في الخامسة فجرًا تستيقظ عزيزة وسعاد، يوميًا، وقبل طلوع الشمس، تغادران مع عشرات النساء من قريتهن في سيارات نصف نقل أو “تروسيكلات” متجهات إلى الحقول، حيث يقضين ساعات طويلة في جمع المحاصيل أو إزالة الحشائش أو فرز الخضروات تحت أشعة الشمس المباشرة بينما تتجاوز درجات الحرارة الـ45 مئوية في ذروة الظهير، لمدة تتجاوز 10 ساعات.
تقول عزيزة الطوبل (35 عامًا) من محافظة سوهاج، جنوب مصر، إنها اعتادت على حرارة الشمس، فقد ورثت العمل بالأراضي الزراعية عن أسرتها، لكنها تصف درجات الحرارة خلال السنوات الثلاث الأخير بأنها “نار موقدة”، لا يستطيع إنسان تحملها، وتتحدث أيضًا عن تعرضها وأختها وزميلاتهن لوعكات صحية متكررة، بسبب التعرض المباشر للشمس طوال النهار، لكن في الوقت ذاته لا يملكن التخلي عن العمل لأنه المصدر الوحيد لكسب العيش.
أما سعاد حسين (25 عامًا)، فشعر بالظلم الكبير، تقول إن ما تتقاضاه يوميًا لا يتجاوز مائتي جنيه مقابل أكثر من 10 ساعات عمل تحت أشعة الشمس الحارقة، وبدون راحة، تقول:” نأكل أثناء العمل، لا يسمحون لنا بالراحة ولا حتى الذهاب لدورة المياه، وكل ما يهم صاحب العمل هو إنجاز كل الشغل في يوم واحد حتى لا يضطر لدفع يومية يوم جديد، أما نحن فلا نعامل كبشر”.
ويُعد القطاع الزراعي أحد أكبر القطاعات المشغلة للعمالة في مصر، إذ يستوعب نحو خُمس المشتغلين، ويسهم بما يقارب 11–12% من الناتج المحلي الإجمالي، ووفق أحدث بيانات سوق العمل، يعمل في القطاع الزراعي نحو 6.57 مليون شخص، بما يعادل 20.5% من إجمالي المشتغلين في مصر، ليظل ثاني أكبر قطاع مشغل للعمالة بعد قطاع الخدمات، في ضوء تراجع مساهمته الاقتصادية مقارنة بالعقود السابقة، ما يعكس مفارقة لافتة؛ فالزراعة توظف واحدًا من كل خمسة عاملين، لكنها تنتج نحو عُشر الاقتصاد فقط، وهو ما يعكس انخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات العمل منخفض الأجر داخل هذا القطاع.
وتشكل النساء ركيزة أساسية في هذا القطاع، إلا أن مساهمتهن تبدو أقل من حجمها الحقيقي في الإحصاءات الرسمية، وتشير الخطة الوطنية للتكيف مع تغير المناخ إلى أن نحو 45% من النساء العاملات في مصر يعملن في الأنشطة الزراعية، فيما تتركز غالبيتهن في الاقتصاد غير الرسمي.
وتوضح الوثيقة أن 94% من العمالة الزراعية تعتمد على التشغيل غير الرسمي، بينما لا تتجاوز نسبة النساء 20% من العاملين رسميًا في الزراعة، وهو ما يعني أن أغلب العاملات يزاولن أعمالًا لا توفر لهن عقودًا أو حماية اجتماعية أو تأمينًا صحيًا.
بالإضافة إلى ذلك، تشير الوثيقة إلى أن النساء يقمن بنحو 94% من عمليات الحصاد اليدوي في صعيد مصر، ونحو 67% منها في الوجه البحري، خاصة في المحاصيل التي تتطلب جهدًا بدنيًا مكثفًا مثل القمح وقصب السكر والأعلاف.
ولا يقتصر غياب الحماية على القطاع الزراعي وحده، إذ تكشف بيانات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي استعرضتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أن 57% من النساء العاملات في مصر يعملن في الاقتصاد غير الرسمي، بينما تقدر منظمة العمل الدولية النسبة بنحو 62%.
ويعني ذلك أن ملايين النساء يعملن خارج منظومات التأمينات الاجتماعية وإصابات العمل والرعاية الصحية المرتبطة بالوظيفة، وهي أوضاع تجعل أي توقف عن العمل بسبب المرض أو الحمل أو موجات الحر يعني فقدان الدخل مباشرة.
بالإضافة إلى ذلك، تشير تجارب ميدانية نفذتها منظمة العمل الدولية في سلاسل الإنتاج الزراعي، مثل قطاع الياسمين بمحافظة الغربية، إلى أن العمل الزراعي يعتمد بصورة كبيرة على النساء والأطفال في وظائف غير مستقرة ومنخفضة الأجر، مع ضعف واضح في الحماية الاجتماعية ومستويات الدخل، وهو نمط لا يقتصر على هذا القطاع وحده، بل يعكس سمات واسعة من سوق العمل الزراعي
نوصي للقراءة: تحت الألواح الشمسية ظل.. لا يصل إلى العمال
صيف أطول… ومخاطر تتضاعف في الحقول
وخلال العقدين الأخيرين، سجّلت مصر ارتفاعًا تدريجيًا في درجات الحرارة، وزيادة في عدد الأيام شديدة الحرارة، إلى جانب تكرار موجات الحر لفترات أطول، خصوصًا في أشهر يوليو وأغسطس، وهي الفترة نفسها التي تشهد ذروة عدد من المواسم الزراعية.
وتشير الخطة الوطنية للتكيف مع تغير المناخ إلى أن مصر من بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأكثر تعرضًا لارتفاع درجات الحرارة، وتتوقع السيناريوهات المناخية زيادة متوسط درجات الحرارة بما يتراوح بين 1.5 و2 درجة مئوية بحلول منتصف القرن إذا استمرت معدلات الانبعاثات الحالية، وهو ما يعني زيادة عدد الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 40 درجة مئوية، خاصة في محافظات الصعيد والدلتا.
خلال صيف 2023 سجلت عدة محافظات مصرية درجات حرارة قاربت 46 درجة مئوية، فيما تجاوزت الحرارة في بعض مناطق جنوب الصعيد 47 درجة، واستمرت الموجات الحارة خلال صيفي 2024 و2025 مع تحذيرات متكررة من الهيئة العامة للأرصاد الجوية بسبب استمرار الكتل الهوائية شديدة السخونة وارتفاع نسب الرطوبة، ما أدى إلى ارتفاع ما يعرف بـ”الحرارة المحسوسة” إلى مستويات تفوق درجات الحرارة المسجلة فعليًا.
وتتصدر أسوان والأقصر وقنا وسوهاج والوادي الجديد قائمة المحافظات الأعلى حرارة خلال صيفي 2024 و2025، فيما سجلت محافظات المنيا وبني سويف والفيوم درجات تراوحت بين 42 و45 درجة مئوية في عدد من موجات الحر، بينما لامست الحرارة في بعض أيام صيف 2026 حاجز 44 درجة مئوية في أجزاء واسعة من الصعيد، مع ارتفاع درجات الحرارة المحسوسة إلى مستويات أعلى بفعل الرطوبة، خاصة في محافظات الدلتا والقاهرة الكبرى.
وتؤكد الأرصاد أن عدد الأيام شديدة الحرارة آخذ في الازدياد، بما يعكس تأثيرات التغيرات المناخية على مصر، ويزيد من المخاطر التي تواجه العاملين في الأعمال المكشوفة، وفي مقدمتهم العاملات الزراعيات.
غير أن هذه الأرقام لا تعني الشيء نفسه للجميع، ففي المدن، قد يستطيع كثيرون الاحتماء داخل المنازل أو أماكن العمل المكيفة، أما العاملات الزراعيات فيقضين ساعات عملهن في الحقول المفتوحة، إذ يتحول ارتفاع درجة الحرارة إلى خطر مهني مباشر، لا مجرد إزعاج موسمي.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن التعرض المستمر للعمل في درجات حرارة مرتفعة يؤدي إلى انخفاض القدرة البدنية، ويزيد احتمالات الإجهاد الحراري، كذلك يرفع مخاطر الحوادث المهنية نتيجة تراجع التركيز والإرهاق، وتقدر المنظمة أن الإجهاد الحراري سيتسبب عالميًا في خسارة ما يعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل بحلول عام 2030، وسيكون القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تضررًا، لأنه يعتمد على العمل في الهواء الطلق.
في هذا السياق، تقول سعاد إن والدتها البالغة من العمر 60 عامًا كانت قد تعرضت للدغ عقرب أثناء عملها بجمع محصول الطماطم العام الماضي داخل إحدى المزارع في قرى مدينة البلينية، ولم تجد العاملات أي وسيلة إسعاف أو رعاية طبية داخل المزرعة، فلجأن إلى ما تصفه بـ”الطرق البدائية” في محاولة لإنقاذ والدتها، إذ ربطن ساقها أعلى موضع اللدغة، ثم أحدثن جرحًا صغيرًا في القدم في محاولة لإخراج الدم اعتقادًا منهن أنه يحمل السم، قبل أن ينقلنها على متن “تروسيكل” إلى أقرب وحدة صحية، كانت تبعد نحو ساعة عن المزرعة، القريبة من الجبل.
وتضيف أن المزرعة تقع في منطقة صحراوية ذات ظهير صحراوي، وهو ما يجعل ظهور العقارب والثعابين أمرًا متكررًا، مشيرة إلى أن الأطباء أخبروهم لاحقًا أن العقرب الذي لدغ والدتها من الأنواع شديدة السمية، وأن نجاتها كانت معجزة. وتقول: “العناية الإلهية، لأنهم قالوا لنا إن السم كان من النوع القاتل.”
ولا تعد هذه الواقعة استثناءً، بحسب سعاد، إذ تؤكد أن كثيرًا من العاملات يتعرضن بصورة متكررة لمضاعفات العمل تحت أشعة الشمس لساعات طويلة، من بينها الإجهاد الحراري والإعياء الشديد، فضلًا عن اضطرابات المعدة وحالات الدوار والإغماء، في ظل غياب أماكن للاستراحة أو وسائل إسعاف أولية داخل الحقول، ما يجعل أي إصابة أو وعكة صحية تتحول إلى رحلة طويلة للبحث عن أقرب وحدة صحية.
نوصي للقراءة: شبح الإجهاد الحراري.. حين تصبح لقمة العيش في مصر معركة حياة

بيئة العمل والانتهاكات الميدانية
ترى مي صالح، مديرة برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية بمؤسسة المرأة الجديدة، أن العاملات الزراعيات يواجهن منظومة متداخلة من المخاطر تبدأ منذ خروجهن من منازلهن ولا تنتهي بانتهاء يوم العمل، في ظل غياب الحد الأدنى من معايير السلامة والصحة المهنية داخل القطاع الزراعي.
وتقول لـ”زاوية ثالثة” إن العاملات يتعرضن لمخاطر مهنية متعددة، في مقدمتها التعرض للمبيدات الحشرية، والعمل لساعات طويلة تحت درجات حرارة مرتفعة، فضلًا عن نقص مياه الشرب والمياه اللازمة للنظافة الشخصية أثناء يوم العمل، وغياب دورات المياه وأماكن تغيير الملابس داخل الحقول، وتضيف أن طبيعة العمل نفسها تنطوي على مخاطر أخرى، مثل استخدام السكاكين وآلات الحصاد، فضلًا عن التعرض لدغات الثعابين والحشرات، إلى جانب مخاطر النقل غير الآمن في سيارات مكدسة تنقل العاملات بين القرى والمزارع عبر طرق غير ممهدة.
وتشير إلى أن “مرصد 190″، المعني برصد أوضاع العمالة غير المنتظمة، وثّق خلال السنوات الأخيرة آثار ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية على العمال، سواء العاملين في الشوارع أو في القطاع الزراعي، مؤكدة أن النساء والفتيات العاملات في الزراعة من أكثر الفئات تعرضًا لهذه المخاطر.
وتلفت كذلك إلى اتساع ظاهرة عمالة الأطفال في الزراعة، موضحة أن المرصد وثّق عمل أطفال تبدأ أعمارهم من ست وسبع سنوات، بينما تُعد الفتاة البالغة من العمر 15 عامًا من الأكبر سنًا في بعض مواقع العمل، مرجعة ذلك إلى اعتماد أصحاب العمل على الأطفال باعتبارهم عمالة منخفضة التكلفة ولا تتمتع بأي حقوق.
وتستشهد مي بحالة فتاة تبلغ من العمر 15 عامًا كانت تعمل في جمع محصول الطماطم، ولم تكن تتوافر لها مياه شرب أو غذاء كافيان، وكانت هي وزميلاتها يتناولن ثمار الطماطم مباشرة من الحقل دون غسلها، رغم احتوائها على بقايا مبيدات ونسب مرتفعة من الأملاح. وتقول إن الفتاة أصيبت بمشكلات صحية حادة في الفم، إلى جانب أضرار في الكلى نتيجة التعرض المستمر للمبيدات والأملاح، معتبرة أن هذه الحالة ليست سوى نموذج لعشرات الحالات التي تتعرض لها النساء والفتيات العاملات في الزراعة في غياب الحماية.
ومن جانبها، تقول المحامية الحقوقية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، انتصار السعيد، إن العاملات الزراعيات يعدن من أكثر الفئات تعرضًا لمخاطر موجات الحر، نظرًا لطبيعة عملهن في الحقول المكشوفة ولساعات طويلة، موضحة أن ارتفاع درجات الحرارة يعرضهن للإجهاد الحراري وضربات الشمس والجفاف وانخفاض ضغط الدم، وقد يتسبب في حالات إغماء، فضلًا عن زيادة احتمالات الإصابة بأمراض الكلى وحصواتها نتيجة فقدان السوائل وعدم الحصول على كميات كافية من مياه الشرب.
يُعرف الإجهاد الحراري بأنه من أخطر الآثار الصحية الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة، ويحدث عندما يعجز الجسم عن التخلص من الحرارة الزائدة بسبب الطقس الحار، أو ارتفاع نسبة الرطوبة، أو الجهد البدني الزائد، مما يؤدي إلى اختلال التوازن الحراري الداخلي. وتظهر أعراضه في شكل إرهاق شديد، صداع، دوار، وتقلصات عضلية نتيجة فقدان الجسم للأملاح والسوائل، وقد تتفاقم إلى ضربة شمس قد تفضي إلى الوفاة.
وتتضاعف الخطورة في الأماكن المفتوحة وأماكن العمل الشاقة مثل مواقع البناء والحقول والمصانع، حيث يُجبر كثيرون على العمل في ظروف غير إنسانية. ويُعد كبار السن، والأطفال، ومرضى الأمراض المزمنة، من الفئات الأكثر عرضة للإصابة. ومع تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة، لم يعد الإجهاد الحراري تحديًا صحّيًا فقط، بل تحوّل إلى أزمة اجتماعية واقتصادية تتطلب تدخلًا تشريعيًا عاجلًا، خاصة في دول مثل مصر التي تعاني من هشاشة منظومة الحماية المناخية في أماكن العمل.
وتضيف انتصار لـ”زاوية ثالثة” أن المخاطر تتضاعف بالنسبة للنساء الحوامل اللاتي يواصلن العمل في الظروف نفسها، مشيرة إلى أن العاملات يتعرضن في الوقت ذاته للمبيدات المستخدمة في مكافحة الآفات الزراعية، وهي مواد قد تتفاعل مع درجات الحرارة المرتفعة، بما يزيد من تأثيرها الصحي ويضاعف المخاطر التي تواجه النساء أثناء العمل.
تُظهر التوقعات ارتفاعًا محتملًا في حالات الإصابة بـ “الأمراض المرتبطة بالحرارة” بمئات الحالات سنويًا بحلول عام 2030، وارتفاع نسبة الوفيات بمقدار 300٪ بحلول عام 2100 إذا استمر ارتفاع حرارة الأرض بمعدل 3 درجات مئوية. فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن التغيرات المناخية وتفاقم الإجهاد الحراري قد تؤدي إلى ألفين إلى 5 ألاف حالة وفاة إضافية سنويًا في مصر، إلى جانب خسائر اقتصادية تتراوح بين 20 إلى 48 مليار جنيه سنويًا.
ولا تتوقف المخاطر عند ارتفاعات درجات الحرارة وحدها، إذ تشير مراجعة أجرتها زاوية ثالثة للحوادث المنشورة والبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العمل إلى تكرار حوادث نقل العمالة الزراعية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، خاصة في محافظات البحيرة والمنوفية والمنيا، فيما وأظهر الحصر توثيق سبعة حوادث كبرى على الأقل بين مارس 2024 ومايو 2026، أسفرت عن 23 وفاة وما لا يقل عن 95 إصابة، معظمها في حوادث انقلاب أو تصادم سيارات ربع ونصف نقل تُستخدم لنقل العمال والعاملات إلى المزارع.
نوصي للقراءة: خارج حسابات الحكومة.. كيف يضاعف القانون معاناة “أصحاب المعاشات”؟

أين التشريعات؟
تحمّل مي صالح أصحاب الأراضي الزراعية مسؤولية جانب كبير من هذه الأوضاع، معتبرة أن السلامة والصحة المهنية ليست ضمن أولوياتهم، وهو ما يستدعي تدخلًا حكوميًا أكثر حزمًا، وتقول: “ليس من المنطقي أن تنصرف قوانين العمل والاستراتيجيات الوطنية إلى أصحاب المصانع والشركات فقط، بينما يُستثنى القطاع الزراعي، رغم أن صاحب الأرض هو أيضًا صاحب عمل، ومن يعملون لديه هم عمال بأجر، ومن حقهم الحصول على بيئة عمل آمنة.”
وتطالب بإلزام أصحاب الأراضي بتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية داخل مواقع العمل، بما يشمل أماكن لتغيير الملابس، ومياه نظيفة للشرب والنظافة الشخصية، ودورات مياه مناسبة، وتشير إلى أن كثيرًا من العاملات يُحرمن حتى من استخدام دورة المياه إلا مرات محدودة خلال يوم العمل، لأن الوصول إليها يستغرق وقتًا يُخصم من اليومية، وهو ما يضاعف معاناة النساء، خاصة المصابات بأمراض مزمنة مثل السكري، أو الحوامل اللاتي يحتاجن إلى استخدام دورات المياه بصورة متكررة.
كذلك تؤكد أن مواجهة الإجهاد الحراري لا تقتصر على بدء العمل في ساعات مبكرة من الصباح، إذ يلجأ بعض أصحاب الأراضي إلى تشغيل العاملات اعتبارًا من السادسة صباحًا، ما يضطر كثيرات إلى مغادرة منازلهن في الثالثة أو الرابعة فجرًا للوصول إلى الحقول. إلا أن ذلك، لا يعني تقليص ساعات العمل، بل يهدف إلى استغلال الساعات الأولى من النهار قبل اشتداد حرارة الشمس، ثم يستمر العمل لساعات طويلة بعد ذلك.
وترى أن الحماية الحقيقية تقتضي توفير أماكن مظللة للاستراحة، وإتاحة فترات راحة منتظمة، وتمكين العاملات من شرب المياه وغسل وجوههن واستخدام دورات المياه خلال يوم العمل، منتقدة أوضاع نقل العمالة الزراعية، مؤكدة أن المقاولين وأصحاب الأراضي يتعاملون مع العمال والعاملات باعتبارهم وسيلة للإنتاج وليسوا بشرًا لهم حقوق.
وتقول: “لا يجوز أن تُحمّل سيارة مخصصة لعشرين شخصًا بستين أو سبعين عاملًا، يقفون طوال الطريق تحت الشمس، بما يزيد من احتمالات انقلاب المركبات وتحول الحوادث إلى كوارث جماعية.” وترى أن تكرار حوادث النقل يعكس غياب الرقابة وتطبيق معايير السلامة.
وتدعو مي إلى الإسراع بإصدار الاستراتيجية الوطنية للسلامة والصحة المهنية، على أن تتضمن بصورة واضحة العاملين في القطاع الزراعي، باعتباره من أكثر قطاعات العمل تعرضًا للمخاطر، مشددة على ضرورة توسيع مظلة التأمين الصحي والاجتماعي للعاملات والعمال الزراعيين، موضحة أن قانون التأمينات الاجتماعية يتيح نظريًا انضمام العمالة الزراعية، إلا أن التطبيق يواجه عقبات، إذ يتردد كثير من العاملين في الاشتراك خشية فقدان معاش “تكافل وكرامة”، ما يستدعي إيجاد آلية تسمح بالجمع بين برامج الدعم والحماية التأمينية، بدلًا من اضطرار العمال للاختيار بينهما.
وتؤكد مديرة برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية، أن جزءًا من الحل يتمثل في تمكين النقابات أو الكيانات الممثلة لصغار الفلاحين والعمال الزراعيين من التفاوض مع أصحاب الأراضي حول الحد الأدنى من شروط العمل، وعلى رأسها ساعات العمل خلال فترات الحر الشديد.
وترى أنه إذا كان يوم العمل يمتد إلى ثماني ساعات، فمن غير المقبول استمرار العمل بالمدة نفسها خلال شهري يوليو وأغسطس، مطالبة بتقليص ساعات العمل بما لا يقل عن ساعتين في الأيام الأشد حرارة، للحد من التعرض لضربات الشمس والإغماءات والإجهاد الحراري والجفاف وارتفاع ضغط الدم والمضاعفات التي قد تصل إلى الإضرار بوظائف الكلى.
وتشدد على ضرورة إخضاع أصحاب الأراضي الزراعية للمساءلة القانونية، أسوة ببقية أصحاب الأعمال، موضحة أن قانون العمل يلزم أصحاب المنشآت بتوفير الحماية من المخاطر البيولوجية والكيميائية والفيزيائية، ومن ثم يجب أن يمتد تطبيق هذه الالتزامات إلى القطاع الزراعي، مع فرض غرامات وجزاءات على المخالفين، بما يضمن تحمل أصحاب الأعمال مسؤوليتهم القانونية عن حماية العاملين لديهم.
في السياق ذاته تشدد انتصار السعيد على أن قانون العمل المصري اعترف بالمخاطر الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة باعتبارها أحد مخاطر بيئة العمل التي تستوجب اتخاذ تدابير وقائية، إلا أن ما تشهده مصر من تطرف مناخي خلال السنوات الأخيرة يفرض، بحسب تعبيرها، الحاجة إلى إصدار لائحة تنفيذية أو دليل وطني متخصص لحماية العاملين والعاملات في الأعمال المكشوفة، وفي مقدمتها الزراعة.
وتعتبر أن هذه اللائحة ينبغي أن تتضمن قواعد واضحة لتنظيم ساعات العمل خلال موجات الحر، وإلزام أصحاب الأعمال بتوفير مياه الشرب، وأماكن مظللة للراحة، وفترات راحة منتظمة، إلى جانب وضع آليات للاستجابة السريعة لحالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس داخل مواقع العمل.
وتدعو انتصار إلى تبني خطة وطنية متكاملة لحماية العمال والعاملات من آثار موجات الحر، تشمل تطوير أنظمة للإنذار المبكر قبل الموجات الحارة، وتعديل ساعات العمل خلال فصل الصيف، وتوفير نقاط ثابتة لمياه الشرب داخل الحقول، وتشديد الرقابة على أصحاب الأعمال للتأكد من التزامهم بإجراءات السلامة، إلى جانب دمج العمالة الزراعية في منظومة الحماية الاجتماعية.
وتطالب وزارة الصحة بتكثيف حملات التوعية في المناطق الزراعية، وإطلاق فرق طبية متنقلة للتعامل مع العاملين في الحقول، وتدريبهم على التعرف إلى أعراض الإجهاد الحراري وضربات الشمس واتباع بروتوكولات التعامل معها، بما يسهم في الحد من المضاعفات والوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
وتلفت إلى أن عدداً من الدول اتخذ بالفعل إجراءات مماثلة، مستشهدة بتجارب إسبانيا وإيطاليا، اللتين أوقفتا بعض الأنشطة الزراعية خلال ساعات الذروة في موجات الحر، وفرضتا قيودًا على العمل عندما تتجاوز درجات الحرارة حدودًا معينة، بهدف الحد من المخاطر الصحية التي يتعرض لها العمال.

تأثيرات صحية خطيرة
يحذر أطباء الصحة المهنية من أن التعرض الطويل لدرجات الحرارة المرتفعة قد يؤدي إلى سلسلة من المضاعفات الصحية تبدأ بالإجهاد الحراري، مرورًا بالجفاف الحاد واختلال الأملاح، وصولًا إلى ضربة الشمس التي قد تسبب فقدان الوعي أو الوفاة إذا لم يُتدخل طبيًا بسرعة.
ويقول الدكتور تامر شراكي استشاري الأمن والسلامة المهنية، إن الإجهاد الحراري يمثل تهديدًا مباشرًا قد يقود إلى مضاعفات قاتلة مثل ضربة الشمس، موضحًا أن هذا الخطر يحدث عندما ترتفع حرارة الجسم الداخلية نتيجة فقدان كميات كبيرة من الماء والأملاح بسبب التعرق المفرط، ما يعيق الجسم عن أداء وظائفه الحيوية.
ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن الخطورة تكمن في أن المرض يتطور عبر ثلاث مراحل: تبدأ بـ التشنجات الحرارية الناتجة عن اختلال توازن الأملاح، ثم تتطور إلى الإنهاك الحراري الذي يصاحبه إرهاق شديد ودوخة وغزارة في التعرق، وصولًا إلى ضربة الشمس التي قد تؤدي إلى فقدان الوعي وتوقف عمل أجهزة حيوية بالجسم، مؤكدًا أن تجاهل الأعراض المبكرة يفقد المصاب فرصة التدخل في الوقت المناسب ويضاعف احتمالات الوفاة.
ويشير شراكي إلى أن الأعراض الأولية تبدأ عادة بالإرهاق والصداع والغثيان والتعرق الغزير مع سرعة ضربات القلب والشعور بالدوار، قبل أن تتطور لاحقًا إلى تشنجات واضطراب في الوعي. ويعتبر أن فقدان التعرق مع ارتفاع حرارة الجسم الداخلية يُعد إشارة خطيرة إلى دخول المصاب مرحلة ضربة الشمس التي تستدعي تدخلًا طبيًا عاجلًا.
ويضيف أن السبب المباشر لهذه الحالات هو التعرض لفترات طويلة لدرجات حرارة ورطوبة مرتفعة، خاصة عند ممارسة نشاط بدني شاق في بيئة مفتوحة. كما أن ارتداء ملابس ثقيلة أو غير مناسبة يضاعف من حدة الخطر. وينبه إلى أن بعض.
وبدأت عدة دول في مراجعة قواعد السلامة المهنية لمواجهة هذا الخطر، فقد اعتمدت دول مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا قيودًا على العمل في الهواء الطلق خلال موجات الحر الشديدة، فيما توسعت دول خليجية، مثل السعودية والإمارات، في تطبيق حظر العمل وقت الظهيرة خلال أشهر الصيف. أما في مصر، فلا توجد حتى الآن بروتوكولات معلنة تلزم أصحاب العمل الزراعي بتعديل ساعات العمل أو تعليقها عند تجاوز درجات الحرارة حدودًا معينة، رغم أن تغير المناخ بات واقعًا يوميًا يفرض نفسه على ملايين العاملين في الحقول.
وتتضاعف هذه المخاطر بسبب طبيعة العمل الزراعي نفسه. فالعاملات لا يواجهن الحرارة فقط، بل يعملن في مهام تتطلب مجهودًا بدنيًا متواصلًا، مثل الانحناء لساعات أثناء الحصاد، أو حمل الصناديق، أو جمع المحاصيل، وهي أنشطة تزيد من إنتاج الجسم للحرارة وتقلل قدرته على التخلص منها، خاصة مع نقص فترات الراحة أو غياب أماكن الظل.
و تربط دراسات حديثة بين العمل في البيئات الحارة وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الكلى المزمنة، نتيجة فقدان السوائل المتكرر، فضلًا عن زيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، وتأثيرات سلبية على الحوامل، مثل ارتفاع احتمالات الولادة المبكرة وانخفاض وزن المواليد.
ولا تقتصر آثار الحرارة على الصحة وحدها، بل تمتد إلى طبيعة العمل نفسه، فكلما ارتفعت درجات الحرارة، انخفضت القدرة على العمل لساعات طويلة، بينما لا تستطيع غالبية العاملات تقليص ساعات العمل لأن أجورهن تُحسب باليومية أو بكمية الإنتاج، وهكذا تصبح المفاضلة بين حماية الصحة والحفاظ على الدخل خيارًا يوميًا تفرضه ظروف العمل، لا تتيحه السياسات العامة.
وختامًا تظل أزمة العاملات الزراعيات في مصر نموذجًا صارخًا للعدالة المناخية والاجتماعية الغائبة؛ فبينما تتصاعد موجات الحرارة وتتفاقم ظاهرة التغير المناخي عامًا بعد آخر، تستمر النساء في تحمل القسط الأكبر من هذا العبء البدني والصحي في صمت، تحت وطأة الحاجة وغياب الحماية الرسمية.