«بيت مقابل بيت»: هل يجد مقترح أهالي الوراق الذي رُفض تسع سنوات أذنًا رسمية؟

بعد تسع سنوات من رفض مقترح “بيت مقابل بيت”، أفاد أهالي جزيرة الوراق بأن مسؤولين أبدوا في اجتماع الخميس استعدادًا لمناقشته للمرة الأولى، في أعقاب اشتباكات وتقييد مواد بناء واحتجاجات، وقدّم الأهالي تصورًا هندسيًا متكاملًا لـ4059 قطعة سكنية على 300 فدان
Picture of هشام عارف

هشام عارف

يتمسك أهالي جزيرة الوراق بمطلب «بيت مقابل بيت»، المقترح الذي قدموه على مدار السنوات الماضية للأجهزة المعنية بإدارة الملف، مطالبين بتخصيص مساحة أرض للأهالي، نحو 300 فدان، للبناء عليها داخل الجزيرة وعدم مغادرتها، لكنه لم يحظَ بقبول.

وفيما يبدو تحولًا في الموقف الرسمي، أكد الأهالي الذين تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» أن المسؤولين عن إدارة الملف أبدوا، خلال اجتماعهم مع ممثلي الأهالي، استعدادهم لمناقشة المقترح والرد في وقت قريب.

وخلال الاجتماع الأخير الذي عُقد الخميس الماضي، عرض أهالي الجزيرة تصورًا متكاملًا للمقترح، بمخطط هندسي، مطالبين الحكومة بتوفير المساحات اللازمة والتعويض العادل للسكان، بما يضمن بقاء الجميع داخل الجزيرة.

يقول الحاج إبراهيم فوزي، أحد أهالي جزيرة الوراق، لـ«زاوية ثالثة» إن مقترح «بيت مقابل بيت» عُرض على المسؤولين، الذين أبدوا استعدادهم لمناقشته والرد عليه، موضحًا أن الأهالي لا يرفضون تطوير الجزيرة، بل يريدون أن يتم التطوير بما يحفظ حقهم في البقاء على أرضهم.

ويشرح أن الجزء الذي خصصته الدولة للأهالي يمكن تخطيطه بالطريقة نفسها التي تُخطط بها الجزيرة، وتقسيمه إلى قطع أراضٍ، بحيث يتعامل الأهالي مع الدولة وفق نظام واضح، بما يحقق في النهاية المستوى نفسه من التطوير، ويضمن الاستفادة للطرفين؛ الدولة تنجز تطويرها، والأهالي يستقرون في بيوتهم.

ويؤكد فوزي أن رفض الأهالي لا ينصرف إلى الشقق بصورة مطلقة، موضحًا أن هناك من يقبلون السكن فيها، لكن غالبية الأهالي، بحسب تقديره، يفضلون المنزل المستقل، لأنهم اعتادوا هذا النمط من السكن ويرغبون في الحفاظ على خصوصيتهم، ويضيف أن هناك أيضًا من يقبلون الحصول على التعويض والخروج من الجزيرة.

أما مقترح «بيت مقابل بيت» الذي يتمسك به غالبية أهالي الجزيرة فيقوم، بحسب فوزي، على أن المواطن الذي يقع منزله ضمن خطة التطوير يُقيَّم منزله، وبعد موافقته يسلّم أرضه للدولة، ويحصل في المقابل على قطعة أرض داخل الجزيرة في المنطقة المخصصة لسكن الأهالي، تكون مرفقة ومخططة وتحمل رقمًا وعقدًا رسميًا، ويبني عليها منزله وفق اشتراطات الدولة وتراخيصها.

وتدفع الدولة للمواطن، وفق المقترح، تعويضًا عن المنشأ، أي المباني فقط، باعتبار أن الأرض تُستبدل بأرض، ولا يسلّم المواطن منزله القديم إلا بعد الانتهاء من بناء منزله الجديد والانتقال إليه، مع إمكانية استفادته مما يرغب في الاحتفاظ به من منزله القديم.

ويقول فوزي إن تنفيذ المقترح يمكن أن يتم بالتوازي مع تطوير باقي الجزيرة؛ فبينما تستمر الدولة في تنفيذ مشروعاتها، تبدأ في الوقت نفسه بتخطيط المنطقة المخصصة للأهالي، ويحصل المواطن على قطعة أرضه ويبني منزله، ثم يسلّم المنزل القديم، فتُصبح الأرض متاحة للتطوير من دون نزاع أو تعطيل.

ويرى أن المنطقة المخصصة للأهالي يجب ألا تُترك من دون تخطيط، وإنما تُحدد فيها منذ البداية مواقع قطع الأراضي ومساحاتها والشوارع، بما يسمح ببدء تنفيذ الخدمات وتسهيل الإنجاز. ويشير إلى أن أصحاب المنازل التي تقع في مسارات الشوارع أو تتعارض مع خطة التطوير يمكن أن يكونوا من أوائل من يحصلون على قطع الأراضي، بما يسمح بتنفيذ عملية إحلال وتجديد وفق النموذج الذي تحدده الدولة، مؤكدًا ضرورة أن يترافق ذلك مع تسهيل دخول مواد البناء وتوفير الإشراف الهندسي.

ويشير فوزي إلى أن المساحة المخصصة للأهالي، نحو 300 فدان، قد تكون كافية لاستيعاب مختلف الحالات، ويقترح استبعاد حرم النيل لمسافة 200 متر من حد المياه وتخصيصه طريقًا أخضر وحديقة كورنيش عامة ممنوع البناء فيها.

ويتضمن المقترح الذي نشر فوزي جانبًا منه عبر صفحته على فيسبوك شبكة طرق تبدأ بمحور رئيسي طولي بعرض 30 مترًا يفصل المشروع إلى نصفين ويرتبط بالطريق السريع جنوبًا، ومحور عرضي يصل إلى الكورنيش النيلي، إلى جانب شوارع ثانوية ومحلية وتقاطعات على شكل دوارات. ويقسم التصور الإسكان إلى ثلاث فئات من القطع: 1,848 قطعة بمساحة 150 مترًا مربعًا، و1,386 قطعة بمساحة 175 مترًا، و825 قطعة بمساحة 210 أمتار، بإجمالي نحو 4,059 قطعة سكنية يقدّر فوزي أنها تكفي لنحو 20 ألف نسمة، مع نظام مقترح لترقيم القطع يسهّل إجراءات الملكية والمرافق.

ويتضمن التصور كذلك توزيع الخدمات، وتشمل مدرستين ابتدائيتين ومدرسة إعدادية ومدرسة ثانوية، ومستشفى مركزيًا بمساحة 5,000 متر مربع في وسط المشروع، ومركز شباب بمساحة 3,500 متر مربع ملاصقًا للسوق التجاري، وسوقين تجاريين، وأربعة مساجد، إضافة إلى حديقة مركزية بمساحة 2.8 فدان، وحديقة حي بمساحة 0.9 فدان، وكورنيش نيلي بطول 1.2 كيلومتر.

نوصي للقراءة: “لن نُغادر” أهالي الوراق في مواجهة الإخلاء القسري.. والأمن يستخدم القوة المفرطة

تجاوب رسمي وإقرار بالحق

بحسب بيان نشرته حركة «باقون في جزيرة الوراق»، عرض الأهالي خلال اجتماعهم مع مسؤولي الملف، الخميس الماضي، مطلبهم الرئيسي، وهو الموافقة على تخطيط قطعة أرض داخل جزيرة الوراق، تكون جزءًا من التخطيط العام للجزيرة ومتوافقة معه، لبناء منازل خاصة للراغبين في البقاء. ويتضمن المقترح حصول كل مالك على التعويض المناسب عن منزله، على ألا يغادره قبل بناء المنزل البديل وحصوله على عقد رسمي بملكية الأرض، وفق نماذج هيئة المجتمعات العمرانية واشتراطات بناء واضحة.

وبحسب ما نقله الأهالي عن المسؤولين، جرى التأكيد على أن طلبهم يمثل حقًا مشروعًا، وأنه سيُرفع إلى الجهات المختصة لبحثه وتحديد آليات تنفيذه، على أن يتم الرد عليهم في أقرب وقت، مع تأكيد أن الإجراءات هذه المرة ستكون أسرع من المراحل السابقة التي استغرقت، بحسب المسؤولين، مددًا طويلة.

وفيما يتعلق بالمطالب الخدمية العاجلة، قال المسؤولون إن تسجيل الوفيات أصبح يتم آليًا، وإن استخراج تصاريح الوفاة بعد السادسة مساءً في الجيزة يقتصر على منطقتي الطالبية وتكله، مع تعهد مدير مستشفى الوراق بتيسير الإجراءات المتعلقة بأهالي الجزيرة، إلى جانب بحث توفير موظف أو آلية أكثر ملاءمة لخدمة السكان.

كذلك أُبلغ الأهالي بأنه اعتبارًا من السبت ستتوافر عربات كسح تابعة للجهاز لخدمة الجزيرة، مع تخصيص خط هاتف معلن لطلبها. وبشأن أنقاض البناء، أوضح المسؤولون أن الجهاز تعاقد مع شركات من خلال مناقصة لإزالتها، وأن العمل سيبدأ قريبًا. كما جرى التعهد بتوفير مكان لمكتب بريد داخل الجهاز، وتوفير موظف مختص بالتطعيمات لخدمة الأهالي.

وخلال الاجتماع، عُرض كذلك مقترح يتعلق بالسكان المقيمين في «المتناثرات»، بحسب التعبير المستخدم خلال اللقاء، والراغبين في الانتقال إلى الوحدات السكنية المخصصة ضمن المرحلة العاجلة، وعددها نحو ألف وحدة. ووفق ما نُقل عن المسؤولين، من المقرر الانتهاء من الوحدات وتوصيل الخدمات إليها في موعد يتراوح بين 30 سبتمبر و15 أكتوبر، وبعد ذلك يمكن للراغبين في الحصول على وحدات داخل الجزيرة تقديم طلباتهم.

وبحسب التصور المطروح، سيكون نظام التعويض «شقة مقابل شقة ومتر مقابل متر»؛ فمن كان منزله يتضمن ثلاث وحدات يحصل على ثلاث وحدات، وإذا كانت المساحة الجديدة أقل من المساحة المستحقة تُحتسب الفروق وفق ما تقرره لجان التعويض، وإذا كانت المساحة المستحقة أكبر من الوحدة البديلة تُسدَّد الفروق وفق القواعد المحددة، مع حصول المستحق على حصة في الأرض، وتوثيق ذلك بعقود رسمية.

وأكد المسؤولون، وفق رواية الأهالي، أن الوحدات ستكون مخصصة لأصحاب المنازل الأصليين، ولن تشمل «المتغيرات»، سواء كانت إضافات على منازل قديمة أو منشآت أقيمت على أراضٍ فضاء، على أن تكون أي تعويضات مستحقة لهذه الحالات وفق القواعد المعمول بها وخارج هذه الوحدات.

أما سكان «المتناثرات» الراغبون في الانتقال إلى الكتلة السكنية، فبحسب المقترح يحصلون على تعويض عن المنشآت وفق القواعد المقررة، باستثناء الأرض، مقابل تخصيص قطعة أرض داخل الكتلة بالمساحة نفسها، مع تولي شركة متخصصة توفير مواد البناء بالأسعار الرسمية وبعقود صادرة عن الجهاز.

وأكد المسؤولون، وفق ما نقله الأهالي، أن الانتقال إلى الكتلة لن يتم قبل الانتهاء من تطويرها وتوصيل الخدمات إليها، كذلك أُبلغ الأهالي بأن العمل جارٍ على تخطيط مستشفى ومركز شباب ومكتب بريد وخدمات أخرى لعرضها عليهم تمهيدًا لتنفيذها ضمن المرحلة العاجلة، إلى جانب دراسة إنشاء نزلة وطلعة تربطان الجزيرة بكوبري تحيا مصر، بهدف تقليل اعتماد السكان على المعديات.

وأكد الأهالي ضرورة عدم البدء في أي إجراءات داخل التجمعات السكنية، مثل رفع المساحات أو تحديد مسارات الشوارع، قبل الحصول على رد بشأن مطلبهم الرئيسي المتعلق بتخطيط منطقة سكنية داخل الجزيرة. وبحسب ما نقلوه، أكد المسؤولون أن هذه الإجراءات لن تبدأ قبل الرد على المطلب، وانتهى اللقاء على انتظار رد رسمي في أقرب وقت.

 

جزيرة الوراق.. زاوية ثالثة توثق استخدام الرصاص الحي ضد الأهالي

أزمة المرافق في الأبراج

وفي حديثه لـ«زاوية ثالثة»، يقول أحد أهالي الجزيرة إن الأبراج السكنية التي أنشأتها الدولة داخل الجزيرة، وعددها نحو 94 برجًا، لا توجد بها أي مرافق أو خدمات أساسية، موضحًا أن الاجتماع الأخير مع مسؤولي الجهاز شهد مناقشة حلول مؤقتة للصرف الصحي، من بينها توصيل الأبراج بخطوط تنتهي إلى خزانات أو وحدات تجميع، بدلًا من وجود شبكة صرف متكاملة تخدم المنطقة.

ويشير إلى أن تسليم الوحدات الجديدة، وفق ما جرى طرحه في الاجتماعات، يستهدف المواطنين الذين وافقوا بالفعل على التسوية، وليس جميع سكان الجزيرة، فيما يقدر عدد المنازل الواقعة داخل ما جرى تعريفه باعتباره «الكتلة السكنية» بأكثر من 8 آلاف منزل، موضحًا أن كثيرًا منها يخص عائلات كبيرة ويضم مساحات تتجاوز بكثير مساحات الوحدات البديلة المطروحة.

ويضرب مثالًا بمنزله الذي تبلغ مساحته نحو 540 مترًا مربعًا، في مقابل وحدة سكنية تبلغ مساحتها نحو 90 مترًا، معتبرًا أن الفارق في المساحة وطبيعة السكن يمثل أحد أسباب تمسك عدد من السكان بمنازلهم.

ويضيف أن تقسيم الجزيرة إلى «كتلة سكنية» وأجزاء أخرى جرى التعامل معها باعتبارها مناطق متناثرة خلق، بحسب وصفه، تفاوتًا بين أوضاع السكان، مقدرًا عدد المنازل في المناطق التي وصفها بـ«المتناثرات» بنحو ألفي منزل، مشيرًا إلى أن جزءًا من عمليات البيع الجارية يرتبط، من وجهة نظره، بنشاط وساطة عقارية، لا برغبة السكان الأصليين في التخلي عن الجزيرة، وأن بعض ملاك الأراضي أو المنازل يمتلكون أكثر من عقار، ما يجعل دوافع البيع مختلفة بين الأسر، بينما يتمسك آخرون بمنازلهم باعتبارها مساكنهم الأصلية.

 

ويرى الشاهد أن هذا التباين أسهم في حدوث انقسام داخل مجتمع الجزيرة بين من يرى في البيع فرصة اقتصادية، ومن يعتبر التخلي عن المنزل والأرض خروجًا نهائيًا من الجزيرة. ويقول إن بعض السكان يطالبون بالتفاوض على قيمة أعلى للمتر، فيما يطرح آخرون نموذجًا مختلفًا يقوم على الدخول في شراكة مع الدولة من خلال شركة مساهمة يمتلك الأهالي حصة فيها، بما يسمح لهم بالبقاء داخل الجزيرة والاستفادة من أي مشروعات استثمارية تقام عليها، بدلًا من الاكتفاء بالحصول على وحدات في الأبراج، مؤكدًا أن هذا المقترح لا يزال قيد المناقشة.

وفي ما يتعلق بمساحة الجزيرة، يشكك الشاهد في الأرقام المتداولة إعلاميًا، ويقول إن المساحة الفعلية للجزيرة، وفق أعمال الرفع والمسح التي اطلع عليها، تبلغ نحو 1835 فدانًا، وليس 1500 فدان. ويشير إلى أن ملكية الأراضي لم تكن قاصرة على سكان الجزيرة الأصليين، موضحًا أن نحو 1100 فدان كانت حيازاتها الزراعية مسجلة لأشخاص من خارج الجزيرة، في حين يقدر ملكية الأهالي الأصليين بنحو 700 فدان.

كذلك يلفت إلى وجود جمعيتين زراعيتين مرتبطتين بحيازات الأراضي، إحداهما داخل الجزيرة والأخرى في منطقة الوراق، وهو ما يراه سببًا في حدوث التباس عند احتساب الأراضي المملوكة لسكان الجزيرة وتلك المملوكة لأشخاص من خارجها. ويقول إن الحديث عن شراء 80% من أراضي الجزيرة من سكانها الأصليين لا يعكس، من وجهة نظره، حقيقة تركيبة الملكية، موضحًا أن المساحات التي بيعت بالفعل من الأهالي الأصليين، وفق تقديره، لا تتجاوز نحو 160 إلى 170 فدانًا، وأن جزءًا من الأراضي التي دخلت في صفقات البيع كانت أصلًا مملوكة لأشخاص من خارج الجزيرة.

ويؤكد أن الخلاف داخل الجزيرة لا يتعلق برفض التطوير من حيث المبدأ، وإنما بكيفية تنفيذه وبمستقبل السكان بعده، ويقول إن الأهالي طرحوا أكثر من مرة فكرة الدخول في شراكة مع الدولة، بما يسمح بتطوير أجزاء من الجزيرة والاستفادة من قيمتها الاستثمارية، مع الإبقاء على السكان في المنطقة التي يعيشون فيها، بدلًا من نقلهم بالكامل إلى أبراج سكنية.

ويقول شاهد آخر إن الأبراج السكنية التي أقيمت داخل الجزيرة جرى تقديمها باعتبارها جزءًا من مشروع السكن البديل لأهالي الوراق، إلا أنها لم تُسلم إلى السكان الذين ينتظرون الانتقال إليها بسبب عدم اكتمال الخدمات، كما لم تُبرم، بحسب قوله، عقود تخصيص نهائية للوحدات مع جميع المستحقين.

ويرى الشاهد أن غياب هذه الضمانات الرسمية عزز مخاوف بعض السكان من أن يصبح الانتقال إلى خارج منازلهم الحالية خطوة يصعب التراجع عنها، خصوصًا إذا لم يكن هناك إطار واضح يضمن عودتهم إلى الجزيرة بعد انتهاء أعمال التطوير. ويؤكد أن المطلب الرئيسي لقطاع من السكان لا يتمثل في وقف التطوير، وإنما في ضمان البقاء داخل الجزيرة والحصول على سكن بديل فيها إذا اقتضت أعمال التطوير إزالة المنازل الحالية، ويشير إلى أن الأهالي سبق أن طرحوا تخصيص مساحة تتراوح بين 300 و400 فدان لإعادة توطين السكان داخل الجزيرة، على أن تُترك المساحة المتبقية للمشروعات الاستثمارية والسياحية.

ويقول إن الجزيرة لا تمثل بالنسبة إلى الأسر المقيمة فيها مجرد وحدات سكنية قابلة للاستبدال، وإنما ترتبط بها شبكة من العلاقات الاجتماعية والعائلية وسبل المعيشة التي تشكلت عبر أجيال، وهو ما يجعل مسألة الانتقال إلى الأبراج مختلفة في معناها عن مجرد تغيير محل السكن.

 

نوصي للقراءة: اشتباكات الوراق: 90 ألف نسمة يرفضون الإخلاء القسري

تجدد الأزمة

في آخر تطورات الأزمة الممتدة منذ تسع سنوات، نظّم مئات من أهالي الجزيرة، منتصف أغسطس الماضي، وقفة احتجاجية أمام جهاز المدينة، اعتراضًا على تجاهل مطالبهم التي سبق أن تقدموا بها قبل نحو أسبوع؛ وبحسب المشاركين، أغلق الجهاز أبوابه منذ الصباح، ولم يخرج أي مسؤول للقائهم، فيما كثّفت قوات أمنية وجودها بمحيط الوقفة.

وفي سياق متصل تجددت الاحتكاكات بين أهالي الجزيرة وقوات الأمن على خلفية القيود المفروضة على إدخال مواد البناء؛ ففي الثاني من أغسطس اندلعت اشتباكات قرب معدية القللي بعد اعتراض الأهالي على الإجراءات التي تقيّد دخول مواد البناء، وأسفرت عن إصابة اثنين على الأقل، قبل أن تتجدد في اليوم التالي إثر تفتيش سيارة أحد السكان بحثًا عن مواد بناء.

وتطورت الأزمة إلى اعتصام للمطالبة بالسماح بإدخال المواد وتحسين الخدمات، قبل تعليقه عقب مفاوضات مع قيادات أمنية ووعود بوضع آلية لتنظيم الدخول. إلا أن جهاز تنمية جزيرة الوراق الجديدة نفى في 12 أغسطس السماح بمرور أي مواد أو مستلزمات بناء إلى الجزيرة، مؤكدًا استمرار الضوابط المعمول بها وأن مشروعات التطوير الحكومية تسير وفق خططها المعلنة.

ويقول الأهالي إن سياسة تقييد مواد البناء المتبعة خلال السنوات الأخيرة حالت دون ترميم منازلهم أو إعادة بنائها، في وقت تتواصل فيه الإنشاءات الحكومية داخل الجزيرة، وإن المعديات تحولت إلى نقاط تفتيش لمنع دخول الطوب والرمل والأسمنت، بما جعل أي محاولة للترميم مصدرًا متكررًا للاحتكاك مع الأمن.

وتُعد جزيرة الوراق أكبر جزر نهر النيل مساحةً، إذ تبلغ نحو 1500 فدان بحسب الرواية الرسمية، منها نحو 1200 فدان أرض زراعية عالية الجودة، ويعتمد دخل سكانها، الذين تقدّرهم دراسة الجامعة الأمريكية بنحو 120 ألف نسمة، على زراعة الخضراوات والصيد بصورة أساسية. غير أن مساحة الجزيرة نفسها محل تقديرات متباينة، إذ تتراوح الأرقام المتداولة بين نحو 1250 فدانًا و1835 فدانًا بحسب اختلاف المصادر والروايات.

وتعود جذور الأزمة إلى عام 1998 حين صدر قرار باعتبار جزيرة الوراق محمية طبيعية، ما أثار شكوك السكان في نية إخلاء الجزيرة، ثم صدر قرار من رئيس الوزراء عام 2001 بإخضاع الجزيرة لقانون أملاك الدولة، لتبدأ منذ ذلك الحين نزاعات قضائية بين السكان والدولة.

ويقول الأهالي إنهم حصلوا عام 2002 على حكم قضائي لصالحهم بتملك أراضٍ في الجزيرة، بحسب توثيق سابق لـ«زاوية ثالثة»، وفي عام 2010 أعلنت الحكومة ترسيم الحدود الإدارية لخمس محافظات بينها الجيزة، وضمنها الوراق، ووضعت خطة لتطوير الجزيرة، قبل أن تهدأ الأمور لبضع سنوات عقب الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك (1981–2011).

وفي يوليو 2017 تصاعدت الأزمة مع محاولة قوات الأمن تنفيذ قرارات إزالة بُنيت على أساس أن الأراضي ملك للدولة، فقوبلت بمقاومة شعبية واسعة سقط خلالها أحد السكان متأثرًا بإصابته. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجزيرة تحت رقابة أمنية مشددة، وبدأ الأهالي تنظيم احتجاجات متفرقة، وتشكّلت لجان شعبية للدفاع عن الجزيرة، وأُطلق وسم «#الوراق_مش_للبيع»، ورفض الأهالي مغادرة منازلهم أو قبول التعويضات باعتبارها دون القيمة الفعلية للأرض والموقع.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 7 يونيو 2017: «هناك جزيرة تقع في قلب نهر النيل، تتجاوز مساحتها 1250 فدانًا، ولن أذكر اسمها، وقد بدأت العشوائيات تنتشر داخلها، فيما شرع المواطنون في البناء بوضع اليد، فإذا وُجد خمسون ألف منزل، فأين ستُصرَّف مخلفاتها؟ إلى النيل الذي نشرب منه؟»، وأضاف: «هذه الجزر يجب أن تحظى بالأولوية في التعامل معها»، مؤكدًا أن سكان تلك الجزر «لم يُمنحوا حق البقاء تحت أي ظرف»، رغم أن الدولة أتاحت في بعض الحالات لواضعي اليد تقنين أوضاعهم مقابل سداد قيمة الأراضي.

وفي عام 2018 أُعلن نقل تبعية ملف الجزيرة إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي بدأت شراء الأراضي من السكان بأسعار تراوحت بين 6 آلاف و12 ألف جنيه للمتر، بعد أن كانت الهيئة الهندسية قد أنهت بناء كورنيش على الضفة الغربية؛ وتشير هذه الإجراءات إلى مضيّ الدولة في تطوير شامل للجزيرة، بينما يقول الأهالي إنهم لم يُشرَكوا في خطة واضحة.

وفي المقابل، تستند السلطات إلى القانون رقم 7 لسنة 1991 بشأن أملاك الدولة الخاصة، والقانون رقم 144 لسنة 2017 الخاص بتقنين وضع اليد، ويعدّهما مراقبون أساسًا للإخلاء إذا لم يقنّن الأهالي أوضاعهم وفق إجراءات الدولة، بينما يرى الأهالي أن هذين القانونين لم يراعيا خصوصية الجزيرة كسكن دائم لعائلات متجذرة، ويقول كثير منهم إنهم يملكون عقود بيع وشراء موثقة تعود إلى أربعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى حُجج عرفية وعقود مسجلة، وهو ما يجعل مسألة الملكية محل نزاع قانوني.

وبحسب خرائط منشورة منسوبة إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، يشمل مشروع تطوير الجزيرة منطقة استثمارية كبرى يُشار إليها باسم «مدينة حورس» تضم أبراجًا سكنية وفنادق ومنطقة أعمال؛ فيما وصفت الهيئة العامة للاستعلامات المشروع بأنه يهدف إلى تحويل الجزيرة إلى مركز تجاري عالمي بمساحة 1516 فدانًا وتكلفة إجمالية تبلغ 17.5 مليار جنيه، ويتضمن ثماني مناطق استثمارية ومنطقة تجارية وإسكانًا متميزًا وحديقة مركزية ومارينا سياحية وواجهة نهرية ومنطقة ثقافية وكورنيشًا سياحيًا، دون أن ترد تسمية «حورس» نفسها في البيانات الرسمية، أو تفاصيل معلنة عن إعادة توطين السكان. وفي الوطن وغيرها ظهرت الخرائط ذاتها التي عزّزت شكوك السكان في أن يكون الهدف تحويل الجزيرة إلى مشروع عقاري كبير.

وفي سبتمبر 2024 منعت قوات الأمن دخول مواد البناء عبر المعديات، ما أدى إلى تكدس واحتقان، وسجّلت منظمات حقوقية، من بينها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وقائع وصفتها بالانتهاكات، شملت اعتقالات واستخدامًا مفرطًا للقوة.

وعلى الجانب الرسمي، أكد محافظ الجيزة ومسؤولون في وزارة الإسكان أن مشروع تطوير الجزيرة يأتي ضمن خطة قومية لتطوير الجزر النيلية، وأن الدولة ملتزمة بتوفير وحدات بديلة وتعويضات عادلة ولا تستهدف التهجير القسري؛ فيما أصدر مجلس الوزراء بيانًا في نوفمبر 2024 أكد فيه أن «الدولة لا تصادر ممتلكات أحد، لكنها تطبّق القانون على المخالفين».

في المقابل، يرى الأهالي ومنظمات حقوقية، من بينها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن غياب تفاصيل معلنة عن التعويضات وعدم إشراك السكان في القرار يزيدان التوتر ويثيران تساؤلات حول مدى الالتزام بالمعايير الدولية للترحيل الطوعي.

بعد تسع سنوات من النزاع، يبدو أن ملف جزيرة الوراق يقف أمام اختبار جديد، بعدما انتقل مطلب «بيت مقابل بيت» من كونه طرحًا متكررًا من الأهالي إلى مقترح تقول شهاداتهم إن المسؤولين أبدوا استعدادًا لبحثه والرد عليه. لكن هذا التحول، حتى الآن، لا يتجاوز مرحلة النقاش، ولا يعني حسمًا لمصير آلاف الأسر أو موافقة رسمية على تخصيص الأرض المقترحة.

وبينما تمضي الدولة في تنفيذ مشروع تطوير الجزيرة وتوفير وحدات سكنية بديلة، يتمسك قطاع من الأهالي بأن يكون لهم حق الاختيار في البقاء داخل الجزيرة، من خلال صيغة تتيح استبدال الأرض بالأرض والمنزل بالمنزل، مع تعويض عادل عن المباني وضمانات قانونية واضحة، ويطرح الأهالي تصورًا تفصيليًا لمنطقة سكنية متكاملة، لا تقتصر على توفير قطع أراضٍ، وإنما تشمل شبكة طرق ومرافق ومدارس وخدمات ومساحات عامة.

Search