عادت قضية الأمن المائي في مصر إلى الواجهة بقوة خلال الأسابيع الأخيرة، بعد ظهور أولى المؤشرات العملية لتأثيرات التشغيل الأحادي لسد النهضة الإثيوبي، في انحسار مياه النيل بعدة مناطق في السودان، وذلك بالتوازي مع تحذيرات من موسم أمطار إثيوبي أقل من المتوسط قد يدخل البلاد في واحدة من أخطر “السنين العجاف” منذ عقود.
وتشير توقعات منظمة “إيغاد” (IGAD) للتنبؤ المناخي في شرق أفريقيا إلى أن موسم الأمطار الإثيوبي (يوليو-أكتوبر 2026) سيكون أقل من المتوسط، مما يؤثر مباشرة على النيل الأزرق الذي يمد نهر النيل بما بين 81% و85% من إيراده السنوي، فيما تلعب ظاهرة “النينو” الساخنة دورًا في تجفيف الهواء فوق القرن الأفريقي، مما يقلل الأمطار على الهضبة الإثيوبية، وبالإضافة إلى ذلك، يشهد نهر النيل دورات طبيعية متكررة كل 20 سنة تقريبًا (7 سمان، 7 عجاف، 6 متوسط)، وهناك مؤشرات قوية على أن 2026 يدخل ضمن “السنين العجاف”.
من جانبها، أكدت وزارة الموارد المائية والري المصرية أن التغييرات المفاجئة في تصريفات سد النهضة دون تنسيق مسبق مع السودان تسببت في انخفاض مناسيب المياه ببعض المناطق، وقال المهندس سامح عبدالرحمن، نائب رئيس قطاع مياه النيل بالوزارة، في تصريحات صحفية، إن الجانب الإثيوبي غيّر بصورة مفاجئة نمط تشغيل السد وخفّض كميات المياه المنصرفة دون تنسيق مسبق مع السودان أو مصر، بعد أن كانت التصريفات في بداية موسم الفيضان تسير وفق المعدلات المتوقعة، وهو ما أدى إلى اضطراب تشغيل الخزانات السودانية وانخفاض المياه في بعض المناطق الواقعة بين خزان سنار ومحطة مياه الخرطوم.
وفي النصف الثاني من يوليو الماضي، غيّر الجانب الإثيوبي نمط التشغيل وخفض كميات المياه المنصرفة من السد بشكل حاد دون إخطار، مما أدى إلى انخفاض الوارد المائي إلى الخزانات السودانية، وقبل ذلك كان السد يعمل بستة توربينات فقط من أصل 13، بطاقة لا تتجاوز 50% من قدرته القصوى، مما أثر على انتظام التدفق.
ولا يوجد حتى الآن اتفاق قانوني ملزم بين مصر وإثيوبيا والسودان ينظم طريقة تشغيل السد في سنوات الجفاف، مما يجعل دول المصب عرضة لصدمات مفاجئة في التصريفات، كما حدث في أواخر أغسطس 2025 عندما انخفضت التصريفات إلى 111 مليون متر مكعب يوميًا، ثم قفزت فجأة إلى 750 مليون متر مكعب في سبتمبر، مما تسبب في فيضانات مفاجئة في السودان.
نوصي للقراءة: من “التمويل الغبي” إلى وعود بالحل… لماذا يتحدث ترامب عن سد النهضة الآن؟

هل بدأت السنوات العجاف؟
في حين يرى الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، والخبير بالجمعية العمومية لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، أن انخفاض منسوب المياه في السودان كان مرتبطًا بواقعة مؤقتة، موضحًا أن المياه عادت لاحقًا إلى مستوياتها الطبيعية، إلا أن ذلك لا ينفي، بحد قوله، أن العام الجاري يحمل مؤشرات مقلقة بشأن موسم الفيضان.
ويشير “نور الدين” في حديثه لـ”زاوية ثالثة” إلى أن عام 2026 يُعد، وفق المؤشرات المناخية، من “السنوات العجاف”، نتيجة انخفاض معدلات الأمطار على الهضبة الإثيوبية، وهو ما سينعكس على حجم الفيضان القادم عبر النيل الأزرق، موضحًا أن التدفقات المعتادة البالغة نحو 50 مليار متر مكعب قد تنخفض هذا العام إلى ما بين 25 و30 مليار متر مكعب فقط.
ويضيف أن الأزمة لا ترتبط بضعف الأمطار وحده، وإنما أيضًا بطريقة إدارة إثيوبيا لسد النهضة، موضحًا أن أديس أبابا تسعى، إلى استكمال تعويض النقص الذي تعرض له مخزون بحيرة السد خلال العام الماضي قبل السماح بمرور المياه إلى السودان ومصر. ويؤكد أن القواعد المنظمة لإدارة الأنهار الدولية تقتضي تبادل البيانات بين الدول، وأنه في سنوات الفيضان الشحيح يجب إعطاء الأولوية لتمرير المياه إلى دولتي المصب قبل استخدامها في توليد الكهرباء، معتبرًا أن هذه النقطة تمثل جوهر الأزمة الحالية.
وحول انعكاسات تراجع إيراد النيل الأزرق على الوضع المائي في مصر، يوضح “نور الدين” أن المواطنين لن يشعروا بانخفاض مباشر في منسوب نهر النيل أو نقص في مياه الشرب أو الري، لأن المياه الواردة من النيل لا تدخل مباشرة إلى مجرى النهر داخل مصر، وإنما تُخزن أولًا في بحيرة ناصر خلف السد العالي، ثم تُصرف منها يوميًا وفق احتياجات قطاعات الزراعة والصناعة والاستهلاك المنزلي والاحتياجات البيئية، من خلال إدارة وزارة الموارد المائية والري، مع زيادة التصرفات خلال فصل الصيف وانخفاضها شتاءً وفق طبيعة الاستخدامات.
ويشير إلى أن التأثير الحقيقي للفيضان الضعيف لن يظهر في مجرى النهر داخل مصر، وإنما في حجم المخزون الاستراتيجي ببحيرة ناصر، مؤكدًا أن الدولة تمتلك احتياطيًا مائيًا يكفي -بحسب تقديره- لنحو خمس سنوات على الأقل، وهو ما يوفر هامشًا للتعامل مع سنوات الجفاف. ويستشهد بتجربة سابقة خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، قائلًا إن المخزون الاستراتيجي آنذاك كان كافيًا للتعامل مع سبع سنوات عجاف، وهو ما يجعل أثر الموسم الحالي، في حال استمر، مقتصرًا على استنزاف جزء من المخزون، وليس على وصول المياه إلى المواطنين.
ويضيف أن “السنوات العجاف” لا تأتي بالضرورة بصورة متتالية، إذ قد يعقب الموسم الحالي موسم مطير يعوض جزءًا من العجز، موضحًا أن الدورات الطبيعية لإيراد النيل تشهد، في المتوسط، سبع سنوات مرتفعة الإيراد، وسبع سنوات منخفضة، وست سنوات متوسطة، وهو ما يجعل تكرار سنوات الجفاف المتتالية أمرًا غير حتمي.
من جانبه يقول الدكتور علاء النهري، نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة، لـ”زاوية ثالثة” إن تراجع الإيراد المائي القادم من الهضبة الإثيوبية لا يمكن فصله عن الطبيعة الدورية لمناخ المنطقة، موضحًا أن منابع النيل تشهد دورات من الجفاف أو ما يُعرف بـ”السنوات العجاف” تتكرر، بحسب تقديره، كل نحو عشرين عامًا، وهو ما يجعل انخفاض معدلات الأمطار أمرًا متوقعًا من الناحية المناخية.
ويشير “النهري” إلى أن وجود سد النهضة غيّر طبيعة التعامل مع هذه الدورات الطبيعية، موضحًا أن السد يجعل إثيوبيا أكثر قدرة على التحكم في كميات المياه المنصرفة إلى دولتي المصب، مضيفًا أن أديس أبابا تسعى إلى الاحتفاظ بالمياه داخل الخزان للحفاظ على امتلائه بصورة دائمة، وهو ما ينعكس على كميات المياه الواصلة إلى السودان ومصر.
ويضيف أن خطورة السد لا تقتصر على مصر والسودان، وإنما تمتد أيضًا إلى إثيوبيا نفسها في سنوات الجفاف، مستشهدًا بحالات جفاف سابقة شهدتها البلاد وتسببت، بحسب قوله، في نفوق أعداد كبيرة من الماشية.
ويعتبر “النهري” أن التراجع الحالي في التصريفات لا يتسق مع المؤشرات المناخية المرتبطة بظاهرة “النينو”، موضحًا أن تأثيرات الظاهرة خلال العام الجاري كانت تشير إلى زيادة معدلات الأمطار في منطقة القرن الأفريقي، وليس انخفاضها، وهو ما يدفعه إلى ترجيح أن إدارة إثيوبيا لتصريفات السد تمثل عاملًا رئيسيًا في انخفاض كميات المياه الواردة إلى السودان ومصر خلال الفترة الحالية.
وحول انعكاسات ذلك على الوضع المائي في مصر، يؤكد النهري أن البلاد تعاني بالفعل من عجز مائي قائم، إلا أن بحيرة ناصر قادرة، في الوقت الراهن، على تعويض جانب من أي نقص في الإيرادات المائية. لكنه يشدد على أن الحل الحقيقي لا يكمن في الاعتماد على المخزون الاستراتيجي وحده، وإنما في التوصل إلى اتفاق يضمن التزام إثيوبيا بتمرير كميات كافية من المياه، حتى خلال سنوات الجفاف، باعتبار أن ذلك يمثل حقًا لدولتي المصب.

العجز المائي الحالي: 54 مليار متر مكعب
تواجه مصر حاليًا عجزًا مائيًا هيكليًا ضخمًا، إذ تشير إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الموارد المائية والري إلى أن العجز المائي في مصر يبلغ نحو 54 مليار متر مكعب سنويًا، وتبلغ الحاجة الفعلية لمصر 114 مليار متر مكعب، بينما لا يتجاوز المتاح 80 مليار متر مكعب، تشمل 55.5 مليار متر مكعب من حصة النيل التاريخية بحسب اتفاقية 1959، و2.4 مليار متر مكعب من المياه الجوفية، و0.4 مليار متر مكعب من التحلية، و1.3 مليار متر مكعب من الأمطار.
وتسدد مصر هذه الفجوة الهائلة عبر مصدرين رئيسيين: إعادة استخدام المياه (21.6 مليار متر مكعب سنويًا من الصرف الزراعي المعالج)، واستيراد المحاصيل الزراعية في شكل “مياه افتراضية” (34 مليار متر مكعب سنويًا)، بالإضافة إلى سحب جائر من المياه الجوفية العميقة (3-4 مليار متر مكعب سنويًا) وهو حل غير مستدام بيئيًا.
وقد انخفض نصيب الفرد المصري من المياه من حوالي 2053 مترًا مكعبًا سنويًا في عام 1960 إلى أقل من 570 مترًا مكعبًا في 2018، ومن المتوقع أن ينخفض إلى حوالي 500 متر مكعب، وهو رقم دون حد الفقر المائي الدولي (1000 متر مكعب للفرد سنويًا)، وأقل بكثير من حد الندرة المائية (500 متر مكعب).
وأصدرت جامعة القاهرة في يونيو 2025 دراسة نشرت في “المجلة المصرية للاقتصاد الزراعي” قدمت أربعة سيناريوهات للميزان المائي المصري حتى عام 2050، وفي أسوأ السيناريوهات (السيناريو الكارثي)، الذي يجمع بين النمو السكاني والتغيرات المناخية وتشغيل سد النهضة الكامل وعدم استخدام الصرف المعالج، قد يصل العجز المائي إلى ما بين 110 و120 مليار متر مكعب سنويًا بحلول 2050.
أما تقرير البنك الدولي الصادر في 2025، فقد حذر من وصول مصر إلى حد “الندرة الشديدة” في المياه بحلول عام 2033، أي خلال 9 سنوات من الآن، وبحلول 2037، قد ينخفض نصيب الفرد إلى 242 لترًا فقط يوميًا للشرب، وهو ما يعادل 88 مترًا مكعبًا سنويًا للشرب فقط. وبحلول 2050، يتوقع تقرير حكومي مصري أن ينخفض نصيب الفرد إلى 390 مترًا مكعبًا سنويًا فقط.
تتوقع دراسة أجرتها الهيئة المصرية العامة للبيئة (EEAA) في 2022 أن التغير المناخي قد يقلل إيراد النيل بنسبة تتراوح بين 5% و20% بحلول عام 2030، بينما تتوقع دراسة أخرى لجامعة جنوب كاليفورنيا انخفاضًا بنسبة 6% في المتوسط بحلول 2060. وفي أسوأ السيناريوهات (سنوات الجفاف الحاد)، قد ينخفض إيراد النيل بنسبة 31% بحلول عام 2100، بل وتصل بعض الدراسات إلى توقعات بانخفاض يصل إلى 70% في سيناريوهات متطرفة.
وحتى مع عدم استخدام إثيوبيا لأي قطرة مياه لأغراض الري، فإن سد النهضة يتسبب في فواقد مائية كبيرة لمصر بسبب طبيعة البحيرة الصناعية العملاقة التي تكونت خلفه، إذ تشير الدراسات إلى أن فواقد التبخر من البحيرة تبلغ حوالي 3.8 مليار متر مكعب سنويًا (بنسبة 6.5% إلى 8.7% من الإيراد)، بينما تصل فواقد التسرب الجوفي تحت السد إلى ما بين 10 و15 مليار متر مكعب سنويًا (بنسبة 17% إلى 24%)، وبإجمالي الفواقد السنوية التي تتراوح بين 12 و18 مليار متر مكعب، يكون سد النهضة قد قلل حصة مصر من النيل بنسبة تتراوح بين 15% و22% سنويًا.

تأثير مباشر على الكهرباء
يُعد السد العالي في أسوان أكبر محطة كهرومائية في إفريقيا بقدرة 2100 ميجاوات، وفق بيانات وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة. غير أن الدراسات العلمية تحذر من أن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة سيؤديان إلى زيادة معدلات تبخر مياه النيل، مما يقلل من تدفقات النهر بنسبة قد تتجاوز 0.5%. وتشير التقديرات إلى أن معدلات البخر الحالية في خزان أسوان تصل بالفعل إلى نحو 10%.
ومع تصاعد درجات الحرارة وتزامن ذلك مع تطبيق خطط حكومية لترشيد استهلاك الطاقة وتخفيف الأحمال، تزداد حاجة المواطنين للمياه النظيفة، مما يفرض ضرورة إعادة النظر في حصة مصر المائية، خاصة في ظل الضغط المتزايد على الموارد.
تتوقع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أن ترتفع درجات الحرارة في بعض مناطق مصر ما بين 1.8 و3.6 درجات مئوية خلال القرن الحالي. هذا الارتفاع سيضاعف الحاجة لاستهلاك المياه في الزراعة مع زيادة معدلات التبخر في نهر النيل وشبكات الري، بينما من المتوقع ألا يتواكب العرض مع الطلب، ما يهدد بانعدام الأمن المائي وحدوث أزمة اقتصادية خانقة.
ومنذ بدء إثيوبيا بناء سد النهضة في عام 2011، تعتبر مصر المشروع تهديدًا حقيقيًا لأمنها المائي. وفي السنوات الأخيرة، حرصت القاهرة على إبراز التكلفة الاقتصادية الكارثية لملء وتشغيل السد من طرف واحد. ووفق تقديرات رسمية، فإن نقصان مليار متر مكعب فقط من حصة مصر من مياه النيل قد يؤدي إلى فقدان 290 ألف وظيفة، وتدهور إنتاجية 130 ألف هكتار، وزيادة واردات الغذاء بنحو 150 مليون دولار، إضافة إلى خسارة 430 مليون دولار من عوائد الإنتاج الزراعي، بحسب ما تم تقديمه أمام مجلس الأمن الدولي.
يؤكد التقرير الوطني الثالث المقدم إلى لجنة الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أن موارد المياه العذبة والزراعة هما أكثر القطاعات عرضة لتداعيات التغير المناخي في مصر، سواء نتيجة ارتفاع درجات الحرارة أو تناقص كميات الأمطار. ولتقليل استهلاك المياه، خفضت الحكومة المصرية بالفعل المساحة المزروعة بالأرز من 1.76 مليون فدان إلى 750 ألف فدان، في خطوة تستهدف توفير نحو 3 مليارات متر مكعب من المياه سنويًا.
لكن التحديات تظل ماثلة؛ إذ تتوقع الدراسات أن تنخفض المساحة الزراعية في صعيد مصر بنسبة تصل إلى 29.47%، وفي دلتا النيل، سلة غذاء مصر، بنسبة 23.03%. وسيؤدي هذا التراجع، إلى جانب تدهور إنتاج الأرز والمحاصيل الأساسية الأخرى مثل الفاكهة والخضروات، إلى تهديد الأمن الغذائي ورفع أسعار الغذاء، ما ينذر بمخاطر اقتصادية واجتماعية كبيرة، لا سيما وأن الزراعة تمثل نحو 23% من سوق العمل في مصر.
من المتوقع فقدان ما بين 1.8 و6.75 مليون فدان من الأراضي الزراعية (بنسبة 18% إلى 67% من إجمالي 10 ملايين فدان)، مع خسارة في الناتج المحلي الزراعي تتراوح بين 10 و51 مليار دولار، حسب سيناريو ملء السد. ومن المتوقع انخفاض الإنتاج الغذائي بنسبة 5.7% بحلول 2050، وهي نسبة أعلى من المتوسط العالمي البالغ 4.4%.
في سوق العمل، يعمل في القطاع الزراعي 5.5 مليون عامل من إجمالي 28.8 مليون عامل في مصر، وقد يؤدي فقدان الأراضي الزراعية إلى فقدان 4.75 مليون وظيفة في أسوأ السيناريوهات، مما يرفع نسبة البطالة من 11% حاليًا إلى ما بين 25% و34%.
نوصي للقراءة: أزمة المياه تتفاقم في مصر: انقطاعات متكررة وارتفاع في الأسعار

هل نعول على المفاوضات مجددًا؟
وفي خضم الجدل المتجدد بشأن انخفاض التصريفات المائية، جددت إثيوبيا تمسكها بموقفها التقليدي من سد النهضة، ودعت مصر إلى استئناف المفاوضات، وقال وزير المياه والطاقة الإثيوبي، المهندس هبتامو إتيفا، إن بلاده تدعو القاهرة إلى الانخراط في مفاوضات “ضمن أطر مشتركة” تحقق مصالح جميع الأطراف، بدلاً من توجيه ما وصفه بـ”اتهامات غير المستندة إلى حقائق” بشأن السد.
وفي تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (فانا)، وصف إتيفا سد النهضة بأنه مشروع تنموي ورمز للتعاون الأفريقي، مؤكدًا أنه أُنشئ لتلبية احتياجات إثيوبيا المتزايدة من الكهرباء، وليس للإضرار بدولتي المصب، نافيًا أن يكون السد مصدر تهديد لمصر أو السودان، معتبرًا أنه أسهم في الحد من مخاطر الفيضانات، فضلًا عن دعم التكامل الإقليمي من خلال تصدير الكهرباء إلى عدد من دول الجوار، بينها السودان وجيبوتي وكينيا.
ورفض الوزير الإثيوبي الاتهامات المصرية التي تربط انخفاض التصريفات أو تراجع مناسيب المياه بعمليات تشغيل سد النهضة، واصفًا تلك الاتهامات بأنها “غير مقبولة”.
وفي يونيو الماضي، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعداد بلاده للعودة إلى لعب دور الوسيط بين مصر وإثيوبيا لحل أزمة سد النهضة، وسط تأكيدات مصرية رسمية على عدم وجود مستجدات حول وساطة فعلية، وشددت وزارة الري المصرية على ضرورة استناد أي مسار تفاوضي لضمان الحقوق المائية لمصر.
يرى السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن أي حديث عن استئناف المفاوضات بين مصر وإثيوبيا لا يمكن تقييمه بمعزل عن الهدف الحقيقي من تلك المفاوضات، موضحًا أن جوهر الخلاف الذي عطل جميع جولات التفاوض السابقة لم يكن متعلقًا بآليات التفاوض بقدر ما كان متعلقًا بطبيعة النتائج المستهدفة منها.
ويشير “حسن” إلى أن مصر تمسكت، على مدار جولات التفاوض السابقة، بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد تشغيل سد النهضة، خاصة فيما يتعلق بكميات المياه المنصرفة خلال فترات الجفاف الممتد والجفاف القصير ومواسم الفيضانات المرتفعة، بينما كانت إثيوبيا -بحسب قوله- تفضل الاكتفاء بإصدار إعلان أو بيان سياسي، دون الالتزام باتفاق قانوني ملزم ينظم إدارة السد.
ويضيف أن هذا التباين في الأهداف هو ما أدخل المفاوضات في “حلقة مفرغة”، دفعت القاهرة إلى اعتبارها “مفاوضات من أجل المفاوضات”، مشيرًا إلى أنه لم يصدر حتى الآن ما يدل على أن الموقف الإثيوبي قد تغير بصورة جوهرية.
وفي تعليقه على الدعوة الإثيوبية الأخيرة لاستئناف التفاوض، يقول حسن إن دوافع هذه الدعوة لا تزال غير واضحة، متسائلًا عما إذا كانت جاءت استجابة لضغوط أو طلب أمريكي، في ظل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكثر من مرة، استعداده للمساهمة في إعادة إطلاق المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا، أم أنها مجرد دعوة جديدة لا تختلف في مضمونها عن الجولات السابقة.
ويؤكد أن الدخول في جولة تفاوض جديدة لن يكون ذا جدوى ما لم يسبقها اتفاق واضح على أن الهدف النهائي هو التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، يعرض في صورة مشروع اتفاق يناقشه الأطراف الثلاثة. أما العودة إلى مناقشة القضايا نفسها مع تأجيل حسمها إلى مراحل لاحقة، فيرى أنها لن تحقق أي تقدم حقيقي، خاصة أن القضية بالنسبة لمصر ترتبط، بحسب تعبيره، بالأمن المائي وتمثل “قضية حياة أو موت”، بينما تنظر إليها إثيوبيا باعتبارها مشروعًا للتنمية والنهضة الاقتصادية.
وحول الأدوات التي تمتلكها مصر في حال استمرار انخفاض التصريفات المائية، يشير حسن إلى أن تقييم الموقف سيظل مرتبطًا بحجم الأضرار الفعلية التي قد تترتب على تراجع الإيراد المائي، لافتًا إلى أن إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم عام 2015 تضمن نصوصًا تتعلق بالتعامل مع حالات وقوع ضرر جسيم على دولتي المصب.
ويضيف أن الصورة لن تتضح إلا مع متابعة تطورات موسم الفيضان الحالي، موضحًا أن السؤال الأساسي يتمثل في ما إذا كان الانخفاض الحالي سيظل في حدود يمكن تعويضها من خلال مخزون بحيرة ناصر والخزانات المائية الأخرى، أم أنه سيتحول إلى انخفاض حاد يؤثر على الاستخدامات الزراعية والصناعية والاستهلاك اليومي للمياه.
ويلفت حسن إلى أن خبراء الموارد المائية يتحدثون بالفعل عن مؤشرات أولية تدل على انخفاض واضح في معدلات الفيضان هذا العام، إلا أن الحكم على حجم الأزمة ومدى استمرارها يحتاج إلى مراقبة تطورات الموسم خلال الأسابيع التالية، مؤكدًا أن الصورة ستصبح أكثر وضوحًا مع منتصف الشهر، عندما تتبين مستويات الفيضان بصورة أدق.
وفيما يتعلق بإمكانية اللجوء إلى الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، يستبعد حسن أن تمثل الأمم المتحدة المسار الأكثر فاعلية، موضحًا أن المنظمة الدولية درجت على ترك مثل هذه النزاعات المتعلقة بالأنهار الدولية للأطر الإقليمية، في ظل وجود دول كبرى لديها ملفات مائية مماثلة ولا تفضل توسيع دور الأمم المتحدة في هذا النوع من القضايا.
ويرى أن التحرك الأكثر واقعية يظل في إطار المؤسسات الإقليمية الأفريقية، إلى جانب الاستفادة من الدور الأمريكي، باعتبار أن الولايات المتحدة تمتلك قدرًا من التأثير على القيادة الإثيوبية، معربًا عن أمله في أن تسهم المرحلة الحالية، بعد اكتمال بناء السد، في تهيئة ظروف أكثر ملاءمة للتوصل إلى تفاهمات تضمن حقوق جميع الأطراف.
وتعقيبًا على الدعوة الأثيوبية يشير الدكتور نادر نور الدين إلى أن القاهرة لم تعلن حتى الآن موقفها من هذه الدعوة، لافتًا إلى تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث فيها عن دراسة إمكانية إعادة إطلاق المباحثات بين الدول الثلاث، لكنه يؤكد أنه لم يصدر حتى الآن أي قرار رسمي بشأن استئناف المسار التفاوضي.
وفيما يتعلق بدور المؤسسات الدولية، يوضح نور الدين أنها لا تمارس دور الوسيط في النزاعات السياسية، وإنما يقتصر دورها على إصدار البيانات والتنبؤات والتحليلات العلمية. ويشير إلى أن منظمات دولية معنية بالمناخ والمياه سبق أن أصدرت تقديرات بانخفاض معدلات الأمطار على الهضبة الإثيوبية خلال الموسم الحالي، إلا أن الوساطة بين الدول تبقى مسؤولية دول أو قوى دولية، مثل الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا.
ويلفت إلى أن التطورات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب الدائرة في المنطقة، تستحوذ حاليًا على الاهتمام الدولي، وهو ما قد يؤجل أي تحرك فعلي لإحياء مفاوضات سد النهضة إلى حين انحسار تلك الأزمات.
ومن جانبه يبدي الدكتور علاء النهري تشاؤمه من فرص الوصول إلى اتفاق في ظل استمرار رفض إثيوبيا الالتزام باتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل السد، معتبرًا أن التعامل مع هذا الملف يتطلب موقفًا أكثر حزمًا على المستوى السياسي والدبلوماسي. ويقول إن القضية تحتاج إلى “قوة” في إدارة التفاوض، ويدعو إلى تدويل الأزمة بصورة أوسع داخل الأمم المتحدة، معتبرًا أن قواعد القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية تمنح دول المصب حقوقًا يجب احترامها، وأن إقامة السدود على الأنهار المشتركة ينبغي ألا تتم بصورة تضر بحقوق الدول الأخرى. كما يرى أن اتفاق إعلان المبادئ الذي وقعته الدول الثلاث جاء في إطار حسن النية، إلا أن إثيوبيا -بحسب تقديره- استغلته بطريقة مختلفة عما كانت تتوقعه القاهرة.
ويؤكد النهري أن مصر تمتلك، من وجهة نظره، سندًا قانونيًا يسمح بالمطالبة بإلزام إثيوبيا، عبر الأمم المتحدة، بوضع قواعد عادلة لتوزيع المياه بين الدول الثلاث، بما يضمن استمرار تدفق المياه حتى خلال سنوات الجفاف، ويمنع أي طرف من الانفراد بالتحكم في التصريفات المائية.
وفي معرض حديثه عن السيناريو الأسوأ، يشير النهري إلى أن بحيرة ناصر ستظل قادرة على تخفيف آثار أي انخفاض في الإيرادات المائية إلى حد كبير، لكنه يعود ليؤكد أن الاعتماد على المخزون وحده لا يمثل حلًا دائمًا، مجددًا دعوته إلى تدويل القضية، ومعتبرًا أن اللجوء إلى الأمم المتحدة أصبح، في ظل ما وصفه بـ”التعنت الإثيوبي”، خطوة ضرورية لا تحتمل التأجيل.
نوصي للقراءة: نحو تقليص الدعم.. الحكومة ترفع أسعار الكهرباء للمرة الخامسة في خمس سنوات
فشل المفاوضات السابقة
على مدار أربع جولات تفاوضية متتالية، فشلت مصر وإثيوبيا في التوصل إلى أي اتفاق بخصوص أزمة سد النهضة. وفي ديسمبر 2023، أعلنت القاهرة رسميًا فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات التي استمرت أربعة أشهر، مؤكدة أن أديس أبابا استغلت مسار التفاوض كغطاء لفرض سياسة الأمر الواقع، دون مراعاة لمصالح دولتي المصب، مصر والسودان. وأكدت مصر، في بيان رسمي، أنها ستواصل مراقبة كل ما يتعلق بعمليات الملء والتشغيل عن كثب، مع احتفاظها الكامل بحقها في الدفاع عن أمنها المائي.
ويعود أصل الأزمة إلى مارس 2015، حين وقع الرئيس عبد الفتاح السيسي في الخرطوم “إعلان مبادئ” مع إثيوبيا والسودان، وهو اتفاق نصّ على التزام إثيوبيا بمراعاة احتياجات مصر والسودان المائية، وتجنب إلحاق أي أضرار جسيمة بهما خلال بناء وملء سد النهضة على مجرى النيل الأزرق، الرافد الرئيسي لنهر النيل. إلا أن الممارسات الإثيوبية اللاحقة، بحسب القاهرة، خالفت هذا الالتزام.
وفي يونيو 2021، لجأت مصر إلى مجلس الأمن الدولي، في محاولة لحشد موقف دولي يضغط على إثيوبيا لتجميد تحركاتها الأحادية بشأن بناء السد وملئه. غير أن مجلس الأمن اكتفى حينها بحثّ الدول الثلاث على مواصلة التفاوض تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، وهو ما رأت فيه مصر والسودان موقفًا لا يرقى إلى مستوى خطورة التهديد.
تعتبر القاهرة أن قرار إثيوبيا بالشروع في بناء السد عام 2011 كان تجاهلاً صريحًا لحقوق 110 ملايين مصري و46 مليون سوداني يعتمدون على مياه النيل كمصدر شبه وحيد للمياه العذبة. ومنذ ذلك الحين، تحاول مصر دفع أديس أبابا إلى اتفاق عادل ومتوازن، خاصة فيما يتعلق بأكثر بنود النزاع حساسية: جدول ملء خزان السد، وتأثيره المباشر على التدفقات المائية لدولتي المصب.
طالبت مصر بجدول ملء يمتد لسبع سنوات على الأقل، لتجنب حدوث أي عجز حاد في المياه يهدد الأمن الغذائي والاقتصادي لمواطنيها. في المقابل، أصرت إثيوبيا على ملء الخزان خلال ثلاث سنوات فقط، وهو ما نفذته فعليًا خلال الملء الأول والثاني والثالث والرابع الذي تم إعلان اكتماله في سبتمبر 2023، دون اتفاق مع مصر أو السودان.
الخلاف لا يقتصر على نتائج التفاوض، بل يمتد إلى كيفية إدارة المفاوضات نفسها، فبينما تطالب مصر والسودان بتدويل القضية واللجوء لوساطة دولية متعددة الأطراف، تشمل الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تصر إثيوبيا على أن يبقى الاتحاد الأفريقي هو الجهة الوحيدة الراعية للتفاوض، رغم أن جولات الرعاية الأفريقية السابقة لم تُسفر عن أي تقدم ملموس.
وختامًا.. لا تبدو الأزمة التي تواجهها مصر مجرد أزمة موسم مطير ضعيف أو عام استثنائي من “السنوات العجاف”، بل اختبارًا لقدرة الدولة على إدارة موردها المائي في ظل ثلاثة ضغوط متزامنة: تغيرات مناخية تقلص إيراد النيل، وعجز مائي هيكلي يتجاوز 54 مليار متر مكعب سنويًا، واستمرار غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل سد النهضة خلال فترات الجفاف.