تعرفنا المهنة وتنكرنا النقابة.. احنا كتير

من حق النقابة أن تحمي المهنة من المحتالين، لكن الصفة التي تطارد بها بائعي الكارنيهات هي نفسها التي تُكتب في محاضر الشرطة ضد جيل كامل يصنع الصحافة المصرية اليوم من خارج جداولها
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

«إنت مش نقابي.. مش هاستفيد منك لو طالبت بحقوقك».

قالها لي عضو في مجلس نقابة الصحفيين، وهو جالس في مكتبه الفسيح. كنت قد جئته بمذكرة أطالب فيها بمستحقاتي لدى رئيس تحرير جريدة «نقابية» عملت فيها ثلاث سنوات، ثم خرجت منها بلا مستحقات وبلا عضوية. الجريدة التي تمنح العاملين فيها طريقهم إلى الكارنيه هي التي حرمتني منه، والنقابة التي «تتبعها» الجريدة أخبرتني بهدوء أنني لست من شأنها.

لم تكن المرة الأولى التي أُخرَج فيها من المهنة بجملة واحدة. قبلها ضبطني عميد شرطة وأنا أصوّر تقريرًا في ميدان السيدة نفيسة، وحسم أمري في سطر: «طالما مش عضو نقابة تبقى مش صحفي ومنتحل صفة». أطلق سراحي في النهاية كرامةً لصاحبة المقام. ومنذ ذلك اليوم أنفي عن نفسي أنني صحفي، وأتجنب الاقتراب من ميدان السيدة نفيسة.

العميد لم يكن يرتجل. كان يقرأ من منطق النقابة نفسه، بلغة أقل تهذيبًا.. والمسافة بين مكتب عضو المجلس ودفتر أحوال القسم أقصر كثيرًا مما يظن الطرفان.

 

هل تنصف نقابة الصحفيين المصرية العاملين بالصحافة الإلكترونية؟

صفة تُكتب في المحضر

«منتحل صفة».. جريمة ينص عليها قانون النقابة. في أغسطس الماضي، تقدم نقيب الصحفيين خالد البلشي ببلاغ إلى النائب العام ضد فتاة ادّعت، في مشاجرة مع سائق «أوبر»، أنها صحفية. وأوضح السكرتير العام للنقابة جمال عبد الرحيم أن ما فعلته يشكل جريمة انتحال صفة صحفي وفق المواد 65 و103 و115 من القانون رقم 76 لسنة 1970، والدليل الذي ساقه أنها غير مقيدة بأي جدول من جداول النقابة. البلاغ في محله، والسوق مزدحمة بـكيانات وهمية تبيع الكارنيهات لمن يدفع.

لكن انظر إلى المعيار.. القيد في الجداول، لا ما يفعله الشخص.. وهذا المعيار لا يفرّق بين فتاة تلوّح بصفة كاذبة في مشاجرة، وصحفي يصوّر تقريرًا في ميدان عام، أو يكتب خبرًا من محضر رسمي.

في يناير الماضي، ألقت الشرطة القبض على فارس فؤاد، الصحفي في موقع «القاهرة 24»، فجرًا من مسكنه في العجوزة. كان قد نشر خبرًا عن بلاغ اختطاف استند فيه إلى محضر رسمي في قسم شرطة بولاق الدكرور. فرّقت وزارة الداخلية في بيانها بين الصحفيين النقابيين وغير النقابيين، فاضطرت النقابة إلى أن تقدم للنيابة شهادة تثبت أنه «صحفي متدرب» معتمد لديها، لتدفع عنه شبهة انتحال الصفة. خرج فارس بكفالة 5 آلاف جنيه بعد يومين. هذا ما جرى لصحفي تعرفه النقابة وتملك له ورقة. أما نحن الذين لا تعرفنا، فلا ورقة لدينا نقدمها لأحد.

هنا يتغير السؤال كله. النقاش حول الصحفيين الإلكترونيين يُقدَّم عادة كأنه نقاش حول امتيازات: بدل، وعلاج، وكارنيه. والحقيقة أن العضوية التي نعجز عن نيلها هي ما يفصل بين صحفي يُسأل عن مصدر خبره، ومتهم يُسأل عن هويته.

وهذا المعيار الشكلي لا يحمي المهنة كما يُفترض. يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، يعيب على لجان القيد المتعاقبة أنها تقيد محررين من صحف «بير سلم» تستوفي الشكل بلا مضمون، ويتحايل أصحابها على القيد في كل لجنة. الورقة المختومة تفتح الباب لمن لا يعرف المهنة، وتغلقه أمام من يمارسها كل يوم.

إحنا كتير

«إحنا كتير». نحن الذين جلسنا سنوات على خازوق الأمل، والأمل كما لا يخفى عليك هو الالتحاق بنقابة الصحفيين.. نغطي الحوادث والمحاكم والبرلمان، ونكتب التحقيقات، ونحرر الأخبار العاجلة في منتصف الليل، وتُنشر أسماؤنا فوق موادنا، وتنقلها عنا صحف «نقابية» دون أن تذكر المصدر أحيانًا. ثم نقرأ عن أنفسنا في الأخبار بوصفنا «منتحلي صفة».

تلخّص أغنية محرم فؤاد «معرفتش تحبني» علاقتنا بالنقابة.. يسأل المطرب بصوت يصعد من قاع بئر: «إزاي إزاي إزاي؟»، كأنه يترك للمستمع مهمة البحث عن السبب، ثم يحسم الأمر في النهاية: «معرفتش تحبني». النقابة لا تحب من تسميهم «منتحلي صفة»، و«المنتحلون» لم يتعلموا الوقوف على أبوابها بالانحناءة الكافية لتحنو عليهم، فبقوا بين حلم قتيل وأمل متهاوٍ.

لكننا لم نصمت، ولم نبدأ الشكوى أمس. في ديسمبر 2018 أطلق المرصد المصري للصحافة والإعلام حملة «مظلة» لدعم الصحفيين غير النقابيين، وعمل على مقترحات لتعديل مواد القيد. وفي 2024 أطلقت الصحفية سارة عادل مجموعة على فيسبوك تطالب بحق العاملين في المواقع الإلكترونية في القيد، وانضم إليها محمد زكريا وسارة الحنفي، وانتشر وسم «عضوية النقابة حق الصحفيين الإلكترونيين». ثماني سنوات من العرائض والحملات واللقاءات، والملف يعود ولا يُحسم.

يقول محمد زكريا، في حديثه إلى «زاوية ثالثة» في أكتوبر 2024، إن شروط القيد تضع الصحفي تحت رحمة إدارة الجريدة، وتجعله يعمل بالسخرة ليحصل على خطاب القيد. ويسأل كيف تطالب نقابة بالحقوق والتغيير، وهي محكومة بقانون من 1970 يربطها بتنظيم سياسي لم يعد موجودًا.

 

من يملك الخطاب يملك الصحفي

كلمة «السخرة» تكشف ما يغيب عن أغلب النقاش. العقدة ليست في الورق والشاشة، بل في الطريق الذي يسلكه المتقدم إلى القيد: عقد عمل في صحيفة معتمدة لدى النقابة، ثم خطاب ترشيح من إدارتها. من يملك الخطاب يملك الصحفي.

اقرأ تعريف «الصحفي المحترف» في مشروع لائحة القيد الجديدة: أن يكون معينًا بعقد غير محدد المدة، وأن يكون مؤمنًا عليه بصفته الصحفية، وألا يعمل لدى جهة أخرى. كل شرط من هذه الشروط يملك مفتاحه صاحب العمل، لا الصحفي. لا شيء في التعريف يسأل عمّا كتبه المتقدم، أو عن جودته، أو عن أثره.

من هنا نفهم كيف ينجح رؤساء تحرير لا يتقنون إلا أكل حقوق العاملين معهم مقابل ملاليم. الصحفي الشاب يقبل الراتب الهزيل، والعمل بلا تأمين، وساعات لا يحسبها أحد، لأنه ينتظر في آخر الطريق خطاب ترشيح لا يخلو من الأخطاء الإملائية. وحين يطالب بحقه، يخسر الاثنين معًا: الراتب والخطاب. هكذا خسرت مستحقاتي وعضويتي في جريدة واحدة، ثم قيل لي في النقابة إنني لست نقابيًا. لم أصبح نقابيًا لأن الجريدة لم تشأ، ولم تحاسب النقابة الجريدة لأنني لست نقابيًا. دائرة كاملة لا ثغرة فيها.الصحفي ماجد عاطف وصف هذه العلاقة بدقة في التقرير نفسه: القيد عبر خطاب إدارة الموقع ليس إلا «استبدال سيد بسيد». وطالب بأن يتقدم الصحفي إلى النقابة بنفسه، حتى لا تكرر المواقع مع صحفييها ما تفعله الصحف الورقية بالعاملين فيها.

والباب ضيق حتى بمعايير من يحرسونه. أيمن عبد المجيد، عضو لجنة القيد وأحد الرافضين لتفعيل جدول المنتسبين في 2024، يقر بحق الصحفيين الإلكترونيين في العضوية الكاملة. لكنه أوضح أن المواقع التي تستوفي الشروط المطلوبة، من مقر وميزانية ورواتب وتأمينات وخمس سنوات من العمل، وأن يكون 70% من العاملين فيها نقابيين، لا تتجاوز ثلاثة مواقع صحفية. ثلاثة مواقع، في بلد يعمل أغلب صحفييه الجدد على الإنترنت. والشرط الأخير وحده يكفي لإغلاق الدائرة: لكي يدخل صحفيو الموقع النقابة، يجب أن يكون أغلبهم نقابيين بالفعل.

 

البدل قبل المبدأ

لماذا يبقى الباب مغلقًا إذن؟ يجيب ماجد عاطف دون مواربة: كثير من أعضاء الجمعية العمومية يخشون أن يقاسمهم الصحفيون الإلكترونيون بدل التكنولوجيا، أو أن يؤدي دخولهم إلى إلغائه، خاصة مع ضعف رواتب الصحفيين. وترى إيمان عوف، إحدى مؤسسات مبادرة «صحفيات مصريات»، أن المخاوف مرتبطة بالمكتسبات، من البدل إلى العلاج والإسكان، في ظرف اقتصادي وسياسي ضاغط.

 

الخوف مفهوم، ولا أسخر منه. من يعيش على راتب لا يكفي يتمسك بما يسد الفجوة. لكن الثمن يدفعه جيل كامل خارج الأسوار. حين جمع معارضو قرار المجلس في 2024 نحو 70 توقيعًا ضد تفعيل جدول المنتسبين، لم يكن الجدول يمنح بدلًا ولا امتيازات. كان يمنح حماية فقط: أن تدافع النقابة عن الصحفي إذا قُبض عليه، وأن تفاوض باسمه المؤسسة التي يعمل فيها. رُفضت الحماية خوفًا على البدل، رغم أن البدل لم يكن مطروحًا.

ثم صار الرفض بضاعة انتخابية. كتب الصحفي محمد مختار في سبتمبر 2025 أن غضب الجمعية العمومية دفع المجلس إلى التبرؤ من الفكرة، وأن الرفض القاطع لضم محرري المواقع، انتسابًا أو انتظامًا، تحول إلى مزايدة يتعهد فيها كل مرشح بالتصدي لها. نحن لا نصوّت في انتخابات النقابة، فلا أحد يخسر شيئًا حين يُقدَّم رأسنا لمن يصوّتون.

وللإنصاف، في الجهة الأخرى حجة تستحق الرد لا السخرية. يكتب مدحت الشيخ أن ليس كل من كتب خبرًا صحفيًا محترفًا، وأن النقابة ليست جمعية لاستيعاب كل من يكتب على الإنترنت. هذا صحيح، ولا أحد منا يطالب بكارنيه لكل صاحب هاتف وصفحة. نطالب بأن يُقاس الصحفي بعمله، لا بتوقيع صاحب العمل. والنقيب الأسبق يحيى قلاش نفسه يرى أن الجماعة الصحفية قادرة على وضع ضوابط مهنية واضحة تبدد هذا القلق.

عامان على باب لم يُفتح

في 13 أكتوبر 2024، قرر مجلس النقابة تفعيل المادة 12 من القانون وفتح طلبات القيد بجدول المنتسبين، وشكّل لجنة لوضع لائحة للجدول تضمن مظلة لممارسي المهنة الحقيقيين. بعدها بيومين، أعلن رئيس لجنة القيد هشام يونس أن النقابة لا تتلقى طلبات، وأن اللائحة ستأتي أولًا.

لم تأتِ. بعد عامين، لم تُنشر لائحة لجدول المنتسبين، ولم يُقبل عبره صحفي واحد من المواقع.

ما جاء بدلًا منها مشروع لائحة قيد جديدة من 37 مادة طُرح في مارس 2026، يشدد معايير القيد للصحيفة والصحفي. أكد النقيب خالد البلشي نفسه أنه لا يتضمن شيئًا يخص صحفيي المواقع التي ليست لها إصدارات ورقية «مكوّدة». ونصت مادته الثانية عشرة على أن تدفع الصحف الجديدة الراغبة في قيد محرريها وديعة تأمين: 800 ألف جنيه (نحو 16,563 دولارًا) للصحيفة اليومية، و600 ألف جنيه (نحو 12,422 دولارًا) للأسبوعية، و250 ألف جنيه (نحو 5,176 دولارًا) للإصدار الشهري.

تأمّل المفردات: يومية، وأسبوعية، وشهرية. اللائحة التي كُتبت في 2026 لا تزال تتخيل الصحافة جريدة تصدر على موعد. الموقع الإلكتروني الذي ينشر كل دقيقة لا خانة له في هذا الجدول، لأنه ببساطة لا «يصدر». لم يقل أحد إن المواقع ممنوعة؛ اللغة وحدها تكفلت بالمنع.

ثم في 26 أبريل، أحال المجلس المشروع إلى جمعية عمومية موعدها مارس 2027، وشكّل لجنة من كبار النقابيين لصياغته النهائية. وفي أغسطس، أضافت النقابة إلى شروط القيد ضوابط تتعلق بالأجر المثبت في العقد، والتأمين، وانتظام صرف الرواتب، والشمول المالي، وكشف حساب بنكي يثبت انتظام راتب المتقدم. وفي 6 سبتمبر اجتمع المجلس لبحث ضبط العضوية وتنقية الجداول. عامان كاملان أُحكم فيهما الباب من الداخل مرة بعد مرة، بينما بقي وعد فتحه معلقًا على لجنة لا نعرف أين انتهت.

أفهم دوافع هذه الضوابط؛ فالنقابة تريد أن تغلق الباب أمام الصحف الوهمية وسماسرة العضوية، ومن حقها أن تتشدد مع اتساع برامج «الريالتي» التي لا تمت إلى الواقع ولا إلى الصحافة بصلة، وإنما هي أرزاء موزعة على الشاشات والصفحات. لكن كل ضابط منها يحاسب الصحفي على التزامات مؤسسته. الصحفي الذي يعمل لدى صاحب جريدة يتهرب من التأمين يدفع الثمن مرتين: مرة من راتبه، ومرة من حقه في العضوية. وصاحب الجريدة لا يدفع شيئًا.

 

غرفة لأصحاب العمل وحدهم

في هذا المشهد، لاقت «فضفضة» ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، صدى تجاوز صرخة منصور المغازي «عباس الضوّ بيقول لأ»، وارتفع أكثر ما ارتفع بين المصطادين في الماء العكر. في 22 سبتمبر، التقى الوزير رؤساء تحرير المواقع الإخبارية، ودعاهم إلى إنشاء كيان مؤسسي يقتصر على المؤسسات دون العاملين الأفراد، على غرار غرفة صناعة السينما التي أُنشئت عام 1947 ضمن اتحاد الصناعات المصرية.

المثال الذي اختاره الوزير أبلغ مما قصد. في السينما، للمنتجين غرفتهم في اتحاد الصناعات، وللممثلين والفنيين نقابتهم. في الصحافة الرقمية، يقترح الوزير غرفة للمنتجين، ولا يقترح شيئًا لمن يصنعون المحتوى. سيجد أصحاب المواقع من يتحدث باسمهم أمام الدولة، وسيبقى صحفيوها بلا نقابة ولا غرفة ولا صفة.

لذلك رحّب بالمقترح من يجلسون على الجانب الآخر من الخطاب. نشر رئيس تحرير جريدة اقتصادية على فيسبوك ترحيبه بالخطة «الرشوانية»، ووصفها بأنها «نهاية سعيدة». الرجل نفسه شرّد صحفيين أعضاء في النقابة عملوا معه منذ أطلق جريدته قبل 23 عامًا، ويرى بعض من عرفوه أنه يسير «بهدوء» على نهج أستاذه عماد الدين أديب. وكثير من الملتفين حول بيان الوزير هم من يسقون الصحفيين المرّ.

تناول كتّاب وصحفيون المقترح بالشرح والتحليل والنقد والتفنيد والإشادة والطنطنة، وانتهى أغلبهم إلى أن «الوزير ألقى حجرًا في الماء الراكد». لم يسأل أحد تقريبًا أين يقف «المنتحلون» من هذا الحجر. وبين المهللين أصحاب صحف يعرف العاملون فيها جيدًا معنى الراتب المتأخر والعقد الذي لا يُكتب.

في قصيدته «لزوم ما يلزم» كتب نجيب سرور عن فارس مات باحثًا عن بطولة، فلم يلقَ في طريقه سوى اللصوص، حتى من كانوا يندّدون باللصوص، وانتهى إلى أن «فرسان هذا العصر هم بعض اللصوص!». وقبله بنحو قرن، ترك محمود سامي البارودي بيتًا يصلح وصفًا للحظة: «وأقتلُ داءٍ رؤيةُ العين ظالمًا / يسيءُ ويُتلى في المحافل حمدُه».

منذ سمعت كلام الوزير وأنا أعرف، كما يعرف غيري، أنه ضجيج يملأ الأرجاء ثم يتبدد، ولا يترك وراءه سوى نشوة أمل قصيرة. والسؤال الذي بحثت عن إجابته فلم أجدها: هل تُعنى الحكومة التي يعمل الوزير تحت مظلتها بالصحفيين أصلًا، أم بمن يوظفونهم؟

قانون الجمهورية العربية المتحدة

مرّ على قانون نقابة الصحفيين 56 عامًا دون تعديل جوهري، بينما تتبدل نصوص الدستور كلما شاء لها الهوى. ولو سُئل الدستور عن عدد تعديلاته لأجاب بـشطر أبي فراس الحمداني: «أيُّهم؟ فهمُ كُثْرُ!».

«تنشأ نقابة للصحفيين في الجمهورية العربية المتحدة». بهذه الجملة تبدأ المادة الأولى من القانون الذي صدر في الأول من سبتمبر 1970، حين كانت مصر لا تزال تحمل اسم دولة الوحدة بعد تسع سنوات من انفصال سوريا عنها. بعد 27 يومًا مات جمال عبد الناصر، وفي خزنته كما تقول الرواية الشائعة بضعة جنيهات. ثم تغيّر اسم الدولة، وتبدلت دساتيرها، وعاد لقب «دولة» يسبق اسم رئيس الوزراء، وانتشرت «فخامة» و«معالي» في كل خطاب، وصار المسؤولون يوبّخون الموظفين أمام الكاميرات، مقصّرين كانوا أو غير مقصّرين. وجاء الإنترنت، وجاءت الصحيفة الإلكترونية التي كفلها الدستور في مادته السبعين، واعترف بها القانون المنظم للصحافة والإعلام حين عرّف الصحيفة بأنها إصدار ورقي أو إلكتروني. والقانون ثابت في مكانه.

ينص القانون في أهدافه على نشر وتعميق «الفكر الاشتراكي والقومي»، ويضع نشاط النقابة في إطار «السياسة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي»، وهو تنظيم حُلّ منذ عقود. ولا يعلم القانون أن «الاشتراكية» صارت تهمة في محاضر التحريات، ولا أن السجون استقبلت صحفيين كثيرين بسبب ما نشروه.

لكن المفارقة الأكبر أن هذا القانون العجوز أوسع من طريقة تطبيقه. قبل أيام، قال خالد البلشي إن القانون نص على «الصحافة المطبوعة» لا على الورق، وإنه شمل وكالات الأنباء، والمراسلين من أصحاب المهن الأخرى، والصحفيين العرب والأجانب العاملين في مصر، وإن فلسفته عند صدوره كانت جامعة لكل ممارسي المهنة. أي أن النص الذي نُحكم به لم يغلق الباب في وجهنا؛ أغلقه من يقرؤونه.

وليست هذه أول مرة يطرق فيها جيل جديد باب النقابة. يذكّر يحيى قلاش بأن محرري الصحف الحزبية واجهوا الرفض نفسه حين ظهرت صحفهم، بحجة أن العمل الحزبي سيفسد العمل النقابي، ثم دخلوا. وحين جاءت الصحف الخاصة والشركات المساهمة، تكررت الضجة وتكرر السؤال عن صاحب المال الذي «يدخّل صحفيين النقابة»، ثم دخلوا أيضًا. ويختصر قلاش الدرس في جملة: «لا يصح أن يكون سوق العمل في حتة والنقابة في حتة تانية». نحن الموجة الثالثة، والحجج التي تُرفع في وجهنا هي الحجج ذاتها التي سقطت مرتين.

 

مطالب الصحفيين الإلكترونيين: نحو تعديل شروط القيد بالنقابة

من هو الصحفي؟

أنا «منتحل صفة» وفق توصيف النقابة، ولذلك أطرح على أهل المهنة سؤالًا بسيطًا: من هو الصحفي؟

العيب ليس في الأهلية المهنية لكثير من «منتحلي الصفة»، وإنما في وضعهم القانوني. نحن لا نطلب استثناء؛ ملفنا امتحان ترسب فيه منظومة القيد عامًا بعد عام.

والإجابة عن السؤال أدواتها موجودة في أدراج النقابة نفسها. مشروع لائحة القيد الجديدة ينص على لجنة معاونة من ذوي الخبرة الصحفية لتقييم المتقدمين. هذه هي الأداة التي نحتاجها، شرط أن تقرأ ما كتبه الصحفي قبل أن تقرأ كشف حسابه البنكي. يتقدم الصحفي إلى النقابة بنفسه، لا بخطاب من صاحب العمل. يقدّم أرشيفًا منشورًا يحمل اسمه، ومدة ممارسة موثقة، وتحكم اللجنة على العمل لا على الورق. ويُفتح جدول المنتسبين فورًا، بلائحة معلنة، كجسر يمنح الحماية القانونية إلى أن تحسم الجمعية العمومية مسألة العضوية الكاملة. أما عقد العمل والتأمين وانتظام الرواتب، فمكانها محاسبة أصحاب الصحف والمواقع، بإيقاف قيدهم وتسمية المتهربين منهم علنًا، لا حرمان العاملين لديهم.

قلت لعضو المجلس يومها بلا تردد، بعدما سمعت منه ما سمعت: «دي جريدة تابعة للنقابة يا أستاذي، وأنا عاوز حقي من الجورنال». ثم أضفت وقد بدأ الأمل يتسرب مني: «الجريدة حرمتني من النقابة، وحضرتك مسؤول عن الملف دا».

«نوّرت يا أستاذ»، أنهى السيد ع.خ اللقاء القصير، ورفع هاتفه إلى أذنه.

خرجت من مكتبه منتحلَ صفة، كما دخلته. وفي الشارع، كان جيل كامل ينتحل الصفة نفسها: يغطي، ويكتب، ويُقبض عليه، ويُفرج عنه بكفالة، ثم يعود في الصباح التالي إلى العمل الذي لا تعترف به نقابته.

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search