ادفع حتى تحصل على الشهادة.. كيف تحولت الدراسات العليا إلى رحلة رسوم وعناء؟

تكشف رحلة الدراسات العليا عن فاتورة تتجاوز المصروفات الدراسية، لتشمل رسوم التسجيل والدورات والاختبارات وتكاليف المناقشة والطباعة وغيرها، وبين أعباء مالية وإجراءات معقدة ومشكلات في الإشراف والتوجيه يواجه الباحث/ة سنوات من الجهد والإنفاق
كولاج توضيحي لكتب ورسالة جامعية وقبعة تخرج وشريط إيصال يرمز إلى تكاليف الدراسات العليا
Picture of إبراهيم الهادي عيسى

إبراهيم الهادي عيسى

تكشف رحلة الدراسات العليا عن فاتورة تتجاوز المصروفات الدراسية، لتشمل رسوم التسجيل والدورات والاختبارات وتكاليف المناقشة والطباعة وغيرها، وبين أعباء مالية وإجراءات معقدة ومشكلات في الإشراف والتوجيه يواجه الباحث/ة سنوات من الجهد والإنفاق

على صفحته في فيسبوك، نصح أستاذ الحديث بجامعة الأزهر محمد إبراهيم العشماوي الطلاب بألا يضيعوا أعمارهم في الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه، معتبرًا أن هذه الشهادات لم تعد ذات شأن في واقعهم. تفتح كلماته سؤالًا عن كلفة الدراسة وقيمتها، لكن شهادات الباحثين في هذا التقرير تكشف تجارب متفاوتة، لا إجابة واحدة تنطبق على الجميع.

وفي 5 أغسطس 2026، أعلنت جامعة الأزهر تفاصيل زيادة رسوم الدراسات العليا للعام الجامعي 2026/2027، موضحة أن القرار أُقر في يناير وصدّق عليه المجلس الأعلى للأزهر، وأن الرسوم لم ترتفع منذ 2014. وأثارت الزيادة مطالبات طلابية بتخفيض المصروفات.

وفي 25 أغسطس 2026، أعلنت جامعة الأزهر عن تخفيض رسوم الدراسات العليا للكليات الأصيلة من القطاعين الشرعي والعربي والكليات النظرية بنسبة 50% مراعاة لظروف الطلاب ودعمًا للبحث العلمي. ولكن المصروفات لم ترجع إلى ما كانت عليه قبل قرار الزيادة.

تنص المادة 169 من قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 على أن "التعليم مجاني لأبناء الجمهورية في مختلف المراحل الجامعية. وفيما عدا فروع الجامعات الخاضعة لهذا القانون في الخارج يؤدي الطلاب من غير أبناء الجمهورية مصروفات الدراسة المحددة في اللائحة التنفيذية على أن تخصص حصيلة هذه المصروفات للخدمة التعليمية في الجامعة المقيدين فيها، ويؤدي جميع الطلاب الرسوم التي تحددها اللائحة التنفيذية مقابل الخدمات الطلابية المختلفة، على أن تخصص حصيلة كل رسم منها للخدمة المؤدى عنها". ويتعلق هذا النص بالجامعات الخاضعة لقانون تنظيم الجامعات؛ أما جامعة الأزهر فلها إطار تشريعي خاص ينظمه القانون رقم 103 لسنة 1961، ولذلك لا يصح افتراض انطباق الأحكام نفسها عليها تلقائيًا.

المحامي بسام أبو جازية يقول لـ"زاوية ثالثة" إن رسوم الدراسات العليا في الوقت الحالي تتنافى مع جزأين رئيسين من المادة 169 من قانون تنظيم الجامعات، وهما "التعليم مجاني لأبناء الجمهورية" و"تخصيص كل رسم للخدمة المؤدى عنها". وهذا تقييم قانوني يقدمه المحامي، وليس حكمًا قضائيًا ببطلان جميع الرسوم الواردة في الشهادات.

شهدت رسوم الدراسات العليا زيادات على مدار السنوات. وتوثق جامعة طنطا قرارًا في 27 مارس 2014 برفع رسوم الدراسات العليا بكلية التمريض، ثم قرارًا في يونيو من العام نفسه بزيادة رسوم كلية التجارة. أما المثال المتداول عن تجارة عين شمس في 2016، فيشير الرابط المرفق به إلى زيادة مصروفات الشعبة الإنجليزية في مرحلة البكالوريوس، وليس إلى قرار موثق بزيادة رسوم الدراسات العليا في سبتمبر. كذلك لا تتيح صفحة جامعة كفر الشيخ المشار إليها في مادة التقرير التحقق من تفاصيل قرار منسوب إلى ديسمبر 2016 بشأن رسوم 2017/2018. وفي أكتوبر 2018، أعلنت جامعة مطروح تخفيض رسوم الدراسات العليا استجابة لالتماسات الطلاب؛ ووُصف التخفيض آنذاك بأنه 40%، بينما تغير سعر الساعة الوارد في الخبر من 300 إلى 200 جنيه، أي نحو 33.3%. يوضح ذلك ضرورة التمييز بين عنوان القرار والبند المالي الذي يجري حسابه.

ومن أحدث القرارات الواردة في التقرير قرار جامعة الأزهر، إذ ارتفعت رسوم الدبلوم من 750 جنيهًا إلى 4 آلاف جنيه، والماجستير إلى 5 آلاف جنيه بدلًا من 1500 جنيه، بينما وصلت رسوم الدكتوراه إلى 7 آلاف جنيه مقابل 2000 جنيه سابقًا، قبل أن تقرر الجامعة خفض الرسوم الجديدة بنسبة 50% للكليات الشرعية والعربية والنظرية.

يتبع إجمالي 2018 الجدول 189 في نشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2018 (240,335)، بينما يعطي الجدول 162 في النشرة نفسها مجموعًا قدره 238,963 للمراحل الثلاث. احتُفظ بالرقمين كما وردا؛ فالاختلاف قائم بين جدولي المصدر.

وقد تناولت "زاوية ثالثة" في تقرير سابق لها أزمة تراجع الإقبال على الدراسات العليا في ظل ارتفاع تكاليف الماجستير والدكتوراه وتعارض الدراسة مع العمل وضعف فرص التوظيف بعد الحصول على الدرجات العلمية، بجانب ما وُصف بعقبات إدارية وأكاديمية. وأشار التقرير، في الفترة التي تناولها، إلى تراجع الحصول على الدرجات العلمية العليا، مستندًا إلى بيانات رسمية، فيما رأى متخصصون أن ارتفاع التكلفة وضعف العائد المهني وهجرة الكفاءات إلى الخارج من أبرز أسباب عزوف البعض عن استكمال الدراسات العليا. ولا يعني التراجع في فترة سابقة أن الاتجاه استمر بالضرورة؛ إذ أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد الحاصلين على الدرجات العلمية العليا بلغ نحو 122.9 ألفًا في 2024، مقابل 100.5 ألف في 2023، بزيادة 22.2%. وهذه أعداد الحاصلين على الدرجات، وليست أعداد المقيدين المعروضة في الرسوم.

عناء في سبيل الدرجة العلمية

لا تقتصر تكلفة الحصول على درجة الماجستير على المصروفات الدراسية، حسبما يقول باحث ماجستير رفض ذكر اسمه لـ"زاوية ثالثة"، وإنما تمتد المصروفات، وفق الباحث، إلى رسوم تسجيل الخطة والدورات التدريبية واختبارات اللغة والتحول الرقمي فضلًا عن مصروفات أخرى تظهر خلال مراحل إعداد الرسالة ومناقشتها.

تبلغ المصروفات الدراسية الأساسية نحو 2000 جنيه للترم الواحد بأحد معاهد الدراسات العليا التابعة لجامعة حكومية، ويضيف: تكلفة تسجيل خطة البحث بلغت 5000 جنيه، شملت قرابة 3800 جنيه للتسجيل ونحو 1200 جنيه لبنود أخرى مرتبطة بالإجراءات.

ومن بين المتطلبات التي يتحمل الطالب تكلفتها اختبار اللغة الإنجليزية "تويفل"، كما يقول الباحث، ويشير إلى أن تكلفة خضوعه للاختبار للمرة الأولى في 2022 بلغت نحو 1200 جنيه إضافة إلى 170 جنيهًا للكتاب، قبل أن يضطر إلى خوض الاختبار مرة أخرى بعد انتهاء صلاحية الشهادة، فدفع 1200 جنيه للاختبار و200 جنيه للكتاب. وبحسب الأرقام التي يرويها، زاد ثمن الكتاب 30 جنيهًا، بينما لم تتغير رسوم الاختبار بين المرتين. هذه تكاليف التجربة التي وصفها، وليست تسعيرة عامة لجميع اختبارات اللغة أو للامتحان الدولي في كل مركز.

تضم مرحلة الدراسات العليا مجموعة أخرى من الدورات التدريبية، من بينها دورات اللغة العربية والبحث العلمي والإحصاء وريادة الأعمال والنشر الدولي، وغيرها، حسب الباحث، وتكلفة الدورة الواحدة منها بين 100 و150 جنيهًا.

"دورة التحول الرقمي الأكثر أهمية بين جميع الدورات" كما يقرر الباحث، موضحًا أنها تتكلف 500 جنيه، ولكنها تتطلب استعدادًا جيدًا للامتحان، بخلاف الدورات الأخرى التي لم يرَ منها استفادة كبيرة، حسب تجربته.

وبحساب المصروفات، وجد الباحث نفسه أمام عشرات البنود المالية المتفرقة فضلًا عن الرسوم الدراسية، فيما تظل تكاليف أخرى رسمية وغير رسمية، من بينها مصروفات إجراءات ما بعد الانتهاء من الرسالة والمناقشة والتشكيل.

عُدّل صوت المصدر لحمايته.

لماذا يعيدون اختراع المنطق؟

تكشف رحلة الدراسات العليا عن أعباء مالية وتنظيمية تتجاوز بكثير الرسوم الدراسية المعتادة، كما تقول الباحثة الحاصلة على درجة الماجستير آية إيهاب لـ"زاوية ثالثة"، وتشير إلى أن يوم مناقشة الرسالة وحده كلفها نحو 10 آلاف جنيه، بخلاف مصروفات أخرى.

إلا أن أكبر ما أثار استغراب الباحثة اضطرارها إلى حجز قاعة داخل الجامعة لإجراء المناقشة، وفق روايتها، بينما تتساءل: "لماذا يُفرض على الباحث/ة تأجير قاعة داخل الجامعة؟"، وتشير إلى أن أقل قاعة كلّفتها نحو 1000 جنيه، بينما كانت تكلفة القاعات الأكبر أكثر من ألفي جنيه، في حين تراوح إيجار أفضل القاعات بين 5 و7 آلاف جنيه.

ولا تتوقف التكلفة عند حجز القاعة، حسب "آية"، إذ يبقى على الباحث/ة تحمل مصروفات أخرى في يوم المناقشة، من بينها الأرواب التي يرتديها أعضاء لجنة المناقشة والباحث/ة وتجهيز القاعة بجميع اللوازم والبانر والورود بجانب مصروفات أخرى يتحملها الطالب/ة وفقًا لاختياراته/ا كتكاليف زجاجات مياه شرب للضيوف وواجب ضيافة مثل الحلوى أو الكانز. وتجمع هذه القائمة بين ما وصفته بإجراءات مطلوبة وبين اختيارات شخصية للضيافة، فلا تمثل جميع بنودها رسومًا جامعية مقررة.

كل تلك التكاليف لا تشمل مصروفات نسخ الرسالة التي قدمتها إلى أعضاء لجنة المناقشة أو المواصلات أو الملابس، كما تقول الباحثة، مشيرة إلى أن هذه المصروفات جاءت في وقت كانت فيه ظروفها المالية والعملية ضاغطة، لكنها لم تجد خيارًا آخر سوى تحملها، وترى "آية" أن بعض النفقات ترتبط بإجراءات يفترض أن توفرها الجامعة للباحث/ة.

ومن بنود النفقات التي تحكي عنها "آية" تحميل الباحث/ة تكلفة "البانر الخاص بالمناقشة" بشكل معين وألوان محددة وفق اللائحة الجديدة للجامعة التي جعلته عنصرًا إلزاميًا ونشره على موقع الكلية أو صفحتها الرسمية، بحسب روايتها، ما يحمّل الباحث/ة تكاليف إضافية، وتضيف أن تكلفة ذلك أصبحت ضعف السابق، بعدما تحولت من خيار إلى إجبار. ولم تتوافر نسخة مستقلة من اللائحة الجديدة التي تشير إليها للتحقق من هذا الإلزام.

لا تثبت اللوائح والقواعد المنشورة التي أحال إليها التقرير وجود قاعدة موحدة تلزم جميع الباحثين بطباعة بانر للمناقشة أو نشره على موقع الكلية. ومع ذلك، قد يشعر الباحث بأن إجراءً متكررًا أصبح شرطًا عمليًا لاستكمال المناقشة. وهذا يختلف عن اعتباره التزامًا قانونيًا عامًا؛ فالممارسة المتكررة وحدها لا تثبت وجود نص ملزم، ويلزم الرجوع إلى قرار المؤسسة المعنية.

ولا ترى "آية" تكلفة باهظة في أسعار بعض الدورات التي حصلت عليها لاستكمال متطلبات الماجستير، مثل دورات اللغة الإنجليزية والتحليل العلمي، لكنها تتساءل عن مدى ارتباط محتواها باحتياجات الباحث/ة، مشيرة إلى أن دورة التحول الرقمي التي تتكلف 1000 جنيه تضم سبع مواد، وبعض محتواها مفيد فعلًا، إلا أن بعض المواد لا يرتبط بالبحث العلمي، كما تقرر.

بعض المهارات مثل "Word" و"Excel" مفيدة للباحث/ة، كما تقول "آية"، لكنها تتساءل عن جدوى إلزام الجميع بالمحتوى نفسه، قائلة إن احتياجات الباحث/ة في كلية الآداب، مثلًا، تختلف عن احتياجات طالب/ة في تخصص آخر. وترى أن الأفضل هو تحديد الجامعة احتياجات كل تخصص، ثم توفير احتياجات الباحث/ة فعلًا، بدل فرض حزمة متطلبات موحدة على الجميع.

الأعداد للطلاب المقيدين، وليست للدرجات الممنوحة. تتبع أرقام المراحل في 2018 الجدول 162، مع اختلافه عن الجدول 189 الموضح أعلاه. ويبلغ مجموع مراحل 2024 نحو 232,299 طالبًا، وهو ما يقربه البيان الرسمي إلى 232.3 ألفًا.

مشكلات تتجاوز التكاليف المادية

تؤكد "آية" أن الأعباء على الطالب/ة ليست مالية فقط، وإنما تمتد إلى طريقة متابعة الباحث/ة والإشراف عليه/ا، وتشير إلى أنها شاهدت نماذج لطالبات لم يحصلن على متابعة كافية من المشرفين، مستشهدة بتجربة إحدى صديقاتها التي كان لها مشرفان، لكنها، حسب روايتها، لم تحصل منهما على مساعدة خلال إعداد الرسالة، ولم تتم مراجعة الرسالة قبل المناقشة.

وتطالب "آية" بمرونة التعامل مع طالب/ة الدراسات العليا، خاصة أن كثيرًا منهم/ن يعملون/ن بالتوازي مع الدراسة وعليهم/ن التزامات أسرية، مشيرة إلى أن بعض المحاضرات تُحدد في أوقات مبكرة جدًا لتناسب ظروف أعضاء هيئة التدريس دون مراعاة ظروف الباحث/ة العامل/ة، معتبرة أن الدراسة يمكن أن تُنظم في مواعيد أكثر ملاءمة أو خلال أيام الإجازات.

ولا تقتصر معاناة طالب/ة الدراسات العليا على الجانب المالي وإنما تمتد إلى الإجراءات الأكاديمية واختيار موضوع الرسالة والإشراف عليها، كما يقول الباحث الذي رفض ذكر اسمه، ويرى أن غياب التوجيه الأكاديمي للطالب/ة من قِبل الأساتذة إنما يؤخر مسيرته/ا.

يدفع ذلك الوضع الطالب/ة إلى الاعتماد على مكاتب غير رسمية تقدم خدمات مساعدة للباحث/ة في إعداد الخطط والرسائل مقابل مبالغ مالية ضخمة، حسب الباحث، مشيرًا إلى أن ذلك عبء إضافي على الطالب/ة، بينما يقع/تقع فريسة، وفق روايته، لهذه المكاتب التي تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في الأبحاث، ما يضر به/ا أمام لجان السمينار. وتظل هذه روايته عن الخدمات التي واجهها، ولا يعني ذلك أن كل خدمة مساعدة أكاديمية تستخدم الأسلوب نفسه، أو أن إسناد إعداد الرسالة إلى الغير بديل مقبول للعمل البحثي الأصيل.

عُدّل صوت المصدر لحمايته.

تظهر بيانات Nature Index التي استند إليها التقرير حضورًا مصريًا في النشر العلمي: ارتبط باحثون من مصر بـ366 مقالًا في المجلات التي يتتبعها المؤشر خلال مايو 2025 إلى أبريل 2026، وجاءت مصر في المركز 46 عالميًا والثاني أفريقيًا وفق مقياس Share، الذي يوزع المساهمة في الأبحاث المشتركة بين الباحثين والمؤسسات. المؤشر تابع لـSpringer Nature، لكنه لا يقيس النشر في مجلة Nature وحدها ولا يحصي كامل الإنتاج العلمي المصري. كما تتغير نافذته الزمنية باستمرار؛ لذلك يحتفظ هذا التقرير بالفترة الأصلية المشار إليها، ولا يخلطها ببيانات أحدث.

ادفع/ي حتى تمرّ/ي

في 2016، واجهت نادية محمود طلب المشرف على رسالتها بقسم علم النفس بكلية الآداب في جامعة حكومية بضرورة إهدائه هاتفين أيفون، مؤكدًا لها أنها لن تتجاوز مرحلة إعداد الرسالة إلا بهذه الهدية، بحسب شهادتها لـ"زاوية ثالثة".

"نادية" من أسرة ميسورة الحال، وكان باستطاعتها تدبير المبلغ (30 ألف جنيه في 2016)، إلا أنها حسب حديثها لـ"زاوية ثالثة" لم تستطع الإقدام على تلك الخطوة، معبّرة عن رفضها القاطع الحصول على درجة علمية بالرشوة، بحسب وصفها.

على خلاف "نادية"، يقول سعيد زكريا الحاصل على ماجستير اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة حكومية، إنه اضطر إلى دفع 20 ألف جنيه لمشرف رسالة الماجستير الخاصة به حتى "تمشي الدنيا" حسب وصفه، مشيرًا إلى أن تلك طريقة متبعة مع بعض المشرفين بشتى الجامعات. وهذه شهادة عن تجربته وانطباعه؛ لم يتحقق التقرير بصورة مستقلة من واقعة الدفع، ولا تصلح وحدها لتعميم الاتهام على الجامعات أو المشرفين.

"سعيد" يقول لـ"زاوية ثالثة" إن الأستاذ المشرف لا يطلب مباشرة من الطالب، وإنما يوسّط موظف الدراسات العليا بالجامعة بينه وبين الطالب/ة. دفع "سعيد" المبلغ المطلوب قبل المناقشة في آخر 2025، وصدر حكم لجنة التحكيم بمنح الرسالة درجة الامتياز مع مرتبة الشرف والتوصية بطبعها وتبادلها بين الجامعات. يضيف "سعيد" أن يوم المناقشة فقط كلفه 38 ألف جنيه، لتجهيز القاعة وتزيينها بالورود، منها 14 ألف جنيه ذهبت على "غدوة" بأحد المطاعم لأعضاء اللجنة بعد المناقشة.

وفي واقعة منفصلة تعود إلى 2017، تداولت مواقع التواصل تسجيلات نُسبت إلى ياسين لاشين، الأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة ورئيس حزب 30 يونيو آنذاك بحسب التغطيات الصحفية، وتضمنت اتهامات بالابتزاز الجنسي وطلب أموال وهدايا. وتحدثت بعض التغطيات عن تهديد امرأة بالسلاح لإجبارها على خلع ملابسها، بينما اختلفت الروايات حول كونها طالبة. ونفى لاشين آنذاك صحة الاتهامات، واعتبر ما نُشر حملة ضده. لذلك تُعرض هذه التفاصيل باعتبارها اتهامات وروايات صحفية في وقتها، لا وقائع أثبتها حكم جنائي في المصادر التي راجعها التقرير.

وفي 5 يوليو 2019، أُعلن قرار مجلس التأديب بجامعة القاهرة بعزل لاشين من وظيفته، بعد نحو عامين من بدء التحقيقات. ونقلت الصحف عن بيان الجامعة أن القرار جاء بناء على تحقيقاتها في اتهامات بالإساءة إلى القيم والتقاليد الجامعية. وهو قرار تأديبي جامعي؛ ولا ينبغي تقديمه باعتباره حكم إدانة جنائيًا في جميع التفاصيل التي تداولتها التغطيات.

يضم الاختيار الأصلي 90 مؤسسة. احتُفظ بالرتب كما في المصدر، بما فيها التعادلات والفجوات، ولا يمثل ذلك ادعاءً بحصر كل المؤسسات الموجودة في القائمة الحية الحالية.

"جمعة" حاصل على درجة الماجستير من جامعة حكومية، يقول لـ"زاوية ثالثة" إن تكلفة الدراسات العليا لا تقتصر على رسوم الجامعة، وإنما تمتد إلى أعباء ومصروفات أخرى يرى أنها "ضغط مالي كبير" عليه، لا سيما في مرحلة إعداد الرسالة ويوم المناقشة.

وتواجه الباحث/ة صعوبات في التعامل مع الإجراءات الإدارية بالجامعات، كما يضيف "جمعة"، كتأخّر إنجاز بعض المعاملات وتعطل الأنظمة الإلكترونية وتأجيل الإجراءات من الموظفين، ما يدفع الباحث إلى وسطاء يساعدونهم في تسريع الإجراءات، حسب تجربته، مقابل تقديم هدايا ومبالغ مالية بصورة غير رسمية، بحسب روايته، لافتًا إلى أن هذه الممارسات لا تنطبق على جميع أعضاء هيئة التدريس.

كما يشير "جمعة" إلى أن يوم المناقشة عبء كبير على الباحث/ة، إذ تشمل التكلفة استئجار قاعة وتجهيزها وتحمل وسائل انتقال أعضاء لجنة المناقشة فضلًا عن وجبات غداء ومشروبات وروب وزهور وغيرها. وأشار إلى أن استئجار قاعة المناقشة فقط كلفه 3 آلاف جنيه، ويضيف: "المبلغ ليس رسوم إيجار للقاعة، وإنما طُلب مني توقيع إقرار بأن المبلغ تبرع للكلية". ويذكر أن يوم المناقشة كلفه أكثر من 40 ألف جنيه، منها غداء لجنة المناقشة الذي كلفه 15 ألف جنيه.

وفيما يتعلق بالمشرفين، يقول "جمعة" إن طبيعة التعامل تختلف من مشرف إلى آخر، إذ يقول إن بعض المشرفين لا يطلبون مقابلًا لما يقدمونه للباحث/ة، بينما يطلب آخرون "تسعيرة" معينة، حسب وصفه لإنهاء الرسالة والحصول على الدرجة. ينتقد "جمعة" ما وصفه بتحول أبحاث الدراسات العليا إلى متطلبات "إدارية" للحصول على الدرجة فقط، مقللًا من القيمة العلمية لبعضها، مشيرًا إلى أن البعض يعتبرها أوراق ينبغي استكمالها وترتيبها فقط، دون بحث علمي يضيف للمعرفة. تبقى هذه اتهامات وملاحظات ينسبها التقرير إلى صاحبها؛ ولا تمثل حكمًا على جميع أعضاء هيئة التدريس أو تقديرًا إحصائيًا لانتشار هذه الممارسات.

عُدّل صوت المصدر لحمايته.

كما يرى أن ارتفاع أعداد الباحثين الأجانب في الجامعات الذين يسددون الرسوم بالدولار، حسب وصفه، يمنح الجامعات خيار إهمال الباحث/ة المصري/ة، مُرجعًا ذلك إلى أن "الدولار" أهم من الباحث/ة، كما يرى. وهذه قراءة يقدمها جمعة لتجربته، وليست سياسة جامعية مثبتة أو نتيجة قائمة على قياس مقارن لمعاملة الطلاب المصريين والأجانب.

هل تستحق الدراسات العليا بمصر كل هذا العناء؟

رغم الانتقادات، تنفي "آية" أن الحصول على الماجستير أو الدكتوراه بلا جدوى، بل تصف تجربتها بالمفيدة على المستوى العلمي والمهني. وتوضح أن الماجستير فتح لها أبوابًا جديدة في البحث العلمي مع استفادتها من مشرف رسالتها ومن أبحاث خلال فترة الدراسة، مشيرة إلى أن قيمة التجربة تعتمد على هدف الباحث/ة نفسه/ا إذا كان هدفه/ا الحصول على الدرجة فقط أو التعلم والتطوير.

تأمل "آية" في تنظيم أفضل ودعم أكبر للباحث/ة وتسهيلات تناسب ظروف الطالب/ة العامل/ة، مشيرة إلى أن الجامعات المصرية تضم كفاءات أكاديمية، لكنها ترى أن الاستفادة منها تحتاج قواعد وآليات أكثر وضوحًا وتنظيمًا تخفف العبء المالي والزمني عن الباحث/ة لتجعل الدرجة العلمية محطة حقيقية للتعلم والبحث، وليس مجرد حصول على شهادة.

عدد المقالات لعشر مؤسسات في بيانات مايو 2025 إلى أبريل 2026 الأصلية. يختلف مقياس العدد عن حصة المشاركة Share، ويشمل مجلات يتتبعها المؤشر، وليس مجلة نيتشر وحدها.

ويرى الباحث الذي رفض ذكر اسمه أن الحصول على الدرجة العلمية يظل مجديًا لبعض الفئات، لا سيما للعاملين/للعاملات بمؤسسات تتيح حوافز مالية للحاصلين على درجات علمية، ويرى أن الحصول عليها يرتبط بزيادة الراتب، مشيرًا إلى أن زيادة الماجستير تبلغ 350 جنيهًا مقابل 700 جنيه للدكتوراه، ويزعم أن "الحافز المالي" يدفع الموظفين/الموظفات للالتحاق بالدراسات العليا، ويرى أنه السبب الوحيد. والأرقام المذكورة تخص الحوافز التي يعرفها الباحث في سياق عمله، ولا يطرحها التقرير بوصفها مبالغ موحدة مقررة لكل العاملين. كذلك فإن اعتبار الحافز المالي الدافع الوحيد رأي صاحب الشهادة، وتختلف معه تجربة آية التي تؤكد قيمة التعلم والبحث.

يستهلك الباحث/الباحثة وقتًا طويلًا في تسجيل مقترح رسالته/ا والموافقات والمخاطبات واستيفاء الإجراءات، مع بطء المعاملات وضعف استخدام التكنولوجيا في إدارة ملفات الدراسات العليا، حسبما يقول أستاذ أكاديمي رفض ذكر اسمه لـ"زاوية ثالثة".

كما تختلف تجربة الباحث/ة من قسم إلى آخر ومن مشرف/ة إلى آخر/أخرى، مع ضعف الإشراف ومحدودية الوقت المخصص للباحث/ة وانعدام التوجيه عند اختيار موضوع البحث، حسب الأستاذ الأكاديمي، مضيفًا أن الرسائل العلمية قد تستغرق سنوات مع إنفاق الأموال عليها، ثم لا تجد طريقها إلى التطبيق. وتناقش الأدبيات البحثية المرفقة بالتقرير مشكلات الإشراف وإفادة المجتمع من البحوث، لكن نتائج كل دراسة تظل مرتبطة بمنهجها وعينتها، ولا تثبت أن جميع الرسائل لا تجد طريقها إلى التطبيق.

إضافة إلى ذلك وفق الأكاديمي، فإن الباحث/ة يتحمل/تتحمل تكلفة إنتاج بحث يفترض أن يخدم المعرفة والمجتمع في ظل موارد تمويل وحوافز مادية ومعنوية محدودة، مشيرًا إلى تحول بعض الممارسات العرفية بالجامعات إلى إلزام عملي رغم عدم وجود نص لائحي يلزم بها. وتبحث دراسة عن واقع الدراسات العليا بجامعة أسوان، منشورة في 2024، آراء عينة من 865 طالبًا؛ ولذلك ينبغي قراءة نتائجها في نطاقها، لا تعميمها آليًا على الجامعات المصرية كلها.

وتناقش دراسات اختلاف آراء المحكمين وتعدد معايير التقييم وما قد يؤدي إليه ذلك من تأخير إنجاز الدراسات أو تفاوت تقييمها والتأثير في حياده، إضافة إلى صعوبة وصول الباحث/ة لقواعد البيانات والمراجع والبيانات الميدانية المدفوعة، ما يرفع تكلفة البحث ويؤخر وقته. كما تشير دراسات إلى قصور التفكير الإبداعي والاستقلالية والحوار العلمي، فضلًا عن عدم تأهيل المقررات للباحث/ة لممارسة البحث باستقلالية. وتضم الأدبيات المستخدمة دراسات من أزمنة وجامعات وبلدان مختلفة؛ الاستفادة منها تفسيرية، وليست مسحًا حديثًا موحدًا لكل مؤسسات التعليم العالي في مصر.

العالم المصري عصام حجي يقول في حديثه لـ"زاوية ثالثة" إن اختناق مجال البحث العلمي وعدم اختيار الباحث/ة لعناوين أبحاثه/ا وابتعاده/ا عن تناول المستجدات بالبحث العلمي، يدفع إلى موت محقق للمجال العلمي.

لا تتوقف القضية عند دعوة العشماوي إلى عدم إضاعة العمر في الدراسات العليا. فبين باحثين يرون أن الأموال والوقت يُستنزفان في الإجراءات، وآخرين يلمسون قيمة علمية ومهنية حقيقية، يبقى السؤال عن شروط هذه القيمة: كيف تضمن الجامعة أن تتحول الرسوم والجهد والإشراف إلى معرفة منتجة، بدل أن تنتهي الرحلة عند لحظة منح الشهادة؟

إبراهيم الهادي عيسى
صحفي مهتم بالقضايا الاقتصادية وتقاطعاتها مع العدالة الاجتماعية والقصص الإنسانية

Search