بيت على قدر الميزانية.. كيف يغيّر الغلاء قواعد الزواج في مصر؟

من تأجيل غرف وأجهزة إلى البحث عن المستعمل والتقسيط.. شباب مقبلون على الزواج يروون كيف يعيد الغلاء ترتيب الأولويات وحدود المشاركة في تأسيس البيت.
كولاج تعبيري لحلقات زواج وأثاث بسيط ونقود على خلفية بنفسجية، يرمز إلى تكلفة تأسيس بيت.
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

"بماذا سنبدأ؟"، تسأل مي بدوي خطيبها عمرو جمال عن أولويّات تأثيث شقتهما المستقبلية أثناء حديثهما لـ"زاوية ثالثة". تبدو الأمور مختلفة عن السابق، فـ"مي" و"عمرو" قررا تجهيز كل ما يخص بيتهما بعيدًا عن ضغوط الأهل والأقارب والمجتمع.

"عمرو" شاب في نهاية العشرينيات، لا يتخيّل أن يوم زواجه بـ"مي" سيأتي بعد أن يصبح البيت كاملًا: غرفة نوم، وأنتريه، وأجهزة، وتكييفات. الحسابات أقسى، فكلما أضافا بندًا إلى قائمة التجهيز، ظهرت أسعار جديدة، ومن هنا بدأ الحذف.

تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد عقود الزواج في مصر تراجع خلال 2024 بنسبة 2.5%، إلى نحو 936.7 ألف عقد، مقابل 961.2 ألف عقد في 2023. ولا تكفي هذه الأرقام وحدها لتحديد أسباب انخفاض عدد الزيجات أو قياس أثر الغلاء عليها.

كما أن تضخم الأسعار على مدار السنوات الأخيرة، غيّر تكلفة المعيشة وتأسيس الأسر بصورة كبيرة، إذ بلغ متوسط التضخم السنوي وفق بيانات البنك الدولي نحو 5% في 2020 و5.2% في 2021، قبل أن يرتفع إلى 13.9% في 2022، ثم يقفز إلى 33.9% في 2023، وهو الأعلى خلال الفترة المذكورة، قبل أن يتراجع إلى 28.3% في 2024 و14.1% في 2025. وتراجع معدل التضخم يعني تباطؤ زيادة الأسعار، لا عودتها إلى مستوياتها السابقة.

محمود الهواري وآية محمد، مخطوبان وعلى وشك الزواج، يعيشان هذه المعادلة في أثناء الاستعداد لتأسيس بيتهما. مع ارتفاع أسعار السكن والأثاث والأجهزة والذهب، لم تعد قوائم التجهيزات التي بدت طبيعية قبل سنوات قابلة للتنفيذ بالسهولة نفسها، وأصبح الاتفاق بين الطرفين أكثر ارتباطًا بما يمكن تحمله فعليًا.

يقول "محمود" إن ما كان يفكر في شرائه قبل نحو 5 سنوات لم يعد بالضرورة ما يحتاجه اليوم، فبدلًا من تجهيز المنزل بعدة غرف وأثاث كامل، يرى أن البداية يمكن أن تقتصر على الأساسيات، ثم تأتي بعض الاحتياجات لاحقًا.

"بدلًا من شراء غرفة نوم وغرفة للأطفال وأثاث لغرفة المعيشة وصالون، يمكنني الاكتفاء بغرفة النوم والصالون اللذين سأستخدمهما في الوقت الحالي"، يقول "محمود" لـ"زاوية ثالثة".

تقاطعه "آية" من زاوية أخرى، ذاكرة أن فكرة التأجيل أصبحت خيارًا مطروحًا أمام الأسر، لكن "محمود" يرى أنها لم تعد مجرد خيار: "لم يعد خيارًا، ولكنه أصبح فرضًا".

«لم يعد خيارًا، ولكنه أصبح فرضًا».

محمود الهواري، عن تأجيل بعض تجهيزات الزواج.

في تجربة "آية"، التغيير لا يتعلق فقط بعدد قطع الأثاث، وإنما بما يعتبره الطرفان "ضروريًا" من الأساس، حيث تضع "آية" مجموعة من الأجهزة في خانة الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها، مثل الميكروويف والإير فراير وغسالة الأطباق والتكييف، بينما تعتبر الثلاجة والغسالة والبوتاجاز والسخان من الأساسيات التي يصعب حذفها، وفق حديثها لـ"زاوية ثالثة".

حتى داخل قائمة الأدوات المنزلية، ترى "آية" أن الاختيار أصبح بين شراء عدد أكبر بجودة منخفضة، أو شراء عدد أقل بجودة أفضل. لم يعد هدفها أن يبدو المنزل مكتملًا بأي ثمن، بقدر أن تكون الأشياء قابلة للاستخدام والاستمرار.

"نزق الدنيا مع بعض"

أسرتا رحمة السيد ومحمد عبد المنعم، يدركان حجم العبء الواقع على الشباب المقبل على الزواج، مع ارتفاع تكلفة السكن والتجهيز. وهذا ما جعل الأسرتين يتنازلان عن بعض الطلبات لتسهيل إتمام الزيجة، وليس بالضرورة تخليًا عن حق أو مسؤولية.

وتذكر "رحمة" أن واقع الغلاء لا يرتبط بطرف دون الآخر، مضيفة أن الفتاة العاملة أصبحت أكثر إدراكًا لمستويات الدخول وتكلفة الشقة والأثاث والتجهيزات. "هي لن تزيد الأمر صعوبة، ففكرة الزواج أصبحت صعبة حاليًا، ولن تقرر الفتاة إضافة أعباء أخرى إلى ما هو صعب أصلًا"، تقول "رحمة".

يبدو أن التضخم لا يعيد فقط حسابات طرفي العلاقة، وإنما يدفعهما وأسرهما إلى إعادة التفاوض حول ما يمكن تأجيله وما يجب توفيره منذ البداية.

يقول حسن عبد الفتاح وهو حديث عهد بالزواج لـ"زاوية ثالثة"، إن ارتفاع الأسعار يؤثر على طرفي العلاقة، ويرى أن مساهمة المرأة في تأسيس المنزل أصبحت أكبر، بسبب الضغط الاقتصادي الذي يفرض زيادة مساهمتها وأسرتها لتخفيف كلفة البداية لإتمام الزواج.

"تلجأ الأسر محدودة الدخل إلى التقسيط والشراء التدريجي، حتى لو أدى ذلك إلى دفع أسعار أعلى وتحمل شيكات وإيصالات أمانة وديون تستمر سنوات بعد الزواج، وربما تلجأ بعض الأسر إلى الاستدانة من الشركات المقرضة بفائدة مرتفعة"، كما يقول "حسن".

البحث عن الأرخص.. لو كان الفارق ألف جنيه

يقول "محمود الهواري" إن ارتفاع الأسعار يدفع إلى البحث عن فروق الأسعار، حتى لو كانت ألف جنيه فقط، والانتقال إلى مناطق أو متاجر أبعد للحصول على الأثاث أو الأجهزة بسعر أقل.

في السابق، كما يشرح "محمود"، كان شراء غرفة النوم من أقرب مكان وبسعر مقبول أمرًا كافيًا، لكن مع ارتفاع الأسعار أصبح البحث عن البدائل جزءًا من عملية التجهيز نفسها.

تقول "آية محمد" إن بعض الفتيات يقبلن الزواج بأثاث مستعمل، بينما ترفض أخريات ذلك، بينما لا ترى نفسها مستعدة لبدء حياتها بأثاث أو أجهزة مستعملة. بينما تقول "رحمة السيد" إن المستعمل لا يصبح بديلًا تلقائيًا للجديد، لكنه يدخل إلى دائرة الخيارات التي فرضتها الأسعار على المقبل/المقبلة على الزواج.

"مي بدوي" ترى أن الميزانيات المحدودة أجبرت المقبلين/المقبلات على الزواج على التخلي عن نمط الشراء المنفصل، والجلوس معًا لتحديد الاحتياجات وفق القدرة المالية للطرفين. بينما يضيف "عمرو جمال" أن ارتفاع الأسعار دفع الأسر إلى استبعاد الكماليات التي ظلت لسنوات جزءًا أساسيًا من تجهيز المنزل، وفي مقدمتها "النيش"، وتقليل أعداد المفروشات، والاكتفاء من الأجهزة بما يلبي الحاجة، كشراء غسالة واحدة وثلاجة واحدة بدلًا من تكرارها.

تباطؤ التضخم لا يعيد ميزانية الأمس

تفسّر حركة الأسعار جانبًا من المسافة بين ما خطط له عمرو ومي وما يستطيعان شراءه، لكن معدل التضخم يحتاج إلى قراءة دقيقة. فالانتقال من زيادة سنوية كبيرة إلى زيادة أصغر يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، وليس أنها انخفضت بالنسبة نفسها. ومن ثم، قد يقرأ المقبل على الزواج خبرًا عن تباطؤ التضخم، ثم يجد قائمة مشترياته ما زالت أعلى من مدخراته. ولا يوجد تناقض حسابي بين الأمرين: أحدهما يقيس سرعة التغير، والآخر يتعلق بمستوى الأسعار الذي تراكمت عنده الزيادات.

كذلك لا تعني الزيادة العامة في أسعار المستهلكين أن كل جهاز أو قطعة أثاث ارتفعت بالنسبة ذاتها. فالمؤشر يجمع مجموعات متعددة بأوزان مختلفة، بينما تتكون ميزانية تجهيز البيت من سلع محددة يشتريها شخص في وقت ومكان بعينهما. ولهذا لا يمكن ضرب ميزانية قديمة في معدل التضخم وحده لإنتاج تكلفة مؤكدة لزواج جديد. وتحتاج المقارنة إلى المواصفات نفسها وتاريخ الشراء، فضلًا عن التمييز بين السعر النقدي والتكلفة النهائية عند التقسيط.

ولا تكشف نسبة انخفاض عقود الزواج وحدها عدد من أجّلوا الزواج بسبب الغلاء. فهي تقارن العقود المسجلة في سنتين، ولا تتتبع كل شاب أو فتاة قررا الانتظار، ولا تفصل دوافعهما. وقد تساعد بيانات الأعمار والدخل والعمل والسكن، إلى جانب دراسات تتبع الأسر، على تفسير التحولات، لكن الربط السببي لا يأتي من وضع نسبة التضخم بجوار نسبة الزواج. أما المقابلات هنا فتكشف قرارات وتجارب أصحابها، من دون ادعاء أنها عينة ممثلة لجميع المصريين.

تمنح هذه الحدود للقصص معناها بدل أن تقلل أهميتها. فما يصفه محمود وآية هو أثر ملموس على قائمة أشياء يختارانها، وعلى موعد شرائها وجودتها، لا تقدير إحصائي لسلوك كل الأسر. ويمكن أن تتشابه ضغوط الأسعار بينما تختلف الاستجابة: أسرة تقلل عدد القطع، وأخرى تؤجل غرفة كاملة، وثالثة ترفض المستعمل رغم ارتفاع تكلفة الجديد. هذا الاختلاف حاضر داخل المقابلات نفسها، ويحول دون تقديم نموذج واحد باعتباره وصفة اجتماعية فرضها الغلاء على الجميع.

الشقة والعمل يسبقان قائمة الأجهزة

تضع قراءة بحثية نشرها منتدى البحوث الاقتصادية عام 2017 السكن في قلب الانتقال إلى الزواج، وتناقش كيف أثّر توافر الإيجار في توقيته بمصر. وتعرض، استنادًا إلى بيانات 2012، تكلفة أولية للسكن تعادل نحو عامين من أجر العريس وتمثل 28% من ميزانية الزواج. هذه مقارنة تاريخية، وليست تسعيرًا لشقة اليوم أو نسبة ثابتة تنطبق على الأسر التي قابلها التقرير.

وتعيد المقارنة توجيه الانتباه إلى الفرق بين الاستغناء عن جهاز وبين تأمين مكان للعيش. فحذف بند من القائمة يقلل مبلغًا مطلوبًا عند البداية، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأكبر المتعلق بالسكن وتكلفة الاستمرار فيه. وفي حديث مي وعمرو، ترتبط التجهيزات أصلًا بشقة مستقبلية يجري الاستعداد لها؛ وفي روايات بقية المشاركين، تظهر تكلفة تأسيس المنزل كحزمة من الالتزامات، لا كعملية شراء واحدة يمكن حسمها بمجرد اختيار متجر أرخص.

وتبحث ورقة أخرى لراغي أسعد وكارولين كرافت، منشورة عام 2017، علاقة العمل بتوقيت الزواج في مصر والأردن وتونس. وتخلص إلى أهمية نوعية الوظيفة، لا مجرد وجودها، بالنسبة للرجال، مع النظر إلى الأمان الوظيفي والدخل والقدرة على الادخار. وتخص النتائج بيانات الدراسة وفترتها؛ فلا تثبت أوضاع عمل المشاركين في هذا التقرير، الذين لم تُجمع عنهم معلومات تفصيلية تسمح بمثل هذه المقارنة.

ويتسق ذلك مع ضرورة الفصل بين امتلاك مبلغ لشراء قطعة أثاث والقدرة على تحمل مصروفات بيت بعد الزواج. فالأول رصيد يُنفق مرة، والثاني تدفق مستمر من النفقات والدخل. ولا يعني دفع الأسرة جزءًا من التجهيز أنها تستطيع تغطية التزامات لاحقة إلى أجل غير معلوم. ومن هنا، تبدو المفاوضات التي ترويها رحمة بشأن تقليل المطالب مرتبطة بموعد البداية وحدود الدعم العائلي، لا بتحديد قائمة موحدة لما ينبغي لكل زوجين اقتناؤه.

وفي موجز بحثي صدر في ديسمبر 2024، يرصد منتدى البحوث الاقتصادية تراجع وسيط الأجر الحقيقي بالساعة بين 2018 و2023، ويشير إلى اعتماد أكثر من نصف الأسر على مصدر دخل واحد في السنوات التي درسها. والمقصود بالأجر الحقيقي قوته الشرائية بعد مراعاة الأسعار، لا المبلغ الاسمي الذي يتقاضاه العامل. وهذه خلفية لفهم ضغوط الادخار، وليست قياسًا مباشرًا لميزانية الزواج في 2026.

حين تتحول التوقعات الاجتماعية إلى دين

ولا تبدأ العلاقة بين متطلبات الزواج والضغط الاجتماعي مع موجة الأسعار الأخيرة. فقد بحث شريف محمد عوض، في دراسة منشورة عام 2016، اقتصاديات الزواج في قرية بمحافظة دمياط، باستخدام استبيانات ومقابلات. وتناول التوسع في متطلبات الخطوبة والمسكن والجهاز وحفل الزواج وأثره في تأخير البداية لدى مجتمع الدراسة. وتوثق هذه النتيجة تجربة محلية، ولا تبرر وصف الريف كله بأنه متماثل أو ثابت في مواقفه من تجهيزات الزواج.

ويستعيد ذلك الفرق بين الحاجة إلى سلعة وبين المعنى الذي يكتسبه وجودها أمام الآخرين. ففي حديث عمرو، لم يعد «النيش» ضرورة، وفي ترتيب آية لا تأتي غسالة الأطباق في مستوى الثلاجة. أما قرار مي وعمرو تجهيز البيت بعيدًا عن ضغوط الأقارب، فيكشف أن النقاش لا يدور حول الأسعار فقط، بل حول من يحدد معيار اكتمال المنزل. وعندما يتفق الطرفان على تأجيل بعض الأشياء، فإنهما يعيدان تحديد هذا المعيار وفق ما يقدران عليه.

وفي دراسة فتحية السيد الحوتي عن الغارمات، تناولت الباحثة 24 حالة مختارة بسجن المنصورة، وربطت بين المسؤوليات الأسرية وهشاشة الموارد ومسارات الاستدانة والإدانة الجنائية. وتعيد الدراسة بُعدًا حاضرًا في المادة الأصلية: تجهيز الأبناء قد يُفهم كواجب أسري يتجاوز القدرة المالية. لكنها لا تقدم نسبة وطنية للغارمات بسبب الزواج، ولا تسمح بتوقع مصير كل أسرة تلجأ إلى التقسيط.

وهنا يصبح وصف حسن عبد الفتاح للشراء التدريجي أكثر من تفصيل في طريقة السداد. فالتقسيط ينقل جزءًا من عبء الشراء إلى شهور أو سنوات مقبلة، وقد يزيد المبلغ الإجمالي المستحق، بحسب شروط الاتفاق. والمقابلة لا تتضمن عقود تمويل أو حسابًا يمكن منه تقدير فوائد أو التزامات محددة؛ لذلك لا يصح تحويل روايته إلى رقم متوسط لمديونية الأزواج. ما توثقه هو إدراكه أن اكتمال التجهيز قد يأتي مصحوبًا بدين يستمر بعد حفل الزواج.

وتوضح مؤسسة حياة في تعريف برنامجها للغارمات أنها تجمع بين سداد الديون والمساعدة الاقتصادية ومساندة تجهيز البنات. ولا تمثل صفحة البرنامج حصرًا حديثًا لأعداد الحالات في مصر، لكنها تبين أن المساندة قد تستهدف آثار الاستدانة وسبب الحاجة معًا. وفي المقابل، يظل حجم الاستفادة الفعلية من أي برنامج وشروطها أمرًا يحتاج إلى بيانات مستقلة قبل اعتباره حلًا يغطي جميع الأسر المتضررة.

التنازل عن قطعة لا يلغي ضغط الميزانية

يُظهر اختلاف موقف آية ورحمة من المستعمل أن البديل الأرخص ليس قرارًا تلقائيًا. فقد تتعلق المفاضلة بالجودة والعمر المتوقع للسلعة والقبول الشخصي، وليس بالسعر المعروض وحده. ولم يجر التقرير مسحًا لأسعار الأسواق أو فحصًا لأجهزة مستعملة، لذلك لا يقدم وفرًا مضمونًا أو توصية بشراء نوع معين. وما تتيحه الشهادات هو رصد اتساع دائرة البدائل التي يفكر فيها المقبلون على الزواج، بما في ذلك بدائل لا يوافقون في النهاية على اختيارها.

وفي مستوى أوسع، تشير دراسة لمنتدى البحوث الاقتصادية صدرت في ديسمبر 2024 إلى ارتفاع نسبة الأسر التي أفادت بتعرضها لصدمات من 16% في مسح 2018 إلى 49% في مسح 2023، مع حضور تقليص الاستهلاك بين وسائل التكيف. وهذه نتائج عن الأسر عمومًا والصدمات وفق تعريف الدراسة، وليست نسبة من أجّلوا الزواج أو خفضوا تجهيزاته. فائدتها هنا هي وضع ضغوط البداية ضمن بيئة أوسع من هشاشة الميزانيات.

وبين الادخار والشراء التدريجي، يبقى اختلاف الموارد العائلية عاملًا لا يمكن تجاهله عند مقارنة التجارب. فالاتفاق على تقليل الطلبات الذي تصفه رحمة أتاح تفاهمًا بين الأسرتين، لكنه لا يخبرنا بما كان سيحدث لأسرة تفتقر أصلًا إلى القدرة على توفير الأساسيات. وبالمثل، فإن البحث عن فرق ألف جنيه الذي يرويه محمود يوضح حساسية ميزانيته للفروق الصغيرة، من دون أن يعني أن المقارنة بين المتاجر قادرة وحدها على تجاوز فجوة كبيرة بين الدخل وتكلفة السكن والتجهيز.

تلتقي هذه القصص عند إعادة ترتيب البداية، وتختلف في حدود التنازل الممكن. بعض المشاركين يقبل غرفة أقل، وبعضهم يؤجل جهازًا، وبعضهم يرفض المستعمل ويخفض العدد بدلًا منه. وليست المشاركة التي تتحدث عنها مي ورحمة مجرد تقسيم لفاتورة؛ إنها تفاوض على ما سيُشترى أصلًا، وما يمكن أن ينتظر، وما تتحمله كل أسرة. وبذلك يظل اكتمال البيت مسارًا متدرجًا في هذه الشهادات، فيما يبقى معيار القدرة على بدء الحياة أهم من اكتمال قائمة تعارف عليها الآخرون.

في روايات هؤلاء الشباب، تمتد صعوبة الزواج إلى ما بعد شراء الشبكة: الشقة والأثاث وبقية تكاليف تأسيس الأسرة. وقد يدفع ارتفاع تكلفة السكن والتجهيز بعض المقبلين على الزواج إلى تأجيل البداية حتى تتحسن قدرتهم المالية. هنا يتغير السؤال، حسب "محمود الهواري"، من: "ماذا سنشتري؟" إلى: "هل نستطيع أن نبدأ أصلًا؟".

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search