نصف قرن من الإقامة وعقود موثقة لم تحمِ 350 أسرة من إنذار الإخلاء في غزل دمياط

في أغسطس 2026 تلقت نحو 350 أسرة تقطن مساكن شركة دمياط للغزل والنسيج (دمياتكس) إنذارات رسمية عبر البريد المصري تطالبها بإخلاء وحداتها السكنية، رغم امتلاكها عقود إيجار مفتوحة المدة موثقة قانونيًا يعود بعضها إلى يناير 1998
Picture of آية ياسر

آية ياسر

تواجه نحو 350 أسرة تقطن مساكن «غزل دمياط» خطر الطرد والتشريد، بعد مرور أكثر من نصف قرن على استقرارها في هذه الوحدات السكنية المملوكة لشركة دمياط للغزل والنسيج (دمياتكس) التابعة لقطاع الأعمال العام؛ إذ تلقى السكان في أغسطس 2026 إنذارات رسمية عبر البريد المصري تطالبهم بإخلاء وحداتهم السكنية ومغادرتها.

وجاءت الإنذارات رغم امتلاك السكان، وهم من عمال الشركة المُحالين إلى المعاش وزوجاتهم وأبنائهم، لعقود إيجار قانونية مفتوحة المدة موثقة رسميًا، يعود بعضها إلى عام 1998، ورغم التزامهم بسداد القيمة الإيجارية بانتظام، والتي ارتفعت من نحو 19.56 جنيهًا إلى 250 جنيهًا. ويروي السكان أن مساكنهم أُنشئت من خلال أموال «صندوق الزمالة» التي كانت تُستقطع من رواتب العمال، ضمن منظومة الخدمات والرعاية الاجتماعية الخاصة بهم.

وعلى مدار الأسابيع الماضية نشر الأهالي استغاثات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موجهةً إلى محافظ دمياط الدكتور حسام الدين فوزي عبد الفتاح أبو سيف، ووزارة قطاع الأعمال العام، والشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس، وإدارة شركة دمياط للغزل والنسيج، لوقف قرارات الطرد وحماية الأسر من التشريد بعد عقود من الخدمة والاستقرار في المساكن التابعة للشركة، التي افتتحها الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في 6 مايو 1960.

ويروي أحمد محمد (اسم مستعار)، أحد قاطني مساكن شركة غزل دمياط ونجل أحد العاملين القدامى بالشركة، أن تاريخ المساكن يعود إلى ستينيات القرن الماضي، إذ بُنيت بالتزامن مع إنشاء مصنع غزل ونسيج دمياط، الذي وظّف مهندسين وفنيين وعمالًا ينتمون إلى محافظات مختلفة، لعدم توافر تخصصاتهم في دمياط آنذاك، الأمر الذي استدعى توفير مساكن لهم.

ويُبيّن أن محافظة دمياط كانت قد خصصت الأرض المجاورة للشركة لإقامة المساكن التي تضم 23 عمارة سكنية، فيما ساهم العاملون أنفسهم في إنشاء المباني من خلال «صندوق الزمالة» الذي كان يقوم على مساهمات شهرية من الموظفين والعاملين.

ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «والدي كان من بين العاملين الأوائل في الشركة، قبل أن يُستدعى ونحو 350 إلى 400 من المهندسين والفنيين والعاملين إلى سيناء للمشاركة في حرب عام 1967 وحرب الاستنزاف، ما أدى إلى توقف إنتاج المصنع حتى عام 1974، حين عاد للعمل بكثافة في صناعة الغزل والنسيج والقطن المصري طويل التيلة خلال الفترة من منتصف السبعينيات وحتى الثمانينيات، وكان إنتاجه مخصصًا للتصدير، لكن الشركة بدأت لاحقًا في تفكيك وبيع أجزاء من أصولها ومساحاتها».

ويضيف أن نزاعًا نشب بين إدارة الشركة والسكان خلال تسعينيات القرن الماضي، إذ أقامت الشركة دعوى قضائية ضدهم لمحاولة إخلاء المساكن، لكن محافظ دمياط وقتئذٍ راجع المستندات وأبرم مع السكان عقودًا إيجارية مفتوحة المدة في يونيو 1998، مقابل قيمة إيجارية رمزية تُسدد للشركة، بلغت نحو 19.56 جنيهًا شهريًا.

ويؤكد أن العقود التي بحوزة السكان تتضمن بنودًا تنص على عدم جواز التنازل عن الوحدة أو إخلائها، واستمرار حق السكن حتى الجيل الرابع، مضيفًا أن المقابل المالي بدأ بنحو 20 جنيهًا ثم ارتفع تدريجيًا إلى مبالغ أكبر، قبل أن تُطبق عليهم لاحقًا زيادات أسعار الإيجار القديم، لكن الشركة بدأت، منذ أغسطس المنقضي، في إرسال إنذارات إخلاء إلى السكان القاطنين منذ نحو خمسة عقود.

ويتابع: «الحالة الإنشائية لمساكن الشركة لا تستدعي الإخلاء أو الهدم، فهي تضم 23 عمارة سكنية بارتفاع خمسة طوابق لكل عمارة، وتخضع للصيانة وحالتها جيدة، ونرجو إجراء معاينة من لجنة تابعة لوزارة الإسكان لتحديد الحالة الإنشائية للمباني التي تقطنها نحو 360 أسرة، معظمهم من كبار السن».

وفي أغسطس أيضًا صُدمت والدة حنان جاد، المقيمة في مساكن غزل دمياط منذ أكثر من نصف قرن، والتي عمل زوجها الراحل لعقود في شركة الغزل والنسيج، كغيرها من السكان بإنذارات تطالبهم بإخلاء الوحدات التي يقيمون فيها منذ عقود ويسددون قيمة إيجارها وفواتير مرافقها، دون توفير سكن بديل.

وتقول حنان لـ«زاوية ثالثة»: «والدي الذي توفي قبل نحو 16 عامًا كان قد أمضى أكثر من 50 عامًا في العمل بشركة غزل دمياط، ولا تزال والدتي التي شارفت على التسعين تقيم في إحدى شقق المساكن، وهي مسنة وقعيدة، لكنها فوجئت مؤخرًا بتلقيها إنذارًا يطالبها بالإخلاء، كباقي السكان».

وتوضح أن والدتها لديها عقد إيجار مفتوح المدة بنظام المشاهرة، كباقي الأسر المقيمة في مساكن غزل دمياط، مبديةً قلقها تجاه مصير والدتها حال تنفيذ الإخلاء، نظرًا لكبر سنها وحالتها الصحية واعتمادها على المحيطين بها في رعايتها.

وتشير إلى أن السكان يرون أن استمرار حصولهم على خدمات المياه والكهرباء والغاز والنظافة وغيرها طوال سنوات إقامتهم يؤكد طبيعة إقامتهم المستقرة في المساكن، مناشدةً الحكومة والمحافظة والمسؤولين التدخل للنظر في أوضاع سكان مساكن غزل دمياط، والعمل على توفير بدائل سكنية مناسبة حال تعذر استمرار إقامتهم في الوحدات الحالية.

إشعار بوجود رسالة الإخلاء تلقاه أحد سكان مساكن شركة دمياط للغزل والنسيج عبر البريد المصري بتاريخ 25 أغسطس 2026
إشعار بوجود رسالة الإخلاء تلقاه أحد سكان مساكن شركة دمياط للغزل والنسيج عبر البريد المصري بتاريخ 25 أغسطس 2026

 

 

تطوير الواجهة النيلية في طرة أم إزاحة سكانها لصالح المستثمرين؟

عقد إيجار موثّق وأرشيف صحفي يتحدث عن التمليك

حصلت «زاوية ثالثة» على نسخة من عقد إيجار لإحدى الوحدات السكنية في مساكن شركة دمياط للغزل والنسيج، محرر بين محافظ دمياط، بصفته رئيس مجلس إدارة الخدمات الصناعية، باعتباره الطرف الأول والمؤجر، وبين الطرف الثاني بصفته المستأجر، لاستخدام الوحدة سكنًا خاصًا، وذلك بموجب مجموعة من الشروط المنظمة للعلاقة الإيجارية.

ونص العقد على أن مدة الإيجار تبدأ في 1 يناير 1998، وفق التاريخ المدون بخط اليد، وتنتهي في موعد محدد بالعقد، مع قابلية التجديد لمدة مماثلة، ما لم يخطر أحد الطرفين الآخر بخطاب موصى عليه قبل انتهاء مدة الإيجار أو أي مدة مجددة بثلاثة أشهر على الأقل.

وحدد العقد القيمة الإيجارية الشهرية للوحدة بـ19.56 جنيهًا، تُسدد في بداية كل شهر ميلادي، إلى جانب إلزام المستأجر بسداد نسبة 2.5% من القيمة الإيجارية لحساب أعمال الترميمات الدورية التي يحتاج إليها العقار، كما أُلزم بتحمل تكاليف استهلاك المياه والكهرباء.

وأقر المستأجر، بموجب العقد، بأنه عاين الوحدة السكنية معاينة نافية للجهالة ووجدها مستوفية لاحتياجاته، كما تعهد بالحفاظ عليها وعدم استخدامها على نحو يخالف شروط الإيجار، وحظر العقد عليه إجراء أي تغيير أو هدم أو بناء أو إزالة أو إقامة مبانٍ أو حوائط داخل الوحدة إلا بموافقة المالك والحصول على التراخيص اللازمة وفقًا لقوانين البناء.

وحدد العقد جزاء مخالفة هذه الالتزامات باعتبار العقد مفسوخًا فورًا، مع إلزام المستأجر بسداد القيمة الإيجارية عن باقي مدة العقد وإعادة الوحدة إلى حالتها السابقة، فضلًا عن التعويضات المترتبة على المخالفة.

كما نص العقد على أنه في حال تأخر المستأجر عن سداد أي قسط من الإيجار في موعد استحقاقه، يُفسخ العقد فورًا من تلقاء نفسه دون الحاجة إلى توجيه إنذار. وحظر العقد على المستأجر تأجير الوحدة من الباطن أو التنازل عن كل العين المؤجرة أو جزء منها، ونص على اعتبار العقد مفسوخًا تلقائيًا في حال مخالفة هذا الشرط. وألزم العقد المستأجر بإجراء الترميمات التأجيرية اللازمة للوحدة دون مطالبة المؤجر بقيمتها، فيما يتحمل الطرف الأول الترميمات الأخرى التي لا تدخل ضمن هذه الالتزامات. وفيما يتعلق بتسوية النزاعات، نص العقد على اختصاص المحاكم العادية التي يقع العقار في دائرتها بنظر أي نزاع قد ينشأ بين الطرفين بشأن تنفيذ العقد أو تفسير بنوده.

سخة عقد الإيجار لإحدى الوحدات السكنية في مساكن شركة دمياط للغزل والنسيج
نسخة عقد الإيجار لإحدى الوحدات السكنية في مساكن شركة دمياط للغزل والنسيج

في المقابل، يوثق خبر صحفي منشور في إحدى الصحف القومية بتاريخ 12 مايو 1998، توقيع المستشار أحمد سلطان، محافظ دمياط آنذاك، عقود تمليك الشقق السكنية للعاملين بغزل دمياط مقابل قطعة أرض مقدمة من المحافظة، وذلك للحيلولة دون تشريدهم، بعد صدور أحكام قضائية نهائية بطرد 236 عاملًا أُحيلوا إلى التقاعد من مساكنهم الإدارية، من أصل ألفي عامل يسكنون مساكن شركة دمياط للغزل والنسيج.
وبحسب الخبر، فإن الشركة كانت قد عرضت سداد 5 ملايين جنيه لمحافظة دمياط مقابل الأرض التي بُنيت عليها المساكن، على أن يتركها العمال وأسرهم، الأمر الذي رفضه المحافظ وقرر تعويضها بأرض بديلة تُبنى عليها مساكن إدارية جديدة للعمالة الجديدة التي كان من المقرر أن تشغل مساكن العمال المطرودين.

واشترط المحافظ، وفقًا للصحيفة، أن يُسكَّن العمال الجدد في المساكن الجديدة التي ستُبنى وفق قواعد وشروط محددة ومعروفة مسبقًا، حتى لا يفاجأ العامل وأسرته بعد عمر طويل من العمل والعطاء بالطرد إلى الشارع، الأمر الذي وافق عليه المهندس أحمد أبو طوق، الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس إدارة الشركة في ذلك الوقت.

وبين المستند الذي حصلت عليه «زاوية ثالثة»، وهو عقد إيجار مفتوح المدة، وبين ما ينقله الأرشيف الصحفي من حديث عن عقود تمليك مقابل أرض، يبقى معلقًا سؤال جوهري حول الطبيعة القانونية الفعلية لعلاقة السكان بوحداتهم: هل هي إيجار طويل الأمد أم تمليك؟ وهو ما ينعكس مباشرة على مدى مشروعية إخلائهم.

 

خبر صحفي في إحدى الصحف القومية بتاريخ 12 مايو 1998، يوثق توقيع محافظ دمياط عقود تمليك الشقق السكنية للعاملين بغزل دمياط مقابل أرض من المحافظة
خبر صحفي في إحدى الصحف القومية بتاريخ 12 مايو 1998، يوثق توقيع محافظ دمياط عقود تمليك الشقق السكنية للعاملين بغزل دمياط مقابل أرض من المحافظة

 

جرافات التطوير تصلُ “ضاحية الجميل” ببورسعيد: إخلاءٌ دون تعويض

نزاعات السكن المرفقي للعاملين

في السياق ذاته، يبدي النائب ضياء الدين داوود، عضو مجلس النواب عن الدائرة الأولى بدمياط، رفضه لطريقة التعامل مع سكان مساكن شركة غزل دمياط وإنذارات الإخلاء المرسلة إليهم، في ظل إقامتهم في المساكن منذ عقود وارتباط حياتهم وتاريخ أسرهم بالمصنع والمحافظة.

ويوضح أن مصنع غزل دمياط كان من المصانع المهمة في صناعة الغزل والنسيج في مصر، وأسهم في دعم قاعدة صناعية وتصديرية مهمة بالمحافظة، مشيرًا إلى أن إنشاء المصانع التابعة للدولة في تلك الفترة كان يرتبط في كثير من الحالات بتوفير مساكن للعاملين، فيما عُرف بالسكن المرفقي. ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «دمياط لم تكن في الأصل من المحافظات المعروفة بصناعة الغزل والنسيج، ولذلك جرى استقدام عمال وفنيين ومتخصصين من محافظات أخرى، من بينها الغربية والقاهرة وحلوان، للعمل في المصنع، وكثير من هؤلاء العاملين استقروا في دمياط وتوطنوا فيها على مدار عقود».

ويضيف أن معظم السكان الحاليين هم من أبناء العاملين الذين عاشوا في هذه المساكن منذ طفولتهم، فيما توفي بعض العاملين القدامى وبقيت زوجاتهم وأبناؤهم في الوحدات السكنية، مشيرًا إلى أن بعض الأسر تقيم في المنطقة منذ 40 أو 50 عامًا.

ويتساءل النائب عن الأساس الذي يمكن أن يُبنى عليه إخراج هؤلاء السكان من مساكنهم بعد هذه العقود، مؤكدًا أن هذا الأمر، من وجهة نظره، «غير مقبول»، وأنه لن يدعم أو يساعد على إخلاء السكان الذين كانت لهم صلة فعلية بالمصنع، وأسر العاملين الذين أقاموا في المساكن واستقروا بها لعقود.

ويرى أن قضية مساكن غزل دمياط تأتي ضمن مشكلات أوسع تتعلق باستقرار حياة المواطنين، إذ إن السكن المرفقي في عدد من المحافظات شهد على مدار سنوات نزاعات بين الشركات والعاملين وأسرهم حول أحقية الإقامة في الوحدات السكنية، مشيرًا إلى أن محافظة دمياط بها مشكلات متعددة تتعلق بهيكل ملكية الأراضي، مع وجود أراضٍ ذات صفة وقفية تعود إلى عهود تاريخية مختلفة.

ويتابع: «القضية ليست مجرد مشكلة سكن، وإنما جزء من نمط متكرر في التعامل مع السكن المرفقي، حيث تنشأ خلافات بين الشركات والعاملين وأسرهم حول الوحدات التي وفرتها الدولة أو الشركات للعاملين في مراحل سابقة»، داعيًا إلى التمييز بين الحالات المختلفة للسكان، خصوصًا العاملين السابقين وأسرهم وأبناء العاملين الذين ارتبط وجودهم بهذه المساكن بتاريخ المصنع واستقروا فيها لعقود.

ويتعهد النائب باستخدام أدواته الرقابية لمتابعة القضية، ومن بينها تقديم طلب إحاطة مع بداية دور الانعقاد الثاني لمجلس النواب في أكتوبر المقبل، بهدف مناقشة أوضاع سكان مساكن غزل دمياط ومتابعة الإجراءات المتخذة بحقهم.

ولم يصدر عن شركة دمياط للغزل والنسيج أو الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس أو وزارة قطاع الأعمال العام أي تعليق أو بيان يوضّح الأساس القانوني للإنذارات أو مصير السكن البديل حتى لحظة إعداد التقرير.

وبين إنذارات الإخلاء التي تلقاها سكان مساكن غزل دمياط، وعقود الإيجار التي تحتفظ بها الأسر منذ عام 1998، تظل الأسئلة معلقة حول الأساس القانوني والإداري الذي تستند إليه الشركة في مطالبة السكان بمغادرة وحداتهم بعد عقود من الإقامة، وما إذا كانت تلك الإنذارات تستند إلى قرارات أو أحكام قضائية جديدة، أو إلى تغيير في وضع المساكن وملكيتها.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search