منذ تشخيص ابنتها، البالغة 12 عامًا وقت إجراء المقابلة، باضطراب طيف التوحد، وابنها البالغ ثماني سنوات بإعاقة ذهنية وضمور في القشرة المخية، أمضت شروق حافظ سنوات في محاولة الحصول على خدمات تأهيل حكومية لطفليها. لكن طول الإجراءات وقوائم الانتظار، بحسب روايتها، حال دون استفادتهما الفعلية من تلك الخدمات.
يستند هذا التقرير إلى مقابلات وشهادات جُمعت قبل تسليمه في أغسطس 2026. وترد أعمار الأطفال وتكاليف العلاج وأوضاع الانتظار كما وصفتها الأسر وقت المقابلات، ولا تمثل مسحًا لأسعار الخدمة أو تأكيدًا لاستمرار كل حالة على وضعها حتى يوم النشر.
على مدار السنوات العشر الماضية، كانت تتردد بشكل دوري على عدد من المستشفيات الحكومية، بينها مستشفى أبو الريش ومستشفى الدمرداش، إلى جانب معهد السمع والكلام، ومعهد شلل الأطفال، بحثًا عن خدمات الكشف والتقييم أو التقارير الطبية اللازمة لإثبات الإعاقة لدى الطفلين، إلا أنها كانت تواجه في كثير من الأحيان غياب الأطباء أو تأجيل المواعيد، حتى أنها قضت في إحدى المرات اليوم كاملًا داخل المستشفى قبل أن تحصل فقط على موعد جديد دون إجراء الكشف.
كانت شروق تضطر إلى مغادرة منزلها بشبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، في السادسة صباحًا، رفقة الطفلين، ويستغرق رحلتها معهما إلى المستشفى نحو ساعة ونصف عبر ثلاث وسائل مواصلات مختلفة، بتكلفة تصل إلى نحو 200 جنيه في الزيارة الواحدة، وهناك يضطرون إلى الانتظار لساعات من أجل حجز دور، ثم ساعات أخرى داخل المستشفى قبل أن يصل الطبيب، وقد يصدمون بتأجيل الكشف إلى موعد لاحق، ما جعل الاستفادة من جلسات التخاطب المجانية أو منخفضة التكلفة، أمرًا غير عملي بالنسبة لأسرتها.
تقول لـ"زاوية ثالثة": "الكشف كان يستغرق دقائق معدودة، دون فحص حقيقي للأطفال أو شرح للحالة أو مناقشة خيارات العلاج، بعض الأطباء كانوا يكتبون وصفات دوائية سريعة ثم يوجهوننا إلى عياداتهم الخاصة لاستكمال المتابعة".
وتضيف أن الأدوية التي كانت توصف لأطفالها لم تكن متوافرة في صيدليات المستشفيات، رغم أنها أدوية أساسية، ما اضطرها إلى شرائها من الخارج، لافتة إلى أن أسعار بعض الأدوية تتراوح بين 600 و1500 جنيه للعبوة الواحدة، وهو ما يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على أسرتها.
وفي عام 2024 كانت شروق في زيارة إلى مكتب التأهيل الاجتماعي لتجديد بطاقة الخدمات المتكاملة لطفليها، عندما أبلغها الموظف بوجود مركز للتأهيل الشامل لذوي الاحتياجات الخاصة، يقع بمنطقة أرض نوبار في شبرا الخيمة، ويقدم جلسات التخاطب وتنمية المهارات والعلاج الوظيفي التي يحتاجان إليها، بالمجان.
وعندما قصدت المركز طُلب منها أن تسجل اسمي الطفلين ورقم هاتفها، في سجلات قوائم الانتظار، على أن يتم الاتصال بها حين يصبح لديهم مقعدان شاغران لهما، إذ يستوعب المركز الحد الأقصى له من الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية، لكن طال انتظارها لنحو عامين.
سجّلت شروق طفليها في قائمة الانتظار عام 2024، وتقول إن انتظارها امتد لنحو عامين.
في النهاية اضطرت الأم إلى الاعتماد على مراكز التأهيل الخاصة، حيث لا يقل سعر الجلسة الواحدة، بحسب ما تدفعه، عن 100 جنيه، وتقدر إجمالي تكلفة الجلسات بما بين ستة آلاف وسبعة آلاف جنيه شهريًا. وتذكر أن أعباء إضافية تبلغ 2500 جنيه تزيد الضغط على ميزانية الأسرة. تتحمل الأسرة هذه النفقات من دخل شهري لا يزيد على 12 ألف جنيه، فيما تقطن شقة بنظام الإيجار الجديد.
فاتورة شهرية لا تحتمل الانتظار
وقبل خمس سنوات لجأت دنيا محمد، إلى العيادات الخارجية بمستشفى القصر العيني للحصول على تقييم طبي لحالة ابنتها، التي تبلغ من العمر حاليًا تسع سنوات، وهناك تم تشخيصها باضطراب طيف التوحد، وتقييم الحالة وتحديد خطة التأهيل المناسبة، دون توفير جلسات علاجية داخل المستشفى أو صرف أدوية من الصيدلية، ما اضطر أسرتها إلى استكمال خدمات التخاطب وتنمية المهارات والتكامل الحسي في مراكز خاصة على نفقتها.
تقول لـ"زاوية ثالثة": "تذهب ابنتي خمسة أيام أسبوعيًا إلى الرعاية النهارية في مركز تأهيل خاص يقدم لها جلسات التخاطب وتنمية المهارات وتعديل السلوك والعلاج الوظيفي باشتراك شهري يبلغ 5 آلاف جنيه، قابلة للزيادة السنوية، كما تحصل على ثلاث جلسات تكامل حسي أسبوعيًا، سعر الجلسة الواحدة 120 جنيهًا، بجانب النشاط البدني بأكاديمية تدريب رياضي، مرتين أسبوعيًا، بتكلفة 1500 جنيه شهريًا، ونتكبد نحو ألفي جنيه لانتقالاتها".
وتشرح الأم أن حالة ابنتها تتطلب متابعة طبية دورية مع طبيبي المخ والأعصاب والتغذية العلاجية، وتتراوح قيمة الكشف الطبي لكل منهما بين 600 إلى ألف جنيه، إضافة إلى أسعار الأدوية التي تزداد باستمرار، ما يرفع فاتورة التأهيل والعلاج الشهري لتقترب من 15 ألف جنيه، يتحملها الأبوان اللذان لا يتجاوز إجمالي راتبهما الشهري 25 ألف جنيه، يسددان منه أقساط الشقة التي تسكنها أسرتهما، ونفقات المعيشة وتعليم الابن الأصغر.
وفي ظل هذه الأعباء، قصدت دنيا في يناير 2026 مركز الأشخاص ذوي الإعاقة بمجمع الخدمات المتكاملة في الأسمرات بحي المقطم، بحثًا عن خدمات التخاطب وتنمية المهارات وصعوبات التعلم والتكامل الحسي والعلاج الوظيفي والسيكوموتور والإرشاد الأسري. تقول إن الموظفة اكتفت بتسجيل اسم ابنتها في قائمة انتظار طويلة، على أن تتصل بها عندما يحين دورها، وهو ما لم يكن قد حدث وقت المقابلة. وكان المجمع قد أُعلن عن إنشائه بتكلفة 76 مليون جنيه في يوليو 2020، ثم تفقدته وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي في فبراير 2025؛ فالزيارة الأخيرة لم تكن افتتاحًا جديدًا للمجمع.
أما هدى حسن، فكانت تضطر إلى استخدام ثلاث وسائل مواصلات، بتكلفة تتجاوز 100 جنيه، للذهاب من محل سكنها بحي المرج إلى مستشفى العباسية للصحة النفسية، ليحصل طفلها المصاب بالتأخر الذهني وضمور في المخ، على جلسات التخاطب وتنمية المهارات وتعديل السلوك، بأسعار رمزية وصرف أدويته من صيدلية المستشفى.
لكن سرعان ما حرم ابنها البالغ من العمر عشر سنوات، من الحصول على الجلسات بسبب تجاوزه السن المسموح به للبرنامج، فأخذته إلى مستشفى الدمرداش، ليحصل على جلسة التخاطب بسعر 25 جنيهًا وجلسة تنمية المهارات 75 جنيهًا، لكن تكلفة المواصلات والانتقالات كانت ترفع إجمالي النفقات اليومية إلى نحو 250 جنيهًا، وهو ما دفعها إلى إيقاف التأهيل هناك بعد أربعة أشهر، تحكي لـ"زاوية ثالثة".
وعندما علمت هدى بالإعلان عن خدمات مركز ريادة المصري الدولي لتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة، بإشراف وزارة التربية والتعليم، خططت لنقل محل سكنها ليلتحق ابنها بالمركز في مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية، حيث تنتمي عائلتها. وفي عرض رسمي لخدماته خلال أبريل 2025، وصفه وزير التعليم بأنه من أكبر المراكز المعنية بالتأهيل عربيًا وإفريقيًا. وتشمل تجهيزاته المعلنة ثماني عيادات للعلاج السمعي وأربع غرف للتخاطب، وغرفًا للإرشاد الأسري وتنمية المهارات واللعب والعلاج الوظيفي والتكامل الحسي وتعديل السلوك والعلاج المعرفي، إلى جانب العلاج الطبيعي والمائي والأنشطة الفنية والرياضية والتدريب المهني، ونحو 25 غرفة للإقامة أو الاستضافة.
ولأشهر ظلت تترقب اتصالًا هاتفيًا يبلغها بقبول ابنها، منذ وُضع اسمه على قوائم الانتظار، لكن ذلك لم يحدث فلم تجد أمامها سوى اللجوء لمركز خاص قريب من محل سكنها، تبلغ تكلفة الجلسة لديه 120 جنيهًا، ورغم أن الطفل يحتاج، بحسب تقديرها، إلى 60 جلسة تأهيل شهريًا، بين تخاطب وتنمية مهارات وتكامل حسي وعلاج وظيفي وتعديل سلوك وتأهيل بدني، إلا أنها لا تستطيع تحمل تكاليف أكثر من 12 جلسة تخاطب بسبب ظروفها المادية، كونها أم معيلة لثلاثة أطفال، لا يتجاوز دخلها 4 آلاف جنيه، ما انعكس بالسلب على حالته.
أعداد الإعاقة والتعليم.. ما الذي تقيسه؟
تكشف الأرقام عن اتساع نطاق الحاجة إلى خدمات الإعاقة، لكنها تتطلب التمييز بين الفئات وسنوات القياس. فقد رصدت بيانات تعداد 2017 صعوبات تتراوح من البسيطة إلى المطلقة لدى 10.67% من السكان في سن خمس سنوات فأكثر، مقابل 2.61% للصعوبات الكبيرة إلى المطلقة. أما تقديرات الأعداد الإجمالية المتداولة، التي تتراوح بين عشرة ملايين و12 مليون شخص، فلا تُجمع مع نسبة 15% باعتبارها نتائج إحصاء واحد أو قياسًا للحاجة إلى التأهيل. وفي ورشة للمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة في مايو 2026، عُرضت نسبة 3.1% للأطفال ذوي الإعاقة استنادًا إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وبالمقارنة مع تقدير نحو 39.7 مليون طفل في مصر، تعادل هذه النسبة حسابيًا نحو 1.23 مليون طفل. ولا يمثل هذا التقدير عدد المسجلين في قوائم الانتظار أو عدد المحتاجين إلى النوع نفسه من التأهيل.
وبحسب بيانات وزارة التربية والتعليم المنشورة في نوفمبر 2024، بلغ عدد تلاميذ الدمج في مصر 159,825 طالبًا وطالبة، مقيدون بمراحل ومستويات التعليم المختلفة بمدارس التعليم العام والفني، واشترط القرار الوزاري رقم 252 لسنة 2017، ألا تزيد نسبتهم على 10% من إجمالي عدد طلاب الفصل بحد أقصى 4 طلاب في الفصل الواحد، وطُبق على حالات الإعاقة البسيطة أو المتوسطة بمدارس التعليم العام، وتشمل (الإعاقة الذهنية البسيطة، بطء التعلم –اضطراب طيف التوحد، متلازمة داون، الإعاقة الحركية، الشلل الدماغي، ضعف السمع، ضعف الإبصار، كف البصر، متلازمة ارلن – صعوبات التعلم، فرط الحركة وتشتت الانتباه).
أما حالات الإعاقة الشديدة والمتوسطة (ذهني، بصري، سمعي)، فيمكنها اللجوء إلى مدارس وفصول التربية الخاصة، التي تشمل مدارس الإعاقة الذهنية والمتلازمات المصاحبة مثل: ( متلازمة داون- اضطراب طيف التوحد، الشلل الدماغي، بطء التعلم)، ومدارس الإعاقة السمعية المخصصة للصم وضعاف السمع، ومدارس الإعاقة البصرية والمخصصة للمكفوفين وضعاف البصر، وفصول مزدوجي الإعاقة، وتشير بيانات التعليم المشار إليها إلى نحو 46,994 طالبًا وطالبة؛ وهذه أعداد مقيدين بالتعليم، ولا تقيس عدد من يتلقون جلسات تأهيل أو عدد المنتظرين لها.
قوائم الانتظار ونقص الأخصائيين
تواجه العديد من الأسر صعوبات كبيرة في الوصول إلى خدمات التأهيل الحكومية، بسبب طول قوائم الانتظار أو محدودية التشغيل أو تغيير آليات تقديم الخدمة، بحسب سونيا أحمد، إحدى مؤسسات حملة "ادعموا أطفال التوحد"، والتي تؤكد أن الحملة تلقت شكاوى من أولياء أمور أفادوا بأنهم على قوائم انتظار منذ عام 2020 في مركز ريادة المصري الدولي لتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة، رغم أن التأخر في بدء التدخلات التأهيلية يفقد الطفل سنوات حاسمة من فرص التطور، وتشدد على أهمية التدخل المبكر في دعم اكتساب المهارات، مع اختلاف الاحتياجات والنتائج من طفل إلى آخر.
وتوضح أن الحملة رصدت، من خلال شهادات متعاملين مع بعض مراكز التأهيل، شكاوى من أن مركز التأهيل الشامل لذوي الإعاقة ببرج العرب في الإسكندرية، الذي اُفتتح في سبتمبر 2025 ضمن المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، وتتولى مؤسسة شباب 2030 إدارته بموجب قرار وزاري، وكان من المفترض أن يقدم خدمات طبية وتأهيلية مجانية أو برسوم رمزية، أصبح يركز بصورة أكبر على الخدمات ذات الطابع الاستثماري، معتبرة أن ذلك يتعارض مع الهدف الذي أُنشئ من أجله. وهذه الشكاوى منسوبة إلى الحملة، ولا تتضمن المادة ردًا مباشرًا من المؤسسة المشغلة على هذا التوصيف.
وتشدد على أن التكلفة المالية تمثل العبء الأكبر على الأسر، موضحة أن توفير برنامج تأهيلي متكامل يشمل جلسات التخاطب، والتأهيل الأكاديمي، والعلاج الحسي، والتدريب على المهارات الاجتماعية، والأنشطة الرياضية، يحتاج، وفق تقديرها للأسعار التي تتابعها، إلى ما بين 35 و50 ألف جنيه شهريًا، وهو مبلغ يفوق قدرة غالبية الأسر المصرية، ما يضطرها إلى المفاضلة بين الخدمات والاستغناء عن بعضها، وغالبًا ما يكون الدعم الأكاديمي أول ما يتم التخلي عنه بسبب ارتفاع تكلفته.
تقول لـ"زاوية ثالثة": "إن استمرار عدم تشغيل مركز ريادة المصري الدولي لتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة، بمدينة العاشر من رمضان، التابع لوزارة التربية والتعليم، بصورة فعالة يمثل إهدارًا لإمكانات كبيرة، ونطالب بإعادة النظر في آليات إدارته وتشغيله، وبإسناد إدارة مثل هذه المنشآت إلى كوادر تمتلك خبرات متخصصة في التربية الخاصة وتأهيل الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، لديهم خبرة عملية وأكاديمية في المجال".
وبحسب مصدر طبي فإن مركز تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة بمدينة العاشر من رمضان، كان قد خاطب وزارة الصحة عام 2023، طالبًا توفير أطباء علاج طبيعي للعمل به، وبناءً على ذلك أدرجت وزارة الصحة المركز ضمن جهات ورغبات التكليف، إلا أنه بعد إعلان نتيجة التكليف، فوجئ الأطباء الذين تم ترشيحهم للعمل بالمركز بإعادة توزيعهم على جهات أخرى، وعدم استلامهم العمل بالمركز.
ويوضح المصدر لـ"زاوية ثالثة" أن ذلك حدث رغم حاجة المركز لهذا التخصص في ضوء الخدمات التي أعلنت وزارة التربية والتعليم عند افتتاح المركز عن توفيرها، والتي تشمل العلاج الطبيعي، والعلاج الوظيفي، والتكامل الحسي، والعلاج المائي، إلى جانب خدمات تأهيلية أخرى، ما يعني أن الحالات التي تتردد على المركز قد لا تستفيد من خدماته العلاجية بالشكل المطلوب، فيما تؤكد شهادات لأهالي أطفال من ذوي الإعاقات الذهنية أن المركز يعاني نقصًا حادًا في الأخصائيين والمعالجين المتخصصين.
فيما تتذكر سونيا تجربتها الشخصية مع إحدى الخدمات الحكومية في بداية رحلة علاج ابنها ذي الأعوام الـ16، المُشخص بالتوحد، والتي لم يكن خلالها انخفاض تكلفة الجلسات، كافيًا لضمان جودة الخدمة، إذ كانت الأسرة تتوجه إلى المستشفى أكثر من مرة لتفاجأ باعتذار الأخصائي عن الحضور دون إخطار مسبق، وهو ما دفعها إلى التوقف عن الاستفادة من الخدمة بعد فترة قصيرة.
وتضيف أن بعض المراكز الحكومية تقدم خدمات جيدة من حيث مستوى الأخصائيين، لكنها تضع سقفًا زمنيًا لا يتجاوز ثلاثة أشهر للاستفادة من الجلسات قبل إنهاء الخدمة لإتاحة الفرصة لأسر أخرى، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة التأهيل، لأن الطفل يحتاج عادة إلى فترات أطول حتى تبدأ نتائج التدخلات في الظهور.
تقول سونيا إن بعض المراكز تنهي الجلسات بعد ثلاثة أشهر لإتاحة الدور لأسر أخرى، رغم حاجة الأطفال إلى استمرارية التأهيل.
كما تنتقد اشتراط بعض المراكز قبول الأطفال بعد سن السادسة أو بعد التحاقهم بمنظومة التعليم، معتبرة أن هذه الشروط تحرم عددًا كبيرًا من الأطفال من الاستفادة من سنوات التدخل المبكر، كما تستبعد الأطفال الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بالتعليم الدامج أو لديهم إعاقات متعددة.
وتنص شروط وزارة التضامن المنشورة لمراكز التأهيل الشامل على أن السن المقبولة تختلف بحسب نوع الخدمة المطلوبة، ولا تضع سن السادسة حدًا موحدًا لجميع الخدمات. وتظل الشكاوى السابقة متعلقة بتجارب الأسر مع مراكز وبرامج بعينها.
وترى أن منظومة خدمات التأهيل تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، بما يضمن إتاحة الخدمات بصورة عادلة وفعالة لجميع الأطفال، بدلًا من اقتصارها على أعداد محدودة أو خضوعها لشروط تحد من الاستفادة منها، وترى أن الأولوية يجب أن تكون لتوفير مراكز تأهيل حكومية كفؤة تقدم خدمات متكاملة بصورة مستمرة، لتمكين الشخص ذي الإعاقة الذهنية من اكتساب أكبر قدر ممكن من الاستقلالية والاعتماد على النفس، وأقصى مستوى ممكن من الإنتاجية داخل المجتمع.
ويقول الدكتور محمد محسن إن أزمة تكليف دفعة 2022 للعلاج الطبيعي، وما صاحبها من تأكيدات رسمية بأن التكليف بات مرتبطًا بالاحتياج الفعلي وعدم وجود أماكن شاغرة، تثير تساؤلات في ضوء وقائع نقص الكوادر التي تستدعي التوضيح والمراجعة. ويبرز هذا التساؤل الفارق بين وجود أطباء يبحثون عن جهة تكليف وبين قدرة منشآت التأهيل على استقطاب التخصصات التي تحتاج إليها وتشغيلها بصورة مستمرة.
وبحسب إفادة المصدر المسؤول بوزارة التضامن الاجتماعي، يبلغ عدد مراكز التأهيل الشامل الحكومية التابعة لها، والتي تُقدّم خدمات الرعاية والتأهيل للأشخاص ذوي الإعاقة، نحو 27 مركزًا على مستوى الجمهورية، وتشمل الخدمات التي تقدمها العلاج الطبيعي والتكامل الحسي وتنمية المهارات والقدرات، إلى جانب برامج التدخل المبكر والحضانات، خدمات التأهيل الأكاديمي والتربوي، والأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية.
وتشمل شبكة الخدمات مؤسسات للرعاية والتأهيل ومكاتب للتأهيل الاجتماعي، إلى جانب مراكز أنشئت أو طُورت ضمن مبادرة «حياة كريمة»، ومنها مركز برج العرب بالإسكندرية. ويسجل تقرير مصر الدوري المنشور في سبتمبر 2025 أمام اللجنة الإفريقية لحقوق الطفل 78 مؤسسة إقامة داخلية و72 مؤسسة رعاية وتأهيل خارجية و225 مكتب تأهيل و25 مركز تأهيل متكامل، ضمن شبكة تضم خدمات أخرى. وتمثل هذه الأرقام حصرًا ورد في ذلك التقرير، بينما يتحدث المصدر المسؤول عن 27 مركزًا وقت المقابلة. كما تختلف وظائف المؤسسات والمراكز والمكاتب، فلا يعني جمع أعدادها أنها توفر جميعًا جلسات علاج أو تخاطب. وتشمل الخدمات المساندة تقييم الحالات وإعداد التقارير والإحالة إلى الجهات المناسبة، والمساعدة في الحصول على بعض الأجهزة التعويضية والتأهيل المهني والتدريب على الحرف.
الإدارة والتشغيل.. ماذا تقول وزارة التضامن؟
في ذات السياق يقول مصدر مسؤول بالإدارة المركزية لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة بوزارة التضامن الاجتماعي، لـ"زاوية ثالثة"، إن الوزارة تشرف على 27 مركزًا للتأهيل على مستوى الجمهورية، تتفاوت في إمكاناتها بحسب تاريخ إنشائها ومشروعات التطوير التي شملتها، موضحًا أن مجمع خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة بالأسمرات يتمتع بتجهيزات متقدمة، بينما أُنشأت مراكز أخرى في محافظات مختلفة، بينها برج العرب بالإسكندرية، ومراكز جرى تطويرها في إطار المبادرة الرئاسية وتضم غرفًا للحواس والسيكوموتور ومصادر تعليمية وتجهيزات متخصصة.
وفيما يتعلق بالمركز المتخصص بمدينة العاشر من رمضان، يؤكد المصدر أنه لا يتبع وزارة التضامن الاجتماعي، وإنما يخضع لوزارة التربية والتعليم، لافتًا إلى أن المبنى أُنشئ بإمكانات كبيرة ويضم تجهيزات متطورة، إلا أنه لم يصل بعد إلى مستوى التشغيل الكامل، وهو ما انعكس على حجم الاستفادة من خدماته، مشيرًا إلى أن نجاح مراكز التأهيل لا يرتبط بالبنية الإنشائية وحدها، وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على أسلوب الإدارة، موضحًا أن الوزارة تتجه في عدد من المراكز إلى إسناد التشغيل لجمعيات أو مؤسسات أهلية متخصصة، بما يمنحها مرونة أكبر في استقطاب الكوادر الفنية، والحصول على منح وتبرعات، وتطوير الخدمات بصورة مستمرة، وهو ما يصعب على الجهات الحكومية القيام به بحكم طبيعة الإجراءات الإدارية.
ويُبيّن أن هناك فارقًا جوهريًا بين مكاتب التأهيل ومراكز التأهيل الشامل التابعة للوزارة، مشيرًا إلى أن مكاتب التأهيل يقتصر دورها على تسجيل حالات الإعاقة، وإصدار شهادات التأهيل وبطاقات الخدمات المتكاملة عبر المنظومة الإلكترونية، بينما تمثل مراكز التأهيل منشآت خدمية متكاملة تضم خدمات التأهيل والعلاج والتدريب المهني والتأهيل اللغوي، إضافة إلى الحضانات، وبعضها يوفر إقامة داخلية للحالات التي تحتاج إليها.
ويؤكد أن العديد من الجمعيات والمؤسسات الأهلية تقدم خدمات تأهيل ذات مستوى جيد، مشيرًا إلى أن بعض المؤسسات تمتلك كوادر مؤهلة وتجهيزات مناسبة، وتقدم خدمات متخصصة رغم تحمل الأسر تكلفة تلك الخدمات، معتبرًا أن الهدف الأساسي من برامج التأهيل ليس "شفاء" الطفل من الإعاقة، وإنما تحسين قدراته الوظيفية والحياتية، وتنمية مهارات الاعتماد على النفس إلى أقصى درجة ممكنة.
وفي المقابل ينتقد ما وصفه بانتشار بعض التشخيصات غير الدقيقة في عدد من مراكز التأهيل الخاصة، مثل إرجاع أعراض اضطرابات النمو إلى "الحرمان البيئي" أو الإفراط في استخدام الشاشات، مؤكدًا أن مثل هذه التفسيرات قد تؤدي إلى تأخير التشخيص الصحيح، وبالتالي إهدار الفترة الذهبية للتدخل المبكر التي تعد الأكثر أهمية في تحسين نتائج التأهيل، لافتًا إلى أن التشخيص الخاطئ قد ينعكس أيضًا على استقرار الأسرة، إذا جرى تحميل أحد الوالدين مسؤولية حالة الطفل دون سند علمي.
تمويل الحماية الاجتماعية لا يساوي تمويل التأهيل
شملت مشروعات التعاون الدولي المرتبطة بالإعاقة في مصر دعم إنشاء وتطوير مراكز التأهيل ووحدات الأطراف الصناعية ووسائل النقل المهيأة، إلى جانب بناء القدرات وتحسين الإدماج. وترد ضمن الشراكات التي يستعرضها التقرير مشروعات بدعم ياباني وأخرى إماراتية، لكن أهداف المشروعات تختلف بين تقديم خدمة مباشرة وتطوير السياسات والمؤسسات، ولا يمكن التعامل مع كل تمويل للحماية الاجتماعية بوصفه مخصصًا للتأهيل.
ومع إطلاق برنامج «تكافل وكرامة» في 2015، توسع التمويل الدولي للحماية الاجتماعية. ويوضح البنك الدولي أن دعمه شمل 900 مليون دولار لمشروع تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، ثم قرضًا آخر بقيمة 500 مليون دولار، بإجمالي 1.4 مليار دولار. وشمل العمل تطوير التحويلات النقدية وقواعد بيانات المستفيدين وآليات الاستهداف، مع دعم أدوات تقييم الإعاقة وبرامج الإدماج الاقتصادي. لكن هذا المبلغ يخص برنامج حماية اجتماعية يستفيد منه أيضًا فقراء وكبار سن وأيتام وأسر لديها أطفال، ولا يمثل تمويلًا مخصصًا بالكامل للإعاقة أو لمراكز تأهيل الأطفال.
وشكل صدور قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 محطة تشريعية مهمة. وفي مسار منفصل، دعمت شراكات مع الاتحاد الأوروبي والوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي بناء القدرات المؤسسية وتعزيز الحقوق والوصول إلى الخدمات والمعلومات. وتشمل الاتفاقات المعلنة، مثلًا، منحة إيطالية بقيمة 1.8 مليون يورو لتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وإدماجهم، وردت ضمن حصاد التعاون لعام 2024. ولا يكفي تزامن هذه المشروعات مع صدور القانون لإثبات أن القانون وحده كان سبب التمويل، كما لا تعني قيمة الاتفاق أن المبلغ صُرف كله على جلسات التأهيل.
وتوضح المذكرة الخاصة بمصر الصادرة عن القمة العالمية للإعاقة في يونيو 2025، استنادًا إلى بيانات لجنة المساعدات الإنمائية بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2023، أن 3% من الأنشطة الممولة بالمساعدات الإنمائية الرسمية في مصر سجلت إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة هدفًا رئيسيًا أو مهمًا، مقابل 29% صُنفت بأنها لا تستهدف هذا الهدف، فيما لم تتوافر بيانات تصنيف لـ68% من الأنشطة. وتقاس هذه النسب بعدد الأنشطة، لا بقيمة الأموال. ويستهدف إعلان عمّان وبرلين وصول نسبة البرامج التي تتبنى إدماج الإعاقة إلى 15% على الأقل بحلول 2028.
وتوضح هذه الفجوة في الإبلاغ صعوبة تقييم مدى مراعاة التمويل الدولي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. ولا تعني الأنشطة غير المصنفة أنها تستبعدهم بالضرورة؛ إنما تعني أن البيانات لا تسمح بالجزم. وعلى مستوى الخدمات المحلية، أُصدرت 1.5 مليون بطاقة خدمات متكاملة خلال 2024، لكن عدد البطاقات لا يساوي عدد المستفيدين من جلسات التأهيل، ولا يثبت وحده تراجع قوائم الانتظار. ولهذا يلزم التمييز بين التحويل النقدي وإثبات الإعاقة وتلقي خدمة تأهيل منتظمة عند تقييم أثر الإنفاق.
الخدمة المنتظمة هي الاختبار
وبين قصص الأمهات وشهادات المتخصصين وإفادة المصدر المسؤول، تتكرر عوائق الانتظار والنفقات وعدم استمرارية الخدمة. وتقدم هذه المقابلات أمثلة على مشكلات الوصول إلى التأهيل، ولا تمثل مسحًا إحصائيًا لجميع المراكز أو قياسًا قوميًّا لطول قوائم الانتظار. كما أن احتياجات الأطفال تختلف، ولا يمكن تحويل عدد الجلسات الذي تذكره أسرة إلى توصية علاجية عامة لكل الأطفال.
وبينما توسعت الدولة في إنشاء مراكز جديدة، وتزايدت برامج الدعم والتمويل المحلي والدولي، لا تزال الفجوة قائمة بين الإمكانات المعلنة والخدمة الفعلية التي تصل إلى الأسر.
وفي ظل اتساع عدد الأطفال ذوي الإعاقة، الذي تشير التقديرات الحسابية الواردة هنا إلى تجاوزه 1.2 مليون طفل، يبقى التحدي في إتاحة الخدمة المناسبة لكل حالة. فالمبنى المجهز أو بطاقة الخدمات أو الإعلان عن مركز جديد لا يغني أي منها عن توفير أخصائيين مؤهلين، وتقييم فردي، ومواعيد واضحة، وخدمات مستمرة تستطيع الأسرة الوصول إليها وتحمل تكلفتها. وهذا هو الفارق الذي تلخصه الأمهات بين انتظار اتصال من مركز حكومي وبين دفع فاتورة شهرية قد تلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسرة.
