مؤتمر العمل العربي، ومؤتمر العمل الدولي التابع لـمنظمة العمل الدولية، إلى جانب احتفالات عيد العمال التي تتطلب ترتيبات واسعة بحضور رسمي.

وفي رده على الانتقادات الموجهة إلى التعديلات، يقول “البدوي” إن المعيار الأساسي بالنسبة له هو وجود تمثيل نقابي منتخب من العمال، معتبرًا أن أي تنظيم أو شخص لم يأت عبر انتخابات لا يمكن اعتباره معبرًا عن العمال بصورة حقيقية. ويتابع أن الاتحاد العام يحترم أي نقابة تنتخبها قواعدها العمالية، سواء كانت ضمن مظلته أو خارجها، لكنه يرفض منح صفة تمثيلية لكيانات لا تستند إلى قاعدة انتخابية واضحة-بحسب تعبيره.

كما يعتبر نائب رئيس اتحاد عمال مصر، أن الانتقادات الموجهة لقرار المد مبالغ فيها، وأن الأشهر الستة الإضافية لن تمثل فارقًا جوهريًا، بينما ستمنح الدورة الممتدة لخمس سنوات التنظيمات النقابية فرصة أكبر للعمل والاستقرار. وأن العمال في الدورة المقبلة سيختارون ممثليهم على أساس علمهم المسبق بمدة الدورة الجديدة في انتخابات ديمقراطية، وهو ما يراه كافيًا لضمان وضوح القواعد المنظمة للعملية الانتخابية.

 

نوصي للقراءة: من يحمي المسيحيين من قانون المسيحيين؟


تخوفات من ” منع وشطب واستبعاد” في الانتخابات النقابية 

شهدت الانتخابات النقابية العمالية لدورة 2022–2026 جدلًا واسعًا حول مدى توافقها مع الحريات النقابية، ووفقًا لما وثقته دار الخدمات النقابية والعمالية، في تقريرها الختامي، فإن الانتخابات النقابية العمالية جاءت على عكس التوقعات وأنها لم تكن انتخابات حقيقية وأن الأجهزة الحكومية لا ترغب في أكثر من ديكورات شكلية فاقدة الحيوية والمضمون، ما أفقد العملية الانتخابية نزاهتها.

وأشار التقرير إلى أن الانتخابات النقابية لم تحقق، في نظر قطاع من النقابيين المستقلين، تطلعات الحركة العمالية نحو توسيع المشاركة الديمقراطية وتجديد القيادات النقابية، بل أعادت إنتاج إشكاليات سابقة مرتبطة بضعف التعددية النقابية، واستمرار هيمنة تنظيمات بعينها على المشهد النقابي. وخلصت دار الخدمات إلى أن الإطار التشريعي الحالي، رغم ما تضمنه من اعتراف قانوني بالتنظيمات النقابية المستقلة، لا يزال يفرض قيودًا إجرائية وتنظيمية تحد من فاعلية هذا الاعتراف على أرض الواقع.

في الإطار، يشير كرم عبد الحليم القيادي العمالي،  إلى ما وصفه بالتدخلات التي شهدتها الانتخابات النقابية الأخيرة منذ عام 2018، متحدثًا عن حالات “منع وشطب واستبعاد” لمرشحين ونقابيين مستقلين، إلى جانب تعطيل إجراءات جمعيات عمومية، معتبرًا أن ذلك يؤكد غياب الحريات النقابية على أرض الواقع رغم النصوص القانونية والاتفاقيات الدولية التي تؤكد عليها الدولة رسميًا.

كذلك ينتقد كمال عباس رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية ما وصفه بـ”التدخلات الإدارية في العملية الانتخابية النقابية”، مشيرًا إلى أن الانتخابات في الدورات السابقة شهدت، بحسب تعبيره، أنماطًا متعددة من التدخلات التي أثرت على نزاهة العملية الانتخابية، وأضعفت فرص التنافس الحر داخل التنظيمات النقابية، ما يثير مخاوفه بشأن الانتخابات النقابية القادمة.

ينص الدستور المصري على ضمان الحق في التنظيم النقابي واستقلال النقابات العمالية والمهنية، حيث أكدت المادة 76 أن “إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطي حق يكفله القانون، وتكون لها الشخصية الاعتبارية، وتمارس نشاطها بحرية، وتسهم في رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم وحماية مصالحهم”، كما شددت المادة ذاتها على أن الدولة تكفل استقلال النقابات والاتحادات، ولا يجوز حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي. 

كذلك نصت المادة 77 على أن “ينظم القانون إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطي، ويكفل استقلالها”، بما يعزز مبدأ الإدارة الذاتية للتنظيمات النقابية بعيدًا عن تدخل السلطة التنفيذية. فضلًا عن  المادة 93 من الدستور، التي تلزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتمنحها قوة القانون، وهو ما يشمل اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بحرية التنظيم النقابي وحق العمال في اختيار ممثليهم بحرية.

وفي ظل هذا الجدل، تبدو التعديلات الأخيرة الخاصة بمد الدورة النقابية امتدادًا لمسار طويل من الصراع حول استقلال الحركة العمالية في مصر، بين رؤية حكومية تعتبر أن إعادة تنظيم المواعيد والدورات النقابية يحقق قدرًا أكبر من الاستقرار والفاعلية، وبين أصوات نقابية وحقوقية ترى أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بعدد سنوات الدورة النقابية بقدر ما ترتبط بضمان حرية التنظيم والتنافس الحقيقي ورفع التدخل الإداري من قبل الحكومة.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search