كليات الطب في مصر.. هل تكفي المستشفيات لتدريب آلاف المقبولين؟

بين زيادة المقبولين وهجرة الأطباء، تفحص زاوية ثالثة قدرة كليات الطب والمستشفيات الجامعية في مصر على توفير التدريب الإكلينيكي، والفجوة بين الأعداد المعلنة والموارد المتاحة.
كولاج توضيحي لطلاب الطب ومدرج جامعي وسرير مستشفى، عن قدرة المستشفيات على التدريب.
Picture of ياسمين علي

ياسمين علي

أعاد إعلان تثبيت أعداد المقبولين بكليات الطب البشري للعام الدراسي 2026/2027 فتح النقاش حول قدرة المستشفيات الجامعية على تدريب الطلاب. جاء إعلان الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، في أغسطس 2026، بعد توصية ناقشتها اللجنة التنسيقية لكليات القطاع الصحي بالمجلس الأعلى للجامعات ورحبت بها نقابة الأطباء، بخفض القبول بما يتناسب مع الإمكانيات التدريبية واحتياجات سوق العمل. وبين زيادة أعداد الخريجين والحفاظ على كفاءتهم، يطرح أطباء ومسؤولون سؤالًا عن الموارد الفعلية المتاحة للتعليم الإكلينيكي، وعن جدوى توسيع القبول إذا استمرت أسباب هجرة الأطباء.

ففي تصريح يوم 10 أغسطس 2026 خلال إعلان نتيجة المرحلة الأولى من تنسيق القبول بالجامعات، أكد وزير التعليم العالي، تثبيت أعداد المقبولين بكليات الطب البشري للعام الدراسي الجديد وفقًا للأعداد التي جرى قبولها العام الماضي، وفي تصريح لاحق في أغسطس، كان الحديث أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث أكد الوزير أنه تنفيذًا لتوجيهاته بربط التخصصات العلمية باحتياجات سوق العمل الحالي والمستقبلي على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، جرى زيادة أعداد الطلاب المقبولين بعدد من القطاعات ومن بينها القطاع الطبي والتمريض. ولا يكفي الجمع بين التصريحين لاعتبارهما إعلانًا بزيادة قبول الطب البشري تحديدًا؛ فالإشارة إلى القطاع الطبي والتمريض تشمل تخصصات أوسع، بينما تعلق التصريح الأول بالطب البشري. وتظل المقارنة الدقيقة رهينة نشر الأعداد المفصلة لكل تخصص ونوع جامعة.

ومنذ يونيو 2026، طرحت اللجنة التنسيقية لكليات القطاع الطبي بالمجلس الأعلى للجامعات، برئاسة الدكتور أشرف حاتم، توصية مفادها تخفيض أعداد المقبولين بتنسيق 2026/2027 بنسبة 10% بكليات الطب البشري، و20% بكليات طب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي، مقارنة بأعداد المقبولين خلال العام الماضي، إضافة إلى توزيع المقبولين بنسبة 60% للجامعات الحكومية من إجمالي طلاب القطاع الصحي، مقابل 40% للجامعات الأهلية والخاصة. وهذه نسب مقترحة لإعادة توزيع القبول، وليست أعدادًا نهائية تثبت تطبيق التوصية.

وبحسب اللجنة التنسيقية، تأتي التوصية في محاولة لإعادة هيكلة المنظومة التي باتت تستقبل طلابًا لا تتناسب أعدادهم مع الإمكانيات التدريبية للكليات، ولا متطلبات سوق العمل، ولاقت التوصية ترحابًا من نقابة الأطباء، مناشدة وزارة التعليم العالي باعتمادها، مؤكدة أن جودة التعليم الطبي لم تعد خيارًا بل ضرورة وطنية في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية للمستشفيات الجامعية وأماكن التدريب الإكلينيكي.

ولم يتوافر ضمن وثائق هذا التقرير بيان تفصيلي موحد من الوزارة عن المقبولين في 2025/2026 موزعين بحسب الجنسية ونوع الجامعة. وبحسب تصريحات للدكتور أشرف حاتم، والدكتور علاء بلبلع، رئيس قطاع العلاج الطبيعي بالمجلس الأعلى للجامعات، وصلت أعداد المقبولين إلى 37 ألف طالب عام 2025/2026، بينهم 8 آلاف طالب وافد، في قفزة بدأت منذ عام 2023، مع توسع الدولة في إنشاء الجامعات الخاصة والأهلية التي تتضمن كليات طب بشري. وتعني هذه التقديرات أن عدد المصريين يقارب 29 ألفًا؛ وهي أرقام منسوبة إلى التصريحات المشار إليها، وليست نتيجة حصر مستقل أجرته زاوية ثالثة.

ووصل الحد الأدنى للقبول بكليات الطب بالنسبة للطلاب الوافدين بعام 2025/2026، إلى 75% بجامعات القاهرة، عين شمس، حلوان، المنصورة والإسكندرية، و70% لباقي الجامعات. ووجه رئيس مجلس الوزراء، بإتاحة المزيد من التيسيرات والمحفزات للطلاب الوافدين، خاصة فيما يتعلق بتيسير إجراءات الحصول على التأشيرات الدراسية في مصر، باعتبار ذلك إحدى أدوات قوة مصر الناعمة، فضلًا عن مساهمتها في جذب المزيد من العملة الصعبة، وقال وزير التعليم العالي إن هناك برنامجًا متكاملًا يستهدف زيادة أعداد الطلاب الوافدين بنسبة 150% خلال خمس سنوات.

وبحسب أدلة الرسوم التي استندت إليها المادة، تتراوح تكاليف دراسة الطب في مصر للوافدين بين 6000 و8000 دولار أمريكي سنويًا، إضافة إلى 1500 دولار رسوم قيد يدفعها الطالب مرة واحدة عند التسجيل، كما تضيف الجامعات عددًا من الرسوم الإدارية. وتختلف المصروفات وفق الجامعة والعام الدراسي والمنح والخصومات، فلا تمثل هذه الأرقام فاتورة موحدة لكل طالب. وتعلن جامعة الإسكندرية في دليلها رسومًا سنوية للطب تبلغ 8000 دولار ورسوم قيد لمرة واحدة بقيمة 1500 دولار، مع رسوم إدارية أخرى؛ والدليل المنشور يحدد عام 2023/2024 للرسوم السنوية، لذلك لا يُستخدم وحده لإثبات رسوم جميع الجامعات في 2026. (دليل جامعة الإسكندرية)

يقول الدكتور أبو بكر القاضي، الأمين العام لاتحاد نقابات المهن الطبية لـ«زاوية ثالثة» إن السؤال الذي يطرح نفسه أمام زيادة أعداد المقبولين بكليات الطب: هل هناك مستشفيات وأعضاء هيئة تدريس قادرين على تدريب هذه الأعداد؟ معقبًا: «إذا كان وزير التعليم العالي لديه إجابة، فليحل أزمة أطباء الامتياز الحالية، حيث يتولى نائب واحد تدريب 50 طبيب امتياز، إضافة إلى أزمة كليات الطب الخاصة التي لا تمتلك مستشفيات فتتعاقد مع مستشفيات أخرى لتدريب طلابها، ما يؤدي إلى تكدس غير عادي بأماكن التدريب».

هل تتوافر مستشفيات وأعضاء هيئة تدريس قادرون على تدريب أعداد المقبولين؟

الأزمة في الهجرة لا نقص الأعداد

وأضاف القاضي أن مصر ليس لديها عجز عددي في أعداد الأطباء، وإنما تعاني مشكلة في هجرتهم، وبالتالي فإن الأولى بحث مشكلات الأطباء وأسباب هجرتهم، لأنه دون حل المشكلات الجذرية المؤدية للهجرة لن تُحل مشكلة عجز الأطباء مهما زادت أعداد المقبولين: «الطبيب عندما يجد نفسه يحصل على الحد الأدنى للأجور وغير قادر على الحياة مع الاستمرار في التعلم لن يكون أمامه سوى خيار الهجرة».

وفي تصريحات تليفزيونية للدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، تعود لسبتمبر 2025، قال إن هجرة أطباء مصر أصبحت ظاهرة خطيرة تنذر بكارثة ولا بد من الانتباه لها والتعامل معها بجدية، مشيرًا إلى أنه وفق تقديرات عرضها مستندًا إلى بيانات جهات بينها منظمة الصحة العالمية والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الصحة والنقابة، مسجل في النقابة نحو 230 ألف طبيب كمزاولين للمهنة، لكن العاملين فعليًا داخل مصر يصل عددهم إلى نحو 95 ألف طبيب فقط بمعدل 8.4 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، في مقابل 130 ألفًا مهاجرين للخارج. والأعداد تقريبية ومتباينة التعريف والفترة المرجعية، ولا يجوز التعامل معها كتقسيم حسابي مكتمل لجميع المقيدين في النقابة أو كإحصاء جديد لعام 2026.

وأضاف عبد الحي، أن هناك من 60 إلى 70 ألف طبيب في السعودية، و10 آلاف في باقي دول الخليج، و20 ألفًا في أوروبا وأمريكا، مشيرًا إلى أن هناك عوامل طرد للأطباء داخل مصر، مقابل عوامل جذب خارجها.

ووفقًا لدراسة ماجستير استكشافية للباحثة منة الله البحيري بالجامعة الأمريكية بالقاهرة مُنحت الدرجة في يناير 2025، وكانت بعنوان «محددات هجرة الأطباء من مصر»، فإن مصر تخرج آلاف الأطباء سنويًا ومع ذلك تعاني نقصًا في أعدادهم داخل نظامها الصحي، مشيرة إلى عوامل الطرد من مصر والتي تتمثل في: ضعف الإمكانات والبنية التحتية الصحية، وظروف العمل غير الملائمة، وضعف جودة التدريب الطبي، ومحدودية فرص التعليم والتطوير الطبي، وانخفاض الأجور، وعدم وجود نظام مكافآت وحوافز مناسب. (دراسة منة الله البحيري)

في المقابل تطرقت الدراسة إلى عوامل جذب الدول الأخرى للأطباء المصريين، والتي تتضمن: تدريب طبي أفضل، فرص تعليمية ومهنية أكبر، أنظمة صحية أكثر تطورًا، نظام عادل للمكافآت والأجور، إمكانات طبية وتكنولوجية أفضل، وبيئة عمل أكثر تنظيمًا.

وتدعم النتائج التي تعرضها الدراسة النقاش حول حدود الاعتماد على زيادة المقبولين وإنشاء كليات جديدة لمعالجة نقص الأطباء؛ فإذا استمرت عوامل الطرد المرتبطة بالأجور والتدريب وبيئة العمل، فقد تفقد المنظومة جانبًا من الخريجين الجدد أيضًا. وهذا استنتاج من قراءة عوامل الهجرة، وليس تقديرًا كميًا لعدد من سيهاجرون أو تعدادًا قوميًّا جديدًا للأطباء.

وأوصت الدراسة بإنشاء قاعدة بيانات قومية محدثة تتضمن عدد الأطباء الحقيقي وأماكن عملهم وتخصصاتهم وأعداد المهاجرين والاحتياج الفعلي في كل تخصص، إضافة إلى إصلاح منظومة التدريب الطبي، وتحسين حزمة المزايا المالية والمهنية، ومحاولة عكس اتجاه هجرة الأطباء، وإجراء المزيد من الدراسات خاصة أن ظاهرة هجرة الأطباء تتغير بسرعة وتحتاج إلى بيانات مستمرة.

وفي تصريح أثار الجدل عام 2025، علق الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، على أزمة هجرة الأطباء، قائلًا إن هناك توجهًا بمضاعفة أعداد الأطباء، بحيث تصل إلى 29 ألف طبيب خلال 6 سنوات، وإذا سافر منهم 7 أو 8 آلاف لاكتساب الخبرات وتحقيق عائد مادي واقتصادي، لن يكون لدينا نقصًا في الكوادر الطبية.

يقول الدكتور أحمد حسين، عضو مجلس نقابة أطباء مصر سابقًا، إن منطقًا مغلوطًا يطبق فيما يتعلق بقبول الطلاب بكليات القطاع الطبي، وهو أننا نحدد العجز في أعداد الأطباء ونقبل آلاف الطلاب سنويًا بهدف تخريج أعداد تعالج هذا العجز، في حين أن المفترض أن تحدد الدولة الإمكانيات والقدرات الاستيعابية لكليات الطب المتاحة، وبناءً عليها تحدد أعداد المقبولين من طلاب الثانوية العامة، حتى نخرج أطباء أكفاء وليس أطباء لا يدرون شيئًا عن الطب: «محتال برخصة رسمية من الحكومة».

وأضاف لـ«زاوية ثالثة»، أن المرحلة الثانية بعد إعداد الأطباء الأكفاء، أن تبحث الدولة الأعداد المطلوبة للأطباء في مصر، وتوسع إمكانيات الكليات، وتنشئ كليات أخرى بإمكانيات تؤهلها لتخريج طبيب كفء، فالأمر ليس مسألة حسابية تعالج فقط بالأرقام.

ووفقًا لنقابة الأطباء، فإن مصر تعاني عجزًا صارخًا في أعداد الأطباء، حيث تبلغ النسبة نحو 9 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، في حين أن المعدل العالمي يصل إلى 23 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة، ولا يرجع ذلك لعجز في أعداد الخريجين بل في الهجرة الكثيفة للأطباء إلى الخارج مدفوعين بضغوط مادية ومهنية في منظومة العمل المصرية. والمقارنة هنا منسوبة إلى النقابة؛ فالمتوسط العالمي المذكور ليس حدًا إلزاميًا تعتمده منظمة الصحة العالمية لكل دولة، كما تتأثر المقارنة بتعريف الطبيب الممارس وسنة القياس.

أعداد كافية أم كوادر مدربة؟

يؤكد الدكتور أحمد حسين أنه لا يمكن أبدًا أن يتغلب الكم على الكيف، ليكون المواطن هو الضحية في النهاية، مشيرًا إلى أنه خلال العقد الماضي حدث ما يمكن وصفه بـ«العبث»، إذ تم التوسع في إنشاء كليات طب خاصة ليس لها عيادات ولا مستشفيات، وأصبح الطالب يدرس الطب «نظريًا»، وفي سبيل تحسين الشكل الخارجي، تعاقدت الكليات الخاصة مع مستشفيات حكومية لتدريب طلابها، في حين أن هذه المستشفيات أصلًا معبأة بأعداد زائدة وغير قادرة على تدريب أبنائها، والنتيجة «تدريب على ورق والمنتج طالب غير متعلم».

وبحسب الحصر الذي استندت إليه المادة أثناء إعدادها في أغسطس 2026، وصل عدد كليات الطب في مصر إلى 58 كلية، مقسمة إلى 25 كلية حكومية ملحق بها مستشفيات «بعد إلغاء القبول بكلية طب فاقوس»، والعدد المتبقي مقسم بين الجامعات الأهلية التي تعتمد في تدريب طلابها على مستشفيات الجامعات الحكومية المنبثقة منها، والجامعات الخاصة التي لا يزال عدد منها لا يمتلك مستشفى جامعي، ويتعاون مع المستشفيات الجامعية لتدريب الطلاب إلى جانب التدريب بالمحاكاة، إضافة إلى كليتين تتبعان جامعتين أجنبيتين، وكلية تابعة لجامعة باتفاقيات دولية.

وتابع عضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا أن كليات الطب الخاصة التي تتبعها مستشفيات للتدريب، لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة من بين 12 كلية، بينما باقي الكليات تتعاقد مع مستشفيات مزدحمة بالطلاب كطريقة تلاعب لدحض الانتقاد.

وتشير قرارات إنشاء كليات الطب التي استندت إليها المادة، على أن يكون بدء الدراسة بالكلية مرتبطًا بإنشاء وتشغيل المستشفى الجامعي التابع له، وكان المجلس الأعلى للجامعات يمنح الكليات الجديدة مهلة مؤقتة مدتها 3 سنوات لتوفيق أوضاعها وإنشاء المستشفى الجامعي بالتوازي مع بدء السنوات الأكاديمية الأولى، لكن مع عدم التزام بعض الكليات بالمهلة المحددة وحدوث تكدس في أماكن التدريب بالمستشفيات الجامعية، طالبت نقابة الأطباء بتطبيق القانون على الكليات التي لم تنشئ مستشفيات جامعية رغم انتهاء مهلة الـ3 سنوات، ووقف قبول طلاب جدد بها في العام الدراسي الجديد.

لكن وزير التعليم العالي واجه مطلب النقابة بقرار عدم الموافقة على إنشاء أو بدء الدراسة بأي كلية طب جديدة إلا بعد الانتهاء من إنشاء مستشفى جامعي مستوفٍ لجميع الاشتراطات والمعايير اللازمة، بما يضمن توفير بيئة تعليمية وتدريبية متكاملة، والارتقاء بجودة مخرجات التعليم الطبي، دون الإشارة إلى موقف الكليات العاملة حاليًا دون مستشفى جامعي.

مستشفيات لم تكتمل وفرص تدريب مزدحمة

ويرصد التقرير، في فترة إعداده في أغسطس 2026، 12 جامعة خاصة تتضمن كليات طب بشري، 4 منها لها مستشفيات جامعية عاملة وفق الحصر الوارد بالمادة، وهي جامعة 6 أكتوبر، وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة الجيزة الجديدة التي أنشأت كلية الطب في عام 2016 لكن المستشفى الجامعي لم يتم افتتاحه سوى في ديسمبر 2025، إضافة إلى جامعة النهضة ببني سويف التي أنشأت كلية الطب في عام 2019، وافتتحت المستشفى الجامعي تجريبيًا عام 2024 بسعة 185 سريرًا. ويجب التمييز بين تشغيل مستشفى كامل وافتتاح عيادات خارجية أو توقيع اتفاق تدريب، كما لا يعني هذا الحصر أن جميع الكليات الأخرى تجاوزت المهلة الممنوحة لها.

أما الجامعة الحديثة للتكنولوجيا والمعلومات، فأنشأت كلية الطب في عام 2018، ورغم أن الموقع الرسمي للجامعة يشير إلى أن هناك مستشفى، لكن شكاوى طلاب نقلتها المادة عن العامين السابقين لإعدادها تقول أن المستشفى لم يعمل بعد، إذ وجهت الجامعة طلاب الامتياز (الدفعة الأولى والثانية) للتدريب في مستشفيات قصر العيني والدمرداش التابعتين لجامعتي القاهرة وعين شمس، بمقابل مادي تجاوز 100 ألف جنيه في العام. وهذه شكاوى منسوبة إلى الطلاب، ولا يثبت وجود اسم المستشفى على موقع الجامعة وحده مستوى تشغيله أو ينفي ما يروونه عن أماكن التدريب وتكلفته.

كذلك كلية الطب بجامعة الدلتا للعلوم والتكنولوجيا، التي أُنشئت في عام 2019، ووضع حجر الأساس للمستشفى عام 2020، لكن حتى فترة إعداد المادة لم يتم الافتتاح الرسمي للمستشفى، وكلية الطب بجامعة ميريت التي أنشأت عام 2019، ولم تكتمل أعمال الإنشاءات الخاصة بالمستشفى بعد، وتتعاقد الجامعة مع مستشفيات جامعة سوهاج لتدريب الأطباء.

الأمر نفسه بالنسبة لكلية الطب جامعة حورس، التي أنشأت عام 2020، وكان قرار مجلس الوزراء بأن تشغيل المستشفى يكون بحد أقصى عام 2023، لكن في هذا العام تم افتتاح العيادات الخارجية فقط، ولا يزال الطلاب يتدربون فيها مع المعامل الافتراضية ومستشفى جامعة بورسعيد. كما بدأت الدراسة بكلية الطب جامعة بدر منذ العام الدراسي 2019/2020، وحتى فترة إعداد المادة لم يتم افتتاح المستشفى بعد، ووقعت الجامعة اتفاقيات تعاون لللتدريب الطلابي مع عدد كبير من المستشفيات وفي مقدمتها مستشفيات جامعة عين شمس.

إلى جانب الكليات التسع، هناك ثلاث كليات طب خاصة أُنشئت حديثًا ولم تمر مهلة الـ3 سنوات لإنشاء وتشغيل المستشفى الجامعي، وهي كلية الطب جامعة باديا التي بدأت استقبال الطلاب عام 2024 ووقعت بروتوكول تعاون للتدريب مع مستشفيات جامعة القاهرة، ولم تمتلك مستشفى بعد، وكلية طب جامعة ممفيس التي بدأت الدراسة فيها عام 2025/2026 وتعاقدت مع مستشفى عين شمس لحين اكتمال إنشاء المستشفى الجامعي، وكلية الطب بجامعة شرق العاصمة التي بدأت استقبال الطلاب أيضًا عام 2025/2026 وأعلنت افتتاح العيادات الخارجية للمستشفى التابع لها أيضًا.

وأوضح الدكتور أحمد حسين أن المستشفيات الجامعية التابعة للجامعات لا تتعدى قدراتها الاستيعابية 10 آلاف خريج كل سنة، وإذا أضفنا الجامعات الخاصة التي تمتلك مستشفيات فإن العدد قد يزيد إلى 11500 طبيب سنويًا فقط، ولا يجب قبول أكثر من هذا العدد.

وقال حسين إن كليات الطب غير التابع لها مستشفيات للتدريب من العام الأول للدراسة، ومعامل باثولوجي وهستولوجي وكيمياء، لا يجب أن تستقبل طالبًا واحدًا، وطلاب هذه الكليات في الواقع نظريين، يدرسون خلال الفرقتين الأولى والثانية على «موديل» نماذج غير حية، وباقي السنوات يتطفلون على مستشفيات مزدحمة بالطلاب.

ويتفق الدكتور أبو بكر القاضي مع حسين، مؤكدًا أن نظام الدراسة في كليات الطب (5+2) أي خمس سنوات دراسة وعامين امتياز في منتهى الأهمية، لأنهما يمنحان طالب الطب مهارة التعامل ومباشرة الحالات بعد التخرج، ويشترط للتدريب الجيد أن يكون عدد الطلاب قليل مع عضو هيئة التدريس من أجل فهم واستيعاب أفضل، وإلا فسنخرج في النهاية طبيبًا غير مؤهل لممارسة الطب، ونضر بسمعة الطبيب المصري وصحة المريض، مشيرًا إلى مفارقة أن يقع هذا السجال في العام الذي تستعد فيه كلية طب قصر العيني للاحتفال بعامها الـ 200 كأول مدرسة نظامية للطب الحديث في الشرق الأوسط. وقد تأسست مدرسة طب قصر العيني عام 1827، ولذلك تحل الذكرى المئوية الثانية في 2027؛ والإشارة هنا إلى الاستعداد للاحتفال وليست إلى مرور مئتي عام بالفعل في 2026.

خمس سنوات دراسة وعامان امتياز.. لكن قيمة التدريب ترتبط بما يتاح للطالب من حالات وإشراف وممارسة فعلية.

ما الذي تقيسه أرقام التدريب؟

ووفقًا لحصاد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن عام 2025 بلغ عدد المستشفيات الجامعية 146 مستشفى، بينها 52 مستشفى متخصصًا، تسهم بنحو 30% من إجمالي أسرة الرعاية الصحية و50% من أسرة العناية المركزة بالقطاع الحكومي، أما عن أعداد الأسرة بهذه المستشفيات، فيعود الإحصاء المستخدم في المادة للعام المالي 2023/2024، حيث بلغ عدد الأسرة 36.9 ألف سرير. وعدد المستشفيات وعدد الأسرة هنا يخصان فترتين مختلفتين، ولا يمثلان قياسًا واحدًا للطاقة المتاحة لتدريب طلاب دفعة بعينها.

وتؤكد معايير الاتحاد العالمي للتعليم الطبي لعام 2020 ضرورة وجود موارد كافية وملائمة للتدريب السريري، بما في ذلك تنوع الحالات وبيئات الممارسة وإتاحة الإشراف والفرص التعليمية. ولا تضع الفقرة الخاصة بموارد التدريب السريري نسبة عالمية ثابتة لعدد الأسرة لكل طالب. وهي معايير إرشادية لتحسين التعليم، وليست قانونًا مصريًا أو بديلًا عن شروط اعتماد كل برنامج. وتشير المادة كذلك إلى أهمية كفاية مرافق التدريب في البورد المصري؛ مع التمييز بين التدريب التخصصي بعد التخرج وبين التعليم الجامعي الأساسي، فلا يجوز افتراض تطابق الطاقة المتاحة لكليهما. (معايير WFME للتعليم الطبي الأساسي، 2020)

وفي تصريحات صحفية للدكتور أشرف حاتم، رئيس اللجنة التنسيقية لكليات القطاع الطبي، قال إن هناك دراسة أجريت عام 2023، كشفت احتياج سوق العمل المصري نحو 15 ألف طبيب فقط، وبالنسبة لطاقة التدريب بالمستشفيات الجامعية فتتراوح بين 12 و16 ألف سرير، و بحساب معدلات دوران الأسرة بين الطلاب، يمكن لهذه الطاقة استيعاب ما بين 22 و24 ألف طالب كحد أقصى، وتسعى الدولة لزيادة الطاقة الاستيعابية لتتجاوز 30 ألف طالب خلال عام أو عامين، بعد اعتماد العديد من الهيئات الصحية الأخرى كمستشفيات وزارة الصحة، والمستشفيات التعليمية، وأمانة المراكز المتخصصة، وهيئة الرعاية الصحية، ومستشفيات القوات المسلحة والشرطة، وهذا سبب مقترح خفض أعداد المقبولين بكليات الطب البشري بنسبة 10%. وتختلف هذه التقديرات عن تقدير حسين لأن نطاق الحساب وافتراضات إتاحة الأسرة وتدوير التدريب ليست واحدة. كما أن عدد الأسرة الإجمالي لا يساوي تلقائيًا عدد الأسرة المخصصة للتدريب أو عدد الفرص السريرية المتاحة لكل طالب.

وفي يونيو 2026، شهد مستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، واقعة منع دخول أطباء الامتياز إلى غرف العمليات، وبتواصل نقابة الأطباء مع المسؤولين، أوضحوا أنه تم رصد وجود أطباء من خارج البرنامج التدريبي المعتمد وغير مقيدين أو محولين رسميًا للتدريب بالمستشفيات الجامعية بالإسكندرية. وحينها أكدت النقابة أن الواقعة تكشف خطورة الاستمرار في زيادة أعداد الطلاب والخريجين دون التوسع الموازي في المستشفيات الجامعية وأماكن التدريب الإكلينيكي، ما يقود إلى تكدس أعداد المتدربين بصورة تفوق الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الطبية والتعليمية ويمثل تهديدًا حقيقيًا لجودة التعليم الطبي ومستوى الطبيب المصري، مجددة مطالبها بعدم إنشاء أي كليات طب جديدة، ووقف قبول طلاب جدد بالكليات التي انتهت مهلة الـ3 سنوات لإنشاء مستشفى خاص بها ولم تلتزم.

ضغط يمتد إلى التخصصات الطبية الأخرى

ولفت الدكتور أبو بكر القاضي إلى كارثة ازدياد أعداد المقبولين بكليات: الصيدلة، العلاج الطبيعي، وطب الأسنان، للدرجة التي دفعت وزارة الصحة للتحول إلى التكليف بحسب الاحتياج لخريجي هذه الكليات، اعتبارًا من دفعة 2025، كما قرر المجلس الصحي المصري إجراء امتحان لخريجي كليات العلاج الطبيعي قبل منحهم ترخيص مزاولة المهنة وذلك بعد وصول عدد كليات العلاج الطبيعي لـ 74 كلية. والمقصود هنا تغيير قاعدة توزيع التكليف، لا إلغاء تكليف كل خريجي هذه التخصصات دون استثناء.

وبالنسبة لكليات طب الأسنان، فبحسب الأرقام التي عرضتها النقابة، وصل عددها إلى 85 كلية، وطالبت النقابة العامة لأطباء الأسنان وزارة التعليم العالي، بوقف إنشاء كليات جديدة، مشيرة إلى أن عدد أطباء الأسنان في مصر تجاوز 108 ألف طبيب، إضافة إلى ما يزيد على 70 ألف طالب داخل الجامعات المصرية ونحو 7 آلاف طالب دارسين بالخارج، وهي أعداد تفوق احتياج سوق العمل وتهدد أبناء المهنة بالبطالة، بعد قرار التكليف حسب الاحتياج الذي يؤدي لتكليف المئات فقط من بين آلاف الخريجين سنويًا.

وبحسب البيانات والتصريحات النقابية التي استندت إليها المادة، تكرر الأمر نفسه مع كليات الصيدلة التي يصل عددها إلى 74 كلية، ما بين حكومي وخاص وأهلي وذا طبيعة خاصة، تخرج سنويًا نحو 25 ألف طالب، ووصل عدد الصيادلة في مصر إلى 330 ألف صيدلي بمعدل 32 صيدلي لكل 10 آلاف نسمة، وهو ما وصفته نقابة الصيادلة بأنه أعلى معدل عالمي لأعداد الصيادلة. وينقل التقرير هذا التوصيف منسوبًا إلى النقابة، من دون اعتباره ترتيبًا دوليًا تحقق منه بصورة مستقلة.

وأكد القاضي أن ما حدث مع كليات القطاع الطبي الأخرى، لا يجب أن يتكرر مع كليات الطب البشري، فخريج هذه الكلية لا يمكن أن يبدأ عمله دون تدريب جيد، ولا يمكن أن يبقى بلا عمل في المستشفيات الحكومية عام أو عامين قبل الاحتياج إليه وتكليفه، نظرًا للطبيعة الخاصة لهذه المهنة التي تتطلب التعليم والعمل المستمر.

قبول من 50%.. خلاف على المعايير

وتناول القاضي مشكلة أخرى من المشكلات المتعلقة بمعايير القبول بكليات الطب، وهي انخفاض مجاميع القبول ببعض الكليات، كالكليات الدولية التي تقبل الحاصلين على 50%، مشيرًا إلى أن هذا أمر غير مقبول لأن طالب الطب لا بد أن يتسم بصفات خاصة، لأنه سيقضي باقي عمره في التعليم المستمر، فكيف يتم قبول طلاب ضعاف المستوى للقيام بهذه المهمة؟

ولفت إلى أن نقابة الأطباء ليس لديها الحق في رفض قيد الطالب خريج هذه الكليات، طالما اعترف المجلس الأعلى للجامعات بالجامعة التي تخرج فيها، لكن لا بد من التحذير من الكارثة القادمة مع استمرار هذا الوضع.

وعلق وزير التعليم العالي على قبول طلاب بكليات الطب حاصلين على 50%، قائلًا إن فروع الجامعات الأجنبية لها قانون خاص مطبق منذ سابق، وقواعد القبول في الكليات التابعة تخضع لمعايير خاصة بالجامعة الأم التي أنشأت الفرع.

وأضاف الوزير في تصريحات تليفزيونية، أن الوزارة تعمل حاليًا على وضع معايير للالتحاق في تخصصات بعينها، تتوافق مع معاييرنا الأخرى في القطاعات المختلفة، حتى لا يكون هناك تعارض، ويكون الخريج على المستوى المطلوب، موجهًا رسالة لنقابة الأطباء: «نحن حريصون على مستوى الخريج ونعمل كل ما نستطيع عمله لتحقيق ذلك، وعن قريب سيكون لدينا مخرج للالتزام بهذا الإطار للحفاظ على مستوى خريجينا وسمعة الطبيب المصري».

بدورها أوضحت نقابة الأطباء أن كليتين تابعتين لإحدى الجامعات الدولية التابعة لدولة في شرق أوروبا، تقبل الطلاب بمجموع يبدأ من 50%، رافضة تبرير أن قواعد القبول في الدولة التي تتبع لها الجامعة لا تشترط حدًا أدنى مماثلًا للمجموع المعمول به في مصر، مشددة أنه لا يجوز أن تتحول صفة «الدولية» إلى مدخل لإنشاء نظام تعليمي بقواعد قبول منفصلة عن القواعد المعمول بها في الدولة التي تعمل على أرضها، واصفة الأمر بـ«دولة داخل الدولة».

ووفقًا لوزير التعليم العالي، توقف الحد الأدنى للقبول بكليات الطب الحكومية عند مجموع 94% للثانوية العامة، والجامعات الأهلية عند 85%، والخاصة عند 81%، بينما تتعلق نسبة 50% بالكليتين اللتين أشارت إليهما شكوى النقابة، ولا يجوز تعميمها على جميع فروع الجامعات الأجنبية. كذلك ينبغي التمييز بين الحد الأدنى للتقدم والحد الذي ينتهي إليه القبول الفعلي، وبين حاملي الثانوية المصرية والشهادات العربية والأجنبية المعادلة؛ فلكل فئة قواعد قد تختلف.

وحاولت زاوية ثالثة، أثناء إعداد المادة، التواصل مع الدكتور أشرف حاتم، للتعليق على تثبيت أعداد المقبولين بكليات الطب، رغم توصية اللجنة التنسيقية، لكن دون جدوى، وبدوره علق الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، لـ«زاوية ثالثة» قائلًا إن هناك 4 مطالب أساسية لنقابة الأطباء تتمثل في ربط القبول بكليات الطب بالقدرة الاستيعابية للكليات والمستشفيات، وعدم قبول طلاب جدد بالجامعات التي لا تمتلك مستشفيات جامعية، وعدم قبول طلاب بكليات الطب بمجموع 50%، والتزام الكليات الخاصة والأهلية بالأعداد المحددة لها.

ياسمين علي
صحفية مصرية، متخصصة في ملفي التعليم والاقتصاد، عملت في مواقع محلية وإقليمية ودولية.

Search