أعلن نقيب الصحفيين المصريين، خالد البلشي، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، أن النقابة تعتزم اتخاذ الإجراءات القانونية للطعن على الحكم الصادر بحق رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، لينا عطا الله، والذي قضى بتغريمها ثلاثة ملايين جنيه، وإغلاق الموقع ومصادرة معداته وأجهزته، على خلفية اتهامها بتأسيس وإدارة وتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص، مؤكدًا أن مسار القضية وسرعة إجراءاتها وما شهدته جلسة المحاكمة تثير تساؤلات جدية بشأن ضمانات الدفاع، وتستدعي مراجعة منظومة ترخيص المواقع الإخبارية في مصر.
وقال البلشي، في بيان نشره عقب صدور الحكم، إنه تابع جلسة محكمة جنح القاهرة الجديدة أثناء وجوده بمحافظة السويس لأداء مهام نقابية، من خلال محامي النقابة وعضوي مجلسها محمود كامل وإيمان عوف، اللذين توجها إلى المحكمة لمتابعة القضية، مشددًا على احترام النقابة للحق في التقاضي بمختلف درجاته، وتمسكها باتخاذ جميع الإجراءات القانونية والنقابية المتاحة للدفاع عن عطا الله والموقع.
وأضاف أن النقابة ترصد عددًا من الملاحظات المتعلقة بمسار الدعوى والإجراءات التي سبقت الحكم وأعقبته، معتبرًا أن ما جرى يمثل «جرس إنذار للجميع بضرورة الانتباه»، ويتعارض مع المطالبات المتكررة برفع القيود عن العمل الصحفي وتوسيع مساحة الإعلام المستقل.
وكانت الدائرة التاسعة بمحكمة جنح القاهرة الجديدة، برئاسة المستشار محمد مبارك، قد أصدرت حكمها في القضية رقم 11743 لسنة 2026 جنح التجمع الخامس، والمقيدة برقم 9072 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، بتغريم عطا الله ثلاثة ملايين جنيه، وهي العقوبة المالية القصوى المنصوص عليها للاتهام الموجه إليها، مع إغلاق الموقع ومصادرة المعدات والأجهزة المستخدمة في تشغيله.
وأعقب صدور الحكم احتجاز رئيسة تحرير «مدى مصر» داخل المحكمة، حيث أعلن فريق الدفاع أن إجراءات الاستئناف ووقف تنفيذ الحكم ترتبط بسداد الغرامة المحكوم بها، وفق ما أوضحه محامي الموقع حسن الأزهري.
وانتهت القضية بإدانة عطا الله من أولى جلسات المحاكمة، في ظل اعتراضات هيئة الدفاع على رفض المحكمة طلبات التأجيل والاطلاع على مستندات القضية.
ثمانية أيام من الاستدعاء إلى الحكم
وانتقد البلشي السرعة التي سارت بها الإجراءات القضائية منذ بداية القضية، موضحًا أن عطا الله تلقت استدعاءً للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا في 19 أكتوبر الجاري، ومثلت أمام النيابة يوم 21 أكتوبر في جلسة تحقيق استمرت أكثر من ست ساعات، قبل أن تقرر النيابة إخلاء سبيلها بكفالة مالية قدرها 100 ألف جنيه.
وفي اليوم التالي، 22 أكتوبر، أحالت النيابة رئيسة تحرير «مدى مصر» إلى محكمة الجنح، بعد أقل من 24 ساعة من انتهاء التحقيق معها، وحددت المحكمة جلسة 27 أكتوبر لنظر القضية، التي صدر فيها الحكم، بعد خمسة أيام من الإحالة وثمانية أيام فقط من الاستدعاء الأول.
وقال نقيب الصحفيين إن هذه السرعة، مقترنة بما أثاره محامو عطا الله بشأن وقائع الجلسة والملابسات المحيطة بها، «تثير تساؤلات جدية حول كفاية فرص الدفاع وحق الزميلة ومحاميها في إبداء دفوعهم»، مؤكدًا أن النقابة ستضمن هذه الملاحظات في استئناف الحكم وتحركاتها القانونية المقبلة.
وشهدت جلسة الثلاثاء خلافًا بين المحكمة وهيئة الدفاع بعدما رفضت طلبًا بتأجيل نظر القضية لتمكين المحامين من الاطلاع على كامل أوراق الدعوى وإعداد المرافعة، إلى جانب رفض طلبات تتعلق بضم مستندات وسماع شهود، وفق ما أعلنه محامو عطا الله.
وتضمنت طلبات الدفاع الاطلاع على ملف ترخيص «مدى مصر» لدى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وأصل قرار رفض الترخيص، والمستند الذي يقول المجلس إنه أخطر عطا الله بموجبه بقرار الرفض في أكتوبر 2022، فضلًا عن استدعاء مسؤولين من المجلس لسماع شهاداتهم بشأن إجراءات الترخيص والمراسلات المتعلقة بها.
وبحسب محامي «مدى مصر» حسن الأزهري، رفضت المحكمة طلبات الدفاع، ثم قررت انتداب محامٍ آخر، وهو إجراء اعترضت عليه عطا الله وهيئة دفاعها.
كما شهدت الجلسة قيودًا على دخول عدد من الصحفيين والمتضامنين وممثلي بعثات دبلوماسية أجنبية، وفق إفادات صحفية منشورة عن وقائع المحاكمة.
وأشار البلشي إلى أن الإجراءات التي اتُخذت خلال نظر الدعوى وما أعقب صدور الحكم تطرح تساؤلات قانونية إضافية، مؤكدًا ضرورة التعامل معها بجدية من خلال الطعون القضائية المتاحة.
خلاف حول الترخيص ومسؤولية المجلس الأعلى للإعلام
وتوقف نقيب الصحفيين عند جوهر الاتهام الموجه إلى عطا الله، والمتعلق بإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، منتقدًا عدم الالتفات إلى دفوع المحامين بشأن الإجراءات الإدارية التي اتخذها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في التعامل مع طلبات ترخيص الموقع.
وأوضح أن النقابة استندت في موقفها القانوني إلى المادتين 12 و16 من اللوائح المنظمة لإجراءات ترخيص المواقع الإخبارية، اللتين تلزمان المجلس المختص بإخطار مقدم الطلب بالبيانات والمستندات الناقصة لاستيفائها، والبت في الطلب خلال تسعين يومًا، وإبلاغه بالقرار بكتاب مسجل موصى عليه بعلم الوصول، بما يكفل له ممارسة حقه في الطعن أمام القضاء الإداري.
واعتبر البلشي أن عدم الرد على طلب الترخيص، أو عدم إخطار مقدمه رسميًا بالقرار، يمثل مخالفة إجرائية تمس حقوق طالب الترخيص، مشددًا على أن المسار القانوني السليم، وفق موقف النقابة، يتمثل في استكمال الإجراءات الإدارية واللجوء إلى القضاء الإداري للفصل في النزاع، وليس ملاحقة القائمين على الموقع جنائيًا.
وكانت نقابة الصحفيين قد تقدمت، الاثنين 26 أكتوبر، بمذكرة رسمية إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تناولت أزمة ترخيص «مدى مصر» والملاحقات القضائية المرتبطة بها، وطالبت بإعلان الموقف القانوني من طلبات الترخيص المقدمة، وتمكين المؤسسة من استيفاء أي مستندات ناقصة، وحسم موقف طلبها بقرار رسمي مسبب.
وترجع أزمة الترخيص إلى عام 2018، عندما تقدم «مدى مصر» بطلب للحصول على ترخيص عقب صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، دون أن يتلقى ردًا رسميًا، بحسب رواية الموقع وفريق دفاعه.
وجدد الموقع طلبه في عام 2020 عقب صدور اللائحة التنفيذية للقانون، قبل أن يعلم خلال تحقيقات قضائية في عام 2022 بصدور قرار برفض طلب الترخيص، من دون إخطاره به وفق الإجراءات القانونية، ما دفعه إلى اللجوء للقضاء الإداري للطعن على القرار.
وفي يونيو 2023، تقدم الموقع بطلب جديد بعد استكمال بيانات ومستندات طلبها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكن محاميه أكد أن المؤسسة لم تتلق ردًا على الطلب حتى موعد إحالة عطا الله إلى المحاكمة.
وكانت المحكمة الإدارية قد رفضت في مايو 2023 دعوى سابقة أقامها الموقع للطعن على رفض الترخيص، فيما استمرت المنازعات المتعلقة بالإخطار والإجراءات الإدارية، ضمن سلسلة من الملاحقات القضائية التي تعرضت لها لينا عطا الله وموقع «مدى مصر».
ويستند الاتهام إلى المادة السادسة من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، التي تشترط الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لتأسيس المواقع الإلكترونية أو إدارتها، فيما تحدد المادة 105 غرامة تتراوح بين مليون وثلاثة ملايين جنيه، وتجيز للمحكمة الحكم بإغلاق الموقع ومصادرة المعدات والأجهزة المستخدمة، مع مضاعفة الغرامة في حالة تكرار المخالفة.
مطالب برفع الحجب وتخفيف شروط ترخيص المواقع
وربط البلشي بين الحكم الصادر بحق عطا الله والنقاش الأوسع بشأن حرية إصدار الصحف والمواقع الإلكترونية، معتبرًا أن القضية لا تقتصر على مؤسسة إعلامية بعينها، وإنما تمتد إلى حق الصحفيين في ممارسة مهنتهم وحق المجتمع في الحصول على المعلومات من مصادر إعلامية متعددة.
واستند في هذا السياق إلى المادتين 70 و71 من الدستور المصري، اللتين تتناولان حرية الصحافة والإعلام وحرية إصدار الصحف وملكية وسائل الإعلام، والحماية الدستورية المكفولة للعمل الصحفي.
وطالب بضرورة اعتماد قواعد شفافة وعادلة لترخيص المواقع الإخبارية، تُطبق على جميع المؤسسات بالتساوي، مع استكمال إجراءات الترخيص للطلبات القائمة، ووقف الملاحقات القضائية المتعلقة بعدم الترخيص، ورفع الحجب عن المواقع الإخبارية، وإنهاء الإجراءات التي تعرقل عملها.
كما دعا إلى تخفيف شروط الترخيص بما يتناسب مع طبيعة الإعلام الرقمي، وفتح حوار مؤسسي بين نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بشأن القواعد والإجراءات المنظمة لعمل المواقع الإلكترونية.
وأشار إلى أن النقابة سبق أن تقدمت بمطالب للنظر في طلبات ترخيص ورفع الحجب عن عدد من المواقع الإخبارية، من بينها «المنصة» و«فكر تاني» و«إيجيبتك»، مؤكدًا استمرار تمسك النقابة بحرية إصدار الصحف والمواقع وإزالة القيود المفروضة على العمل الإعلامي.
وقال إن النقابة «تؤكد تمسكها بالدفاع عن إعلام حر ومتنوع»، وتتمسك بمطالبها الخاصة بحرية الإصدار وفتح المجال أمام المؤسسات الإعلامية للعمل دون قيود تعرقل أداء رسالتها.
تضامن دولي وسوابق ملاحقة «مدى مصر»
ويأتي موقف نقابة الصحفيين بعد أيام من توقيع 119 منظمة حقوقية ومنفذ إعلامي مستقل، من بينها «زاوية ثالثة»، نداءً دوليًا عاجلًا في 23 أكتوبر، طالب السلطات المصرية بوقف محاكمة عطا الله، وإنهاء الملاحقات القضائية بحقها، ومنح «مدى مصر» الترخيص الذي تقدم للحصول عليه، ووقف استهداف المؤسسات الإعلامية المستقلة.
وحذر الموقعون من أن إحالة رئيسة تحرير الموقع إلى المحاكمة تمثل تصعيدًا يهدد استمرار الصحافة المستقلة في مصر، خاصة أن القضية الحالية تُعد السادسة التي يتعرض لها الموقع والعاملون فيه خلال ست سنوات، والأولى التي تنتهي بإحالة اتهام إدارة الموقع دون ترخيص إلى محكمة الجنح.
وتعرض «مدى مصر»، المحجوب داخل مصر منذ عام 2017، لسلسلة من الإجراءات الأمنية والقضائية خلال السنوات الماضية، بدأت من بينها مداهمة مقره في نوفمبر 2019 واحتجاز عدد من صحفييه لساعات، والقبض على عطا الله في مايو 2020 أثناء إجراء مقابلة صحفية أمام مجمع سجون طرة.
وفي سبتمبر 2022، خضعت عطا الله وثلاث صحفيات من الموقع للتحقيق بشأن تقرير تناول اتهامات فساد مرتبطة بحزب «مستقبل وطن»، قبل إخلاء سبيلهن بكفالات مالية.
كما استُدعيت عطا الله للتحقيق في قضايا أخرى مرتبطة بتغطيات الموقع، بينها تحقيق أجري في أغسطس 2025 على خلفية نشر تقرير عن أوضاع المحتجزين في سجن بدر 3، عندما وجهت إليها النيابة اتهامات بنشر أخبار كاذبة وإدارة موقع دون ترخيص، وقررت إخلاء سبيلها بكفالة قدرها 30 ألف جنيه.
وفي التحقيق الأخير، الذي جرى في 21 أكتوبر الجاري، واجهت عطا الله اتهامين بإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص ونشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير السلم العام، على خلفية أسئلة تناولت الوضع القانوني للموقع وتغطيته لاحتجاجات شهدتها بعض السجون المصرية عقب تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد. غير أن قرار الإحالة إلى المحاكمة اقتصر على اتهام تأسيس وإدارة وتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص.
القضية تتزامن مع استمرار حبس صحفيي «متصدقش»
وتأتي هذه التطورات بعد أقل من شهر على القبض على كامل فريق منصة «متصدقش» للتحقق من المعلومات، الذي يضم ستة صحفيين، في نهاية سبتمبر الماضي، واحتجازهم على ذمة القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا.
وكانت قوات الأمن قد ألقت القبض على أعضاء الفريق في 28 و29 سبتمبر عقب مداهمة منازلهم في ثلاث محافظات، قبل ظهورهم أمام نيابة أمن الدولة العليا، حيث وجهت إليهم اتهامات من بينها الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها ونشر أخبار كاذبة.
وأفاد بعض الصحفيين بتعرضهم لانتهاكات أثناء احتجازهم، شملت الضرب والتعصيب والصعق بالكهرباء، وفق روايات نقلتها جهات حقوقية، فيما طالبت منظمات صحفية دولية بالإفراج عنهم والتحقيق في هذه الإفادات.
وأثارت القضية حملة تضامن شاركت فيها مؤسسات إعلامية وحقوقية، ووقفة احتجاجية نظمها صحفيون داخل مقر نقابتهم بالقاهرة.
وفي 19 أكتوبر، وهو اليوم نفسه الذي تلقت فيه لينا عطا الله استدعاء نيابة أمن الدولة العليا، انضم «مدى مصر» إلى سبع مؤسسات إعلامية عربية مستقلة لإطلاق غرفة أخبار تضامنية مؤقتة، بهدف مواصلة العمل الصحفي الذي كان يقدمه فريق «متصدقش» خلال فترة احتجازه.
وضمت المبادرة مؤسسات «صحيح مصر» و«مدى مصر» و«المنصة» من مصر، و«ميغافون» و«درج» و«صفر» من لبنان، و«نواة» من تونس، و«الجمهورية» من سوريا، وركزت على تدقيق المعلومات والتصريحات الصادرة خلال «منتدى مصر 2026».
وكان النداء الدولي الذي شاركت في توقيعه «زاوية ثالثة» قد ربط بين القضيتين، مطالبًا بوقف ملاحقة المؤسسات الإعلامية المستقلة والإفراج عن جميع الصحفيين المحتجزين بسبب عملهم المهني.
البلشي: الحكم يرسل رسائل عكسية لمطالب تطوير الإعلام
وفي ختام بيانه، اعتبر نقيب الصحفيين أن الحكم والإجراءات المصاحبة له يتعارضان مع المطالبات التي طرحتها لجان تطوير المهنة والحوار الوطني ولجنة تطوير الإعلام بشأن تخفيف القيود على العمل الصحفي، وإتاحة مساحة أوسع للتعددية الإعلامية واستقلال المؤسسات الصحفية.
وقال البلشي إن ما حدث «يرسل رسائل عكسية لكل المطالبات الصادرة عن لجان تطوير المهنة والحوار الوطني ولجنة تطوير الإعلام»، التي تدعو إلى رفع القيود عن العمل الصحفي، ووجود إعلام حر ومتنوع يمثل مختلف فئات المجتمع، إلى جانب مجتمع مدني حر ومؤسسات تتمتع بالاستقلال.
وشدد على أن نقابة الصحفيين لن تكتفي بمتابعة إجراءات الطعن على الحكم، وإنما ستواصل تحركاتها القانونية والنقابية المتعلقة بحرية إصدار المواقع والصحف، ومراجعة منظومة الترخيص، والدفاع عن حق المؤسسات الإعلامية في ممارسة عملها وفق ضمانات دستورية وقانونية واضحة.
وأكد البلشي: «سنستكمل مسار التقاضي وسنسلك كل المسارات القانونية والنقابية للدفاع عن الزميلة وعن حق المجتمع وحقنا جميعًا في إعلام يليق بنا».
