لم تمر دعوة الفنان والنحات الفرنسي برنار فينيه، للمشاركة في النسخة المقبلة من معرض "الأبد هو الآن" خلال الفترة 4-28 نوفمبر 2026، الذي تنظمه مؤسسة "آرت دي إيجيبت" مرورًا هادئًا داخل المشهد الفني والثقافي المصري، بعدما أطلق عدد من الفنانين والمثقفين مبادرة رافضة لاستضافته، تجاوزت التوقيعات عليها 500 توقيع خلال أقل من 48 ساعة، على خلفية ارتباط الفنان بمؤسسات في تل أبيب.
واستند الموقعون، حسب بيان حصلت «زاوية ثالثة» على نسخة منه، إلى حصول فينيه على جائزة "فنان العام في إسرائيل" لعام 2022 من مؤسسة الأصدقاء الأمريكيين لمتاحف إسرائيل، بجانب تمثيله رسميًا من خلال جاليري هار-إيل في تل أبيب.
ووقع على العريضة أسماء معروفة في الأوساط الأكاديمية والفنية والثقافية، مثل مونيكا حنا المتخصصة في علم المصريات، بينما أعلن الفنانون علاء عبد الحميد وعمر سنادة وبانسيه أحمد وآخرون انسحابهم رسميًا من المعرض احتجاجًا على دعوة فينيه للمشاركة.
وطالبت العريضة مؤسسة "آرت دي إيجيبت" بسحب دعوة الفنان الفرنسي، واتخاذ موقف واضح من أي شكل من أشكال التطبيع الثقافي والفني، معتبرة أن استضافته في هذا التوقيت تمثل استفزازًا للمشهد الثقافي المصري، خصوصًا مع إقامة الفعالية في محيط أحد أبرز المواقع الأثرية في البلاد.
ويوضح علاء عبد الحميد، في تصريحات لـ«زاوية ثالثة»، أن فينيه حصل عام 2022 على جائزة «فنان العام في إسرائيل»، التي تمنحها مؤسسة «الأصدقاء الأمريكيون لمتاحف إسرائيل»، فضلًا عن تمثيله رسميًا من خلال معرض «هار إيل» في تل أبيب، مشيرًا إلى أن الجائزة ارتبطت أيضًا بإنتاج نسخ محدودة وصغيرة الحجم من منحوتات الفنان وبيعها، على أن تُوجَّه عائدات المبيعات لدعم متاحف إسرائيلية.
ويشير إلى أن قرار انسحابه من معرض «حي القاهرة الدولي للفنون» جاء بعد تفكير مطوّل، راعى خلاله التزاماته التعاقدية مع مؤسسة «آرت دي إيجيبت»، التي سلّم إليها أعماله قبل نحو ثلاثة أسابيع، فضلًا عن مخاوفه من التبعات المحتملة للانسحاب، وإمكانية إحراج الفنانين الآخرين أو الضغط عليهم لاتخاذ الموقف نفسه.
ويؤكد أنه لم يكن يريد أن يتحول انسحابه إلى موقف فردي ينتهي أثره بانحسار التفاعل حوله، أو إلى مفاضلة أخلاقية بينه وبين زملائه، بحيث يظهر هو في موقع صاحب الموقف الصحيح، بينما يُنظر إلى المستمرين في المشاركة باعتبارهم أقل التزامًا.
ويشير عبد الحميد إلى أنه لم يكن يتابع حساباته على «فيسبوك» و«إنستغرام» خلال الأسبوعين السابقين لانشغاله، ولم يطّلع على اعتراضات الفنانين على دعوة الفنان الفرنسي فينيه إلا قبل نحو يومين من إعلان انسحابه.
وبعد علمه بالأمر، فضّل التريث قبل اتخاذ القرار، لا سيما أن عددًا من المعترضين لم يكونوا مرتبطين باتفاقات مشاركة مع المؤسسة، بخلافه، كما لم يكن يعرف جميع الفنانين المشاركين أو يملك الوقت الكافي للتنسيق معهم، خصوصًا أن بعضهم يقيم في الإسكندرية ومحافظات أخرى.
يقول عبد الحميد إنه توجّه إلى قاعة العرض في اليوم التالي، مع بدء العمل في الثانية عشرة ظهرًا، وأبلغ إحدى العاملات في المؤسسة بقراره الانسحاب واستعادة أعماله، وخلال التواصل، واجه محاولات لإقناعه بالتريث، وأُبلغ بأن المؤسسة تعدّ بيانًا، مع اقتراح الانتظار حتى المساء للاطلاع عليه قبل اتخاذ القرار النهائي.
لكنه لم يقتنع بتفسير المؤسسة بشأن عدم معرفتها بارتباطات الفنان الفرنسي، ويرى أن البيان الذي صدر لاحقًا ركّز على سيرته الفنية وأعماله، من دون أن يتضمن إقرارًا واضحًا بعدم العلم بهذه الارتباطات.
ويضيف أنه يصعب، في تقديره، فصل السيرة الفنية عن المؤسسات التي منحت فينيه الجائزة أو عن تمثيله من خلال معرض في تل أبيب، مؤكدًا أن اعتراضه لا يتعلق بتقييم أعمال الفنان، وإنما بالارتباطات التي أثارتها دعوته للمشاركة.
يشير عبد الحميد إلى أن إعلانه الانسحاب أعقبه إعلان فنانين آخرين مواقف مماثلة، مشددًا على أن الانسحاب يستهدف الضغط على مؤسسة «آرت دي إيجيبت» لمراجعة قراراتها وسياساتها، وليس التخلي عن المساحة الفنية أو تركها للآخرين.
ويوضح أن معرض «حي القاهرة الدولي للفنون» لم يكن قد افتُتح بعد، وأن انسحاب الفنانين جاء اعتراضًا على قرار الجهة المنظمة، لا تنازلًا عن حقهم في المشاركة بالمشهد الفني.
ويرى أن اعتبار الانسحاب تخليًا عن المساحة الفنية يتجاهل هدفه الأساسي، وهو دفع المؤسسة إلى مراجعة قرار دعوة فنان ترتبط به مؤسسات داعمة لإسرائيل.
ويستعيد عبد الحميد اعتراضات سابقة على اختيار شركة «بيبسي» راعيًا لإحدى فعاليات المؤسسة خلال العام الماضي، مشيرًا إلى أن الانتقادات انتهت، إلى إلغاء الرعاية، كذلك يشير إلى واقعة تعود إلى عامين أو ثلاثة أعوام، تتعلق بمشاركة فنانة أمريكية قال إنها نشرت محتوى داعمًا لعسكريين إسرائيليين على حساباتها، معتبرًا أن تكرار هذه الوقائع يستدعي مراجعة آليات اختيار الفنانين، بدلًا من التعامل مع كل حالة باعتبارها واقعة منفصلة.
المؤسسة تتراجع تحت الضغط
تحت ضغط الاعتراضات على مشاركة الفنان الفرنسي برنار فينيه، أعلنت مؤسسة «آرت دي إيجيبت» إيقاف مشاركة الفرنسي برنار فينيه، وقالت في بيان رسمي، صدر ظهر الجمعة، إن القرار يأتي التزامًا بمبادئها وقيمها، واحترامًا للأطراف كافة داخل المشهد الفني والثقافي وخارجه. وأكدت دعمها للموقف المصري تجاه القضية، والتزامها بالقيم والمبادئ الإنسانية، مشيرة إلى أن مصداقية المؤسسات لا تقتصر على إدراك الأخطاء، بل تشمل القدرة على تصحيحها والوفاء بالمبادئ التي تأسست من أجلها.
تأسست منصة آرت دي إيجيبت على يد نادين عبد الغفار، وتقدم نفسها باعتبارها منصة متعددة التخصصات تعمل على دعم الفنون المصرية والتراث الثقافي وتسعى إلى وضع مصر في قلب المشهد الفني المعاصر على المستوى الدولي. بدأت "آرت دي إيجيبت" نشاطها في أكتوبر 2017 من خلال معرض بالمتحف المصري شارك فيه 16 فنانًا مصريًا إلى جوار القطع الأثرية تحت رعاية وزارة الآثار، قبل أن تتوسع لاحقًا في تنظيم المعارض والفعاليات التي تربط الفن المعاصر بالمواقع التراثية.
ومنذ 2019، اتجهت المؤسسة إلى توسيع حضورها خارج مصر، من خلال تقديم فنانين مصريين في معارض دولية وتنظيم فعاليات فنية بالخارج، كما حظيت برعاية اليونسكو، وشاركت في فعاليات فنية دولية من بينها "أبوظبي آرت" و"آرت جنيف". ويعد معرض "الأبد هو الآن" أبرز مشروعات "آرت دي إيجيبت" إذ يقام في محيط أهرامات الجيزة، كما أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء.
تستعد المؤسسة لإقامة النسخة السادسة من "الأبد هو الآن" بمشاركة 8 فنانين، بينهم 5 فنانات و3 فنانين، وفق ما أُعلن خلال مؤتمر صحفي حضرته جهات حكومية مصرية، بينها وزارتا الخارجية والسياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة بجانب رعاية اليونسكو، وقد وُقع بروتوكول تعاون بين "آرت دي إيجيبت" ووزارة الخارجية خلال مايو 2026.
تعرضت "آرت دي إيجيبت" لانتقادات حول طبيعة النموذج الذي تقدمه، ووصفت بعض جوانب التجربة بأنها تحمل عنصرًا من "غسيل الفن"، في إشارة إلى تغليب المشهد البصري والاستعراض المرتبط بالموقع الأثري على طبيعة الأعمال الفنية نفسها.
جدل أوسع حول نشاط المؤسسة
لا تقف الأزمة عند حدود العريضة الموقعة من الفنانين، إذ يقول الفنان إسلام شبانة، وهو من أوائل الموقعين على العريضة الرافضة لمشاركة الفنان الفرنسي بأعماله في المعرض، إن "آرت دي إيجيبت" استضافت النحاتة الأمريكية كارول فيورمان خلال أكتوبر 2023، وهي ممثلة أيضًا من جانب جاليري زيماك في تل أبيب، ما يدفع، حسب شبانة، إلى طرح سؤال حول آليات اختيار المشاركين في فعاليات المؤسسة ومدى مراجعة خلفياتهم وعلاقاتهم المهنية قبل دعوتهم إلى مصر.
تعرف النحاتة كارول فيورمان بتأييدها للإبادة الجماعية في غزة ودعمها المعلن، عبر وسائل التواصل، لما يقوم به الجيش الإسرائيلي من مذابح تحت مسمى محاربة الإرهاب في فلسطين المحتلة، وتتبنى الرواية الصهيونية في طوفان الأقصى منذ 7 أكتوبر 2023.
وفي حديثه لـ"زاوية ثالثة"، يقول شبانة إن كارول فيورمان شاركت بمعرض في إسرائيل خلال الفترة من 21 سبتمبر وحتى 27 أكتوبر 2023، ثم أتت من تل أبيب مباشرة إلى القاهرة بعد انتهاء المعرض إلى فعالية "آرت دي إيجيبت" المقامة خلال الفترة 26 أكتوبر وحتى 18 نوفمبر، أثناء ذروة الحرب في غزة، مشيرًا إلى أن عددًا من العاملين في الفعالية واجهوا المؤسسة بتلك المعلومات، وأن المؤسسة كانت على علم بهذه الملابسات، حسب روايته. عرضت الفنانة في مصر عملًا فنيًا لتمثال للإلهة المصرية القديمة حتحور، ترتدي خلاله فستان سواريه أسود، مع ظهور الأهرامات في خلفية العمل، ما أثار اعتراضات داخل أوساط فنية، كما يروي شبانة.
اتسعت دائرة الموقعين على العريضة، لمطالبة "آرت دي إيجيبت" بتوضيح موقفها والرد على التساؤلات المثارة عبر رد رسمي بشأن معايير اختيار الفنان الفرنسي وطبيعة علاقته بالمؤسسات التي يمثلها في إسرائيل وما إذا كانت المؤسسة قد راجعت هذه المعلومات قبل توجيه الدعوة إليه.
يختلف "الأبد هو الآن" في محيط الأهرامات عن الفعالية المرتقبة في وسط القاهرة، كما يضيف شبانة، موضحًا أن أعمال الفنان الفرنسي منحوتات كبيرة الحجم، ما يجعل منطقة الأهرامات مناسبة لاستضافة عمل فني من هذا النوع، وذكر أن الموقعين على العريضة حاولوا التواصل مع الجهة المنظمة للحصول على رد بشأن مشاركة الفنان، إلا أنهم لم يتلقوا ردًا.
وكانت المؤسسة أعلنت الخميس، إجراء ما وصفته بـ"مراجعة شاملة للمعلومات والملابسات المرتبطة بمشاركته بالتنسيق مع الجهات المعنية"، على أن تعلن موقفها النهائي لاحقًا، دون أن تعلن إلغاء مشاركة فينيه أو تأكيد استمرارها.
يعكس بيان "آرت دي إيجيبت" من وجهة نظر شبانة، "عقلية القائمين على العمل الثقافي"، إذ يرى أنه يبرز تعاملًا متعاليًا مع الفنانين المحليين الذين يناقشون قضايا مرتبطة بالواقع المحيط. ويضيف أن تركيز المؤسسة على المسيرة الدولية للفنان برنار فينيه وتكريماته، دون التطرق في بيانها إلى علاقاته المهنية بالمؤسسات الفنية في إسرائيل أو الجائزة التي حصل عليها هناك، يمثل تجاهلًا لجوهر الاعتراضات المطروحة، حسب قوله.
ينتقد شبانة تقديم فينيه باعتباره فنانًا مفاهيميًا بارزًا، معتبرًا أن هذا النوع من الفن تحول، في رأيه، إلى سلعة داخل سوق الفن العالمي، وأن استدعاء تاريخه الدولي لا يبرر تجاهل الأسئلة المطروحة حول مشاركته في مصر. ووصل انتقاده إلى حد وصف الخطاب الصادر عن المؤسسة بأنه يحمل "تقليلًا من شأن المشهد الفني والثقافي المصري"، واصفًا القائمين عليها بعدم امتلاك المعرفة الكافية بأنواع الأعمال والفنانين الذين يقدمونهم.
لا تزال أعمال الفنان الفرنسي مع المعرض الفني في إسرائيل معروضة للبيع، كما يقول شبانة، موضحًا أن الفعالية الرئيسية المقرر أن يشارك فيها الفنان الفرنسي داخل منطقة الأهرامات محدد لها 4 نوفمبر المقبل، بينما توجد فعالية أخرى مرتبطة لـ"آرت دي إيجيبت" في وسط القاهرة خلال الأيام المقبلة، كانت تتضمن عملًا أصغر للفنان، ولكن تم التراجع عن عرضه في ظل الحملة التي بدأت على خلفية الجدل حول مشاركته.
ويروي شبانة أن المؤسسة بدأت منذ 2021 في اتباع مسار مختلف، مع زيادة الاعتماد على الفنانين الأجانب وتوجيه قدر أكبر من الموارد إليهم مقارنة بالفنانين المصريين. ويشير إلى أن الفنانين المصريين يرون أن المؤسسة تقدم إمكانات مالية وتنظيمية أكبر للفنانين الأجانب، بينما يحصل الفنانون المصريون على إمكانات أقل، وهو ما كان ملحوظًا منذ السنوات الأولى لعمل المؤسسة لكنه أصبح أكثر وضوحًا في الفترة الأخيرة.
وحسب شبانة، كانت فعاليات المؤسسة في بداياتها تُقام في مواقع تراثية وثقافية مفتوحة نسبيًا أمام الجمهور، من بينها قصر المنيل والمتحف المصري القديم وشارع المعز، لكنه يرى أن طبيعة الفعاليات تغيرت خلال السنوات الأخيرة، مع الانتقال إلى تنظيم حدث كبير في منطقة الأهرامات، بالتوازي مع فعاليات أخرى تستهدف الفنانين المصريين في وسط القاهرة فقط.
ويضيف أن الفعاليات المقامة في الأهرامات ترتبط أيضًا بعدد من الرعاة والشركاء من القطاع الخاص، مشيرًا إلى ظهور رجال أعمال ومستثمرين عرب في صور مرتبطة بالفعاليات والمنظمين، مشيرًا إلى ظهور خليجيين في الفعاليات.
في إحدى دورات المعرض، ظهر الفنان السعودي راشد الشعشعي ضمن قائمة الفنانين المشاركين، فيما شاركت الإماراتية عزة القبيسي ضمن فعاليات نسخة من المعرض أيضًا، وامتد الحضور الخليجي إلى قائمة الرعاة، إذ ظهر اسم السعودي حمزة صيرفي ضمن فئة "الرعاة الذهبيين" في النسخة الخامسة عام 2025.
يكشف شبانة عن تواصله بمشاركة عدد من الموقعين على العريضة مع حركة "بي دي إس مصر" بشأن الواقعة، موضحًا أن الحركة اتبعت إجراء بدأ بمخاطبة المؤسسة رسميًا ودعوتها إلى سحب الفنان أو إنهاء التعاون معه، قبل الانتقال إلى خطوات تتعلق بحملات المقاطعة في حال عدم الاستجابة.
وتعيد الأزمة طرح تساؤلات بشأن حدود المقاطعة الثقافية لإسرائيل، ومسؤولية المؤسسات المنظمة عن التدقيق في ارتباطات الفنانين المشاركين في فعالياتها الدولية. وفي هذا السياق، يرى مصدر مطلع أن المساءلة ينبغي ألا تقتصر على مؤسسة «آرت دي إيجيبت»، بل تمتد إلى المسؤولين عن إدارتها واتخاذ قراراتها، وفي مقدمتهم نادين عبد الغفار، مؤسسة المؤسسة والقائمة على إدارتها، بما يستدعي توضيح مسؤوليتها عن الاختيارات التي أثارت اعتراضات الفنانين.
ويشدد المصدر على ضرورة تجاوز الاعتراض على مشاركة فنان بعينه إلى نقاش أوسع بشأن معايير اختيار الفنانين والجهات الراعية للفعاليات الثقافية، ومدى اتساق هذه الاختيارات مع المواقف المعلنة للفنانين والجمهور إزاء المؤسسات المرتبطة بإسرائيل.
ويؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقًا جماعيًا بين الفنانين المعترضين، بدلًا من الاكتفاء بمبادرات فردية، بما يضمن استمرار الضغط على المؤسسة وتحويل الاعتراضات إلى تحرك منظم لا ينتهي بانحسار التفاعل مع الأزمة.
