نحو تقليص الدعم.. الحكومة ترفع أسعار الكهرباء للمرة الخامسة في خمس سنوات

زيادة 12% على أسعار الكهرباء المنزلية في أول أغسطس 2026 هي الخامسة منذ 2021، جاءت بعد يوم واحد من موافقة صندوق النقد على صرف 1.8 مليار دولار
Picture of رشا عمار

رشا عمار

رفعت الحكومة المصرية، أمس الجمعة، أسعار الكهرباء للاستهلاك المنزلي بمتوسط زيادة ١٢٪؜، وذلك للمرة الثانية خلال العام الجاري، إذ أقرت الحكومة في أبريل الماضي زيادة سعر الاستهلاك التجاري بنسب تراوحت بين 16٪؜ إلى 20٪؜، في ضوء أزمة متفاقمة تتعلق بإمدادات الغاز الطبيعي، المصدر الرئيسي للكهرباء في البلاد، إثر الحرب الإيرانية الأمريكية.

وشملت الزيادة الجديدة غالبية شرائح الاستهلاك المنزلي، فيما أبقت الحكومة على سعر الشريحة الأولى دون تغيير، باعتبارها الشريحة الأكثر استفادة من الدعم والمخصصة لمحدودي الاستهلاك، بحد وصف البيان الرسمي، فيما تراوحت نسب الزيادة في باقي الشرائح بين نحو 11% و12%، في إطار مواصلة الحكومة تنفيذ خطة إعادة هيكلة أسعار الكهرباء، التي تستهدف تقليص فجوة الدعم تدريجيًا وربط أسعار البيع بتكلفة الإنتاج.

 

وتكشف بيانات تطور التعريفة أن الزيادات لم تكن متساوية بين جميع المشتركين، إذ اتجهت الحكومة تدريجيًا إلى تقليص الدعم مع ارتفاع الاستهلاك، ففي حين ارتفع سعر الشريحة الأولى (0-50 كيلوواط/ساعة) من 48 قرشًا في 2021 إلى 68 قرشًا حاليًا، أي بنحو 42%، تضاعفت تقريبًا تكلفة الكهرباء على أصحاب الاستهلاك المرتفع، إذ ارتفع سعر الكيلوواط/ساعة للشريحة التي يزيد استهلاكها على ألف كيلوواط من 1.45 جنيه إلى نحو 2.89 جنيه بعد الزيادة الأخيرة، بزيادة تقارب 99%.

وبدأت الحكومة في تنفيذ سياسة إعادة هيكلة دعم الكهرباء، منذ عام 2014، لكنها تسارعت خلال السنوات الأخيرة بالتوازي مع برنامج الإصلاح الاقتصادي والالتزامات المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي، وتقول الحكومة إن الهدف هو تقليص الفجوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلكين، بينما يرى خبراء أن توالي الزيادات يضيف أعباءً مباشرة على الأسر، فضلًا عن انعكاسه على أسعار السلع والخدمات نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل.

 

نوصي للقراءة: من الغاز إلى قناة السويس: كيف تؤثر الحرب الإيرانية–الإسرائيلية في مصر؟


لماذا الآن؟ 

 أوضحت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، في بيان، أن الزيادة الجديدة تستهدف تحقيق توازن بين تخفيف الأعباء على المواطنين وضمان استدامة منظومة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، مؤكدة أن الدولة ما تزال تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويًا تمثل الفارق بين التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلكين.

وأضافت أن الدعم الموجه للكهرباء يتناقص تدريجيًا كلما ارتفع حجم الاستهلاك، حتى يختفي بالكامل بالنسبة للمشتركين الذين يبلغ استهلاكهم 2000 كيلوواط/ساعة شهريًا، والذين يسددون التكلفة الفعلية كاملة دون أي دعم حكومي.

وجاءت الزيادة الجديدة بعد يوم واحد فقط من إعلان المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي استكمال المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، وهو ما أتاح صرف نحو 1.8 مليار دولار لمصر، تشمل 1.5 مليار دولار ضمن برنامج تسهيل الصندوق الممدد، ونحو 272 مليون دولار ضمن برنامج الصلابة والاستدامة.

ورغم أن صندوق النقد لم يربط رسميًا بين صرف الشريحة الجديدة وقرار زيادة أسعار الكهرباء، فإن وثائق الصندوق تشير إلى أن إصلاح منظومة دعم الطاقة وتعديل أسعار الوقود والكهرباء كانا من بين الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية للتعامل مع الضغوط المالية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع تكلفة واردات الطاقة، معتبرًا أن هذه الإجراءات أسهمت في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.

وفي بيانه بشأن المراجعة السابعة، دعا صندوق النقد الحكومة إلى مواصلة الإصلاحات المالية والهيكلية، وفي مقدمتها تعزيز إدارة الدين العام، وخفض احتياجات التمويل، وتسريع برنامج التخارج من الأصول المملوكة للدولة، إلى جانب تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتحسين بيئة الأعمال لجذب استثمارات القطاع الخاص. كما شدد على استمرار السياسات النقدية والمالية الهادفة إلى احتواء التضخم، مع حماية الفئات الأكثر احتياجًا من آثار الإصلاحات الاقتصادية.

موازنة مصر 2027.. ضرائب أكثر، حماية أقل

تحركات برلمانية

تقدم عدد من نواب البرلمان من بينهم،  فريدي البياضي، ومحمد فؤاد، وإيرين سعيد، وضياء الدين داود وآخرون، بأدوات رقابية سريعة إلى الحكومة ووزارة الكهرباء لتوضيح أسباب القرار مطالبين بضرورة مراعاة البعد الاجتماعي لمثل هذه القرارات، متهمين الحكومة بالاعتماد على رفع الأسعار كحل لمختلف الأزمات الاقتصادية دون مراعاة لتأثير تلك القرارات الصعبة على المواطنين في ضوء أزمات اقتصادية متصاعدة. 

ويقول فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي،  إن الزيادة الأخيرة تمثل الحلقة الخامسة في سلسلة رفع أسعار الكهرباء المنزلية منذ يوليو 2021، والرابعة منذ مطلع عام 2024، مشيرًا إلى أن الحكومة أقرت زيادتين خلال أربعة أشهر فقط في عام 2026، بعد تعديل تعريفة الشرائح الأعلى استهلاكًا في أبريل ثم رفع أسعار معظم الشرائح مجددًا.

ويضيف لـ”زاوية ثالثة” أن تقديم القرار باعتباره زيادة بمتوسط 12% يغفل الارتفاعات التراكمية التي شهدتها التعريفة خلال السنوات الأخيرة، والتي وصلت في بعض الشرائح إلى ما يقارب ضعف الأسعار مقارنة بعام 2021، محذرًا من أن القرار يأتي في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الوقود والنقل والسلع، بما يهدد بمزيد من تآكل القدرة الشرائية للأسر وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويوضح “البياضي” أنه تقدم بسؤال برلماني إلى الحكومة طالب فيه بالكشف عن الأسس التي استندت إليها في احتساب التعريفة الجديدة، بما يشمل التكلفة الفعلية لإنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، ونسب الفاقد الفني والتجاري، وحجم المتأخرات غير المحصلة، والإجراءات التي اتخذتها لخفض تكاليف التشغيل قبل اللجوء إلى رفع الأسعار. 

كذلك طالب الحكومة بتوضيح البدائل التي درستها، وعدد المستفيدين فعليًا من تثبيت الشريحة الأولى، والدراسات التي أعدتها بشأن الأثر الاجتماعي والتضخمي للقرار، وما إذا كانت الزيادة ترتبط بارتفاع مؤقت في تكلفة الوقود أم تمثل تعديلًا دائمًا للتعريفة، داعيًا إلى تجميد تطبيق القرار لحين عرض هذه البيانات على مجلس النواب وإخضاعها للمراجعة.

ومن جانبه، يرى النائب البرلماني والخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن الزيادة الجديدة في أسعار الكهرباء تعود إلى عاملين رئيسيين؛ أولهما سبب مباشر يتمثل في الارتفاع الكبير بتكلفة إنتاج الكهرباء نتيجة زيادة تكلفة الوقود، بعد تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي من نحو 6.9 مليار قدم مكعب يوميًا في ذروة عام 2022 إلى أقل من 3.7 مليار قدم مكعب يوميًا حاليًا، وهو ما دفع الدولة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الغاز المستورد الأعلى تكلفة، ما انعكس مباشرة على تكلفة توليد الكهرباء.

وخلال الأشهر الأخيرة، اضطرت مصر إلى زيادة وارداتها من الغاز المسال لتلبية الطلب المتنامي على الكهرباء، خصوصًا خلال أشهر الصيف، وهو ما رفع تكلفة إنتاج الطاقة. وفي ظل اتساع الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع، واصلت الحكومة سياسة إعادة هيكلة التعريفة بهدف تقليص الدعم الذي تتحمله الموازنة العامة.

أما العامل الثاني، فهو هيكلي ويرتبط بالأوضاع المالية العامة للدولة، إذ يشير فؤاد إلى أن ضيق الحيز المالي للموازنة، مع توجيه نحو 64% من إجمالي الاستخدامات لسداد فوائد وأقساط الدين العام، حدّ من قدرة الحكومة على الاستمرار في تحمل دعم الخدمات الأساسية، لتصبح زيادة الأسعار الخيار الأسرع من الناحية المالية، وإن كان الأقل عدالة من منظور توزيع الأعباء الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، يؤكد فؤاد أن أي زيادة في تعريفة الكهرباء يجب أن تقترن بتحسين ملموس في جودة الخدمة ومستوى الاعتمادية. وفي هذا السياق، تقدم بسؤال برلماني إلى رئيس مجلس الوزراء طالب فيه الحكومة بالإفصاح عن مؤشرات الأداء الفنية المعتمدة دوليًا لقياس كفاءة شبكة الكهرباء، مثل مؤشرات (SAIDI)لمتوسط مدة الانقطاع، و( SAIFI) لمتوسط تكرار الانقطاع، و( CAIDI)، ونشر نتائجها خلال السنوات الخمس الماضية على مستوى شركات التوزيع المختلفة.

 ويدعو البرلماني والخبير الاقتصادي  إلى تقييم مدى انعكاس الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في قطاع الكهرباء على تحسين الخدمة الفعلية، وإصدار تقارير دورية تتيح للبرلمان والرأي العام متابعة الأداء بصورة موضوعية، مؤكدًا أن الشفافية في نشر هذه المؤشرات تمثل المدخل الأساسي للحكم على كفاءة المنظومة والعائد الحقيقي من الاستثمارات، بعيدًا عن التصريحات الإعلامية.

 من أزمة الغاز إلى فاتورة الكهرباء

لا يمكن فصل الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء عن أزمة الغاز الطبيعي التي تواجهها مصر منذ نحو عامين، فعلى الرغم من امتلاك البلاد فائضًا في قدرات إنتاج الكهرباء بعد إنشاء محطات عملاقة، فإن التحدي الرئيسي بات يتمثل في توفير الوقود اللازم لتشغيل تلك المحطات. ويعتمد قطاع الكهرباء في مصر بصورة أساسية على الغاز الطبيعي، ما يجعل أي تراجع في الإنتاج المحلي أو ارتفاع في تكلفة استيراده ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الكهرباء.

وتزامنت الزيادة الجديدة مع استمرار اعتماد الحكومة على استيراد الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات محطات الكهرباء، بعد انخفاض إنتاج بعض الحقول الرئيسية، وفي مقدمتها حقل ظهر، وارتفاع الطلب المحلي، خاصة خلال أشهر الصيف، وأدى ذلك إلى زيادة فاتورة استيراد الوقود، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية وتقلبات سعر الصرف، وهو ما ضاعف الضغوط على موازنة قطاع الكهرباء.

في النصف الأول من عام 2026، ارتفعت فاتورة مصر لاستيراد الوقود إلى 12.5 مليار دولار، منها 4.7 مليار دولار واردات غاز طبيعي، وتمثل واردات الغاز نحو 37.6% من إجمالي فاتورة الوقود خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس الضغط المالي المرتبط بتأمين احتياجات السوق المحلية من الطاقة، خاصة مع استمرار الاعتماد المرتفع على الغاز في توليد الكهرباء.

 

وتفصيلًا شهدت واردات مصر من الغاز المسال ارتفاعًا واضحًا خلال الأشهر الأولى من العام، مع تسجيل زيادات شهرية متتالية في النصف الأول من العام، وبلغت الواردات 0.85 مليون طن في يناير، ثم 0.97 مليون طن في فبراير، و1.10 مليون طن في مارس، قبل أن تستقر عند 0.96 مليون طن في أبريل، ثم ترتفع إلى 1.04 مليون طن في مايو، وتصل إلى 1.33 مليون طن في يونيو. وتعكس هذه الأرقام تصاعد اعتماد السوق المحلية على الاستيراد لتغطية الطلب المتزايد على الطاقة خلال هذه الفترة.

ويُظهر مزيج توليد الكهرباء في مصر هيمنة واضحة للغاز الطبيعي، إذ استحوذ على 82% من إجمالي الكهرباء المولدة، مقابل نسب محدودة لبقية المصادر. وجاءت الطاقة الكهرومائية عند 6.18%، وطاقة الرياح عند 2.96%، والطاقة الشمسية عند 2.42%، بينما سجلت المصادر الأحفورية الأخرى 6.71%، والوقود الحيوي 0.04%. ويؤكد ذلك أن الغاز يظل المصدر الأساسي في منظومة توليد الكهرباء، رغم وجود مساهمات متنامية لكنها ما تزال محدودة من المصادر الأخرى.

الغاز..من الاكتفاء إلى الأزمة

قبل أقل من عقد، كانت مصر تُبشَّر بأنها على وشك أن تصبح قوة إقليمية صاعدة في مجال الطاقة، بعد اكتشاف حقل “ظهر” العملاق في عام 2015، والذي وُصف وقتها بأنه “تحول استراتيجي” في مستقبل البلاد الاقتصادي. ومع بداية الإنتاج في أواخر 2017، اتجهت القاهرة إلى تصدير الفوائض، وعقدت سلسلة من الاتفاقات لتسييل الغاز لصالح دول الجوار، بما في ذلك إسرائيل، التي رأت في البنية التحتية المصرية فرصة ثمينة لتجاوز عوائق التصدير.

لكن هذا المشهد بدأ في التبدل تدريجيًا مع تعقيدات الداخل وتغير معادلة الطاقة إقليميًا. بحلول 2023، بدأ إنتاج “ظهر” في التراجع، نتيجة ما وصفته تقارير فنية بنقص في الضخّ وانخفاض معدلات الاكتشافات الجديدة، مقابل ارتفاع في الطلب المحلي بسبب الزيادة السكانية ونمو الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. في المقابل، كانت إسرائيل تُسرّع خطواتها في تطوير حقولها البحرية، خاصة “ليفياثان” و”تمار”، اللذين أصبحا معًا مركز الثقل في خارطة الغاز الإسرائيلي.

ومع اتفاق 2018 بين شركة “ديليك” الإسرائيلية وشركة “دولفينوس” المصرية الخاصة، بدأت مصر في استيراد الغاز من إسرائيل بهدف إعادة تسييله وتصديره لأوروبا. في حينها، رُوّج للصفقة باعتبارها جزءًا من استراتيجية تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، لكن الواقع أن بعض الكميات كانت تُستخدم لتغطية العجز المحلي، في وقت كان فيه الحديث الرسمي يُركّز فقط على التصدير والربحية.

اليوم، ومع اشتداد أزمة الطاقة داخليًا في مصر، وظهور مؤشرات على انكماش إيرادات التصدير، أعاد الاتفاق الأخير تسليط الضوء على مفارقة لافتة: مصر، التي كانت من أوائل دول المنطقة اكتشافًا للغاز، تجد نفسها مضطرة للاعتماد على الغاز الإسرائيلي لتأمين احتياجاتها الأساسية. أما إسرائيل، فتحولت من مشترٍ للغاز المصري في العقد الماضي إلى المصدر الأساسي له الآن، في قلب علاقة اقتصادية معقّدة تتجاوز الاقتصاد لتدخل في عمق توازنات القوة والسياسة في شرق المتوسط.

تشير الأرقام إلى أن الغاز الطبيعي الإسرائيلي يمثل العمود الفقري لصادرات إسرائيل إلى مصر، بلغت صادرات غاز البترول وحدها 2.13 مليار دولار في عام 2023، ما يعادل 95% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية إلى مصر. وتُعد هذه النسبة انعكاسًا لاعتماد مصر المتزايد على الغاز الإسرائيلي، خاصة في ظل التراجع الملحوظ في الإنتاج المحلي. فقد انخفض إنتاج مصر من الغاز بنسبة 15% بين يناير ويوليو 2024، ما دفع القاهرة إلى تكثيف وارداتها، التي بلغت 4.84 مليار متر مكعب خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بـ4.24 مليار متر مكعب في نفس الفترة من العام السابق.

ويصل حجم إنتاج مصر من الغاز إلى نحو 5 مليارات قدم مكعب حالياً، وتستورد من إسرائيل نحو مليار قدم مكعب يوميا، في حين يتراوح الاستهلاك بين 6.7 إلى 6.8 مليار قدم مكعب يوميا. هذا الاعتماد يتجاوز، وفق مراقبون الجانب الاقتصادي، ليطال الجوانب الاستراتيجية والأمنية، حيث أن صفقة الغاز الموقعة في 2020 بقيمة 15 مليار دولار مع شركات مثل “ديليك دريلينج” و”شيفرون” لم تكن مجرد صفقة طاقة بل جزء من مسار إقليمي أوسع لتعزيز التعاون بين تل أبيب وعدة عواصم عربية.

وقد شهدت البلاد تراجعًا ملحوظًا في إنتاجها المحلي من الغاز الطبيعي خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024، حيث انخفض الإنتاج إلى نحو 30.19 مليار متر مكعب مقارنة بـ35.5 مليار متر مكعب خلال الفترة نفسها من عام 2023، بنسبة تراجع تقارب 15%. يرجع هذا الانخفاض بشكل رئيسي إلى استنزاف الحقول البحرية الكبرى مثل حقل “ظهر” ، إضافة إلى تباطؤ عمليات التنقيب عن حقول جديدة وتأخر مشروعات التطوير المخطط لها، مثل حقل “ريفين”، والتي من المتوقع أن تدخل الخدمة بعد عام 2025.

أظهرت بيانات أكثر تفصيلًا تراجعًا سنويًا في إنتاج الغاز بنسبة 17%، حيث انخفض من 59.29 مليار متر مكعب عام 2023 إلى 49.37 مليار متر مكعب عام 2024. وبلغ التراجع في حوض البحر المتوسط وحده، الذي يمثل 72.8% من الإنتاج المصري، نحو 18%، مما أثر بشكل مباشر على قدرة مصر على تلبية الطلب المحلي. إذ يحتاج السوق المحلي 6.2 مليار قدم مكعب يوميًا، بينما لا يتجاوز الإنتاج 4.6 مليار. أدى ذلك إلى تحول مصر إلى مستورد صافٍ للغاز المسال لأول مرة منذ عام 2018، حيث استوردت 2.8 مليون طن خلال عام 2024، بينما تراجعت صادراتها من الغاز المسال بنسبة 84% إلى 0.54 مليون طن.

ساهم هذا التراجع في تفاقم أزمة انقطاع الكهرباء المتكررة، نظرًا لاعتماد 60% من المزيج الكهربائي المصري على الغاز الطبيعي، لتعويض النقص، زادت مصر اعتمادها على الواردات الإسرائيلية، حيث بلغت الكميات المستوردة من إسرائيل نحو مليار قدم مكعب يوميًا مع توقعات بارتفاعها إلى 1.07 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول يناير 2025. يُتوقع أن يستمر هذا الاتجاه حتى عام 2027، وفقًا للخطط الحالية لسد الفجوة بين العرض والطلب.

هل تمتلك الحكومة حلولًا بديلة؟ 

يقول فريدي البياضي إن الحكومة كان بإمكانها اللجوء إلى بدائل أخرى قبل إقرار زيادة أسعار الكهرباء، لكنها اختارت “الحل الأسهل إداريًا والأكثر كلفة اجتماعيًا”، عبر تحميل المواطنين جانبًا أكبر من فاتورة الكهرباء.أن من بين البدائل التي كان يمكن تنفيذها قبل رفع الأسعار، تقليل الفاقد الفني والتجاري في شبكة الكهرباء، وتحصيل المستحقات المتأخرة على الجهات الحكومية وكبار المشتركين، إلى جانب إعادة النظر في تكلفة التمويل والديون، وتسريع التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، فضلًا عن إخضاع تكلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة لمراجعة مستقلة ومعلنة.

ويشير إلى أنه حتى إذا كانت الزيادة مبررة بارتفاع تكلفة الوقود أو أزمة طارئة في إمدادات الغاز، كان يمكن أن تكون مؤقتة ومقترنة بجدول زمني واضح لانتهائها، مع آلية تلقائية لخفض الأسعار إذا تراجعت تكلفة الإنتاج. كما انتقد أسلوب توجيه الدعم، معتبرًا أن ربطه بحجم الاستهلاك وحده لا يعكس بالضرورة مستوى دخل الأسرة أو قدرتها على تحمل الأعباء.

وبشأن توقيت القرار، يقول البياضي إنه لا يمكن الجزم بأن صندوق النقد الدولي طلب رفع أسعار الكهرباء بالنسبة التي أقرتها الحكومة، لعدم وجود وثيقة رسمية تثبت ذلك، إلا أنه اعتبر أن القرار لا يمكن فصله عن الإطار العام لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع الصندوق، والذي يتضمن إصلاح دعم الطاقة وتقليص الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع.

ويضيف أن استكمال المراجعة السابعة لبرنامج الصندوق في 30 يوليو، ثم إعلان الحكومة زيادة أسعار الكهرباء في اليوم التالي، يجعل الربط بين الحدثين “جديرًا بالتوقف عنده”، حتى وإن لم يكن هناك ما يثبت أن نسبة الزيادة أو توقيتها كانا شرطًا مباشرًا لصرف الشريحة الجديدة من القرض.

ويشدد البياضي على أن المسؤولية النهائية عن القرار تقع على الحكومة، موضحًا أن صندوق النقد يضع إطارًا عامًا للإصلاحات، لكنه لا يحدد قيمة تعريفة الكهرباء أو الشرائح التي تطبق عليها الزيادة، ولا يختار توقيت تنفيذها. وأضاف أن الحكومة هي المسؤولة عن تحديد البدائل الاقتصادية ومستوى الحماية الاجتماعية المصاحب للإصلاحات، لافتًا إلى أن الصندوق نفسه يؤكد في وثائقه ضرورة حماية الفئات الأكثر احتياجًا.

ويتابع البياضي: “قد يطالب صندوق النقد بخفض دعم الطاقة، لكنه لا يفرض أن يكون جيب المواطن هو المصدر الوحيد لتمويل هذا الإصلاح. كانت لدى الحكومة بدائل عديدة، لكنها اختارت الطريق الأسهل بالنسبة لها، والأكثر كلفة بالنسبة للمواطن.” وأضاف أن الأزمات الاقتصادية أو الضغوط المالية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لنقل أعباء الإصلاح إلى المواطنين دون تبني إجراءات موازية تعالج أوجه القصور داخل القطاع نفسه.

تأتي الزيادة الأخيرة ضمن سلسلة متواصلة من قرارات إعادة هيكلة تعريفة الكهرباء بدأت قبل سنوات، وتسارعت خلال الأعوام الأخيرة. فمنذ عام 2021 أقرت الحكومة خمس موجات رئيسية لرفع أسعار الكهرباء المنزلية، كان آخرها قرار يوليو 2026، الذي شمل معظم شرائح الاستهلاك بمتوسط زيادة بلغ 12%، مع الإبقاء على سعر الشريحة الأولى دون تغيير.

وختامًا.. لا تبدو الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء قرارًا معزولًا، بل تأتي في سياق أزمة طاقة ممتدة وضغوط مالية متزايدة تواجهها الدولة، مع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي وارتفاع تكلفة الاستيراد، بالتوازي مع التزامات برنامج الإصلاح الاقتصادي، بينما يظل المواطن وحده من يدفع فاتورة الضغوط الاقتصادية. 

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search