وثّقت منظمة العفو الدولية تعرّض ستة صحفيين يعملون في منصة «متصدقش» المستقلة لتدقيق المعلومات للتعذيب والإخفاء القسري عقب القبض عليهم، في واقعة طالت فريق التحرير الكامل للمنصة داخل مصر، وتلاحقهم على إثرها اتهامات من بينها «تمويل الإرهاب»، وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، وفق المنظمة.
وفي نداء عاجل أصدرته في 16 أكتوبر 2026، قالت المنظمة إن قوات الأمن المصرية ألقت القبض على الصحفيين الستة، وهم محمد أشرف أبو عميرة، وعبد الله قدري، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل، في سلسلة مداهمات بدأت مساء 28 سبتمبر واستمرت في 29 سبتمبر 2026، من منازلهم في الجيزة والغربية وبورسعيد ومن شوارع القاهرة، حيث صادر الضباط هواتف وحواسيب تخص الصحفيين وذويهم دون إبراز أذون قبض أو إبلاغ الأسر بوجهتهم.
وأوضحت المنظمة أن الصحفيين الستة اختفوا قسريًا لمدة تراوحت بين خمسة وستة أيام في أماكن غير معلومة، حُرموا خلالها من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، قبل عرضهم على نيابة أمن الدولة العليا في 4 أكتوبر 2026. ونقلًا عن أحد أعضاء هيئة الدفاع، قال الصحفيون أمام النيابة إن ضباطًا من جهاز الأمن الوطني أخضعوهم للتعذيب داخل مقارّ الجهاز، شمل الضرب والصعق بالكهرباء والتهديد بإيذاء عائلاتهم، فيما كانوا معصوبي الأعين، وكان بعضهم مكبّل اليدين خلف ظهره، لإجبارهم على قراءة بيانات مُعدّة سلفًا يجرّمون فيها أنفسهم أمام الكاميرا، مع التهديد بمزيد من التعذيب إذا كشفوا ما جرى.
وطلبت هيئة الدفاع من النيابة إثبات وقائع الإخفاء القسري والتعذيب والاعترافات المنتزعة بوصفها بلاغات رسمية، والتحقيق فيها، وإحالة الصحفيين إلى مصلحة الطب الشرعي لتوثيق إصاباتهم، ومحاسبة المسؤولين عنها. ووجّهت النيابة إليهم اتهامات تشمل الانضمام إلى جماعة إرهابية هي جماعة الإخوان المسلمين، و«تمويل الإرهاب»، واستخدام حساب على الإنترنت للترويج لأفكار جماعة إرهابية، ونشر «أخبار كاذبة»، وأمرت بحبسهم 15 يومًا. وجُدّد الحبس لمدة 15 يومًا أخرى في جلسة 13 أكتوبر 2026، وفق بيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الصادر في اليوم التالي. ويُحتجز خمسة منهم في سجن بدر 1، بينما يُحتجز محمد أشرف أبو عميرة في سجن العاشر من رمضان 4.
رواية النيابة في مواجهة الدفاع
في 7 أكتوبر 2026، أصدرت النيابة العامة بيانًا اعتبرت فيه أن «متصدقش» عملت بوصفها لجنة إعلامية تابعة لجماعة الإخوان، مستندةً إلى «اعتراف» أحد الصحفيين وإلى تحويلات بنكية ومراسلات إلكترونية، ومؤكدةً عدم وجود إصابات ظاهرة بالصحفيين الستة، وأن الفحص الطبي الشرعي لثلاثة منهم لم يُظهر إصابات أو آثار عنف. وفي المقابل، رأت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي يمثّل محاموها الصحفيين، أن النيابة قدّمت علاقات عمل مشروعة ومراسلات تحريرية روتينية بوصفها دليلًا على نشاط إجرامي.
وتُعدّ «متصدقش» منصة مصرية مستقلة متخصصة في تدقيق المعلومات والتقارير الاستقصائية، يشمل عملها تمحيص التصريحات الرسمية، ومن بينها بيانات حكومية عن أعداد اللاجئين والمهاجرين في مصر وعن الإنفاق على الصحة والتعليم. وفي مفارقة تلخّص القضية، تواجه المنصة التي يقوم عملها على كشف المعلومات المضللة تهمة نشر «أخبار كاذبة». وسبق أن احتُجز أحد محرريها، كريم أسعد، نحو يومين في 2023 على خلفية تغطية المنصة لواقعة طائرة خاصة احتُجزت في زامبيا بعد وصولها من مصر.
سياق أوسع من التضييق
وتضع العفو الدولية هذه الاعتقالات في إطار حملة ممتدة على الإعلام المستقل في مصر منذ عام 2016، شهدت القبض على عشرات الصحفيين والعاملين في الإعلام وملاحقتهم باتهامات تتعلق بالإرهاب، وحجب مئات المواقع، فضلًا عن تشريعات الإعلام والجرائم الإلكترونية الصادرة في 2018 التي وسّعت سلطة الدولة في التحكم بالمحتوى. وأشارت المنظمة إلى أنها وثّقت ظروف احتجاز قاسية في سجن بدر، تشمل المراقبة الدائمة بالكاميرات والإضاءة المستمرة والتفتيش المهين وتقييد الزيارات والمراسلات.
وأثار القبض على صحفيي «متصدقش» تحركات تضامنية، من بينها وقفة في نقابة الصحفيين في 3 أكتوبر 2026 للمطالبة بالإفراج عنهم. وبعد يومين، في 5 أكتوبر، استُدعيت الصحفية رشا عزب، التي شاركت في الوقفة، للتحقيق معها بشأن منشور على مواقع التواصل ينتقد وزارة الداخلية، واتُّهمت بالترويج لأعمال إرهابية، ثم أُفرج عنها بكفالة قدرها 10 آلاف جنيه.
ويحمل النداء رقم «MDE 12/1575/2026»، ويشير إلى أن التحقيقات تناولت العاملين في المنصة وقراراتها التحريرية وطرق التحقق من المعلومات، إلى جانب الخلفيات الشخصية والآراء السياسية والدينية للصحفيين. وأوضح المحتجزون أثناء الاستجواب أن عملهم يقوم على مراجعة المعلومات، بما فيها المعلومات الصادرة عن جهات رسمية، وهي طبيعة العمل التي تستند إليها المنظمة في مطالبتها بإسقاط الاتهامات.
وطالبت العفو الدولية بضمان سرية تواصل الصحفيين مع محاميهم وانتظام اتصالهم بأسرهم، ومنع أي إجراءات انتقامية ضدهم أو ضد ذويهم بسبب الإبلاغ عن الانتهاكات. وشددت على أن توفير الرعاية الصحية وتحسين ظروف الاحتجاز يظلان التزامين قائمين حتى الإفراج، إلى جانب ضرورة إجراء تحقيق فعّال في الشكاوى، مستقل عن الجهات المتهمة بارتكابها.
وتلفت هذه المطالب إلى أن التحقيق في شكاوى التعذيب والإخفاء القسري مسار منفصل عن بحث الاتهامات الموجهة إلى الصحفيين. فلا تمثل الاتهامات حكمًا بالإدانة، كما أن عرض رواية النيابة أو مطالب الدفاع لا يحسم الوقائع محل النزاع، التي تطالب المنظمة بالتحقق منها عبر تحقيق مستقل ونزيه ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.
ودعت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحفيين الستة وإسقاط كل الاتهامات الموجّهة إليهم، باعتبارها ناشئة عن ممارستهم حقهم في حرية التعبير والعمل الصحفي، وإلى حمايتهم من التعذيب وإساءة المعاملة، وضمان تواصلهم مع أسرهم ومحاميهم وحصولهم على الرعاية الصحية، وإجراء تحقيق فوري ومستقل ونزيه في مزاعم التعذيب والإخفاء القسري.
