إجراء بـ20 جنيهًا يتحول إلى رقابة: كيف بات رقم إيداع الكتاب في مصر بوابة للمنع؟

عدد الأرقام الممنوحة للناشر في المرة الواحدة تقلص من عشرة إلى ثلاثة، ومدة الانتظار امتدت من يوم إلى عشرة أيام بانتظار “موافقة” لا يُعرف مصدرها، والهيئة ترد على كل هذا بأنها لا تفحص المحتوى وأن ما يحدث اجتهادات فردية من موظفين، فيما يقول رئيس اتحاد الناشرين إنه يسمع بهذه الوقائع لأول مرة.
Picture of آية ياسر

آية ياسر

لا ينص القانون المصري على مراجعة محتوى الكتب شرطًا للنشر؛ لكن كتّابًا وناشرين يروون طلب موافقات من هيئة العمليات والشؤون المعنوية وهيئة المساحة قبل منح رقم الإيداع، ورفضًا لأرقام إيداع بعبارات مثل «لم تأتِ الموافقة» و«الكتاب مرفوض» دون معرفة الجهة أو الأسباب؛ بينما تنفي دار الكتب فحص المحتوى، وينفي رئيس اتحاد الناشرين تلقّي شكاوى.

في 26 يوليو الماضي، قصد الكاتب والأديب شريف العصفوري الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية لاستخراج رقم الإيداع لكتابه الجديد «طوفان الحمقى»، الذي يتناول العمليات العسكرية في إيران، فصُدم حين أبلغه موظف بضرورة الحصول على موافقة هيئة عمليات القوات المسلحة المصرية، وهي الجهة المسؤولة عن التخطيط الإستراتيجي وإدارة العمليات الحربية البرية والبحرية والجوية ووضع الخطط العسكرية.

وحين أبدى دهشته، أُخبر بأن مؤلفي بعض الكتب عليهم الحصول على موافقات جهات مختلفة قبل منحهم رقم الإيداع، وفق طبيعة المحتوى، بموجب تعليمات وزارية؛ فالكتب التي تتناول القوات المسلحة أو الشرطة أو القيادات العسكرية تُحال إلى إدارة الشؤون المعنوية، وما يتناول العمليات العسكرية إلى هيئة العمليات، والخرائط إلى هيئة المساحة، بينما يتطلب تناول الشؤون الدينية موافقة الأزهر أو الكنيسة بحسب الديانة محل التناول؛ وذلك، بحسب قوله، بعد أن وقّع الموظفون على تعهدات تحمّلهم المسؤولية الشخصية.

ويقول العصفوري لـ«زاوية ثالثة»: «كنت قد أدرجت ست خرائط في الكتاب، لكنها ليست خرائط جغرافية، وإنما رسوم بيانية تتعلق بالتجارة الخارجية لدول معينة، ويُطلق عليها أيضًا خرائط، إلا أنهم أصروا على فحصها، وأحالوني أولًا إلى هيئة المساحة، وهناك كان المسؤول عن الشؤون الفنية ضابطًا سابقًا، ولم يعجبه أسلوبي، فبدأ يماطل في الإجراءات». ويضيف: «قانون رقم الإيداع وُضع لحماية حقوق المؤلف، وليس لحماية الدولة، ورسم استخراج الرقم لا يتجاوز 20 جنيهًا، وهو ما يوضح أنه إجراء إداري بسيط؛ يكفي أن يقدم المؤلف بطاقته واسم الكتاب وملخصًا عنه، ثم يحصل على الرقم مباشرة، لكنهم حوّلوا هذا الإجراء الإداري إلى وسيلة رقابية».

ويحكي أنه حتى عام 2023 كان المؤلف يتوجه ببطاقته الشخصية واسم الكتاب فيحصل على الرقم في الحال، لكن بعد ذلك صار الموظفون يخبرون الناشرين والكتّاب بضرورة مراجعة أسماء المؤلفين أمنيًا تحسبًا لإدراجهم على قوائم الإرهاب، فأصبح استخراج الرقم يستغرق يومين إلى عدة أيام حتى تُراجع بيانات المؤلف؛ مشيرًا إلى أن استخراجه للمؤلفين أسهل منه للناشرين الذين يُطلب منهم سجل تجاري وبطاقة ضريبية وعضوية اتحاد الناشرين ومستندات أخرى. ويتابع: «تقدمت للهيئة بكتابين؛ الأول رواية حصلت على رقم إيداعها بعد ثلاثة أيام، أما الثاني فكتاب سياسي يتضمن خرائط، فأحالوني أولًا إلى هيئة المساحة، ثم إلى الشؤون المعنوية للقوات المسلحة؛ الأمر يعيدنا إلى مراحل قديمة من الرقابة». وبقي كتابه السياسي معلّقًا بين هذه الإحالات دون أن يُبتّ فيه.

ويُعد الإيداع القانوني إجراءً تشريعيًا يُلزم المؤلفين والناشرين بإيداع عدد محدد من النسخ في دار الكتب الوطنية لحفظ الإنتاج الفكري، بينما الترقيم الدولي (ISBN) مُعرّف رقمي فريد للكتاب لتسهيل التداول والفهرسة. ويستند الإيداع القانوني للكتب إلى القانون رقم 20 لسنة 1936 بشأن المطبوعات، وقانون حماية حق المؤلف رقم 38 لسنة 1992 المعدِّل لبعض أحكام القانون رقم 354 لسنة 1954، وقانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002.

ويشير العصفوري إلى أن الناشرين صاروا أكثر حذرًا في التعامل مع الكتب ذات الطابع السياسي خشية تعطّل حصولهم على أرقام الإيداع أو تأخيرها، وأن معظم دور النشر تتجنب الاعتراض العلني خشية إجراءات تؤثر على نشاطها، خاصة أن جزءًا كبيرًا من دخلها يعتمد على المشاركة في المعارض الخارجية. ويرى أن بعض الدور تواجه قيودًا على تصدير الكتب أو المشاركة في المعارض الدولية، تضمّنت رفض منح أرقام إيداع ومظاهر من التعنت والرقابة، ومنع بعضها من التصدير بقرارات غير معلنة دون معرفة مصدرها، رغم أن نحو 60% من دخل الناشرين يأتي من المعارض الخارجية؛ مشيرًا إلى أن الكتب العائدة من تلك المعارض قد تُحال إلى المصنفات الفنية، وقد تُرفض الشحنة كاملة بسبب كتاب واحد رغم أنها مطبوعة في مصر. ويلفت إلى أن الوسط الثقافي يتعامل بحذر مع هذه القضايا، وأن كثيرًا من الناشرين والكتّاب يفضلون عدم الحديث عنها علنًا خشية تداعيات مماثلة، منتقدًا غياب مواقف معلنة من بعض الكيانات الثقافية تجاه وقائع المنع أو المصادرة أو التضييق.

ويُلزم القرار رقم 363 لسنة 2017 بتنظيم الإيداع القانوني دورَ النشر والناشرين باستخراج أرقام إيداع لكل الإصدارات والمصنفات الفكرية الخاضعة لقانون حماية الملكية الفكرية، وإيداع عدد محدد من النسخ الورقية والإلكترونية. وتقتصر الإجراءات الرسمية المعلنة للحصول على الرقم على تقديم بيانات الغلاف واسم المؤلف والناشر والطابع وصورة بطاقة المؤلف أو إقرار بالمسؤولية وملخص أو فهرس للكتاب وختم دار النشر، ولا ينص القانون على مراجعة محتوى الكتاب أو الحصول على موافقة الرقابة على المصنفات الفنية؛ وبعد استخراج الرقم يلتزم الناشر بإيداع خمس نسخ مطبوعة ونسخة إلكترونية خلال ثلاثة أشهر، ويقتصر الجزاء عند عدم الإيداع على الغرامة المالية دون عقوبات سالبة للحرية.

نوصي للقراءة: مصادرة ومنع: كيف يعاني قطاع النشر في مصر من التضييق؟


عناوين حساسة ودلالات سياسية

رغم أن الحصول على رقم الإيداع إجراء إداري لتوثيق الإنتاج الفكري وحفظه، لا ترخيصًا لمحتوى الكتاب، فقد أثار عدد من الناشرين والكتّاب خلال السنوات الماضية شكاوى من تحوّله في بعض الحالات إلى وسيلة لتعطيل إصدار كتب تتناول موضوعات سياسية أو تُصنَّف حساسة.

ففي عام 2017، اشتكى الناشر الراحل محمد هاشم، مدير دار ميريت للنشر، من أن دار الكتب طلبت منه موافقة الرقابة على المصنفات الفنية قبل إصدار رقم إيداع لكتاب «الخازوق: العسكر والإخوان بين التحالف والمواجهة»، بينما نفت دار الكتب وجود هذا الشرط ووصفت الواقعة بأنها اجتهاد فردي من موظف؛ لكن الأمر تكرر مع ناشرين وكتّاب أرادوا إعادة طبع كتب قديمة أو دواوين شعرية اعتُبرت عناوينها ذات دلالات سياسية. وفي فبراير 2021، أعلن الشاعر ماهر مهران أن دار الكتب رفضت منح رقم إيداع لديوانه «وأنا في القفص» بحجة أن الاسم والغلاف الذي رسمه الفنان سمير عبد الغني «فيهما سياسة»، متهمًا دار الكتب بأنها تحولت إلى محكمة تفتيش.

وفي يناير 2023، أعلن الروائي أحمد عبد الحليم أن الهيئة العامة للكتاب منعت إصدار رقم إيداع لكتاب لأسباب غير معلومة، وأنه لهذا لن يُطبع في مصر. وفي نوفمبر من العام نفسه، كشف الناقد الأدبي صبري ممدوح عن رفض دار الكتب استخراج رقم إيداع لكتاب «تلخيص وتحقيق لسيرة ابن هشام» للكاتب أشرف الخمايسي، الذي كان مقررًا صدوره عن دار «المحرر للنشر»؛ مضيفًا أن المؤلف ظنّ أن موضوع تحقيق التراث وتلخيصه به مشكلة ما مع السلطة، فطلب الناشر رقم إيداع لرواية جديدة للكاتب نفسه، فرُفض أيضًا.

وتؤكد الكاتبة والناشرة سمية عبد المنعم، مديرة دار أفلاك للطبع والنشر والتوزيع، أن إدارة أرقام الإيداع بدار الكتب تجاوزت الدور المنوط بها، إذ يقتصر اختصاصها الأصلي على منح الأرقام بوصفه إجراءً إداريًا، لا ممارسة أي شكل من الرقابة على عناوين الكتب أو مضامينها. وتروي تجربة شخصية؛ إذ حصلت مجموعتها القصصية «سرير فارغ» على رقم إيداع عام 2022، وكانت قد فازت قبلها بجائزة اتحاد الكتّاب، لكنها حين حاولت عام 2024 استخراج رقم إيداع جديد لها باسم دار النشر التي أسستها فوجئت برفض الطلب بدعوى أن العنوان يحمل «إيحاءات جنسية»، رغم أن العمل لا يتضمن ذلك، وما زال الطلب معلقًا حتى الآن.

وتقول لـ«زاوية ثالثة»: «بعض طلبات استخراج أرقام الإيداع تُرفض دون إبداء أسباب محددة، وفي أحيان أخرى يُكتفى بإبلاغ الناشر بأن الرفض جاء ‹من الأمن›، دون قرار أو تقرير رسمي يوضح الأسباب أو يتيح لصاحب الطلب معرفة مبرراته؛ هذا الأسلوب يفتقر إلى الشفافية ولا يستند إلى إجراءات واضحة». وتوضح أن مراجعة المحتوى، إن استدعتها طبيعة الكتاب، يجب أن تتم عبر الجهات المختصة قانونًا لا عبر إدارة أرقام الإيداع، وأن طلب موافقات في موضوعات محددة قد يكون مفهومًا إن نصّ عليه القانون، لكن المشكلة في تدخل الإدارة بتقييم العناوين أو رفضها دون سند.

وتلفت إلى أن مدة استخراج الرقم صارت تمتد إلى ثلاثة أيام أو أسبوع بعدما كانت دقائق معدودة، ما يضر الناشرين خاصة في موسم الاستعداد لمعرض القاهرة الدولي للكتاب حين تُقيّد الإدارة عدد الأرقام التي يمكن استخراجها أسبوعيًا. وتشير إلى فرض رسوم تبلغ 20 جنيهًا للمؤلف المصري و50 جنيهًا للعربي أو الأجنبي، متسائلة عن مبرراتها بعدما كان الاستخراج مجانيًا، وإلى أن وعود تحويل الخدمة إلى نظام إلكتروني لم تُحل المشكلة، إذ ما زال الناشرون، خصوصًا القادمون من المحافظات، يضطرون إلى السفر لاستلام الأرقام وقد يفاجأون بعدم صدورها رغم استكمال الإجراءات.

وعن طبيعة الكتب المعطَّلة، تشير إلى أن الإدارة لا تملك أصلًا نسخة كاملة من العمل عند التقديم، وإنما صورة الغلاف وملخص لا يتجاوز مائة كلمة وبعض البيانات، وبالتالي فأي اعتراض يكون في الغالب مبنيًا على العنوان أو الانطباع الأول لا على قراءة فعلية للمحتوى. وعن فحص أسماء المؤلفين أمنيًا، توضح أن دار الكتب لا تجري استعلامًا عن جميع المؤلفين، لكن إن كان اسم أحدهم مدرجًا مسبقًا لدى الجهات المختصة فإنها تخطر الإدارة فيُمنع إصدار الرقم، مؤكدة أن الاستعلام الشامل ليس من اختصاص دار الكتب. وتعتبر أن كثيرًا من هذه الأزمات يعود إلى اجتهادات الموظفين أكثر من استناده إلى قرارات معلنة، إذ يُبلَّغ الناشرون بأن الإجراء «قرار» دون أن يطّلعوا على نصه. وتستشهد بطلبات وصفتها بغير المبررة، مثل إلزام الناشرين سابقًا بتسليم الكتب بصيغة «وورد» بدلًا من «PDF»، أو إرفاق الغلاف الأصلي على الأسطوانة المدمجة، أو تدوين رقم هاتف المؤلف رغم أن العلاقة الإجرائية تكون بين دار الكتب والناشر؛ وتؤكد أن القطاع يحتاج إطارًا واضحًا يحدد اختصاصات الإدارة ويمنع تجاوزها لدورها الإداري.

وكانت وزيرة الثقافة السابقة، الدكتورة جيهان زكي، قد أصدرت في 12 مايو الماضي قرارها رقم 198 لسنة 2026 لتنظيم إجراءات الإيداع، مُلزِمةً الناشرين والمؤلفين بتقديم نسخة رقمية بصيغة PDF قابلة للبحث أو نسخة Word، إضافة إلى النسخ المطبوعة، للحصول على أرقام الإيداع؛ وأثار القرار جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية، واعترض عليه اتحاد الناشرين باعتباره يفتح الباب أمام رقابة مسبقة على المحتوى، ويثير مخاوف تتعلق بحماية الملكية الفكرية واحتمالات قرصنة المصنفات، ما دفع الهيئة إلى تعديل إجراءاتها.

نوصي للقراءة: معرض القاهرة للكتاب: الإيجارات ترتفع حتى 250% وناشرون يهددون بالانسحاب

«لم تأتِ الموافقة» أو «الكتاب مرفوض»

خلال السنوات الأخيرة شهدت إجراءات الحصول على رقم الإيداع تشديدًا متزايدًا؛ فبعدما كانت تقتصر على عنوان الكتاب وصورة بطاقة المؤلف مع منح أرقام متعددة في اليوم نفسه، بدأت الهيئة منذ نحو عامين تطلب الغلافين الخارجي والداخلي، ثم الفهرس والمقدمة، وأحيانًا نسخة كاملة من الكتاب، إلى جانب مستندات إضافية مثل تعهد يثبت أن اسم الشهرة يخص صاحب البطاقة إن اختلف الاسمان، بحسب الناشر جمال عبد الرحيم، مدير المكتبة العربية للنشر. ويوضح أن عدد الأرقام التي تُمنح للناشر تقلّص من عشرة في المرة الواحدة إلى خمسة، وأحيانًا إلى ثلاثة في مواسم الضغط قبل المعرض، وأن مدة الاستخراج امتدت من يوم واحد إلى ما لا يقل عن 48 ساعة، وقد تطول إلى أسبوع أو عشرة أيام بدعوى انتظار «الموافقة» دون توضيح الجهة أو الأسباب.

ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «بعض طلبات الإيداع تُرفض أو تتأخر دون إبداء أسباب، فالناشر لا يُخطَر إلا بعبارة ‹لم تأتِ الموافقة› أو ‹الكتاب مرفوض›، دون معرفة الجهة التي اتخذت القرار أو مبرراته، وهو ما يضعه في مواجهة مباشرة مع المؤلف ويتسبب في خسائر مالية بعد تحمّل تكاليف المراجعة اللغوية والتصميم والطباعة». ويبيّن أن بعض الكتب تُحال إلى جهات أمنية للاطلاع قبل منح الرقم، بحسب ما أُبلغ به مرارًا، وأن بعض الأعمال رُفضت بعد هذه المراجعات دون تفسير رسمي أو فرصة لتعديل المحتوى. كما يروي سحب أحد الكتب من معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025 رغم حصوله مسبقًا على رقم الإيداع والترقيم الدولي، معتبرًا أن المشكلة تمتد إلى مشاركة الناشرين في المعارض دون إبداء أسباب، ما يبدد استعدادات شهور ويكبّد الناشر خسائر ويضرّ سمعته أمام المؤلفين. ويدعو إلى رقمنة إجراءات الاستخراج بحيث تُنجز إلكترونيًا، وإعلان أسباب الرفض أو التأخير، وإتاحة قنوات تواصل مباشرة بين الناشرين والجهات المعنية.

ويشير يحيى فكري، مدير دار المرايا للنشر، إلى أن الدار واجهت في حالات عدة تأخيرًا في الحصول على الأرقام دون إبلاغها رسميًا بأسباب الرفض أو التأخير، وأن ما يحدث عادة هو مطالبتها بإرسال نسخة من الكتاب لمراجعته دون توضيح الجهة المراجِعة أو أسسها. ورغم أن الدار لم تتلقَّ حتى الآن طلبات رسمية بموافقات جهات بعينها مثل هيئة المساحة أو الشؤون المعنوية، يؤكد أن ما يُطلب منها هو إرسال الكتاب ثم إبلاغها لاحقًا بأن الرد لم يرد بعد، وهو ما يرجّح، بحسب تقديره، وجود جهة تراجع بعض الإصدارات قبل منحها الرقم. ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «دار المرايا تعرضت خلال 2025 لحالتين من هذا النوع، سبقتهما حالة مماثلة في 2024، لكن الأمر لا يُصاغ باعتباره رفضًا رسميًا لرقم الإيداع، وإنما يتخذ شكل تعليق الطلب لحين مراجعة الكتاب، مع استمرار إبلاغ الناشر بأن الرد لم يصل بعد». ويلفت إلى أن التأخير لم يقتصر على الكتب السياسية، وأنه أحيانًا لم يتمكن من تحديد سبب واضح لتعطيل بعض الإصدارات؛ وأن المدة المعتادة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أيام، وأن تجاوزها غالبًا مؤشر إلى مراجعة إضافية مرتبطة بمحتوى العمل أكثر من ارتباطها بدار النشر، وإن لم يختبر تقديم العمل نفسه عبر ناشر آخر للتحقق. وسبق أن تعرضت دار المرايا للثقافة والفنون للمنع من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2025.

نوصي للقراءة: منع ومصادرة وقضايا ضريبية.. كيف تستهدف السلطات المصرية دار نشر المرايا؟

بين من يدافع ومن ينفي

في المقابل، يرى وليد مصطفى، عضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين المصريين، أن اشتراط موافقات الجهات المختصة لبعض الكتب التي تتناول موضوعات عسكرية أو سياسية أو دينية إجراء تنظيمي طبيعي، وأن هذه المراجعات تهدف إلى التحقق من دقة المعلومات في الأعمال التي تتناول قضايا حساسة، لا سيما أنها تُعرض في معارض دولية وتتحول إلى مراجع يُستشهد بها داخل مصر وخارجها. ويؤكد أن أي كتاب يتناول الشؤون العسكرية أو الجيوش أو القضايا السياسية ينبغي أن يخضع لمراجعة الجهات المختصة قبل منحه الرقم، معتبرًا أن هذا الإجراء معمول به في دول عربية عدة، وأن الأمر نفسه ينطبق على الكتب الدينية التي يجب أن تراجعها الجهات الدينية المختصة، لأن موظف إدارة الأرقام ليس مؤهلًا لتقييم هذه القضايا.

وينفي أن تهدف هذه الإجراءات إلى تعطيل الناشرين أو تقييد النشر، مؤكدًا أنها تحمي الناشر والمؤلف والقارئ وتضمن دقة المعلومات في ما يتعلق بتاريخ الدولة أو سياساتها أو مؤسساتها، وأن أي أخطاء قد تترتب عليها تبعات قانونية أو مهنية يتحملها الناشر. ولا يمثل اشتراط مراجعة بعض الكتب، من وجهة نظره، قيدًا على حرية الإبداع لاقتصاره على الأعمال العسكرية أو السياسية أو الدينية ذات الطبيعة الخاصة، مشبهًا ذلك بالأعمال الدرامية التي تتناول القوات المسلحة وتُنفَّذ تحت إشراف الجهات المعنية. وعن الإجراءات، يلفت إلى أن المستندات الأساسية لا تزال صورة بطاقة الرقم القومي السارية وصورة الغلاف والفهرس، وأن طلب نسخة كاملة أو ملف PDF قد يحدث إذا رأت الإدارة أن الفهرس لا يكفي لتوضيح طبيعة المحتوى، وأن استخراج الرقم يتم غالبًا خلال ثلاثة أو أربعة أيام، وأن أزمة تقديم الكتب بصيغة «وورد» انتهت ولم يعد الناشرون مطالبين بها.

غير أن ما يؤكده عضو المجلس بوصفه إجراءً قائمًا وطبيعيًا، ينفي رئيس الاتحاد نفسه علمه به؛ إذ نفى الدكتور فريد زهران، رئيس اتحاد الناشرين المصريين والمرشح الرئاسي السابق ورئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، لـ«زاوية ثالثة»، أن تكون أيٌّ من دور النشر المصرية، التي قال إن عددها 120 دارًا، قد تقدمت للاتحاد بشكوى رسمية ضد الهيئة بشأن رفض منح أرقام الإيداع أو اشتراط موافقات مسبقة، مشيرًا إلى أنها المرة الأولى التي يسمع فيها بمثل هذه الوقائع. ويضيف أنه إذا كان بعض الناشرين أو الكتّاب قد تعرضوا فعلًا لمثل هذه الإجراءات، فعليهم التقدم بشكاوى رسمية واتباع المسارات القانونية حتى يتمكن الاتحاد من المتابعة والتحقق واتخاذ ما يلزم.

ويؤكد بعض الناشرين أن هذه الممارسات تستند إلى تعليمات شفهية غير معلنة أو إلى طلب الاطلاع على ملخصات الكتب قبل إصدار الرقم، في حين تتمسك الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بموقفها الرسمي القائل إن رقم الإيداع يُمنح دون فحص المحتوى ودون اشتراط أي موافقات أمنية أو رقابية. ويرى ناشرون أن احتمالات التعرض لإجراءات لاحقة، مثل الملاحقات القضائية أو مصادرة بعض الكتب في حالات محدودة، تدفع بعض الدور إلى تجنب التقدم بطلبات إيداع لكتب تتناول قضايا حساسة، رغم غياب نص قانوني يفرض رقابة مسبقة على محتواها.

وبين روايات ناشرين وكتّاب عن طلب موافقات مسبقة أو تأخير منح الأرقام، ونفي الجهات الرسمية وجود رقابة على المحتوى أو تلقّي شكاوى موثقة، تبقى الفجوة قائمة بين النصوص القانونية والممارسات التي يقول أصحابها إنهم يواجهونها على الأرض. وفي ظل غياب إجراءات معلنة تفسّر أسباب الرفض أو التأخير وتحدد حدود اختصاص إدارة الإيداع، يبقى السؤال مطروحًا: هل ما يجري مجرد تنظيم إداري للتحقق من بعض الإصدارات، أم أن رقم الإيداع، الذي يُفترض أن يكون إجراءً توثيقيًا، بات في بعض الحالات بوابة لرقابة تسبق النشر؟

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search