في عام 2012، اشترى نشأت الشيخ وحدة سكنية مطلة على الحزام الأخضر في الحي التاسع بمدينة العبور، بمحافظة القليوبية شمال شرق القاهرة، وانتقل إليها مع أسرته بعيدًا عن زحام أحياء القاهرة. وشجّعه على ذلك وجود حدائق ومساحات خضراء، وأخرى في طريقها إلى الزراعة، بما منحه وغيره من السكان تصورًا بأن المدينة ستحتفظ بطابعها الصديق للبيئة.
لكن المدينة شهدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في الرقعة الخضراء، بعد إزالة مساحات كبيرة من الأشجار والعشب واستبدالها بمشروعات تجارية، من بينها مولات ومحطات وقود تضم مطاعم ومقاهٍ، فيما لا تزال بعض أعمال الإنشاء مستمرة في أجزاء من الحزام الأخضر، وهو منطقة خضراء أو زراعية مصممة لتعمل «رئةً» للمدينة ومتنفسًا طبيعيًا يحسّن جودة الهواء ويحد من التلوث.
ويحكي نشأت أن إحدى المساحات الخضراء الكبيرة في الحي التاسع كانت، وفق مخطط تقسيم الحي، مخصصة للخدمات والحدائق، إلا أنها تحولت إلى قطع أراضٍ أُقيمت عليها عمارات سكنية، ما أدى إلى فقدان جزء كبير من المساحات المفتوحة داخل الحي.
ويؤكد لـ«زاوية ثالثة» أن تقليص المساحات الخضراء أسهم في زيادة التلوث الهوائي، خاصة مع وقوع المدينة بجوار محور العبور الذي يشهد حركة كثيفة للشاحنات والسيارات، موضحًا أن الأشجار كانت حاجزًا طبيعيًا يمتص جزءًا من الانبعاثات، بينما أدى استبدالها بمنشآت تجارية إلى زيادة الكثافات المرورية وما يصاحبها من عوادم، فتراجعت جودة الحياة في المدينة مقارنة بما كانت عليه حين انتقل إليها قبل أكثر من عقد.
وتكرر الأمر نفسه مع هيثم صبرة، الذي اشترى وحدة سكنية في الحي السابع قبل نحو ست سنوات، وكان وجود المساحات الخضراء أحد أهم أسباب اختياره السكن فيها، باعتبار الحزام الأخضر جزءًا أساسيًا من التخطيط العمراني للمدينة، خاصة مع قربها من المنطقة الصناعية.
غير أنه صُدم بتعرّض أجزاء من الحزام الأخضر على الطريق الرئيسي لأعمال تجريف متكررة في السنوات الأخيرة؛ إذ بات يلاحظ تجريف مساحات خضراء كبيرة من وقت لآخر، دون أن يعرف المسؤول عنها.
ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «الحزام الأخضر أُنشئ في الأساس للتخفيف من آثار الانبعاثات الصادرة عن المنطقة الصناعية المجاورة، ولذلك فإن تقليصه يؤثر سلبًا في جودة الهواء وصحة السكان، بينما المدينة تحتاج إلى تعزيز الغطاء النباتي لا تقليصه، خصوصًا مع وجود مصادر للتلوث الصناعي».
ويضيف: «الدولة تنشئ مشروعات عمرانية جديدة بهدف تحسين جودة الحياة، والحفاظ على المساحات الخضراء داخلها لا يقل أهمية عن تنفيذها؛ فالتفريط فيها يهدد إرثًا بيئيًا ينبغي الحفاظ عليه للأجيال المقبلة». ويرى أن تقليص المساحات الخضراء لا ينعكس على البيئة والصحة العامة فحسب، بل يؤثر أيضًا في جودة الحياة والسلوك المجتمعي، مؤكدًا أن المدينة تضم مساحات أخرى يمكن استغلالها للمشروعات الاستثمارية بعيدًا عن الحدائق والحزام الأخضر.

وتضم مدينة العبور 11 حيًا سكنيًا ومنطقتين صناعيتين، ويبلغ عدد سكانها نحو 800 ألف نسمة، بينما تشير تقديرات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة إلى أن الطاقة الاستيعابية والتعداد المستهدف للمدينة يتجاوزان المليون نسمة.
وخلال الأسابيع الماضية، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي شكاوى واستغاثات من سكان متضررين من تجريف أجزاء من الحزام الأخضر وتبويرها وتحويلها إلى مشروعات إنشائية وتجارية، بدلًا من بقائها مساحة مفتوحة خضراء تمثل متنفسًا للسكان، وتداولوا وسومًا مثل «أنقذوا_مدينة_العبور» و«لا_لتبوير_المساحات_الخضراء» و«العبور_تستغيث».
كما شارك عدد من سكان المدينة بيان استغاثة موجهًا إلى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، باسم نحو 500 ألف من السكان، لإنقاذ المدينة مما وصفوه بالكارثة الحضارية والأزمة البيئية التي تُرتكب، بحسب البيان، على يد جهاز مدينة العبور وهيئة المجتمعات العمرانية.
وقال البيان إن المدينة شهدت خلال السنوات الثلاث الماضية «هجمة شرسة وتعديًا سافرًا» على حدائقها الكبرى، إذ جرى تبوير مساحات خضراء كبيرة لصالح مشاريع تجارية، «ضاربين بعرض الحائط أدنى معايير احترام البيئة، ومستخفين بالعقود التي دفع السكان بموجبها أموالًا طائلة»، مشيرًا إلى امتداد هذه التعديات من محور المدينة مرورًا بالمنطقة الصناعية حتى الحزام الأخضر داخل المناطق السكنية.
وطالب البيان القيادة السياسية بالتدخل الفوري لوقف التعديات على المسطحات الخضراء، وإجراء مراجعة شاملة لأداء جهاز المدينة ولكل القرارات الصادرة بحق الأراضي الخضراء خلال السنوات الخمس الماضية، وإلغاء العقود المبرمة مع الشركات المتورطة في أعمال التبوير، وإعادة هذه الأراضي إلى غرضها الأصلي.
نوصي للقراءة: 11 ألف توقيع ودعوى قضائية: أهالي الزمالك يقاومون تطوير حديقة الزهرية التراثية

اتحاد الأحياء: فقدان نحو 30% من الحزام الأخضر
تُظهر الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية، عبر «جوجل إيرث» و«خرائط جوجل»، أعمال تجريف حديقة مجاورة لهاب مول على محور العبور، يعتقد السكان الذين تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» أن جهاز المدينة باعها لصالح مشروع تجاري، وتكرر الأمر مع الحديقة المجاورة لكمبوند هاي سيتي بالحي الخامس.
كما تُظهر الصور بداية زحف أعمال التجريف على المناطق السكنية في الحي التاسع، واختفاء مساحات خضراء شكّلت قبل سنوات حديقة عملاقة أمام أفينيو مول بالمنطقة الصناعية، وكذلك الحديقة التي كانت بجوار محطة وقود تشيل أوت على محور العبور، فيما توثّق أحدث التعديات الحديقة الواقعة على الحزام الأخضر بجوار أفينيو مول.
وتواصلت «زاوية ثالثة» مع أحد مؤسسي اتحاد الأحياء السكنية بمدينة العبور، الذي رفض ذكر اسمه، فأكد أن المدينة تشهد تجريفًا متواصلًا لأجزاء من الحزام الأخضر، إذ لا يكاد يمر شهر دون أن تتعرض قطعة خضراء للتجريف، مقدرًا ما فقده الحزام الأخضر خلال السنوات الأربع الماضية بنحو 30%، وموضحًا أن أجزاء من الحدائق أُزيلت تباعًا لإقامة مشروعات تجارية.
ويؤكد أن آخر ما رصده الاتحاد استعدادات لأعمال تجريف جديدة تتعلق بحديقة قرب نفق الحي التاسع، إلى جانب مخاوف من التعدي على حديقة أخرى تبلغ مساحتها نحو 6 آلاف متر مربع، بعدما رصد السكان تحديد مساحات داخل الحزام الأخضر بالحي التاسع، في مناطق ملاصقة للأحياء السكنية، بعلامات من الطباشير الأبيض، مع ورود معلومات للاتحاد عن اتخاذ إجراءات تمهيدية لتسليمها لمالك جديد، وهو ما أثار اعتراض السكان.
ويضيف: «الحزام الأخضر يمثل الشريان البيئي لمدينة العبور وأحد أبرز أسباب إقبال المواطنين على السكن فيها، لما يوفره من متنفس طبيعي ودور في تحسين جودة الهواء داخل مدينة قريبة من منطقة صناعية، والحفاظ عليه كان جزءًا من الهوية العمرانية للمدينة منذ إنشائها»، لافتًا إلى أن العبور تضم مساحات صحراوية يمكن استغلالها في المشروعات الاستثمارية دون المساس بالحدائق أو الحزام الأخضر.


ويوجّه بعض السكان واتحاد الأحياء السكنية، في شهاداتهم، أصابع الاتهام إلى شركات تطوير عقاري، من بينها شركة ريفلكت للتطوير العقاري (Reflect Developments)، صاحبة مشروع مول سيليكت العبور، الذي يقع مباشرة على محور العبور الرئيسي بالحي التاسع أمام أركان وأفينيو مول، ويمتد على مساحة 5000 متر مربع، ويُفترض أن يضم منطقة بنكية ومناطق ترفيهية وجراجات واسعة.
وتمتلك الشركة نفسها «أنفينيتي مول»، وهو مشروع تجاري في الحي التاسع يطل مباشرة على محور العبور والحزام الأخضر، وسبق أن أعلنت الشركة في 29 يناير 2026 اقتراب المول من مرحلة التسليم بمعدل إنشاءات يتجاوز 80%.

كما يتردد اسم شركة Kuwait Development Group للتطوير العقاري بين السكان الغاضبين، منذ أعلنت عن مشروعها «زون 8 العبور»، الذي يُفترض أن يقع على المحور الرئيسي للمدينة ويمتد على مساحة تبلغ نحو 25 ألف متر مربع، إذ يخشون أن يُبنى على أنقاض إحدى أكبر حدائق المدينة. ورغم مخاوف السكان واتهاماتهم، لم تعلّق أيٌّ من الشركتين علنًا على ما يُثار.


نوصي للقراءة: «رأس حنكوراب».. صراع بين المال والبيئة في محمية وادي الجمال

تراجع الرقعة الخضراء لصالح الاستثمار
يرى المحامي أحمد الصعيدي، رئيس المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، أن ما تشهده مدينة العبور من تجريف للمساحات الخضراء وتحويل أجزاء من الحزام الأخضر والحدائق إلى مشروعات استثمارية يعكس غياب الالتزام بالقواعد والتشريعات البيئية، إذ إن الأزمة لا تقتصر على العبور، وإنما تمتد إلى مناطق أخرى تشهد تراجعًا مستمرًا في الرقعة الخضراء لصالح التوسع العمراني والاستثماري.
ويوضّح أن الحزام الأخضر أُنشئ أساسًا لتعزيز المساحات الخضراء، خاصة في المدن الصناعية مثل العبور، للحد من آثار التلوث وامتصاص الانبعاثات الكربونية، مؤكدًا أن الحفاظ على تلك المساحات ينبغي أن يكون أولوية لدى أجهزة المدن الجديدة وهيئة المجتمعات العمرانية، بدلًا من تحويلها إلى أنشطة تجارية واستثمارية.
ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «هذا التوجه يتعارض مع مبادئ حماية البيئة التي نص عليها الدستور، ويتجاهل تطبيق القوانين البيئية، وفي مقدمتها اشتراطات تقييم الأثر البيئي للمشروعات، ويؤدي غيابها، إلى جانب غياب المشاركة المجتمعية وتقييم الأثر الاجتماعي، إلى جعل التنمية الحالية منقوصة، تركز على العائد الاقتصادي دون مراعاة البعد البيئي أو الاجتماعي».
ويوضّح أن التوسع في المشروعات العقارية والتجارية على حساب المساحات الخضراء يزيد البصمة الكربونية، ويقلص قدرة المدن على مواجهة التلوث، فضلًا عن حرمان السكان من المتنفسات الطبيعية، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الحياة والصحة العامة.
ويدعو إلى إعادة النظر في سياسات التعامل مع المساحات الخضراء، وإقرار تشريع مستقل لحماية الأشجار والمناطق الخضراء، لافتًا إلى أن مصر كانت تمتلك في السابق قانونًا يوفر حماية لهذه المساحات قبل إلغائه مع صدور قانون الزراعة الحالي. كما يطالب بإنشاء جهة مختصة تتولى التنسيق بين الجهات المختلفة، وتضع قواعد أكثر صرامة لحماية المناطق ذات الحساسية البيئية، وعلى رأسها الأحزمة الخضراء، بما يضمن عدم تغيير استخدامها إلا وفق ضوابط بيئية مشددة.
وتؤكد أسماء الحلوجي، رئيسة جمعية محبي الأشجار، أن الحفاظ على المساحات الخضراء يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من مفهوم التنمية المستدامة، وأن أي مشروعات تنموية ينبغي ألا تأتي على حساب الثروات الطبيعية أو حقوق الأجيال القادمة في بيئة صحية متوازنة.
وترى أن إنشاء مراكز تجارية أو مشروعات استثمارية ينبغي ألا يكون على حساب الحدائق أو الأحزمة الخضراء، متسائلة عن جدوى إزالة الحدائق لإقامة مولات في حين يمكن تنفيذها في مناطق صحراوية أو أراضٍ بديلة لا تمثل متنفسًا بيئيًا للسكان.
وتقول لـ«زاوية ثالثة»: «التنمية المستدامة تعني تحقيق التنمية الاقتصادية مع احترام الموارد الطبيعية والتراث البيئي، وفقدان المساحات الخضراء خسارة يصعب تعويضها، والدولة والمجتمع مطالبان بالالتزام بهذا المبدأ عند التخطيط للمشروعات العمرانية والاستثمارية».
وتشدد على أن الأشجار لم تعد عنصرًا تجميليًا أو رفاهية، بل باتت ضرورة بيئية وصحية في ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، إذ تسهم في خفض التلوث وامتصاص الانبعاثات وتلطيف المناخ وتوفير الظل وتحسين جودة الهواء، لافتة إلى أن المدن الصناعية مثل العبور تحتاج إلى زيادة الغطاء الشجري لا تقليصه. وتدعو وزارتي التنمية المحلية والبيئة إلى بحث ما يتردد بشأن تجريف المساحات الخضراء في المدينة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على ما تبقى منها.
نوصي للقراءة: كيلو سمك واحد يكلّف البحر عشرة: حسابات الصيد الجائر في البحر الأحمر

تحرك برلماني
إثر شكاوى السكان من تقليص المساحات الخضراء بمدينة العبور، تقدمت النائبة أميرة العادلي، في 4 يوليو الجاري، بطلب إحاطة إلى وزيرتي الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والتنمية المحلية والبيئة، مؤكدة أن الحفاظ على المساحات الخضراء ليس مجرد مظهر جمالي، بل حق للمواطن وأحد أهم مقومات جودة الحياة والتوازن البيئي، ويتسق مع توجهات الدولة نحو بناء مدن مستدامة.
وتقول العادلي إن «طلب الإحاطة يهدف إلى الوقوف على حقيقة ما أُثير بشأن تغيير استخدام بعض المساحات الخضراء، وبيان مدى توافقه مع المخطط العام للمدينة، والأسس القانونية والفنية التي استندت إليها تلك الإجراءات، ودور الجهات المعنية، وما اتُّخذ للحفاظ على الرقعة الخضراء»، متعهدة بمتابعة الملف داخل مجلس النواب انطلاقًا من دورها الرقابي.
فيما تؤكد النائبة بثينة أبو زيد تلقيها شكاوى من سكان المدينة بشأن تجريف أجزاء من الحزام الأخضر، مبديةً لـ«زاوية ثالثة» نيتها التقدم بطلب إحاطة لمساءلة الحكومة واستدعاء الجهات المعنية للوقوف على ملابسات ما يجري، وتحديد المسؤولين والمستفيدين من تغيير استخدامات الأراضي الخضراء.
وتشير إلى متابعتها الشخصية لما يجري بوصفها من سكان العبور، مؤكدة أن الحفاظ على المساحات الخضراء مطلب أساسي للسكان الذين اختاروا المدينة لما توفره من بيئة أقل ازدحامًا وهواء أكثر نقاءً، وأن تقليصها يهدد أحد أهم مقومات المدينة.
وفي إطار حق الرد على شكاوى السكان، حاولت «زاوية ثالثة» التواصل مع المهندس تامر جبر، رئيس جهاز مدينة العبور، إلا أنه لم يرد على أي من اتصالاتنا الهاتفية، كما تواصلت مع الدكتورة هبة معتوق، المتحدثة باسم وزارة البيئة، لسؤالها عما إذا كانت قد وردت شكاوى للوزارة بشأن تجريف مساحات خضراء بالمدينة، فنفت وجود معلومات لديها في هذا الصدد.
وجّهت «زاوية ثالثة» أسئلة إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وإلى شركتي ريفلكت وKuwait Development Group، بشأن ما ورد على لسان السكان واتحاد الأحياء من اتهامات بتجريف الحزام الأخضر لصالح مشروعاتها.
ورغم حاجة المدن الجديدة إلى مشروعات خدمية وتجارية، يطالب السكان والمدافعون عن البيئة بألا يأتي ذلك على حساب الرقعة الخضراء. ويبقى ملف تجريف المساحات الخضراء في مدينة العبور مفتوحًا بين روايات السكان وتحذيرات الخبراء والتحركات البرلمانية الأخيرة، في انتظار رد رسمي يوضح أسباب تغيير استخدام هذه المساحات ومدى توافقه مع المخطط العمراني والاشتراطات البيئية.