على مدى عامين سبقا حديثها إلى «زاوية ثالثة» في مايو 2026، عانت ندى منصور، المصابة بالثلاسيميا أو أنيميا البحر المتوسط، صعوبة الحصول على بعض الأدوية المستوردة، وفي مقدمتها جادينو (Jadenu). يحتوي الدواء على ديفيراسيروكس، أحد الأدوية الخالبة للحديد التي تُستخدم لإزالة الحديد الزائد، ومن بين من يحتاجون إليها مرضى يتلقون نقل دم متكررًا. وتربط ندى بين تعطل علاجها ومضاعفات صحية تقول إنها شملت تضرر العظام والخضوع لعمليتين لتغيير مفصل الفخذ؛ وهي روايتها لتطور حالتها، وليست تشخيصًا مستقلًا لأسباب كل مضاعفة.
تقول ندى إنها لجأت إلى منتج محلي بديل عندما تعذر العثور على الدواء المستورد، لكنها لاحظت ارتفاع إنزيمات الكبد وقرحًا بالمعدة، واعتقدت أن العلاج لم يخفض الحديد بالقدر المطلوب. وفي الشهرين السابقين لشهادتها، واجهت صعوبة في إيجاد البديل نفسه بالصيدليات، وتوقفت عن تناول الجرعات التي تُصرف لها على نفقة الدولة لإعطائها لشقيقتها المصابة أيضًا، والتي كانت تعاني ارتفاعًا شديدًا في الحديد، من دون تحسن لاحظته الأسرة. وتنقل هذه الشهادة تصرفًا اضطراريًا للمريضة، ولا تمثل توصية بمشاركة الأدوية أو إيقاف العلاج دون إشراف طبي.
ولا تثبت تجربة فردية وحدها تفوق دواء مستورد على بديله المحلي أو أن كل الأعراض سببها الدواء؛ فاستجابة المريض والجرعة والالتزام والعوامل الصحية المصاحبة تحتاج إلى تقييم متخصص. وتعود شهادات المرضى والأسعار التي يوردونها في هذا التقرير إلى مادة أُعدت في مايو 2026، ما لم يُذكر تاريخ آخر صراحةً.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “تتوالى حالات الوفاة بين مرضى الثلاسيميا من الأطفال والبالغين في مصر بسبب مضاعفات زيادة الحديد، في ظل غياب الرعاية الطبية المتخصصة وصعوبة الحصول على العلاج أو المتابعة خارج منظومة التأمين الصحي، إضافة إلى نقص أدوية ومكملات أخرى يفترض صرفها بقرارات علاجية، مثل الكالسيوم و”إل-كارنتين” الداعم لعضلة القلب”.
وتلفت ندى إلى صعوبات أثناء جلسات نقل الدم، قائلة إن بعض المرضى يُوقف نقل الدم لهم عند ظهور مضاعفات، من دون أن يجدوا متابعة مناسبة أو مسارًا بديلًا لاستكمال الرعاية. وتطالب بمراكز متخصصة للثلاسيميا وأمراض الدم، وبالأدوية والمستلزمات اللازمة، ومنها مضخات ديسفرال (Desferal)، الذي يحتوي على ديفيروكسامين لإزالة الحديد الزائد. وتقول إن الاعتماد المتكرر على الوصول الوريدي أضر بأوردة بعض المرضى وصعّب نقل الدم لاحقًا. ويُستخدم ديفيروكسامين تحت الجلد أو وريديًا بحسب الخطة الطبية؛ لذلك لا تعني الشكوى أن إعطاءه بالوريد خطأ في ذاته.
والتمييز ضروري بين وقف النقل عند الاشتباه في تفاعل ضار، وهو إجراء قد تفرضه سلامة المريض، وبين تركه دون تقييم ومتابعة وخطة لاستكمال الرعاية. تنصب شكوى المرضى هنا على ما يحدث بعد توقف الجلسة وعلى صعوبة الوصول إلى البديل المناسب.
الثلاسيميا مجموعة اضطرابات وراثية تؤثر في إنتاج الهيموجلوبين، وقد تسبب فقر الدم والتعب والشحوب وتضخم الطحال ومشكلات بالعظام. وتختلف شدتها واحتياجات علاجها: فحامل الصفة الوراثية لا يساوي مريض الثلاسيميا الشديدة، ولا يحتاج جميع المصابين إلى نقل دم منتظم. يركز هذا التقرير على معاناة مرضى يحتاجون إلى نقل الدم وأدوية إزالة الحديد، وعلى الفجوة بين اعتماد العلاج وإمكان الحصول عليه فعليًا.
وتختلف الأرقام المتداولة باختلاف ما تقيسه. ففي مايو 2025 أعلنت وزارة الصحة تقديم الخدمات الطبية لنحو 24 ألف مريض، بينهم 18 ألف طفل و5500 بالغ؛ وهذا عدد مستفيدين من خدمات، وليس تعدادًا نهائيًا لكل المصابين في مصر. أما الدراسات فتورد تقديرات لحاملي الصفة الوراثية: عرضت دراسة منشورة في 2020 نطاقًا بين 5.3% وما يزيد على 9%، وأوردت دراسة في 2021 تقديرات بين 9% و10%. كما تكرر في الأدبيات تقدير قديم يقارب ألف مولود مصاب لكل 1.5 مليون مولود حي سنويًا. هذه تقديرات بحثية من فترات مختلفة، ولا يصح تقديمها باعتبارها إحصاءً وطنيًا جديدًا لعام 2026، أو الخلط بين حمل الجين والإصابة التي تستلزم علاجًا منتظمًا.
وفي مايو 2024 أعلنت وزارة الصحة رصد 32,591 حالة ضمن مبادرة فحص المقبلين على الزواج، بنسبة 1.9% من نحو 1.7 مليون شخص شملهم الفحص. يخص الرقم عينة المبادرة وتعريفها للحالات المكتشفة، ولا يجوز جمعه آليًا مع عدد متلقي الخدمة أو اعتباره حصرًا للحالات الشديدة. وعندما يكون الأب والأم حاملين لصفة بيتا ثلاسيميا، تبلغ احتمالية إنجاب طفل مصاب 25% في كل حمل على حدة، وليس طفلًا واحدًا بالضرورة من كل أربعة أبناء في الأسرة.
وتظهر استمرارية مشكلة الوصول إلى الخدمة في شهادات أخرى نقلتها «القاهرة 24» في 27 سبتمبر 2026 عن مرضى بوحدة المصل واللقاح بالدقي. قال المرضى إنهم أُبلغوا بعدم تجديد قراراتهم وتحويلهم إلى جهات أخرى، وأبدوا قلقهم من قدرة البدائل على استقبالهم وتوفير الدم. كانت تلك روايات المرضى المنشورة في ذلك التاريخ، ولم يتضمن التقرير المشار إليه ردًا رسميًا يحسم أسباب القرار أو نطاقه.
مرض واحد وأعباء تتوارثها الأسر
قبل خمس سنوات من حديثها، خاضت علا جمعة، المصابة بأنيميا البحر المتوسط ووالدة طفلة مصابة بالمرض نفسه، رحلة بين المستشفيات والمعامل حتى تأكد تشخيص ابنتها. تقول إنها واجهت تعليقات مهينة من طبيبة بسبب زواجها من قريب لها، قبل تحويلها إلى طبيبة أخرى تولت المتابعة. وقد يزيد زواج الأقارب احتمال اجتماع بعض الصفات الوراثية، لكنه ليس شرطًا لانتقال الثلاسيميا؛ فقد يحملها والدان لا تربطهما قرابة. وتظل الاستشارة الوراثية سبيلًا لفهم الخطر، دون لوم المريض أو أسرته.
غير أن المعاناة استمرت أثناء الفحوصات الطبية وعمليات نقل الدم الدورية، بسبب الضغط الكبير داخل المستشفيات الحكومية والتأمين الصحي، نتيجة زيادة أعداد المرضى مقارنة بعدد الأطباء المتخصصين، والذي ينعكس على مستوى الرعاية والتعامل مع المرضى، بالتزامن مع نقص أكياس الدم ولاسيما الفصائل النادرة، خاصة خلال فترات المواسم والأعياد، ما يدفع بعض الأسر إلى البحث عن متبرعين أو الاستعانة بالجمعيات الخيرية لتوفير الدم، في ظل عدم قدرة كثير من المرضى على شراء الأكياس على نفقتهم الشهرية.
وتشترك علا وابنتها مع ندى وشقيقتها في الشكوى من عدم توفر عقاري “جادينيو” و”ديسفرال” المستوردين، كونهما كانا أكثر فاعلية في خفض نسب الحديد بالنسبة إليهم، مقارنة ببعض البدائل الأخرى، “مع استخدام البديل المحلي أصبحت أعاني من هشاشة العظام، وبدأت مؤخرًا أشعر بأعراض مقلقة، من بينها تسارع ضربات القلب، ولدي مخاوف بشأن المضاعفات طويلة الأمد”.. تقول لـ”زاوية ثالثة”
أما كريم مسعد فيروي أن الثلاسيميا تركت أثرًا مأساويًا في أسرته، إذ توفي اثنان من أشقائه، بينما كانت شقيقته الثالثة تعاني مضاعفات شديدة وقت حديثه. يقول إن والديه كانا حاملين للجين دون علمهما، وإن ثلاثة من الأبناء الأربعة أصيبوا بالمرض. ولا تتعارض تجربة الأسرة مع الاحتمال الوراثي المشار إليه، لأنه يُحسب لكل حمل مستقلًا، ولا يفرض توزيعًا ثابتًا داخل كل عائلة.
ويشرح أن شقيقته التي لم تظهر عليها أعراض المرض بشكل كامل إلا بعد الإنجاب، تحتاج إلى نقل دم مرتين شهريًا، وبسبب امتلاكها فصيلة دم نادرة “O سالب”، أصبح توفير أكياس الدم بمثابة معركة مستمرة بالنسبة للعائلة لأعباء مادية كبيرة، وفي ظل نواقص الأدوية وصعوبات توفير الدم، عانت المريضة من تضخم الطحال ومضاعفات صحية شديدة.
وازدادت معاناة الأسرة قبل عام تقريبًا من المقابلة، حين ظهرت على طفلة شقيقته، البالغة ثلاث سنوات وقتها، علامات شحوب وإعياء وانخفاض الهيموجلوبين، قبل تشخيصها بالثلاسيميا وبدء نقل الدم الدوري. ويقول كريم إن الطفلة تحتاج إلى كيس دم كل شهر أو شهرين، وإن الهيموجلوبين كان يهبط إلى 7 أو 8 جرامات لكل ديسيلتر. ويخشى أن يعرّضها التأخر لمضاعفات؛ وهذه الأرقام جزء من رواية أسرتها، بينما يحدد الفريق المعالج توقيت النقل وفق تقييم الحالة.
وتذكر الأسرة أن علاج الطفلة شمل حمض الفوليك وفيدروب وإل-كارنتين وجادينو 360 وديسفرال، لكنها واجهت صعوبة في العثور على الأدوية الأساسية، خاصة خالبات الحديد. ويستعيد كريم سعرًا يقارب 80 جنيهًا لعبوة ديسفرال 500 مجم المحتوية على عشرة فيالات، مقابل عروض في السوق غير الرسمية تصل إلى آلاف الجنيهات. ولم تتوافر وثيقة تسعير مؤرخة تؤكد أن مبلغ 80 جنيهًا كان السعر الرسمي الساري وقت المقابلة؛ لذا يرد بوصفه السعر الذي ذكره المصدر، لا تسعيرة حالية معتمدة.
قرار علاج لا يغطي رحلة المريض
ويواجه مرضى الثلاسيميا أعباءً مالية متزايدة بسبب ارتفاع تكلفة أكياس الدم ومستلزمات نقلها، في وقت لا تتناسب فيه قيمة القرارات العلاجية ومدتها مع الاحتياجات الفعلية للمرضى، وتقول إن القرارات التي تعتمد عليها تصدر لمدة ستة أشهر فقط، ما يجعل المرضى يضطرون إلى الانتظار حتى موعد تجديد القرار، رغم احتياجهم العاجل لنقل الدم، أو اللجوء إلى شراء أكياس الدم ومستلزمات نقلها على نفقتهم الخاصة، وهو ما يمثل عبئًا يفوق قدرتهم المادية، خاصة مع احتياج كثير من الحالات إلى فلاتر وغسيل وأكياس مجهزة للتعامل مع الأجسام المضادة، بحسب فاطمة علي، مريضة أنيميا البحر المتوسط.
وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أن بعض المستشفيات ترفض استكمال نقل الدم للمرضى حال ظهور أي مضاعفات صحية، مثل ارتفاع الحرارة أو اضطرابات القلب أو الضغط، وتطلب منهم استكمال النقل خارج المستشفى، رغم صعوبة العثور على أماكن تقبل نقل الدم، وارتفاع تكلفة الخدمة خارجيًا إلى ما بين 700 و1000 جنيه للكيس الواحد، بخلاف تكاليف التحاليل والأشعات والمواصلات.
وتُبيّن أن المرضى يعانون كذلك نقص أدوية خفض الحديد، ما يمثل تهديدًا مباشرًا لحياة المرضى الذين يستمرون في تلقي الدم دون توفر الأدوية اللازمة للتعامل مع ترسبات الحديد، بجانب نقص عقار “الديسفرال”، الذي لا يجده المرضى في كثير من الأحيان ضمن العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي ويضطرون لشرائه من الخارج، مما يزيد من الأعباء الاقتصادية عليهم.
وتؤكد أن كثيرًا من المرضى غير قادرين على العمل بسبب المضاعفات الصحية المصاحبة للمرض، مثل هشاشة العظام والآلام المزمنة والإجهاد المستمر، ما يجعل تحمل تلك النفقات أمرًا بالغ الصعوبة، مطالبة بزيادة قيمة القرارات العلاجية ومدتها، وربط قرارات العلاج ونقل الدم ضمن قرار موحد، بدلًا من الفصل بينهما، بما يضمن سهولة حصول المرضى على الخدمة، وتحسين منظومة الرعاية الصحية كاملة، من حيث القرارات العلاجية، وتوفير الدم، والرعاية الطبية، وتخصيص أماكن لعلاج أمراض الدم ومضاعفاتها.
نقص الأدوية واستغلال السوق السوداء
يواجه مرضى أنيميا البحر المتوسط في مصر أزمات متشابكة تتعلق بنقص الأدوية وارتفاع أسعارها، إلى جانب مشكلات مرتبطة بالتأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة، إضافة إلى ضعف الوعي المجتمعي والطبي بطبيعة المرض، ما ينعكس على طريقة التعامل معهم وعلى دقة التشخيص في بعض المحافظات، ويدفع كثير من المرضى للانتقال إلى القاهرة لتلقي العلاج والمتابعة داخل المستشفيات المتخصصة، وعلى رأسها مستشفى أبو الريش الجامعي، والتي تشهد ضغطًا كبيرًا نتيجة تزايد أعداد المرضى، بحسب سارة العربي، المديرة الإدارية للجمعية المصرية لأصدقاء مرضى أنيميا البحر المتوسط.
وتؤكد أن القيمة المالية المحددة للقرارات العلاجية لا تتناسب مع الاحتياجات الفعلية للمرضى، خاصة أن بعض المرضى يحتاجون إلى كميات كبيرة من الدم والعلاج شهريًا تتجاوز المبالغ المقررة، موضحة أن الفصل بين قرارات العلاج وقرارات نقل الدم جاء بعد مطالبات من أطباء ومتخصصين، لأن بعض المرضى كانوا يستهلكون قيمة القرار بالكامل في نقل الدم دون القدرة على صرف أدوية خفض الحديد.
وتشرح العربي أن المرضى المعتمدين على نقل الدم يحتاجون إليه للحفاظ على الهيموجلوبين، لكن تكرار النقل قد يؤدي إلى تراكم الحديد، بما يهدد أعضاء مثل القلب والكبد والغدد عند غياب العلاج والمتابعة. ويُستخدم قياس الفيريتين للمساعدة في متابعة مخزون الحديد، لكنه ليس مرادفًا للحديد المترسب نفسه، ويُفسّر ضمن التقييم الطبي لا منفردًا.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “الجمعية تحاول تقديم دعم متعدد الجوانب للمرضى، يشمل توفير بعض الأدوية وأكياس الدم والدعم النفسي والاجتماعي، لكن باعتبارها مؤسسة قائمة على التبرعات، فهي لا تملك القدرة على تغطية احتياجات جميع المرضى بسبب محدودية الإمكانيات وتزايد أعداد الحالات”.
وتشير إلى أن التعامل مع أدوية خفض الحديد يختلف من مريض لآخر وفقًا لطبيعة الاستجابة والآثار الجانبية، فبعض المرضى يستجيبون لأدوية معينة بينما يعاني آخرون من مضاعفات تستدعي تغيير الخطة العلاجية من قبل الأطباء المتخصصين، للوصول إلى العلاج الأنسب لكل حالة.
وتؤكد مديرة الجمعية أهمية التشخيص المبكر، وتشير إلى إمكان الكشف المبكر عن الخلل الوراثي بدل انتظار سنوات من التعامل غير المنظم مع فقر الدم. ويجب التمييز هنا بين إمكان إجراء اختبارات وراثية مبكرة وبين توقيت ظهور الأعراض، الذي يختلف باختلاف نوع المرض وشدته. وتدعو إلى التوعية الطبية والمجتمعية والفحوصات والاستشارة الوراثية قبل الزواج، مع دعم المرضى وتيسير المتابعة والعلاج المستمر.
فيما يؤكد سامح الفرماوي، مؤسس مجموعة دعم مرضى الثلاسيميا ومرضى الكبد، أن المصابين بأمراض الدم في مختلف المحافظات يواجهون أزمة متفاقمة بسبب نقص الأدوية الأساسية، وعلى رأسها أدوية خفض الحديد، محذرًا من أن استمرار نقص العلاج يؤدي إلى تدهور خطير في الحالة الصحية للمرضى، خاصة الذين يعتمدون على نقل الدم بصورة دورية، ويغيّر أيضًا المظهر الجسدي للمرضى نتيجة تأثيره على العظام والجلد، ما يعرضهم للتنمر والعزلة الاجتماعية.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن أزمات العلاج لا تقتصر على مرضى الثلاسيميا فقط، وإنما تمتد إلى مرضى أمراض الدم الأخرى، في ظل استغاثات متكررة من المرضى الذين يعتمدون على قرارات العلاج على نفقة الدولة، لكنها ، بحسب قوله ، لا تكفي لتغطية احتياجاتهم العلاجية، إذ تُخصم منها تكلفة نقل الدم والعلاج والأدوية في آن واحد، ما يؤدي إلى نفاد قيمة القرار سريعًا.
يقول: “مجموعات الدعم رصدت حالات وفاة بين الأطفال المرضى خلال الشهور الأخيرة، نتيجة ارتفاع نسب الحديد، الذي يجعلهم عرضة لمضاعفات القلب وضعف النمو، بسبب نقص العلاج ولاسيما عقار ديسفرال الذي لا يتوفر إلا في صيدلية الإسعاف بالقاهرة وبكميات محدودة للغاية، ما يضطر المرضى وأسرهم إلى السفر من محافظات بعيدة والانتظار في طوابير طويلة للحصول على عبوة واحدة فقط”.
ويتهم الفرماوي بعض التجار بالاستحواذ على الدواء وبيعه بأسعار مضاعفة في السوق السوداء. ويذكر سعرًا يبلغ نحو 240 جنيهًا للعبوة، مقابل عروض تصل إلى خمسة آلاف جنيه، فيما قد يحتاج بعض المرضى إلى عبوتين شهريًا، وفق قوله. تختلف قيمة السعر الأساسي هنا عما ذكره كريم، ولم تُقدّم مستندات تسمح بتوحيد تاريخ التسعير وحجم العبوة في الروايتين؛ لذلك لا يعتمد التقرير نسبة زيادة موحدة أو يعتبر هذه الأرقام أسعارًا رسمية حالية.
ويرى الفرماوي أن الأزمة ترتبط أيضًا بضعف التوعية المجتمعية بمرض الثلاسيميا، خاصة في ما يتعلق بزواج الأقارب والفحوصات الوراثية، مطالبًا في الوقت نفسه بإنشاء مراكز متخصصة لعلاج أمراض الدم، وتوسيع نطاق توفير العلاج بالمحافظات، إلى جانب إطلاق حملات توعية ودعم نفسي للمرضى وأسرهم.
محدودية الموازنة وسياسات الاستيراد
وفي شهادتها وقت إعداد المادة في مايو 2026، تنتقد النائبة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب ورئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، سياسة الحد من استيراد بعض الأدوية لصالح توطين الصناعة المحلية، معتبرة أن “توطين الصناعة لا يعني منع البديل المستورد”، مؤكدة أن استجابة أجسام المرضى للعلاجات تختلف من شخص لآخر، وأن بعض المرضى اعتادوا على أدوية محددة تحقق نتائج فعالة معهم منذ سنوات، وبالتالي فإن منع تداولها يدفع المرضى إلى اللجوء للسوق السوداء والأدوية المهربة.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “غياب الوضوح في سياسات الدواء يخلق حالة من عدم اليقين حتى لدى الشركات الأجنبية العاملة في السوق المصري، لكن الدواء ليس سلعة رفاهية يمكن التعامل معها بمنطق المنع الكامل، بل يجب إتاحة البدائل وترك المنافسة والجودة والسعر لتحديد اختيارات المرضى والأطباء”.
وتشير النائبة إلى أن رقمنة إجراءات العلاج على نفقة الدولة، ساهمت في تحسين المنظومة مقارنة بالنظام الورقي القديم، لكنها تقر بأن محدودية موازنة العلاج على نفقة الدولة، إلى جانب تزايد أعداد المحتاجين للدعم بسبب الأوضاع الاقتصادية، يؤديان إلى بطء إصدار القرارات وعدم كفاية التغطية العلاجية لبعض الحالات المزمنة والمعقدة.
وبشأن شكاوى المرضى المتعلقة بالدم ونقص بعض الفصائل، تؤكد رئيسة الهيئة البرلمانية للحزب أن منظومة بنوك الدم تحتاج إلى ميكنة وشفافية أكبر، مع تشديد الرقابة داخل المستشفيات لمواجهة السمسرة والاتجار بأكياس الدم، مطالبة بوجود نظام إلكتروني واضح يتيح للمريض معرفة أماكن توافر الأكياس والكميات المتاحة.
وتشدد النائبة على ضرورة التوسع في برامج الكشف المبكر والفحوصات الوراثية، لافتة إلى أهمية إجراء تحاليل للأجنة في حالات الأمراض الوراثية عالية الخطورة، معتبرة أن الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر قد يخفف على الدولة أعباء علاجية ضخمة مستقبلًا، ويحد من ولادة أجيال جديدة تعاني من أمراض مزمنة وراثية معقدة.
ولا يتضمن هذا التقرير قرارًا تنظيميًا يثبت حظرًا شاملًا لاستيراد الأدوية التي اشتكى المرضى من نقصها. فانتقاد النائبة لسياسة الاستيراد لا يغني عن التمييز بين عدم توافر صنف، وتعثر توريده أو توزيعه، ووجود حظر قانوني عليه.
وفيات ترويها الجمعيات وأسئلة عن الأرقام
ويقول محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، إن الجمعية رصدت وفاة أكثر من 18 طفلًا مصابًا بالثلاسيميا خلال الأشهر السابقة لشهادته، إلى جانب وفيات بين مرضى الهيموفيليا، ويربط ذلك بنقص الأدوية الأساسية داخل منظومة العلاج على نفقة الدولة، خاصة أدوية إزالة الحديد. لم تتوافر ضمن مادة التقرير قوائم موثقة للحالات أو تقارير طبية تثبت السبب في كل وفاة، ولذلك يظل العدد والعلاقة السببية المنسوبة إلى نقص الدواء تقديرًا ورواية للجمعية، لا حصيلة مستقلة تحقق منها التقرير.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “ما يحدث يمثل انتهاكًا لحق المرضى في الحصول على العلاج، ووفاة طفل بسبب عدم توافر دواء مسؤولية لا يمكن تبريرها، خاصة أن بعض الأدوية المطلوبة ليست مرتفعة الثمن مقارنة بحجم الأزمة”.
ويربط فؤاد الأزمة بما يقول إنه مديونية متراكمة على هيئة الشراء الموحد وتأخر في سداد مستحقات شركات الدواء، بما أثر في توريد بعض الأصناف. ولم تتضمن مادة التقرير كشوفًا مالية تثبت حجم هذه المديونية أو أثرها في صنف بعينه. ويضيف أن مخصصات العلاج على نفقة الدولة لا تواكب ارتفاع الأسعار وتغير سعر الصرف وزيادة الاحتياجات السكانية، وهو ما يراه ضغطًا إضافيًا على وصول العلاج للمرضى.
ويقدّر فؤاد عدد الحالات المسجلة من الثلاسيميا في مصر بأكثر من 300 ألف، وحاملي الجينات المرتبطة بها بأكثر من خمسة ملايين. لم يُرفق بهذا التقدير سجل وطني أو منهج إحصائي يتيح التحقق منه، كما لا يقيس الرقم بالضرورة الفئة نفسها التي شملها إعلان الوزارة عن متلقي الخدمات. ويشدد على أهمية الدم وأدوية خفض الحديد للحالات التي تعتمد عليهما؛ أما طبيًا، فلا يصح تعميم احتياج نقل الدم المنتظم على حاملي الصفة أو جميع درجات المرض.
كما يشير إلى معاناة المرضى داخل بنوك الدم، موضحًا أن بعض المستشفيات ترفض استكمال نقل الدم في حالات معينة خوفًا من حدوث مضاعفات أو مشكلات مرتبطة بجودة الدم، ما يترك المرضى وأسرهم في حالة بحث مستمر عن أماكن تقبل استكمال العلاج.
ويطالب بتدخل حكومي عاجل لحل أزمة أدوية الثلاسيميا والهيموفيليا، وسداد مستحقات شركات الدواء، وضمان انتظام توفير العلاج داخل منظومة نفقة الدولة، مؤكدًا أن المرضى يعيشون دوامة من العذاب اليومي بين نقص العلاج وصعوبة الحصول على الدم والرعاية الصحية المناسبة.
الإنفاق والرقابة في قلب الأزمة
ويرى الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن جذور الأزمة تشمل ضعف الإنفاق الصحي والاعتماد الواسع على الاستيراد. ويشرح أن تراجع قيمة الجنيه رفع تكلفة الأدوية المستوردة وخامات التصنيع، بينما لم تتزايد مخصصات العلاج على نفقة الدولة بالقدر اللازم من وجهة نظره، ما أضعف قدرة المرضى على الحصول على علاج منتظم.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “نقص الأدوية لا يرتبط فقط بالاستيراد، بل أيضًا بضعف التصنيع المحلي للأدوية الحيوية والتكنولوجية المعقدة، رغم امتلاك مصر بنية علمية تسمح بإنتاجها، في ظل غياب استراتيجية وطنية للتصنيع الدوائي يجعل المرضى “تحت رحمة الدولار والاستيراد”.
وينتقد خليل إعادة تنظيم منظومة الرقابة الدوائية، ويرى أن فحص شكاوى المرضى من الفاعلية والآثار الجانبية يحتاج إلى رقابة بحثية مستقلة وقوية. وفي المقابل، تنص هيئة الدواء المصرية على أنها أُنشئت بالقانون 151 لسنة 2019 لتحل محل هيئات رقابية سابقة، وأن اختصاصها يشمل مراقبة جودة المستحضرات وفاعليتها ومأمونيتها. لذلك يدور انتقاده حول أداء المنظومة واستقلاليتها كما يراه، ولا يعني غياب جهة قانونية مكلفة بالرقابة. ولا تكفي شهادات المرضى وحدها للحكم بأن البدائل المحلية أقل جودة.
ويرى خليل أن تعقيد إجراءات العلاج وفصل الموافقات وإطالة استخراجها يعكس تضييق الإنفاق، ويقدّر الإنفاق الحكومي الصحي بنحو 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي. لم يحدد ضمن الشهادة سنة الحساب أو بنوده، ولذلك لا يقدم التقرير النسبة كقياس محدث يمكن مقارنته مباشرة بالاستحقاق الدستوري. فالمادة 18 تنص على حد أدنى للإنفاق الحكومي على الصحة يبلغ 3% من الناتج القومي الإجمالي، مع زيادته تدريجيًا حتى يتفق مع المعدلات العالمية؛ ولا تحدد نسبة 6%. كما أن الناتج القومي والناتج المحلي مقياسان مختلفان.
وفي ظل استمرار نقص الأدوية وأزمات نقل الدم، تتحول رحلة العلاج اليومية لمرضى أنيميا البحر المتوسط في مصر إلى معركة مفتوحة مع الألم والوقت والتكلفة، بينما تبقى الأسر عالقة بين قرارات علاجية محدودة، وسوق سوداء تستغل الحاجة، ومستشفيات تعاني ضغطًا متزايدًا ونقصًا في الإمكانيات.
وتتصاعد مطالب المرضى ومؤسسات المجتمع المدني بتوفير الأدوية الحيوية، وتطوير منظومة بنوك الدم، وزيادة مخصصات العلاج على نفقة الدولة، إلى جانب التوسع في الفحوصات الوراثية والكشف المبكر، باعتبارها خطوات ضرورية للحد من معاناة آلاف المرضى وأسرهم.
