في أغسطس الماضي، أعلن وزير الطاقة والمياه الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، اعتزام بلاده إنشاء سدود إضافية لتعزيز الاستفادة من مياه النيل وزيادة إنتاج الكهرباء، مشيرًا إلى أن تدفق المياه إلى دول المصب سيظل خاضعًا لسيطرة أديس أبابا، وهو ما أعاد إشعال جذوة الجدل حول الملف المضطرب في القاهرة.
وفي حدث لاحق، في 23 أغسطس، قال إيتيفا إن الإدارة المشتركة لسد النهضة «مستحيلة تمامًا ولا يمكن تصورها»، مؤكدًا عدم وجود التزام قانوني يفرض على بلاده تقاسم إدارة السد مع دولتي المصب، وأن تدفقات مياه النيل المتجهة إلى مصر والسودان أصبحت تحت السيطرة الإثيوبية.
ولم يتوقف الوزير الإثيوبي عند رفض الإدارة المشتركة، إذ أشار إلى أن بلاده تمتلك مساحات واسعة من الأراضي القابلة للري بالقرب من سد النهضة، وأن عدم استغلالها حتى الآن يعكس، بحسب وصفه، مراعاة لاحتياجات مصر والسودان، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي من السد هو توليد الكهرباء لا إقامة مشروعات للري، لكنه تحدث عن إمكانية الاستفادة من المياه بعد مرورها عبر التوربينات.
وتزامنت التصريحات مع ما وصفته القاهرة والمتابعون للملف بالتصعيد الإثيوبي، إذ سبقها أن طرح وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيراو جارسو مطالبة مصر بتعويضات مالية مقابل استخدام مياه نهر النيل، باعتبارها دولة المنبع، بحسب قوله إن أديس أبابا تسهم بنسبة 86% من التدفقات، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، وهو ما يعتبره خبراء تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» محاولة لـ«تسعير المياه» لا تتوافق مع معايير القانون الدولي.
وردًا على التصريحات الإثيوبية، أكدت مصر تمسكها باتخاذ جميع التدابير التي يكفلها القانون الدولي لحماية حقوقها المائية، وخلال اجتماع لوزير الخارجية بدر عبد العاطي مع وزير الموارد المائية والري هاني سويلم، شدد الجانبان على أن حماية الأمن المائي المصري لا تتعارض مع حق الشعوب الأفريقية في التنمية، مؤكدين أن نهر النيل مورد مائي عابر للحدود، وأن إدارة موارده ينبغي أن تتم وفق قواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها عدم إلحاق الضرر بدول المصب، والإخطار المسبق، والتشاور والتوافق بين الدول المعنية.
وخلال جلسة صحفية عقدت بمقر وزارة الخارجية المصرية مع ممثلي الصحافة الأجنبية، أكد وزير الخارجية المصري أن البلاد أعلنت موقفها بوضوح، وأن المسار التفاوضي بشأن سد النهضة «انتهى ووصل إلى طريق مسدود»، مشيرًا إلى أن القاهرة تحتفظ بحقها في استخدام الوسائل التي يكفلها القانون الدولي للدفاع عن نفسها ومصالحها وأمنها المائي، إذا تعرضت لضرر أو خطر.
وردًا على سؤال بشأن ما إذا كان هذا الموقف يعني إمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري، أكد وزير الخارجية أن القانون الدولي يكفل للدول حق الدفاع عن نفسها ومصالحها إذا تعرضت للخطر، مشددًا على أن مصر «لديها الحق كاملًا في الدفاع عن نفسها».
وفي سياق متصل، جددت مصر والسودان تأكيدهما أن الأمن المائي للبلدين «لا يقبل المساس»، وأن حمايته لا تتعارض مع حق دول حوض النيل في تحقيق التنمية المستدامة، وذلك خلال مباحثات وزير الزراعة والري السوداني عصمت قرشي ووزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم في القاهرة، والتي تناولت التعاون الفني والمشروعات المشتركة، في ظل استمرار أزمة سد النهضة وغياب اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل والتعامل مع فترات الجفاف والتصريفات المائية.
ووفق بيان وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية، أكد الوزيران أهمية تعزيز التنسيق بين البلدين بشأن التطورات في حوض النيل الشرقي، ولا سيما ما يرتبط بملء وتشغيل السد الإثيوبي، بما يحمي الأمن المائي ومصالح شعبي مصر والسودان، مع التشديد على مبادئ التعاون والتشاور وتبادل المعلومات وعدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى.
وبحث الجانبان، إلى جانب إقامة مشروعات زراعية مشتركة في السودان، عددًا من ملفات التعاون المائي، من بينها تأهيل خزان جبل الأولياء، وتطوير منظومة الرصد والقياس، وإعادة تفعيل بعثة بحيرة السد العالي بصورة مشتركة، فضلًا عن مشروعات الحماية من الفيضانات وحصاد مياه الأمطار والمياه الجوفية وبناء القدرات.
نوصي للقراءة: نهر النيل أمام أخطر اختبار منذ السد العالي: جفاف وسد يحبس المياه وعجز هيكلي لا حل له في الأفق

كيف تتحرك مصر؟
في القاهرة، لا تتوقف تداعيات أزمة سد النهضة عند حدود التصريحات المتبادلة؛ إذ يتزامن التصعيد السياسي مع نقاش متزايد حول مستويات المياه وإدارة الموارد المائية وقدرة الدولة على التعامل مع أي تغير في التدفقات الواردة إليها، وكانت مصر قد اتهمت إثيوبيا بإجراء تصرفات أحادية في إدارة السد أدت إلى تغييرات حادة في كميات المياه المتدفقة إلى دولتي المصب، بينما نفت أديس أبابا مسؤوليتها عن الفيضانات التي شهدها السودان، وقالت إن السد أسهم في الحد من آثارها.
يرى السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن أمام مصر مسارًا سياسيًا ودبلوماسيًا لم تستنفد أدواته بعد، مشيرًا إلى أن استئناف المفاوضات مع إثيوبيا يمكن أن يكون أحد هذه المسارات، لكن بشرط أن تستهدف التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد تشغيل سد النهضة، لا مجرد بيانات أو تفاهمات سياسية غير ملزمة.
ويعتبر أن جوهر الخلاف في الجولات السابقة تمثل في اختلاف الطرفين حول طبيعة المخرجات المطلوبة، إذ تمسكت مصر باتفاق قانوني ملزم، بينما فضّلت إثيوبيا، بحسب تقديره، إطارًا سياسيًا، وهو ما أفقد المفاوضات قدرتها على تحقيق تقدم فعلي.
وعلى المستوى الخارجي، يرى حسن أن التحرك المصري يمكن أن يركز على المؤسسات الإقليمية الأفريقية، باعتبارها الإطار الأكثر ارتباطًا بالنزاع، مع الاستفادة في الوقت نفسه من الدور الأمريكي وقدرته على التأثير في القيادة الإثيوبية، ويستبعد أن يكون اللجوء إلى الأمم المتحدة هو المسار الأكثر فاعلية في المرحلة الحالية، موضحًا أن مثل هذه النزاعات المتعلقة بالأنهار الدولية يمكن التعامل معها بصورة أكبر عبر الأطر الإقليمية والدبلوماسية، مع استمرار القاهرة في طرح موقفها وتوثيق أوجه الخلاف أمام الأطراف الدولية والإقليمية.
ولا يستبعد حسن أن تتغير طبيعة الخيارات المصرية مع تطور الأزمة، لكنه يشير إلى أن مصر لم تستنفد بعد المسارات السياسية المتاحة قبل الانتقال إلى خيارات أخرى.
ويتفق معه أحمد سلطان، الباحث في قضايا الأمن الإقليمي، إذ يقول إن مصر لا تزال تتعامل مع ملف السدود الإثيوبية باعتباره ملفًا سياسيًا، وليس عسكريًا أو أمنيًا، مشيرًا إلى أن طبيعة إدارة الملف تحدد أدوات التعامل معه ومسارات التحرك بشأنه. ويرى أن القاهرة لم تستنفد حتى الآن الخطوات والخيارات السياسية المتاحة أمامها قبل الانتقال إلى خيارات أخرى.
ويؤكد سلطان أن قبول مصر ببناء سدود إضافية داخل إثيوبيا، خصوصًا السدود الحدودية التي قد تعيق تدفق المياه أو تخل بالالتزامات القانونية والاتفاقيات الإطارية بين دول حوض النيل، «غير مقبول بالنسبة لمصر»، مشيرًا إلى أن القاهرة لن تكرر ما يعتبره «خطأ» التعامل مع سد النهضة الإثيوبي.
ويضيف أن الخيارات أمام مصر تظل مفتوحة، إذ إن التعامل مع الملف لا يزال سياسيًا، مع إمكانية تحول طبيعة التعامل مستقبلًا إذا طرأت تطورات تستدعي ذلك، لكنه يرى، استنادًا إلى متابعته للسياسة الخارجية المصرية خلال العقد الماضي، أن الخيار العسكري ليس المطروح في الوقت الحالي، وإنما قد يعتمد التحرك على الدمج بين الإجراءات الدبلوماسية والاستخباراتية، بينما يظل اللجوء إلى الخيار العسكري، وفق تعبيره، «آخر الدواء الكي».
ويشير سلطان إلى أن المطروح حاليًا هو التحرك السياسي، عبر محاولة إعادة تقوية العلاقات مع دول حوض النيل والدول الأفريقية، إلى جانب الضغط بالتعاون مع قوى دولية، من بينها الولايات المتحدة، مع احتمال دخول الصين على خط التحركات المرتبطة بالملف.
ويلفت إلى ضرورة التمييز بين التلويح ببناء سدود جديدة وبين الشروع الفعلي في البناء، وكذلك بين وجود نية لتنفيذ مشروع وبدء تنفيذه على الأرض، معتبرًا أن طبيعة التعامل المصري تختلف باختلاف المرحلة التي يصل إليها المشروع.
ويؤكد أن مصر ستتحرك في هذا الملف بصورة أساسية من خلال الأدوات الدبلوماسية والقانونية، في إطار ما يسميه «سياسة الاتزان الاستراتيجي»، موضحًا أن القاهرة لا تريد خسارة أو توتير علاقاتها مع دول حوض النيل، بما فيها إثيوبيا.
من جانبها، تقول الدكتورة سارة كيرة، الباحثة بالعلاقات الدولية ومديرة المركز الأوروبي الشمال أفريقي للدراسات، إن القاهرة اختارت على مدى أكثر من عقد طريق التفاوض والقانون الدولي في التعامل مع قضية سد النهضة، رغم التصريحات الإثيوبية المتكررة التي تصف بعضها بالتصعيد والاستفزاز، ورغم استمرار أديس أبابا في تنفيذ مشروعها وملئه وتشغيله دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم مع مصر والسودان.
وتوضح في حديث لـ«زاوية ثالثة» أن مصر ترى من جانبها أن التفاوض ممكن، والتعاون ممكن، والتنمية ممكنة، لكن فرض الأمر الواقع على حساب الحقوق المائية المصرية والسودانية ليس سلامًا، وليس تعاونًا، وليس احترامًا للقانون الدولي.
وترى سارة أنه «لم يعد من الممكن اليوم التعامل مع أزمة سد النهضة باعتبارها خلافًا فنيًا محدودًا حول مشروع لتوليد الكهرباء، فالتطورات الأخيرة، ولا سيما إعلان إثيوبيا المضي في خطط إنشاء ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق، تؤكد أننا أمام مرحلة جديدة تتعلق بمستقبل إدارة هذا المورد المائي الحيوي، وباحتمال تحول سد النهضة من مشروع منفرد إلى جزء من منظومة أكبر من المنشآت المائية التي يمكن أن يكون لها تأثير تراكمي على تدفقات النيل الأزرق».
وتلفت الباحثة المختصة بالعلاقات الدولية إلى إعلان أديس أبابا في مارس الماضي خططًا لتطوير ثلاثة مشروعات كهرومائية جديدة على النيل الأزرق هي كارادوبي وماندايا وبيكو آبو، بإجمالي قدرة معلنة تقارب 5700 ميجاوات واستثمارات تقدر بنحو 10.5 مليار دولار، مشيرة إلى أن هذه المشروعات لا تزال في مراحل التخطيط والإعداد، وبالتالي فإن أرقامها وتصميماتها النهائية قابلة للتغير، لكنها في حد ذاتها تمثل تحولًا مهمًا في طريقة التفكير الإثيوبي في استغلال النيل الأزرق.
وتوضح أن الأزمة ليست في عدد السدود فقط، وإنما في التراكم، فعندما تنتقل الدولة من مشروع واحد إلى الحديث عن سلسلة من المنشآت على مجرى مائي دولي، فإن القضية تصبح مرتبطة بقواعد تشغيل هذه المنشآت مجتمعة، وبكيفية إدارة تدفقات المياه في سنوات الوفرة والفيضان، وفي سنوات الجفاف والجفاف الممتد، وبآليات تبادل البيانات والإخطار والتعامل مع حالات الطوارئ.
وتعتمد مصر على مياه النيل بشكل شبه كامل لسد احتياجاتها اليومية، إذ تشير تقديرات منشورة للجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى أن الزراعة تحتاج نحو 76% من موارد المياه في البلاد، فضلًا عن مياه الشرب، وفي المقابل، يؤكد خبراء مصريون أن نقص الإمدادات يمكن التعامل معه جزئيًا عبر مخزون السد العالي وإجراءات إعادة استخدام المياه، لكن استمرار الضغوط على الموارد يفرض تحديات أكبر على قطاعات الزراعة والأمن الغذائي.
وتواجه البلاد فجوة مائية هيكلية ضخمة بين احتياجاتها وما هو متاح من موارد. فبحسب تقديرات منشورة، تبلغ الحاجة الفعلية لمصر نحو 114 مليار متر مكعب سنويًا، بينما لا يتجاوز إجمالي الموارد المتاحة نحو 80 مليار متر مكعب، تشمل 55.5 مليار متر مكعب من حصة النيل التاريخية بحسب اتفاقية 1959، إضافة إلى مصادر أخرى أقل حجمًا من المياه الجوفية والتحلية والأمطار، وهو ما يترك عجزًا يقدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الموارد المائية والري بنحو 54 مليار متر مكعب سنويًا (بحساب الفارق بين إجمالي الاحتياجات الفعلية والموارد المتجددة المتاحة).
وتسدّ مصر جانبًا من هذه الفجوة عبر مصدرين رئيسيين: إعادة استخدام المياه (نحو 21.6 مليار متر مكعب سنويًا من الصرف الزراعي المعالج)، واستيراد المحاصيل الزراعية في صورة «مياه افتراضية» (نحو 34 مليار متر مكعب سنويًا)، إضافة إلى سحب جائر من المياه الجوفية العميقة (3 إلى 4 مليارات متر مكعب سنويًا)، وهو حل غير مستدام بيئيًا.
ولا يوجد حتى الآن اتفاق قانوني ملزم بين مصر وإثيوبيا والسودان ينظم طريقة تشغيل السد في سنوات الجفاف، ما يجعل دول المصب عرضة لصدمات مفاجئة في التصريفات، كما حدث في أواخر أغسطس 2025 عندما انخفضت التصريفات إلى نحو 111 مليون متر مكعب يوميًا، ثم قفزت فجأة إلى نحو 750 مليون متر مكعب في سبتمبر، ما تسبب في فيضانات مفاجئة في السودان.
نوصي للقراءة: من «التمويل الغبي» إلى وعود بالحل… لماذا يتحدث ترامب عن سد النهضة الآن؟

لماذا لا تتحرك مصر عسكريًا؟
يبقى هذا السؤال الأكثر حضورًا كلما أثيرت مناقشات في مصر حول أزمة سد النهضة، خاصة على المستوى الشعبي غير الرسمي. وفي هذا السياق، يطرح الدبلوماسي المصري عبد الرحيم شلبي، مساعد وزير الخارجية وسفير سابق، في تحليل نشره موقع «أوريان 21» في أغسطس الماضي، حدود هذا الخيار الصعب ولماذا لم تلجأ إليه القاهرة حتى اللحظة رغم التهديد المباشر لأمنها المائي.
ويشير إلى أن ضبط النفس المصري لا يرتبط، في تقديره، بعجز في القدرات العسكرية، وإنما بتعقيدات عملية وسياسية؛ فالسد يقع على مسافة تقارب 1400 كيلومتر من مصر، ما يجعل أي عملية جوية بعيدة المدى شديدة التعقيد، بينما قد يتيح استخدام قواعد في السودان تجاوز مشكلة المسافة، لكنه ينطوي على مخاطر تتعلق باستقرار السودان واحتمال إدخاله في مواجهة مباشرة مع إثيوبيا.
ويلفت كذلك إلى صعوبة إحداث تدمير كامل لسد من الخرسانة المرصوصة بواسطة الضربات الجوية التقليدية، فضلًا عن مخاطر انهيار خزان ممتلئ وما قد يترتب عليه من أضرار في إثيوبيا والسودان قبل وصول المياه إلى الأراضي المصرية.
ويضيف شلبي بُعدًا سياسيًا إلى هذه الحسابات، معتبرًا أن أي تدخل عسكري مصري ضد إثيوبيا قد تكون له كلفة إقليمية تتجاوز الجانب العسكري، في ظل حساسية العلاقة بين مصر ودول أفريقيا جنوب الصحراء، وما قد يترتب على ذلك من إضعاف لصورة القاهرة كشريك أفريقي.
ومن ثم، لا يقدم الخيار العسكري في تحليله باعتباره مسارًا بسيطًا أو منخفض الكلفة، وإنما يربطه بمجموعة من التداعيات العسكرية والسياسية والإقليمية التي تدخل في حسابات القاهرة.
وفي المقابل، يطرح التحليل أدوات ضغط غير عسكرية، من بينها توظيف العلاقات مع الدول والمؤسسات التي يمكن أن تؤثر في تمويل مشروعات السدود الإثيوبية المستقبلية، مشيرًا إلى إمكانية استهداف الممولين الإقليميين، وفي مقدمتهم الإمارات، للضغط باتجاه تجميد دعم مشروعات السدود الجديدة على النيل الأزرق، إلى جانب الاستفادة من نفوذ الولايات المتحدة داخل المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ويربط الدبلوماسي المصري هذه الأدوات بهدف أوسع يتمثل في دفع إثيوبيا إلى إخضاع منظومة النيل الأزرق لاتفاق قانوني ملزم، خصوصًا مع إعلانها ثلاثة سدود إضافية هي كارادوبي وماندايا وبيكو آبو، معتبرًا أن بناء هذه المشروعات من شأنه أن يوسع نطاق الأزمة إلى ما يتجاوز سد النهضة وحده.

من واشنطن إلى تل أبيب.. كيف تتحرك أديس أبابا؟
تضع سارة كيرة بعدًا إقليميًا أوسع لقراءة مشهد التصعيد الراهن، وتقول في حديثها معنا إن «خطورة المشهد الراهن تزداد عندما نضع التصعيد الإثيوبي في ملف المياه بجوار التحولات الجيوسياسية التي تشهدها علاقات إثيوبيا بالقوى الدولية».
وتوضح أن الفترة الأخيرة شهدت العلاقات الإثيوبية-الأمريكية ارتفاعًا واضحًا في مستوى التعاون السياسي والأمني والعسكري، وصولًا إلى اتصالات رفيعة المستوى بين الجانبين، وتطوير أطر للحوار الاستراتيجي، ثم تعزيز التعاون الدفاعي والأمني، وفي أغسطس الماضي شهدت العلاقات خطوة لافتة تمثلت في مشاورات دفاعية رفيعة المستوى بين البلدين، في إطار السعي إلى تطوير التعاون الاستراتيجي في مجالات الدفاع والأمن.
وتضيف: «في الاتجاه الآخر، شهدت العلاقات الإثيوبية-الإسرائيلية تصاعدًا متسارعًا، شمل زيارات سياسية رفيعة المستوى وتعاونًا في الأمن والتكنولوجيا والزراعة والاستثمار، فضلًا عن مجالات مرتبطة بإدارة المياه والري والتكنولوجيا الزراعية».
وتؤكد سارة أن تلك المؤشرات لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة أو إسرائيل أعلنتا تأييدًا للموقف الإثيوبي في قضية سد النهضة، لأن مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى دليل مباشر، لكن لا يمكن أيضًا تجاهل التزامن الجيوسياسي بين تشدد إثيوبيا في ملف المياه وتوسع شراكاتها الدولية في مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا والاستثمار، موضحة أنه «في السياسة الدولية، لا تقاس موازين القوة فقط بالبيانات الرسمية التي تعلن الانحياز لطرف، وإنما أيضًا بحجم الشراكات التي تُبنى، وطبيعة القطاعات التي تشملها، ومستوى الدعم السياسي والاقتصادي والأمني الذي تحصل عليه الدول».
وتشدد على أن ما يحدث في العلاقات الإثيوبية مع واشنطن وتل أبيب يجب أن يدخل ضمن الحسابات الاستراتيجية المصرية، لا باعتباره دليلًا تلقائيًا على وجود تحالف موجه ضد مصر، وإنما باعتباره تغيرًا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بالأزمة المائية المصرية-الإثيوبية.
ولا يمكن فصل ذلك عن أن إثيوبيا، في الوقت الذي توسع فيه شبكة علاقاتها الدولية، تواصل التمسك بموقفها الرافض للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم مع مصر والسودان بشأن قواعد تشغيل سد النهضة، وتنتقل الآن إلى مرحلة الحديث عن مشروعات جديدة على النيل الأزرق، بحسب سارة.
وتوضح أن موقف مصر يرتبط بالمبادئ الأساسية الحاكمة لاستخدام المجاري المائية الدولية، وفي مقدمتها الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم إحداث ضرر ذي شأن، والتعاون وتبادل المعلومات والإخطار والتشاور بشأن المشروعات التي يمكن أن تؤثر في الدول الأخرى.
وأكدت مصر هذه الرؤية مرارًا أمام مجلس الأمن، ففي الأول من سبتمبر 2024، وجه وزير الخارجية المصري خطابًا إلى رئيس مجلس الأمن على خلفية إعلان إثيوبيا استمرار إجراءات الملء الخامس لسد النهضة، جددت فيه القاهرة رفضها للسياسات الإثيوبية الأحادية، باعتبارها مخالفة لقواعد ومبادئ القانون الدولي وخرقًا لإعلان المبادئ الموقع عام 2015، وكذلك للبيان الرئاسي لمجلس الأمن الصادر في سبتمبر 2021.
وبالتزامن مع التشغيل الرسمي للسد في سبتمبر 2025، أكدت مصر أن افتتاح السد لا يمنح الإجراءات الإثيوبية الأحادية شرعية قانونية، واعتبرت استمرار الملء والتشغيل دون اتفاق ملزم استمرارًا لما وصفته بالانتهاكات الإثيوبية لالتزاماتها بموجب القانون الدولي وإعلان المبادئ لعام 2015.
وترى الباحثة المصرية أن انتهاء مسار المفاوضات بعد 13 عامًا جاء نتيجة غياب الإرادة السياسية الإثيوبية للتوصل إلى حل، ومحاولة استخدام التفاوض غطاءً لتكريس الأمر الواقع.
ووثقت وزارة الموارد المائية والري المصرية لاحقًا ما وصفته بالتشغيل الأحادي وغير المنضبط للسد، مشيرة إلى تصريفات كبيرة ومفاجئة بعد افتتاحه؛ إذ قالت إن التصريف بلغ نحو 485 مليون متر مكعب في 10 سبتمبر 2025، ثم ارتفع إلى نحو 780 مليون متر مكعب في 27 سبتمبر، قبل أن ينخفض إلى نحو 380 مليون متر مكعب في 30 سبتمبر (وهي قياسات وزارية للتصريف اليومي في مواضع رصد محددة، تختلف عن أرقام أواخر أغسطس المشار إليها سابقًا).
وتكشف هذه الواقعة، بحسب سارة، أن المخاطر المرتبطة بالسد لا تتعلق فقط بكمية المياه المخزنة، وإنما أيضًا بطريقة التشغيل والتصرفات المائية التي تصل إلى دول المصب في غياب آلية ملزمة ومشتركة لإدارتها.
وتضيف أن هذا يجعل الحديث عن سدود جديدة أكثر أهمية من مجرد الإعلان عن مشروعات لتوليد الكهرباء؛ فإذا أصبح سد النهضة جزءًا من منظومة تضم سدودًا أخرى أعلى المجرى، فلا ينبغي قياس تأثير كل مشروع بصورة منفردة، وإنما النظر إلى التأثير التراكمي للمنشآت على تدفقات النيل الأزرق بأكملها.
ومن هنا، تصبح الحاجة إلى اتفاق قانوني ملزم أكثر إلحاحًا، لأن الهدف لا يقتصر على تحديد كميات المياه، وإنما يمتد إلى وضع قواعد لإدارة الجفاف والجفاف الممتد والفيضانات، وتبادل البيانات، والإخطار المسبق، وإدارة الطوارئ، وضمان سلامة المنشآت الواقعة أسفل السدود، وعدم إحداث أضرار جسيمة بالدول الأخرى.
وتشير كيرة إلى أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن التشغيل الأحادي يمكن أن يخلق مخاطر في الاتجاهين؛ فالمسألة لا تتعلق فقط باحتمال انخفاض المياه، وإنما أيضًا بالتغيرات المفاجئة في كميات التصريف، بما يفرض ضغوطًا إضافية على منظومة إدارة المياه في السودان ومصر.
وترى أن التعامل المصري مع الأزمة يجب أن يستمر باعتباره سياسة صبر استراتيجي، لا تراجعًا عن الحقوق، لكن الصبر الاستراتيجي، بحسبها، له حدود؛ فالتفاوض لا يعني القبول بالأمر الواقع، والالتزام بالحلول السلمية لا يعني التخلي عن أدوات حماية الأمن القومي.
نوصي للقراءة: أزمة المياه تتفاقم في مصر: انقطاعات متكررة وارتفاع في الأسعار

سيناريوهات التعامل المصري
تضع سارة كيرة عدة مسارات للتحرك المصري في المرحلة المقبلة، في مقدمتها الاستمرار في تدويل الملف قانونيًا ودبلوماسيًا، وتوثيق الإجراءات الأحادية وآثارها، وعدم السماح بتحول الوقائع المفروضة على الأرض إلى حقوق مكتسبة بمرور الوقت.
وكذلك ترى ضرورة تعزيز التنسيق المصري-السوداني، باعتبار أن أمن مصر المائي لا يمكن فصله عن أمن السودان، الدولة الواقعة مباشرة أسفل منظومة السدود الإثيوبية، إلى جانب تكثيف التحرك المصري داخل أفريقيا لإظهار أن القاهرة لا تعارض التنمية الإثيوبية أو الأفريقية، وإنما تتمسك بمبدأ أن الأنهار العابرة للحدود لا يمكن أن تُدار بمنطق السيادة المنفردة.
وتضيف أن التحرك الخارجي يجب أن يتزامن مع تعزيز قدرة مصر الداخلية على مواجهة الضغوط المائية، عبر إعادة استخدام المياه والتحلية وتقليل الفاقد وتطوير منظومة الري وحماية الموارد المائية والاستعداد للسيناريوهات الهيدرولوجية المختلفة.
وترى أن الخطر الأكبر لا يكمن في بناء سد جديد بحد ذاته، وإنما في تحول سلسلة السدود والمنشآت إلى منظومة دائمة للتحكم في تدفقات النيل الأزرق دون قواعد تشغيل ملزمة ومقبولة من دول المصب، وعند هذه النقطة لن تصبح القضية مرتبطة بسد النهضة وحده، وإنما بمستقبل النظام المائي في حوض النيل الشرقي بأكمله.
وتؤكد أن سد النهضة أصبح واقعًا ماديًا، لكن الواقع المادي لا يصنع وحده شرعية قانونية، ولا يمنح دولة واحدة الحق في إعادة صياغة قواعد نهر دولي بصورة أحادية. وبالتالي، لم تعد القضية فقط كيف ستدير إثيوبيا سد النهضة، وإنما كيف سيُدار النيل الأزرق كله، ومن سيضع قواعد هذه الإدارة.
وفي سياق متصل، يقول أحمد سلطان إن مصر، رغم ما حدث في ملف سد النهضة، لا تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها دولة معادية، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل «الاتجاهات المتطرفة التي تريد الإضرار بمصر»، مشيرًا إلى إدراك القاهرة لمكانة إثيوبيا باعتبارها دولة كبيرة في شرق أفريقيا وحوض النيل، وأن البلدين ليسا في حالة حرب حتى الآن.
وأخيرًا، بعد أكثر من عقد على بدء مفاوضات سد النهضة، تبدو الأزمة أمام مرحلة مختلفة؛ فإثيوبيا لا تكتفي بتثبيت واقع السد الذي دخل مرحلة التشغيل، وإنما تتحدث عن مشروعات جديدة على النيل الأزرق، فيما تؤكد القاهرة أن أمنها المائي وحقوقها لا يمكن أن يكونا موضع تفاوض أو أمر واقع. وبينما تقول مصر إن المسار التفاوضي وصل إلى طريق مسدود، فإن تصريحات مسؤوليها لا تعني إعلان الانتقال إلى الخيار العسكري، بقدر ما تؤكد الاحتفاظ بالحقوق التي يكفلها القانون الدولي.