أثار مشروع قانون مُقدم مؤخرًا للبرلمان، بتعديل بعض أحكام قانون الطفل رقم 126 لعام 2008، وقانون العقوبات رقم 58 لعام 1937، مخاوف وانتقاداتٍ حقوقية بسبب ما تضمنه من خفضٍ لسن المسؤولية الجنائية للأطفال إلى 10 سنوات، ورفع الحد الأقصى للسجن المشدد إلى 20 سنة في الجرائم التي تصل عقوبتها للإعدام، بذريعة مواجهة النضج الإدراكي المبكر وسد الثغرات أمام استغلال الأطفال في الجريمة المنظمة.
وينص قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، والمعدل برقم 126 لسنة 2008، على تحديد سن المسؤولية الجنائية باثني عشر عامًا كاملًا وقت ارتكاب الجريمة، بحيث لا يُسأل الطفل جنائيًا قبل بلوغ هذا العمر، بينما يمتد تعريف الطفولة قانونًا حتى سن الثامنة عشرة، بما يتسق مع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (1989)، ويخضع الأطفال بين 12 و18 عامًا لنظام قضاء الأحداث، الذي يعتمد على التدابير الإصلاحية والتأهيلية، ويحظر القانون توقيع عقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة على أي شخص لم يبلغ الثامنة عشرة وقت ارتكاب الجريمة.
ويُقسّم القانون مراحل المسؤولية وفقًا للسن؛ إذ تنعدم المسؤولية الجنائية تمامًا لمن هم دون السابعة لعدم اكتمال التمييز، بينما تُعد الوقائع التي يرتكبها من هم بين 7 وأقل من 12 عامًا جنحًا أو جنايات تنظرها محكمة الطفل، مع اتخاذ تدابير مثل التوبيخ أو التسليم أو الإيداع في مؤسسات الرعاية، أما الفئة من 12 إلى أقل من 15 عامًا فتُعد مسؤولة جنائيًا، لكن في إطار تدابير احترازية وتربوية دون تطبيق العقوبات التقليدية، وبالنسبة لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا، فيُحاسبون كأحداث مع إمكانية توقيع عقوبات مخففة في الجنايات.
ويتنافى خفض سن المسؤولية الجنائية مع فلسفة قانون الطفل المصري، ومبادئ الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل؛ إذ أن الإطار القانوني القائم يحدد سن المسؤولية الجنائية عند 12 عامًا، مع تدرج في المعاملة الجنائية يراعي الفروق العمرية، ويركز على إعادة التأهيل لا العقاب، بحسب ما يؤكد المحامي أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال.
ويُحذّر”مصيلحي” من خطورة توقيع العقوبات المغلظة على الأطفال، مثل السجن لمدد قد تصل إلى 20 عامًا، من شأنه إنتاج مجرمين بدلًا من إعادة دمجهم في المجتمع، خاصة في ظل عدم اكتمال نضجهم النفسي والعقلي، لافتًا إلى وجود تعارض مع مبادئ القانون المدني، التي تعتبر من هم دون سن الرشد ناقصي التمييز، ما يثير إشكاليات قانونية في مساءلتهم جنائيًا بهذا الشكل.
ويقول لـ”زاوية ثالثة”: “الطفل الذي يرتكب جريمة هو في الأساس ضحية لبيئة مقصرة في حمايته، والوقاية الحقيقية تبدأ من تفعيل منظومة متكاملة تشمل الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الثقافية والرياضية، والإعلام، والمؤسسات الدينية، بما يضمن تنشئة متوازنة تقلل من احتمالات الانحراف”.
وينتقد رئيس الشبكة تصاعد الخطاب المجتمعي القائم على الانتقام والعقاب، الذي يؤدي إلى تراجع القيم الحقوقية، ويعيد إنتاج أزمات أعمق بدلًا من معالجتها، مشددًا على أن القانون وحده غير كافٍ للحد من الجريمة أو تنظيم العلاقات داخل المجتمع، وتحميل التشريعات وحدها مسؤولية القصور يُعد نوعًا من الهروب من المسؤوليات المؤسسية والمجتمعية تجاه حماية الأطفال، وأن أي إصلاح تشريعي يجب أن ينطلق من رؤية شاملة لحماية الطفل، لا من ردود أفعال آنية تجاه وقائع فردية أو ضغوط مجتمعية.
بدورها تؤكد الباحثة زينب خير، عضوة مجلس إدارة الائتلاف المصري لحقوق الطفل، أن خفض سن المسؤولية الجنائية وتغليظ العقوبات للأطفال، يتعارض بشكل صريح مع التزامات مصر الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، التي تُلزم الدول بالتعامل مع من هم دون 18 عامًا باعتبارهم أطفالًا يحتاجون إلى الحماية، لا العقاب، مبينة أن فلسفة عدالة الطفل تقوم أساسًا على اعتبار الطفل ضحية لظروف اجتماعية أو أسرية، وهو ما يبرر الاتجاه إلى بدائل العقوبات السالبة للحرية، وليس تشديدها.
وتُحذّر من تعديل سن المسؤولية الجنائية لا يمكن قصره على جرائم بعينها، إذ ينسحب قانونًا على جميع الأفعال، بما يفتح الباب لمعاقبة الأطفال على عدد واسع من السلوكيات المخالفة للقانون، لافتة إلى التناقض التشريعي في حال خفض هذا السن، في ظل بقاء سن الأهلية القانونية في قضايا أخرى، مثل الأحوال الشخصية، عند مستويات أعلى.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “المنظومة القضائية في مصر تتجه بالفعل نحو عدالة صديقة للطفل، عبر آليات تشمل الاستعانة بخبراء نفسيين وتخصيص دوائر مختصة، والمقترحات الجديدة لا تقدم إضافة بقدر ما تمثل تراجعًا عن هذا المسار”، مشيرة إلى تصاعد خطاب مجتمعي وإعلامي غير منضبط يبرر انتهاك حقوق الأطفال، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
فيما يُحذّر المحامي والباحث الحقوقي عبد الرازق مصطفى، من التداعيات القانونية والإنسانية لمقترحات تعديل قانوني الطفل والعقوبات، مؤكدًا أن الاتجاه نحو تغليظ العقوبات وخفض سن المسؤولية الجنائية يثير إشكاليات جوهرية تتعلق بمدى توافق هذه التعديلات مع الدستور المصري والالتزامات الدولية، خاصة في ظل تحفظات صادرة عن خبراء حقوقيين ومؤسسات دولية معنية بالطفل.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هذا التوجه يستند إلى فرضية النضج المبكر، التي لا تدعمها الأدبيات العلمية والدراسات العصبية التي تؤكد أن مراكز اتخاذ القرار في الدماغ لا تكتمل قبل سن الرشد، بينما إدخال الأطفال في منظومة العدالة الجنائية في هذا العمر يهدد بوصمهم مبكرًا ويقوض فرص إصلاحهم”.
كذلك ينتقد مقترح رفع الحد الأقصى لعقوبة السجن المشدد للقصر إلى 20 عامًا، معتبرًا أنه يمثل تحولًا من فلسفة العدالة الإصلاحية إلى العقابية، بالمخالفة للمعايير الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على أن سلب حرية الطفل يجب أن يكون في أضيق الحدود، بينما العقوبات الممتدة قد تؤدي عمليًا إلى إقصاء الطفل اجتماعيًا ومهنيًا، وتحويل المؤسسات العقابية إلى بيئات عزل لا تأهيل.
ويُبدي الباحث الحقوقي تحفظه على الاتجاه نحو الإيداع الوجوبي في مؤسسات مغلقة في بعض الجرائم، مع إلغاء بدائل مثل تسليم الطفل لذويه، بسبب تقييد السلطة التقديرية للقاضي ويتجاهل الفروق الفردية بين الحالات، مؤكدًا أن البيئة الأسرية قد تكون، في بعض الأحيان، أكثر فاعلية في إعادة التأهيل من مؤسسات الاحتجاز، التي قد تسهم في تكريس السلوك الإجرامي بدلًا من معالجته.
ويضيف: “تطوير منظومة عدالة الطفل يجب أن ينطلق من مقاربة شاملة توازن بين الحماية والمساءلة، إذ يجب تفعيل المحاكم المتخصصة، وضمان استقلالية التقييمات النفسية، والتوسع في التدابير البديلة للعقوبات السالبة للحرية، مثل برامج التأهيل والخدمة المجتمعية، باعتبارها أدوات أكثر فاعلية في الحد من العود للجريمة”.
أما بشأن مقترح مساءلة أولياء الأمور جنائيًا، فيرى ضرورة التمييز بين الإهمال المتعمد والظروف الاقتصادية والاجتماعية القهرية، محذرًا من أن العقوبات السالبة للحرية بحق الوالدين قد تؤدي إلى تفكك الأسرة وترك الأطفال دون رعاية، بما يفاقم من احتمالات الانحراف.
نوصي للقراءة: بحكم الدستورية العليا..انتهت الحضانة؟ اتركي الشقة فورًا!

انتقادات حقوقية وانقسام برلماني
يتزامن مقترح خفض سن المسؤولية الجنائية الذي قدمته النائبة نيفين الكاتب، عضو مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن، ونواب آخرين، مع مشروع القانون المقدم من حزب العدل، الذي يتضمن المادة 52، التي تنص على انتهاء حق الحضانة ببلوغ الصغير أو الصغيرة سن التاسعة، في عودة لما كان عليه الوضع قبل 1985، والذي أثار عاصفة الجدل والاستياء لدى الأمهات الحاضنات والمدافعون عن حقوق المرأة والطفل.
ويأتي المقترح ضمن أول مشروع قانون أحوال شخصية تقدمت به النائبة فاطمة عادل، عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين وحزب العدل، في الـ21 من أبريل، بعد توقيع 60 نائبًا عليه، وقد تضمن خفض سن الحضانة حتى تسع سنوات وأن يكون الأب فى المرتبة الثانية للحضانة وحق استضافة الطرف غير الحاضن للطفل 24 ساعة أسبوعيًا. وجاء ذلك بعد أيام قليلة من توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسي، للحكومة بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية، وإحالتها إلى البرلمان.
وفي هذا السياق يؤكد هاني هلال، رئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، أن النقاشات الدائرة حول تعديلات القوانين المرتبطة بالطفل، سواء في ما يخص الحضانة أو المسؤولية الجنائية، تعكس في جانب منها إشكاليات مزمنة في ترتيب الأولويات، نظرًا لوضع الأب في مرتبة متأخرة من الحضانة، مع ضرورة التأكد من القدرة الصحية للحاضنين، لاسيما الأجداد، على رعاية الطفل، محذرًا في الوقت نفسه، من اتخاذ مسارات تشريعية، تمثل تراجعًا عن الأسس العلمية والحقوقية الحاكمة لقضايا الطفولة.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “نرفض خفض سن الحضانة، لأن بقاء الطفل في حضانة الأم حتى 15 عامًا وضع طبيعي لتكوين شخصيته، مع استثناء الحالات التي يثبت فيها عدم أهلية الأم لذلك، ويجب استبدال نظام الرؤية الحالي بنظام الاستضافة المنضبط، لأن بيئات الرؤية القائمة كثيرًا ما تشهد توترات وصراعات تنعكس سلبًا على الطفل، ولضمان علاقة أكثر توازنًا مع الأسرة الممتدة، مع وضع ضوابط قانونية صارمة وعقوبات رادعة، لضمان بخطف الأطفال”.
ويشدد على أن مصلحة الطفل الفضلى يجب أن تكون المرجعية الأساسية في أي تعديل تشريعي، وليس مصالح الأطراف المتنازعة، لاسيما أن بعض المطالبات بخفض سن الحضانة ترتبط بنزاعات مادية، مثل استرداد مسكن الزوجية، مشيرًا لوجود إشكالية خاصة بالأطفال ذوي الإعاقة تتطلب وجود مرونة قانونية تضمن استمرار رعايتهم وسكنهم.
ويرفض رئيس المؤسسة خفض سن المسؤولية الجنائية، الذي جعله القانون المصري عند 12 عامًا منذ تعديلات 2008، وحدد سن الطفولة حتى 18 عامًا، استنادًا إلى اعتبارات علمية مرتبطة بتطور النمو النفسي والعقلي، والتزامات دولية مثل اتفاقية حقوق الطفل.
ويضيف: “تحميل الطفل المسؤولية الجنائية الكاملة يغفل دور الأسرة، والمسؤولية الأصلية تقع على القائمين على رعاية الطفل، لذا يجب تطوير تشريعات تُحاسب أولياء الأمور في حال الإهمال أو التقصير”، لافتًا لكون غالبية جرائم الأطفال في مصر تقع ضمن الفئات البسيطة أو المتوسطة، بينما الجرائم الجسيمة تظل حالات فردية لا تبرر تعديلًا تشريعيًا عامًا.
برلمانيًا، تُبدي النائبة الدكتورة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، رفضها القاطع للمقترحات المتداولة بشأن خفض سن المسؤولية الجنائية إلى 10 سنوات، وكذلك الدعوات المرتبطة بخفض سن الحضانة، معتبرة أن هذه التوجهات غير مناسبة وتمثل خطراً على حقوق الأطفال.
وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أن امتلاك الأطفال لمهارات تكنولوجية أو اطلاع مبكر لا يعني بالضرورة اكتمال وعيهم أو إدراكهم، لكونهم لا يزالون في طور التكوين واكتشاف العالم، ولا يجوز تحميلهم مسؤوليات قانونية تفوق قدرتهم النفسية والاجتماعية، معتبرة أن التعامل مع الانحرافات السلوكية لبعض القُصّر يجب أن يركز على آليات التأهيل والإصلاح، وليس العقاب.
تقول: “الأسرة والدولة تتحملان مسؤولية أي قصور في تنشئة الأطفال، نتيجة الضغوط الاقتصادية وضعف التواصل مع الأطفال، وتراجع دور المدرسة في بناء شخصية الطفل، واقتصارها على الجانب التعليمي دون الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، مما يحدّ من قدرة الأطفال على تفريغ طاقاتهم بشكل صحي”.
وترفض النائبة خفض سن الحضانة، لكنها تدعو إلى تطوير نظام الرؤية الحالي ووضع آليات أكثر مرونة تتيح للأب المشاركة الفعالة في حياة أبنائه، مع ضمانات وضوابط صارمة تحمي مصلحة الطفل وتوازن بين حقوق الطرفين.
من جهتها، تشرح النائبة البرلمانية الدكتورة نشوى عقل أن المقترحات البرلمانية بتعديل القوانين المنظمة لقضايا الأطفال، سواء ما يتعلق بسن الحضانة أو المسؤولية الجنائية، تندرج في إطار حق النواب في تقديم رؤاهم، لكنها لا تعني بالضرورة قابليتها للتطبيق بصيغتها الحالية، دون أن تخضع لنقاشات موسعة داخل البرلمان تأخذ في الاعتبار مختلف الآراء والتداعيات المحتملة قبل وصولها إلى صياغة تشريعية نهائية.
وتؤكد أن أي تعديل يجب أن ينطلق من مبدأ أساسي هو تحقيق المصلحة الفضلى للطفل، بعيدًا عن الانحياز لطرف على حساب آخر، موضحة أن قضايا الأحوال الشخصية بطبيعتها معقدة ولا يمكن التعامل معها بأحكام عامة، ويجب أن يظل النقاش مفتوحًا أمام آراء المتخصصين للوصول إلى صيغة متوازنة تحقق استقرار الأسرة.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “لا أؤيد خفض سن الحضانة، لكون الطفل في سن السابعة أو التاسعة لا يزال في مرحلة عمرية تحتاج إلى رعاية الأم بشكل أساسي، لما توفره من دعم عاطفي ورعائي يصعب تعويضه”.
بينما تعتقد النائبة أن أي اتجاه لخفض سن المسؤولية الجنائية يجب ألا يتم بمعزل عن حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل التوعية المجتمعية، ودراسة الأسباب الحقيقية للظاهرة، ومواجهة عوامل مثل انتشار المواد المخدرة والتأثيرات السلبية لبعض المحتوى الرقمي.
وتضيف أن التعامل مع جرائم الأحداث لا ينبغي أن يقتصر على التشديد العقابي، بل يتطلب مقاربة شاملة تشارك فيها مؤسسات متعددة، من بينها التعليم، والإعلام، وخبراء علم الاجتماع والتكنولوجيا، لضمان معالجة جذور المشكلة وليس فقط نتائجها.
وفي المقابل، تشدد على ضرورة تغليظ العقوبات في الجرائم المرتكبة ضد الأطفال، معتبرة أن حماية الأطفال تفرض تطوير الأطر القانونية بما يضمن ردع الجناة، إلى جانب تعزيز آليات الوقاية والحماية.
نوصي للقراءة: المجتمع خارج أولويات الحكومة.. لماذا تأخرت تعديلات قانون الأحوال الشخصية؟

نقاش مجتمعي
تأتي المقترحات البرلمانية الأخيرة بخفض سن الحاضنة، إثر نقاش مجتمعي واسع حول تعديل قانون الأحوال الشخصية، كان قد فجّره عرض مسلسل “أب ولكن” في مارس الماضي، والذي يسلط الضوء على مشكلات الرؤية والحضانة، ويدعو إلى تخفيض سن الحضانة ليصبح 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، مع إلغاء التخيير للطفل ونقل الحضانة للأب مباشرة بعد الأم.
غير أن تحليل بيانات مواقع التواصل الاجتماعي كشف عن مزيج من النشاط الرقمي الحقيقي والأنشطة الالكترونية المنظمة التي تهدف إلى تضخيم النقاش العام حول قضية خفض سن الحضانة؛ إذ تشير البيانات التي جمعتها “زاوية ثالثة” عبر أداة “brand mentions“، – بدعم من مجتمع التحقق العربي-، خلال الفترة من 23 مارس إلى 22 أبريل 2026 إلى أنه من بين 1394 مستخدمًا، عثرنا على 23 حسابًا يصنف كروبوتات بدائية ورسائل مزعجة (Spam)، بنسبة 1.65%، بينما بلغ عدد الحسابات المشبوهة، 208 حسابات بنسبة 14.9%.
ويكشف تحليل البيانات عبر لغة البايثون (Python)، – هي لغة برمجة عالية المستوى، مفتوحة المصدر-، عن أن 16.6% من الحسابات الالكترونية الداعية لخفض سن الحضانة لا تنطبق عليها معايير الروبوتات الصريحة لكنها تُظهر أنماطًا غير طبيعية للنشر، مثل: التكرار، التزامن، أو التشابه العالي في المحتوى، مما يشير إلى أن هذه الحسابات تعمل ضمن شبكات تنسيق أو إعادة نشر ممنهجة، بدلًا من الروبوتات الصريحة التي يسهل اكتشافها.
ويُظهر التحليل الزمني إلى أن الحملة الالكترونية الداعية لخفض سن الحضانة، مرت بثلاث مراحل رئيسية: بداية محدودة بتفاعل منخفض، ثم نمو تدريجي، وصولًا إلى ذروة حادة منتصف أبريل، إذ بلغت أقصاها في 13 أبريل بـ 644 إشارة، قبل أن تدخل مرحلة استقرار نسبي مع تراجع تدريجي في حجم النقاش، ويكشف هذا النمط عن طبيعة مدفوعة بحدث، إذ ارتبطت الذروة بالتطورات التشريعية أو التصريحات الإعلامية الأخيرة المرتبطة بتعديلات قانون الأحوال الشخصية والمقترح المقدم من حزب العدل.
ويظهر تحليل البنية الشبكية للنقاش، من خلال البايثون، عن مؤشرات لنشاط الكتروني منسق؛ إذ أظهرت بيانات التجمعات (Clusters) أن نحو 31% من المحتوى عبارة عن نصوص متطابقة أو شبه متطابقة، ما يعكس اعتمادًا على قوالب جاهزة يتم إعادة نشرها بشكل واسع، كما برزت حسابات ذات نشاط غير طبيعي، من بينها حساب واحد نشر 512 منشورًا، ما يشير إلى سلوك شبه آلي.
فيما بدأت الشرارة الأولى من حسابات رقمية متوسطة التأثير، قبل أن تتولى منصات إعلامية كبرى تضخيم النقاش ودفعه إلى الذروة، في نمط يعكس تفاعلًا بين المبادرات القاعدية والتغطية الإعلامية، ويظهر التحليل الزمني الدقيق وجود “دفعات نشر” متزامنة في فترات قصيرة، وهو نمط يرتبط عادة بحملات منظمة تهدف إلى رفع مستوى الظهور والتأثير على خوارزميات المنصات.
وعلى مستوى توزيع المنصات، تركزت النقاشات بشكل أساسي على فيسبوك بنسبة تقارب 56%، ما يعكس طابعًا جماهيريًا واسعًا، بينما لعب موقع إكس دورًا أقل حجمًا لكنه مؤثر في تشكيل النقاش على الصعيد النخبوي، وفي المقابل، ظل حضور المنصات المؤسسية والإعلام التقليدي محدودًا.
فيما يتعلق بحجم التفاعل، تم رصد 5051 إشارة، وهو مستوى متوسط إلى مرتفع يعكس حضورًا مستمرًا للقضية في المجال العام دون أن يصل إلى نمط “الترند الانفجاري”، بينما يُظهر تحليل المشاعر، هيمنة واضحة للخطاب المحايد بنسبة 69%، مقابل 21% سلبي و10% إيجابي.
ويشير تحليل البيانات إلى أن النقاش حول قضية سن الحضانة يجمع بين الاهتمام المجتمعي الواسع، والتدخلات الالكترونية المنظمة التي تستخدم أدوات رقمية لتوجيه الخطاب وتضخيمه، يستدعي الحذر عند قياس اتجاهات الرأي العام الفعلية.
وفي هذا السياق يُفسّر الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، الجدل المتصاعد حول قضايا الحضانة بحدوث تحولات اجتماعية غير متكافئة داخل المجتمع، وكون أنماط التفكير والمواقف تختلف باختلاف الطبقات والمناطق ومستويات التعليم، مما يؤدي لتباين حاد في الآراء والتوجهات، مشيرًا إلى أن جزءًا من الخطاب الداعم لسحب الأطفال من الأمهات يرتبط بثقافة ذكورية تقليدية، إضافة إلى كونه امتدادًا لصراعات الطلاق والرغبة في الضغط أو الانتقام، حيث يُستخدم الأطفال أحيانًا كأداة في النزاعات بين الطرفين، وليس بدافع مصلحتهم أو الاستعداد الفعلي لتحمل مسؤولية التربية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “هناك صعود لتيارات محافظة في المجتمع، مدعومة بتداخل العادات والتقاليد مع تفسيرات دينية، فضلًا عن اعتبارات سياسية تؤثر في صياغة التشريعات، وهذا المناخ يفسر بروز مقترحات قد تُفهم باعتبارها تراجعًا عن مكتسبات سابقة في مجالي حقوق المرأة والطفل.
ويطرح أستاذ علم الاجتماع مقاربة بديلة تقوم على توسيع نطاق الاتفاقات المسبقة داخل عقود الزواج، بحيث تتضمن بنودًا واضحة بشأن المسؤوليات المالية ورعاية الأطفال في حال الانفصال، بما يقلل من حدة النزاعات الممتدة أمام المحاكم، مؤكدًا أن أي إصلاح تشريعي يجب أن يراعي تنوع المجتمع المصري، وأن يتسم بقدر من المرونة يسمح بالتكيف مع اختلاف السياقات الاجتماعية، بدلًا من فرض حلول موحدة قد لا تستجيب لاحتياجات جميع الفئات.
وبين مقترحات تشريعية لا تأخذ في اعتبارها المصلحة الفضلى للطفل، ونقاش مجتمعي عبر الفضاء الرقمي يتداخل فيه الحقيقي مع الموجّه، تبرز الحاجة إلى صياغة تشريعية توازن بين حقوق الأطراف المختلفة وضمان الحماية والرعاية للطفل، مع مراعاة الاتفاقيات الدولية، كي لا تتحول التشريعات المرتقبة إلى خطوة إلى الوراء في مسار تحقيق العدالة للأطفال.