بالرغم من توالي استغاثات الباحثين والأساتذة العاملين بمركز البحوث الزراعية، منذ مطلع أبريل الجاري، إلى رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، أملًا في وقف قرار نقل المركز إلى قرية دهشور وتسليم أراضيه لصالح جهاز مستقبل مصر، وكذلك التحذيرات من تبوير الأراضي الخاصة به بما يهدد الأمن الغذائي داخل البلاد، لم تصدر الحكومة حتى اللحظة أي استجابة رسمية فيما تبدو ماضية بتنفيذ القرار.
ومنذ الأسبوع الأول من شهر أبريل الجاري، تسود حالة استياء واسعة بين الباحثين والأكاديميين والعاملين في مركز البحوث الزراعية بالجيزة، مع تردد أنباء عن عزم الحكومة نقله بكافة إداراته وموظفيه إلى قرية دهشور بمركز البدرشين ، تنفيذًا لقرار رئيس الحكومة بتخصيص 69.55 فدانًا من أراضيه لصالح جهاز مستقبل مصر، واستخدامها في مشاريع لحسابه، وسط مخاوف واسعة من العصف بجهود البحث العلمي وتبوير الأراضي الزراعية الخصبة وتحويلها إلى مشروعات عقارية.
وأصدر 12 ألفًا و681 باحثًا من مساعد باحث إلى أستاذ متفرغ، و16 ألفًا و927 إداريًا من أعضاء نادي هيئة البحوث بمركز البحوث الزراعية، بيانًا، لرفضهم مقترحات نقل المركز، مؤكدين أنه ليس مجرد مباني أو أراضي، بل هو منظومة علمية متكاملة تمتد لأكثر من مائة عام، وتضم معامل مجهزة وصوبًا زراعية وأراضي خصبة تُستخدم لإجراء التجارب، وهو يُمثّل ركيزة أساسية للأمن الغذائي المصري.
وأوضح الموقعون على البيان أنهم يعملون في سباق مستمر مع الزمن لاستنباط أصناف زراعية قادرة على مواجهة التغيرات المناخية ونقص الموارد المائية، محذرين من أن أي إجراءات تعيق وصول الباحثين إلى معاملهم أو مزارعهم التجريبية ستؤثر بشكل مباشر على استمرارية الأبحاث ونتائجها، مطالبين بالحفاظ على المركز وتطويره بدلًا من نقله، وداعين إلى دعم الكوادر البشرية داخل المركز، من خلال تعيين أوائل الخريجين سنويًا لضخ دماء جديدة والاستفادة من خبرات الأساتذة الحاليين، بما يضمن استمرارية تطوير البحث العلمي الزراعي.
وبالتزامن تُثار تساؤلات حول سبب إخفاء الوثائق الرسمية لنقل أصول المركز من معامل وصوب وأراضٍ، إلى جهاز مستقبل مصر، والتي تضم القرار الجمهوري والقرار التنفيذي عن رئيس المركز المفوض بتسليم عهدة 31 فدانًا بمرافقها، دون أن يتلقى أمرًا تنفيذيًا معتمدًا من رئيس الحكومة، الدكتور مصطفى مدبولي.
وكان مجلس الوزراء، أصدر قرارًا، في يوليو 2025، بالموافقة على مشروع قرار رئيس الجمهورية بشأن إعادة تخصيص عدد 5 قطع من الأراضي التابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، بمحافظة الجيزة، واقعة ضمن ولاية مركز البحوث الزراعية، بإجمالي مساحة يبلغ 69.55 فدانًا، تتوزع كالآتي: ( 13.26 فدان، 26.94 فدان، و25.84 فدان، و1.45 فدان، و2.06 فدان)، لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة؛ وذلك لاستخدامها في عدد من مشروعاته، بالإضافة إلى قطعة أرض بمساحة 14.39 فدان نقلًا من الأراضي تتبع وزارة الموارد المائية والري.
و“مستقبل مصر” هو كيان حكومي بدأ كمشروع في عام 2017، وتم تغيير اسمه في 2022 ليصبح “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، وأُنشئ بقرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، يرأسه العقيد طيار بهاء الدين محمد الغنام ويتبع القوات الجوية المصرية، ويُدير مشروعات تنموية كبرى تشمل استصلاح أراضٍ زراعية، استيراد سلع تموينية مثل: القمح والزيوت، إنتاج غذائي، وعقاري، بالإضافة إلى مشاريع صناعية مثل إنتاج ألبان الأطفال، الأمر الذي يثير جدلًا واسعًا حول طبيعة الدور الذي يلعبه وآليات عمله.
من جهته يعتبر الدكتور طارق أبو موسى، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية، أن نقل المركز، بمثابة “كارثة بكل المقاييس ترقى إلى تفكيك ممنهج لركائز واحدة من أهم المؤسسات البحثية في مصر والمنطقة”، ويصفه بأنه صمام الأمان للأمن الغذائي وحائط صد أمام الأزمات الاقتصادية في مصر.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها أراضي المركز للتعدي”، مشيرًا إلى تجريف مساحات خصبة في عدد من محطات البحوث، في بهتيم والإسماعيلية والشرقية وكفر الشيخ، وهي أراضٍ تم تطويرها وتحسين خصوبتها على مدار عقود بجهود الباحثين، وأسهمت في تحقيق طفرات كبيرة في إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية”.
ويوضح أن هذه الجهود البحثية كانت سبب في مضاعفة إنتاجية عدد من المحاصيل، وتحقيق مصر مراكز متقدمة عالميًا، من بينها القمح والأرز والذرة الشامية، فضلًا عن استنباط أصناف زراعية موفرة للمياه، من خلال العمل التراكمي للباحثين داخل المركز، مشيرًا إلى أن هذه الإنجازات تحققت في ظل إمكانيات محدودة ورواتب متدنية، لافتًا إلى أن كثيرًا من الباحثين يتحملون نفقات الأبحاث من مواردهم الخاصة، ورغم ذلك يواصلون العمل دون ضجيج، أما المساس بالبنية البحثية أو إهدار نتائجها هو أمر لا يمكن القبول به.
ويضيف: “الحفاظ على مركز البحوث الزراعية وتطويره يمثل ضرورة استراتيجية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والأزمات الغذائية العالمية، والمساس بهذه المنظومة البحثية يهدد الأمن الغذائي ويزيد هشاشة الاقتصاد المصري في مواجهة الأزمات”.
يؤكد أن المشروعات العقارية قد يكون لها ثمن اقتصادي، لكن الأراضي البحثية الخصبة لها قيمة لا يمكن تعويضها أو استبدالها، لأنها تمثل نتاج سنوات طويلة من العمل العلمي المتراكم، منتقدًا في الوقت نفسه ازدواجية المعايير، لكون “الدولة تجرم التعدي على الأراضي الزراعية من قبل الأفراد، بينما يتم في الوقت نفسه التصرف في أراضٍ بحثية زراعية لصالح مشروعات غير زراعية”، وهو ما يثير تساؤلات حول اتساق السياسات.
ويُحذّر أستاذ الاقتصاد الزراعي من أن إضعاف البحث العلمي الزراعي سيؤدي إلى اتساع الفجوة الغذائية وزيادة الاعتماد على الاستيراد، إذ أن مصر تستورد بالفعل نسبًا كبيرة من احتياجاتها من السلع الأساسية مثل القمح والبقول والزيوت والأعلاف، ما يجعلها أكثر عرضة للتقلبات العالمية، مشيرًا لكون تداعيات هذه السياسات لن تقتصر على فقدان أراضٍ زراعية، بل ستمتد إلى تجريف العقول، نتيجة إحباط الباحثين ودفع بعضهم إلى الهجرة، ما يمثل خسارة مزدوجة للثروة العلمية والبشرية في مصر.
ويتفق معه الدكتور خالد عياد، أستاذ المكافحة البيولوجية بمركز البحوث الزراعية، معتبرًا القرار هدمًا ممنهجًا للبحث العلمي والزراعة في مصر، لاسيما في ظل غياب استراتيجية واضحة لتطوير البحث العلمي أو تعظيم الاستفادة منه، موضحًا أن المركز يُعد الجهة التطبيقية الرئيسية للزراعة في مصر، إذ تُترجم داخله الأبحاث إلى سياسات وممارسات على الأرض، وعلى النقيض سيؤثر إضعاف هذا الدور بشكل مباشر على تطوير المحاصيل والإنتاج الزراعي.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “المركز يضم معامل وتجهيزات أُنفقت عليها ملايين الجنيهات، فما مصير هذه البنية التحتية حال تنفيذ النقل؟، إن ترك هذه الإمكانيات أو نقلها دون رؤية واضحة يُعد إهدارًا للموارد، كما أن الحديث عن نقل العاملين إلى دهشور لا يراعي طبيعة العمل البحثي، الذي يحتاج إلى بيئة متكاملة من معامل وتجهيزات وخدمات مساندة، والباحث الذي يتحمل نفقات النشر والانتقالات بموارد مادية محدودة لن يكون قادرًا على الاستمرار بنفس الكفاءة”.
ويُحذّر من أن تأثير القرار سينعكس إلى الأمن الغذائي في مصر خلال السنوات المقبلة، إذ أن تراجع البحث العلمي الزراعي يعني تراجع القدرة على استنباط أصناف جديدة وتحسين الإنتاج، وهو ما قد يقود إلى فجوة غذائية في المستقبل.
ويرى الأستاذ بمركز البحوث الزراعية أن تطوير الزراعة في مصر يتطلب دعم البحث العلمي وليس تقليصه، ووضع سياسات بحثية واضحة، والاستعانة بخبرات علمية، وتوفير بيئة عمل مناسبة للباحثين، بدلًا من تفكيك المؤسسات القائمة، رغم وجود بدائل أكثر جدوى، مثل تعزيز التكامل بين مراكز البحوث والجامعات أو تطوير المقرات الحالية بدلًا من نقلها.
حيازات وهمية وفساد إداري: كيف يُهدر الدعم الحكومي للأسمدة في مصر؟

أعباء إضافية على آلاف العاملين
يعد مركز البحوث الزراعية، المُنشأ بقرار رئيس الجمهورية رقم 2425 لسنة 1971، أكبر هيئة بحثية تطبيقية في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا، وهو يتبع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ويضم 16 معهدًا و12 معملًا مركزيًا والمركز الإقليمي للأغذية والأعلاف وبنك الجينات ونحو 52 محطة بحوث زراعية تغطي مختلف محافظات مصر، كما يمتلك أراضي في محافظة الجيزة، تقدر بمئات الأفدنة، وهي موزعة على عدة مواقع بحثية تتضمن محطات ومزارع تجريبية، وتشمل مناطق: أبو رواش، المنصورية، الهرم، جزيرة الدهب، المنيب، الدقي، وصولاً إلى قلب المقر الرئيسي بالجيزة.
ولا يقل عدد العاملين بمركز البحوث الزراعية عن 12 ألفًا و681 باحثًا من مساعد باحث إلى أستاذ متفرغ، و16 ألفًا و927 إداريًا من السكرتير إلى المدير العام، وفقًا لبيان حديث صادر عن نادي أعضاء هيئة البحوث بمركز البحوث الزراعية، وبحسب تقديرات في الفترة من( 2014-2022) فإن المركز يضم حوالي 9816 عضوًا في هيئة البحوث ومساعديهم، – متصدرًا بذلك مراكز وأكاديميات البحث العلمي في مصر، من حيث عدد الباحثين -، بالإضافة إلى كادر عام إداري وفني، يبلغ عدده نحو 39749 ألف فرد.
وتزامنًا مع ما يتردد بشأن نقل المركز إلى دهشور الواقعة بمركز البدرشين، التي تبعد مسافة 37.8 كيلو متر عن مقره الواقع في شارع جامعة القاهرة بحي الدقي في محافظة الجيزة، ويستغرق الوصول إليها، نحو ساعة بالسيارة وأكثر من ساعتين عبر المواصلات العامة -، يخشى آلاف الباحثين والعاملين من تحميلهم أعباءًا اقتصادية إضافية ناتجة عن الانتقالات.
ويشرح الدكتور عبد الله الشافعي، الأستاذ المتفرغ بمركز البحوث الزراعية والمدير السابق لمعهد المحاصيل السكرية، أن آلاف العاملين بالمركز استقروا على مدار سنوات طويلة في أحياء سكنية قريبة من مقر عملهم، مثل: فيصل والهرم، وأن نقلهم إلى موقع أبعد سيؤدي إلى تحميلهم أعباء معيشية وضغوط إضافية، سواء من حيث تكاليف الانتقال أو الوقت المستغرق للوصول إليه يوميًا، متوقعًا أن هذه الأعباء قد تدفع البعض إلى تغيير نمط حياتهم بالكامل أو تحمل أعباء مالية لا تتناسب مع مستويات الأجور الحالية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الأجور في القطاع البحثي لا تتحمل زيادات إضافية في تكاليف المعيشة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار المواصلات والظروف الاقتصادية الأخيرة، لاسيما أن كثيرًا من العاملين لا يمتلكون سيارات ويعتمدون على وسائل النقل العامة، وأي زيادة في المسافة تعني تكلفة ووقتًا أكبر”.
ويعتقد الأستاذ المتفرغ بمركز البحوث الزراعية أن القرار، إذا لم يُدرس من جميع جوانبه، قد يؤدي إلى تفكيك منظومة بحثية متكاملة، ليس فقط من الناحية العلمية، بل أيضًا من حيث البنية الاجتماعية للعاملين بها، إذ أن نقل مؤسسة بهذا الحجم يعني إعادة تشكيل حياة آلاف الأسر، وليس مجرد تغيير موقع عمل، محذرًا من أن تجاهل الأبعاد العلمية والاجتماعية والاقتصادية للقرار قد يؤدي إلى نتائج سلبية طويلة المدى.
ويضيف: “إن التعامل مع مركز البحوث الزراعية يجب أن ينطلق من كونه أصلًا علميًا وتاريخيًا متراكمًا، وليس مجرد مبانٍ يمكن نقلها، والمشكلة الحقيقية تكمن في الأراضي الزراعية التجريبية والصوب والمعامل المرتبطة بها، والتي تمثل بنية بحثية متكاملة يصعب نقلها أو استنساخها في موقع جديد، لأن هذه الأراضي خضعت لتجارب متراكمة على مدار عشرات السنين، وهي جزء أساسي من العملية البحثية، وليست مجرد مساحة يمكن تعويضها”.
ويشير الشافعي إلى أن طبيعة الأراضي في الموقع الحالي، وهي أراضٍ طينية خصبة تمثل بيئة الزراعة التقليدية في مصر، تختلف جذريًا عن الأراضي الصحراوية المقترحة في دهشور، مما قد يؤثر على دقة وملاءمة التجارب الزراعية، مُبينًا أن نقل الأبحاث إلى بيئة مختلفة قد يُفقدها ارتباطها بالواقع الزراعي في وادي النيل، حيث تُزرع معظم المحاصيل الاستراتيجية، ومعتبرًا أن تطوير المؤسسات يجب أن يتم بالحفاظ على أصولها وتعزيزها، لا بتفكيكها ونقلها إلى بيئات غير مهيأة.
بدوره يرى الدكتور محمود إبراهيم عبد المحسن، الأستاذ المتفرغ بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية بمركز البحوث الزراعية، ضرورة بقاء المركز في موقعه الحالي، نظرًا لقربه من كلية الزراعة، ما يخلق بيئة مناسبة للبحث والتطبيق، معتبرًا أن النقل يُمثّل، – في تقديره-، تدميرًا للبحث العلمي، وأن نقل الباحثين إلى موقع غير مجهز سيؤدي إلى تعطيل العمل البحثي.
ويوضح أن طبيعة الأراضي في دهشور تختلف جذريًا عن الأراضي في الموقع الحالي للمركز، كونها أراضي صحراوية حديثة تحتاج إلى سنوات طويلة من التأهيل قبل أن تصبح صالحة لإجراء تجارب بحثية دقيقة، مؤكدًا أن البحث الزراعي يعتمد على خصائص بيئية محددة، ولا يمكن نقله ببساطة إلى أرض جديدة دون خسائر علمية كبيرة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “في الوقت الذي تحظر فيه الدولة البناء على الأراضي الزراعية، كيف يتم التفكير في استغلال أراضٍ بحثية زراعية لبناء مشروعات عمرانية؟.. المركز يُعد صرحًا علميًا متكاملًا، يضم معامل متطورة وأراضي تجارب زراعية ذات طبيعة خاصة، جرى استصلاحها والعمل عليها عبر عقود طويلة، وهي بيئة بحثية متراكمة الخبرة، لا يمكن تعويضها بسهولة “.
ويشدد على أن الطفرات التي شهدتها إنتاجية المحاصيل في مصر خلال العقود الماضية جاءت نتيجة مباشرة لجهود البحث العلمي داخل المركز، موضحًا أن زيادة إنتاجية القمح والذرة والأرز لم تكن لتتحقق لولا برامج التحسين والاستنباط التي يقودها الباحثون، معتبرًا أن الحفاظ على المركز وتطويره يمثل ضرورة لضمان استدامة الإنتاج الزراعي ودعم الأمن الغذائي في البلاد.
من الخبز إلى الأرض… مستقبل مصر يمدّ جذوره في كل ما يُزرع ويُؤكل

غياب الحوار المجتمعي والنقاش البرلماني
قرار رئيس الجمهورية بشأن إعادة تخصيص 5 قطع من الأراضي التابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، بمحافظة الجيزة، من ولاية مركز البحوث الزراعية، لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ليس الأول من نوعه أو الأخير؛ إذ سبقه قرار رئاسي عام 2023 بتخصيص مساحة 42898٫16 فدان تقريبًا مملوكة للدولة، ناحية محافظتي السويس والإسماعيلية، لصالح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية لاستخدامها في أنشطة الاستصلاح والاستزراع.
وشهد العام 2024، صدور القرار الجمهوري رقم 285، بتخصيص قطعتا أرض من المساحات المملوكة للدولة ملكية خاصة، لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وخلال العام نفسه توالت القرارات الجمهورية بتخصيص أراضٍ مملوكة للدولة ونقلها لملكية الجهاز، أبرزها: القرارين رقم 338 لسنة 2024 بتخصيص مساحة 138 فدان، رقم 339 بتخصيص 3580 فدان من أراضي الدولة في البحيرة.
وفي أبريل من العام نفسه وافق مجلس الوزراء على مشروع قرار رئيس الجمهورية، بإزالة صفة النفع العام عن مساحة 12.13 فدان بناحية طريق شطا ـ دمياط بمركز دمياط، وإعادة تخصيصها لصالح الجهاز، لاستخدامها في إقامة مشروع مجزر آلي متطور ومحجر صحي.
وفي يناير 2026، أعاد مجلس الوزراء فتح ملف تخصيص أراضي الدولة لصالح جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، بعد موافقته على مشروع قرار رئاسي بإعادة تخصيص مساحات واسعة من الأراضي المملوكة للدولة لاستخدامها في مشروعات تنموية، وإثر ذلك نُقلت مساحات أراضي زراعية تصل إلى 606 آلاف فدان في محافظة البحيرة من تصرف الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية لصالح تصرف جهاز مستقبل مصر.
وبالتزامن أعيد تخصيص مساحات من الأراضي المملوكة للدولة بمحافظة مطروح لغرض مشروعات تنموية، وإقرار التصرفات القانونية السابقة داخل كردون العلمين وامتدادها، وإيقاف أي تصرفات جديدة، مع تشكيل لجان لحصر الأوضاع والتعاقدات، استنادًا القرار الجمهوري رقم 76 لسنة 2020، غير أن هذه القرارات، فجّرت نزاعات مع ملاك أراضٍ كانوا قد اشتروها عبر مزادات رسمية منذ ما يقرب من عقدين.
كذلك وافق المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة، على نقل ولاية 32 قطعة أرض لصالح جهاز مستقبل مصر، في محافظات أسيوط، والبحر الأحمر، والوادي الجديد، وبني سويف، ومطروح، والغربية، بجانب 14 قطعة أرض في محافظة البحيرة.
وفي فبراير من العام الجاري أصدرت الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية قرارًا بنقل صلاحيات التعامل على مساحات شاسعة من الأراضي في منطقتي شرق القناة وجنوب بورسعيد إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، استنادًا للكتاب الدوري رقم 1002 الصادر في 24 ديسمبر 2025.
وفي السياق تبدي النائبة سناء السعيد، عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي، رفضها لفكرة نقل مركز البحوث الزراعية، كونها خطوة تثير مخاوف جدية تتعلق بمستقبل البحث العلمي والإنتاج الزراعي في مصر، محذرة من تداعيات أي تجريف لمساحات زراعية خصبة وتحويلها إلى مشروعات عقارية، مؤكدة أن ذلك يتناقض مع السياسات المعلنة للدولة بشأن حماية الرقعة الزراعية وزيادة الإنتاج.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “نحن نجرم التعدي على الأراضي الزراعية، فكيف يمكن التفكير في تحويل نحو 70 فدانًا من أراضٍ منتجة إلى استخدامات غير زراعية؟.. هذه الخطوة تمثل إهدارًا لثروة زراعية قائمة، خاصة في وقت تسعى فيه الدولة إلى تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد”، مشددة على ضرورة الحفاظ على الأراضي الزراعية واستغلالها بالشكل الأمثل.
وتوضح أن مركز البحوث الزراعية يمثل منظومة بحثية متكاملة قائمة منذ عقود، وأن أي محاولة لنقله دون دراسة كافية قد تؤثر سلبًا على نتائج الأبحاث الزراعية، خاصة في ظل اختلاف طبيعة التربة بين الموقع الحالي والأراضي المقترحة للنقل، مشيرة إلى أن ملاءمة التربة عنصر أساسي في نجاح التجارب البحثية، ولا يمكن تجاهله.
وتضيف: “نقل العاملين والباحثين إلى موقع أبعد سيشكل عبئًا إضافيًا عليهم، سواء من حيث تكاليف الانتقال أو الوقت والجهد، وهو ما قد ينعكس بدوره على كفاءة العمل البحثي”، متسائلة عن جدوى اتخاذ مثل هذا القرار في ظل قيام المركز بدوره بالفعل، مضيفة: “بدلًا من تطوير المؤسسات القائمة، لماذا نتجه إلى تفكيكها أو نقلها دون وضوح في الأهداف؟”.
كما تنتقد غياب الحوار المجتمعي والنقاش البرلماني حول مثل هذه القرارات، مؤكدة أن “اتخاذ قرارات بهذا الحجم دون إشراك المعنيين أو عرضها للنقاش يعكس خللًا في آليات صنع القرار، وأن القرارات التي تُتخذ دون دراسة كافية أو تشاور واسع قد تكون لها «تداعيات سلبية على المدى الطويل”، داعية إلى الحفاظ على المؤسسات البحثية والأراضي الزراعية ومستقبل الزراعة في مصر.
نوصي للقراءة: من الحقل إلى الهامش: كيف تُعيد السياسات الزراعية في مصر تأنيث الفقر؟

العقارات مقابل البحوث الزراعية
مخاوف الباحثين والزراعيين بشأن إحتمالية تبوير الأراضي الزراعية التابعة للمركز والتي انتقلت ملكيتها لجهاز مستقبل مصر، لا تأتي من فراغ؛ إذ سبقها تبوير مئات الآلاف من الأفدنة من أجود الأراضي الزراعية، تضم محطات بحثية تابعة لمركز البحوث الزراعية، منها: بهتيم وكفر حمام، لصالح مشروعات الإسكان الاجتماعي، بحسب بيان تقدم به النائب البرلماني وأمين عام حزب مستقبل وطن، محمد عبدالله زين الدين، إلى الحكومة، في مارس 2021.
من جهته يعتبر الخبير الاقتصادي، إلهامي الميرغني، أن ما يجري يعكس فلسفة مقلقة في إدارة ملف التعليم والبحث العلمي، تقوم على إنشاء مؤسسات تعليمية أو بحثية دون استكمال مقوماتها الأساسية، مثل كليات طب بلا مستشفيات جامعية، أو كليات علوم بلا معامل، أو كليات زراعة دون مزارع تجريبية، موضحًا أن المزارع البحثية تمثل ركيزة أساسية لتطوير الإنتاج الزراعي، من خلال استنباط سلالات جديدة ومقاومة الأمراض والآفات، بينما غياب هذه البنية التطبيقية يحول البحث العلمي إلى نشاط نظري غير قادر على تحقيق مردود حقيقي على الأرض.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “ما يحدث ليس معزولًا، مستشهدًا بحالات سابقة جرى فيها تحويل أراضٍ زراعية خصبة إلى مشروعات عمرانية، ذلك يعكس اتجاهًا نحو إهدار الأراضي الزراعية في الدلتا وتحويلها إلى كتل خرسانية، رغم قيمتها الإنتاجية العالية”.
ويضيف أن الاستحواذ على أراضي مركز البحوث الزراعية يمثل ضربة كبيرة للتنمية الزراعية، لأنه ينتزع من المركز أهم أدوات عمله، وهي الأرض التي تُجرى عليها التجارب، محذرًا من أن تحويل هذه الأراضي إلى استخدامات غير زراعية سيؤدي إلى إضعاف البحث التطبيقي.
ويؤكد أن التعامل مع هذه الأراضي بعقلية استثمارية قصيرة المدى، تركز على العائد العقاري، يتجاهل القيمة الاستراتيجية للبحث العلمي الزراعي، مشيرًا إلى أن تحويل البحوث التطبيقية إلى بحوث مكتبية سيؤثر سلبًا على تطوير الزراعة، ومشددًا على أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد على الخارج في توفير الغذاء، بدلًا من تعزيز القدرات المحلية، وهو ما ينعكس سلبًا على مسار التنمية الزراعية في مصر.
فيما يعتبر زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس أمناء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أن ما يُثار حول نقل أراضٍ تابعة لمركز البحوث الزراعية واستخدامها في مشروعات عقارية، تعكس اتجاه مقلق نحو تغليب النشاط العقاري على حساب الإنتاج والبحث العلمي.
ويؤكد أن تحويل أصول بحثية وإنتاجية إلى استثمارات عقارية يمثل تجريفًا للقوى المنتجة في الاقتصاد، إذ أن الدول لا تحقق التنمية المستدامة من خلال التوسع في البناء، بل عبر دعم القطاعات الإنتاجية وتعزيز البحث العلمي.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “ما يحدث يعكس اختلالًا في أولويات الاقتصاد، حيث يتم توجيه الموارد بشكل متزايد نحو العقارات، بدلًا من الاستثمار في العلم والإنتاج، والاعتماد المفرط على النشاط العقاري كقاطرة للنمو يمثل نموذجًا اقتصاديًا ضعيف الكفاءة، لاسيما أن جزءًا كبيرًا من المشروعات العقارية القائمة يعاني من ضعف الإشغال، في ظل وجود ملايين الوحدات السكنية غير المستغلة، ما يطرح تساؤلات حول جدوى التوسع في هذا النمط من الاستثمار”.
ويعتبر أن المساس بمؤسسات بحثية عريقة وإضعاف البحث العلمي أو استبداله بأنشطة غير إنتاجية ستكون له تداعيات سلبية عميقة على مستقبل الاقتصاد في مصر، منتقدًا ما وصفه بتوسع أدوار بعض الجهات في إدارة أصول وأنشطة اقتصادية، والذي قد يؤدي إلى تداخل في الاختصاصات وفوضى إدارية، مشيرًا إلى أن غياب الوضوح في توزيع الأدوار يطرح تحديات تتعلق بالكفاءة والشفافية وإمكانية الرقابة والمساءلة.
وبينما تتسارع القرارات بإعادة تخصيص الأراضي لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، يظل مستقبل واحدة من أقدم المراكز العلمية في مصر معلقًا، ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحقيق التنمية دون الحفاظ على أدواتها الأساسية، وعلى رأسها العلم والإنتاج الزراعي؟