لسنوات، كان يكفي المصري فوق الستين أن يُخرج بطاقة الرقم القومي ويُريها للكمسري ليقطع نصف تذكرة في أتوبيس النقل العام. أما اليوم، فعليه أن يستخرج كارت دفعٍ مسبق، ويشحنه، ويتابع رصيده، ويمرّره على الماكينة مرتين، كي يظفر بالتخفيض نفسه؛ وإلا دفع التذكرة كاملة. هكذا انقلب ما قُدّم بوصفه تخفيضًا إلى عبءٍ جديد على أصحاب المعاشات، الذين تحدّث عددٌ منهم إلى «زاوية ثالثة» عن مفاجأتهم بأنهم صاروا يدفعون أكثر مما كانوا يدفعون.
في منتصف يوليو الماضي، أعلنت هيئة النقل العام بالقاهرة نظامًا جديدًا يُحسب فيه سعر التذكرة بعدد المحطات لحاملي كارت الدفع المسبق. فمن يقطع مسافة قصيرة في أتوبيس عادي يدفع ربع تذكرة بخمسة جنيهات، والنصف بثمانية، والتذكرة الكاملة حتى نهاية الخط بثلاثة عشر جنيهًا؛ أما في الأتوبيسات المكيفة فالكاملة بخمسة وعشرين جنيهًا والنصف بثمانية عشر. ومن يدفع نقدًا فلا تخفيض له، ولو ركب محطة واحدة. الكارت نفسه يُمنح مجانًا بسعرٍ اسميّ ثمانين جنيهًا، تُقسَّط بخصم خمسة جنيهات من كل تذكرة، ويُشحَن عبر تطبيق «طوالي» بخمسين جنيهًا أو داخل الأتوبيسات أو من منافذ معتمدة.
وبحسب تعليمات الهيئة، فإن ضوابط الحصول على التخفيض على الخطوط المكيفة تُلزم حاملي بطاقات المحاربين القدماء وضحايا الحرب ومرافقيهم، والعسكريين، ومن هم فوق الستين، باستخراج كارتٍ مخصص لهذه الفئات من منافذ «طوالي» في محطات العباسية وعبد المنعم رياض وأحمد حلمي والعتبة وقسم الحدائق ومطار القاهرة والتجمع الأول وبولاق الدكرور والمنيب؛ ومن لا يحمل الكارت يدفع التعريفة كاملة. لكن الهيئة عادت ونفت أن تكون قد ألغت نصف التذكرة أو الإعفاء في الخطوط العادية، مؤكدةً أن الركوب المجاني والمخفّض لمن هم فوق الستين والمحاربين القدماء والعسكريين مستمر، وأن من تجاوزوا السبعين وحاملي بطاقات المحاربين وضحايا العمليات الحربية معفون تمامًا في الخطوط العادية دون كارت ودون تذكرة ورقية.

نصف تذكرة اختفت
بين النفي الرسمي وما يجري في الأتوبيسات مسافةٌ واسعة. فبينما تقول تصريحات الهيئة إن أنصاف التذاكر الورقية ما زالت متاحة للعسكريين فوق الستين على كل المحطات في الأتوبيسات العادية دون كارت، تروي شهادات كبار السن من غير العسكريين قصةً أخرى.
صعد سمير يوسف، 69 عامًا، وهو متقاعد، الأتوبيس من وراق العرب إلى العباسية، فأبلغه السائق أنه لم يعد ثمة نصف تذكرة، وأن الدفع صار بالكارت الذي يبيعه هو للركاب. دفع سمير خمسين جنيهًا في مقابل كارتٍ يُفترض أنه مشحون بها، لكن السائق أعاد إدخاله في الماكينة فشحنه بخمسين أخرى، ليكتشف أن رصيده صار مئة جنيه لا خمسين؛ وهو ما دفع راكبَين آخرَين إلى إعادة الكارت بعدما ظنّا أن المطلوب خمسون فقط. ثم فوجئ عند التمرير بخصم التذكرة كاملة، ثلاثة عشر جنيهًا، لأن السائق لم ينبّهه إلى وجوب إعادة تمرير الكارت عند النزول حتى تُحتسب المحطات. يقول سمير إن التعليمات الجديدة أضرّت بكبار السن، بعدما صار احتساب النصف مرتبطًا بعدد المحطات عبر ما يصفه بـ«سيستم أعمى» لا ينظر إلى تصنيف الراكب، «إن كان طفلًا أو رجلًا عمره مئة عام»؛ فمن يقطع ست محطات يدفع نصف القيمة، بينما يقطع هو اثنتي عشرة محطة فيدفعها كاملة رغم استحقاقه التخفيض. ولو علم بذلك من البداية، يقول، لاستبدل بالكارت تذكرة كاملة أو استقلّ المترو بنصف تذكرة قيمتها ستة جنيهات، ويختم: «لم أكرر شحنه مرة أخرى، لأنه حمّلني أعباء مادية وأزعجني».
القصة نفسها عاشها عصام عفيفي، 68 عامًا، حين صعد من التجمع إلى التحرير، فأبلغه السائق بإلغاء نصف التذكرة اعتبارًا من 15 يوليو، وأن من لا يشتري الكارت يدفع كاملة؛ فدفع عشرة جنيهات كاملة بدل نصفٍ اعتاده، وكذلك فعل من حوله من كبار السن. وفي جولة ميدانية، أكد آخرون لـ«زاوية ثالثة» أنهم اضطروا إلى دفع التذكرة كاملة بعدما أبلغهم السائقون بالإلغاء ما داموا لا يحملون الكارت.
ويكشف سائق بالهيئة، طلب عدم نشر اسمه، بعض ما وراء ذلك؛ إذ يقول إن كثيرًا من السائقين لم تعد بحوزتهم أنصاف تذاكر، وإن بعضهم يحمل الفئات الكاملة فقط، تنفيذًا لتعليمات لا يعرف أسبابها، «باعتبارها قرارات تخص الهيئة ورئيس مجلس الإدارة». ويرى أن الغاية دفع كبار السن إلى الكارت مثل باقي المواطنين، لكن الآلية لا تصب في مصلحتهم، «ففي حاجة اسمها خدمة مواطنين، المفروض نص التذكرة يفضل مدعوم». ويضيف أن المنظومة كانت أنسب للأتوبيسات الجديدة المكيفة، أما القديمة فأعطالها المتكررة تشعل التوتر بين الركاب والسائق حين يدفع الراكب تذكرة مرتفعة ثم يتعطل الأتوبيس، بينما في الجديد «يكون مطمئنًا أنه سيصل سريعًا لأن الخدمة أفضل بكثير».

رصيدٌ يتبخّر وماكينة تبتلع الفارق
لم تقف شكاوى كبار السن عند اختفاء النصف، بل امتدت إلى رصيدٍ يتبخّر وماكينةٍ تبتلع الفارق. فمن تريومف إلى المطار، اعتاد عبده قناوي، 68 عامًا، ركوب الأتوبيس خمس محطات، فاقتنى الكارت من السائق بخمسين جنيهًا حين أُبلغ بإلغاء النصف. وحين همّ بتمريره أخبره السائق أن رصيده نفد، فشحنه بعشرين، ثم نفد بعد أيام فشحنه بعشرين أخرى، قبل أن يعلم من ناظر المحطة أنه كان لديه ثمانية جنيهات، وأن «الفكة» لا تظهر إلا بتجميد رصيد، فصار رصيده ثمانية وعشرين جنيهًا. ويحكي أن الماكينة سحبت منه التذكرة كاملة، ستة عشر جنيهًا، ثم خصمت عند النزول خمسة ثمن المحطات الخمس وأعادت إليه أحد عشر، وأن موظفًا في إحدى المحطات أبلغه أن سعر الكارت مئة جنيه وأن على كل راكب شحنه بخمسين، فلما شكا أن الباقي لا يظهر على الشاشة أجابه أن الماكينة بها عطل؛ فوجد عبده رصيده أكثر مما ذكر السائق، وتساءل عمّن يتحمّل أعطال الماكينات. ويضيف أنه كان يقطع الطريق من مصر الجديدة إلى المطار بنصف تذكرة قيمتها عشرة جنيهات بغض النظر عن عدد المحطات، أما الآن فيدفعها كاملة كالراكب العادي، إذ صار النصف مرتبطًا بعدد محدد من المحطات، فإذا ركب الرحلة حتى نهايتها في الأتوبيس المكيف حُصّلت منه التذكرة كاملة، خمسة وعشرون جنيهًا.
والعطل لا يستثني الأصغر سنًا. فمحمد سيد، 30 عامًا، موظف أمن، يركب المكيف من الدمرداش إلى التجمع الخامس منذ استخرج الكارت في فبراير، وكان يُخصم منه نصف تذكرة بثمانية عشر جنيهًا، حتى فوجئ منذ يونيو بسحب التذكرة كاملة، خمسة وعشرين جنيهًا، عند النزول، بعد أن كانت الماكينة تعيد له سبعة، دون أن يعرف السبب، ودون أن يستردّ من تكرّر معهم الموقف باقي نقودهم. وحين اتصل بالخط الساخن لشركة «طوالي» ليشكو وجده معطلًا، فخفت حماسه للكروت التي كان يعوّل عليها في خفض إنفاقه البالغ ألفًا وثلاثمئة جنيه شهريًا على المواصلات. وإلى جانب الأعطال، يقع بعض الركاب في فخ التقنية نفسها؛ إذ حمّل محمود سامح، الموظف بمشيخة الأزهر، تطبيق «طوالي» وشحن من بطاقته البنكية، ثم اكتشف أن هاتفه لا يدعم خاصية nfc، فتعلّق رصيده، واتصل بخط الشركة فوجده معطلًا، وتواصل عبر صفحتها دون أن تُحلّ مشكلته.
وثمة مشكلة أخرى مصدرها السائقون أنفسهم؛ فيشكو أحمد رمضان، 62 عامًا، وهو متقاعد، من أنهم لا يعرفون النظام ولم يُدرَّبوا عليه، حتى إنه لم يكن يدري وجوب تمرير الكارت مرتين، عند الصعود والنزول، لولا موظفة بأحد منافذ «طوالي» شرحت له الطريقة قبل أن يدفع تذكرة كاملة. ويضيف أن الأتوبيسات تتأخر ساعةً إلى ساعتين، فيضطر إلى ركوب أتوبيسات النقل الجماعي كي لا يتأخر على فحوصه في عيادات سراي القبة، فيدفع فيها تذكرة عادية ولا يستفيد من التخفيض. ويردّ مدير العلاقات بالهيئة على شكاوى قلة الأتوبيسات وطول الانتظار بأنها تراجع احتياجات كل منطقة بحسب كثافتها السكانية عبر إدارة التخطيط والحركة، وطالب المتضررين بتقديم شكوى رسمية عبر صفحة الهيئة لدراسة زيادة الأعداد؛ ويضيف أن الهيئة أنشأت وحدةً لقياس الرأي تتابع المنظومة، أجرت استطلاعًا للسائقين لمعرفة معوقاتهم ومقترحاتهم، وأنهم طلبوا توحيد كارت الدفع الإلكتروني في كل الأتوبيسات بدل النقدي، خاصة بعد خفض قيمة الكارت إلى ثمانين جنيهًا، خمسون منها أول شحنة والباقي بالتقسيط. وردًّا على شكاوى التقنية، تقول المهندسة شيماء أحمد علي، مدير إدارة الاتصالات ومدير المشروع، لـ«زاوية ثالثة»، إن اشتراط خاصية nfc كان في الإصدار القديم من التطبيق، وإن الشركة أتاحت منذ 15 يوليو الدفع عبر «كيو آر كود» لمن لا تتوافر في هواتفهم الخاصية، بتمريره من الأسفل إلى الأعلى ليُخصم كامل التذكرة ثم يُعاد «الكاش باك» عند النزول. وتوضح أن صلاحية الرصيد سنة والكارت سنتان، وأن من تتعطل ماكينته يستردّ رصيده عبر الخط الساخن أو الواتساب المتاح من التاسعة صباحًا إلى الخامسة مساءً طوال الأسبوع، مقرّةً بأن الخط الساخن به مشكلة يجري العمل عليها، وأن الكارت المفقود يضيع برصيده لأنه لا يسجّل بيانات تعريفية، وأن الشركة تطوّر هذه الخدمة وتتيح تدريبات مستمرة للسائقين عبر مهندس فني في الجراج يوجّههم قبل خروج الخدمة.

الهيئة تنفي والقانون يُلزم
في مواجهة هذه الشهادات، ينفي محمد أبو اليزيد، مدير العلاقات العامة بالهيئة، إلغاء نصف التذكرة لمن هم فوق الستين، معتبرًا أن الشاكين قد يكونون عددًا ضئيلًا، ومرجعًا الأمر إلى مخالفات محتملة من السائقين تُفتح بشأنها تحقيقات وتُوقَّع عليها جزاءات؛ لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن فوق الستين والمحاربين القدامى صار لهم كروت مخصصة، وأنهم لا يتمتعون بالتخفيض إلا بإصدار كارت خاص من المنافذ المذكورة، أما فوق السبعين فيستخدمون كارت اشتراك الهيئة. وتؤكد المهندسة شيماء المعنى ذاته؛ فمن تجاوز الستين عليه استخراج كارت مخصص بعد التحقق من هويته وسنه ليمنحه نصف تذكرة وربعها بعدد المحطات، بينما لا يشترط الكارت لمن هم فوق السبعين، على نقيض قرار الإعفاء المطبق عام 2020 الذي اكتفى بإبراز بطاقة الرقم القومي للمحصل تخفيفًا للعبء عن كبار السن. وحين سُئل أبو اليزيد عن سبب عدم استمرار الإعفاء ببطاقة الرقم القومي دون كارت، أرجعه إلى غياب المحصل وتعذّر اطلاع السائق على البطاقات أثناء القيادة، مضيفًا أن كارنيه من هم فوق السبعين تصل رسومه إلى مئة وخمسين جنيهًا ويتجدد سنويًا.
ويبدو أن جوهر الأزمة قديم؛ فقد سبق أن نفى اللواء رزق علي، رئيس الهيئة الأسبق، إلغاء نصف التذكرة لمن هم فوق الستين أو الإعفاء التام لمن هم فوق السبعين، بعد شكاوى رصدتها الهيئة على مواقع التواصل عام 2020 من رفض المحصلين منح كبار السن حقوقهم، مشددًا حينها على أن المحصل المخالف يُوقَف عن العمل ثلاثة أشهر، وأن بإمكان المواطنين تقديم شكوى عاجلة لمعاقبته. أما القانون، فيقف إلى جانب المسنّ؛ إذ ينص قانون رقم 19 لسنة 2024 في مادته السابعة والعشرين على منحه إعفاءً جزئيًا من تكلفة وسائل النقل العام المملوكة للدولة، على أن تتحمل الوزارة المختصة قيمة الإعفاء وفق الضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية، بينما تعاقب مادته السادسة والأربعون بالحبس مدةً لا تجاوز سنة وبغرامة من ألف إلى عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى العقوبتين، كل مكلَّف برعاية مسنّ أهمل في واجباته أو استحوذ لنفسه على مساعدته المالية. وليست القضية هامشية؛ فبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع عدد المسنين في مصر إلى 9.8 مليون في 2025، بنسبة 9.1% من السكان، بعد أن كان 9.3 مليون في 2024 بنسبة 8.8%.
على الطرف الآخر من التجربة يقف أشرف أبو الفتوح، 41 عامًا، مدير تداول أوراق مالية، الذي وجد في المنظومة راحة. كان يستقل الأتوبيس من باب الخلق إلى الإسعاف ويدفع التذكرة كاملة رغم قطعه نصف المسافة، لأن بعض المحصلين يرفضون منحه النصف، حتى علم بالكارت. يحكي أنه حين طلب نصف تذكرة أُبلغ بأن النظام النقدي أُلغي، فظنّ أن السائق يضايقه، فهبط وصعد أتوبيسًا آخر ليجد الخبر نفسه؛ ثم أدخل الكارت فخُصمت منه التذكرة كاملة، ثلاثة عشر جنيهًا، واستردّ عند النزول ثمانية، أي دفع خمسة مقابل أربع محطات، مع خصم خمسة أخرى قسطًا للكارت، وبقي له أربعون من الشحنة الأولى. ويرى أن المنظومة جعلته يقتصد، وأنهت مشاجراته مع المحصلين على النصف والباقي، إذ لم يعد الدفع بقرارهم.
هكذا أراحت المنظومة راكبًا في الحادية والأربعين، وأثقلت من تجاوزوا الستين؛ فحتى الآن لم تُعلن الهيئة اشتراط كارتٍ مخصص لكبار السن فوق الستين لتفعيل نصف التذكرة، رغم إعلانها استحقاق العسكريين. وبقي الإعفاء الذي كان يُقطع ببطاقةٍ في اليد مشروطًا بكارتٍ يُستخرج ويُشحن ويُتابَع، وبماكينةٍ لا تُخطئ، وسائقٍ يعرف تمرير الكارت مرتين.