أثارت تصريحات رجل الأعمال والمصرفي المصري حسن هيكل، بشأن مقايضة أصول الدولة، بما فيها قناة السويس، مقابل تسوية الديون، وهو ما عُرف إعلاميًا باسم «المقايضة الكبرى»، موجةَ جدلٍ واسعة وتحذيراتٍ سياسية واقتصادية للحكومة من تنفيذ مثل هذه الأطروحات للتخلص من أعباء الديون، فيما اعتبرت قوى سياسية أن المقترح يمثل تهديدًا مباشرًا للسيادة المصرية.
وقال هيكل، السبت، إن الدولة تمكنت من تصفير مديونية ماسبيرو من خلال مقايضة الدَّين بأصول، معظمها أراضٍ، مع نقل مديونية الهيئة الوطنية للإعلام إلى بنك الاستثمار القومي، وبموجب التسوية، أصبح ماسبيرو خاليًا من الديون، بما يتيح له توجيه موارده نحو تطوير برامجه ومحتواه، بينما حصل بنك الاستثمار القومي على أصول تعادل قيمة مستحقاته المتأخرة لدى ماسبيرو.
واعتبر هيكل، في تدوينة عبر منصة «إكس»، أن آلية التسوية يمكن تعميمها على مستوى الدين العام المحلي، مقترحًا استبدال أطراف العملية في حالة ماسبيرو بالدولة والبنك المركزي، بحيث تُستخدم ملكية الدولة في الشركات العامة، أو أصول أخرى مثل قناة السويس، في تسوية جانب من المديونية المحلية.
وليست هذه المرة الأولى التي يعلن فيها هيكل عن مقترحه، ففي يناير الماضي، تحدث خلال محاضرة بجامعة القاهرة عمّا عُرف إعلاميًا بـ«المقايضة الكبرى»، وتستند فكرته إلى إنشاء صندوق تُجمع فيه أصول الدولة، ثم استخدامها في مبادلة الديون المحلية بعد نقلها إلى البنك المركزي، باعتبار أن ارتفاع الدين المحلي يمثل، من وجهة نظره، أحد العوائق أمام توجيه موارد الدولة إلى قطاعات التنمية.
ويرى هيكل أن خفض الدين العام المحلي بهذه الآلية يمكن أن يوسع هامش الإنفاق الحكومي، خصوصًا على خدمات مثل التأمين الصحي الشامل والتعليم، بما يسمح للمواطنين بلمس عوائد الإصلاح الاقتصادي بصورة مباشرة.
ويتزامن المقترح مع تصاعد فاتورة القروض والفوائد، إذ بلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر نحو 164.776 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من العام المالي 2025/2026، وفقًا لتقارير صادرة عن البنك المركزي المصري، بينما ارتفع الدين المحلي إلى 11.057 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، بزيادة 3.5% مقارنةً بنحو 10.685 تريليون جنيه في الربع السابق، وفق أحدث البيانات المنشورة على موقع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
نوصي للقراءة: عشر سنوات مع صندوق النقد رفعت دين مصر من 46 إلى 164 مليار دولار

الحكومة تتبرأ
مع تصاعد وتيرة الجدل حول المقترح، وبعد ساعات من إعلانه، أصدرت الحكومة صباح الأحد بيانًا توضيحيًا، مؤكدةً أن ما جرى تداوله في هذا الشأن يعكس «رؤية شخصية خالصة» لصاحب المقترح، ولا يمثل سياسة أو تصورًا تتبناه الدولة.
وأوضح المجلس أن أفكارًا تتعلق بمقايضة بعض الأصول العامة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة من جانب الجهات المعنية، ضمن بحث بدائل إدارة وخفض الدين العام وتكلفة خدمته، إلا أن التقييم انتهى إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور، ومن ثم لم يُدرج ضمن السياسات أو الآليات التي تعتمدها الحكومة لإدارة الدين.
وأشار إلى أن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي، في حد ذاته، إلى خفض إجمالي الالتزامات على مستوى الدولة، معتبرًا أن معالجة الدين العام تستلزم التعامل مع هيكله وتكلفة خدمته والسيولة المحلية، إلى جانب مراعاة انعكاساته على السياسة النقدية والمالية، والحفاظ على كفاءة إدارة الأصول العامة وتعظيم عوائدها بصورة مستدامة.
وشدد مجلس الوزراء بصورة قاطعة على أن قناة السويس ليست مطروحة ضمن أي تصور من هذا النوع، ولا توجد توجهات حكومية لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات، باعتبارها مرفقًا عامًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن القومي والسيادة المصرية، فضلًا عن أهميتها للاقتصاد الوطني وحركة التجارة العالمية.
وفيما يتعلق بتسوية مديونيات الهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي، أوضح المجلس أن هذه العملية تمثل معالجة مالية ومؤسسية لحالة محددة، وفقًا للأوضاع القانونية والمالية وطبيعة الأصول والالتزامات بين الجهتين، ولا يمكن اعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام للدولة.
وأكدت الحكومة أن خطتها لخفض الدين تقوم على مجموعة من الإجراءات، تشمل تحسين مؤشرات المالية العامة وتحقيق فوائض أولية مستدامة، وزيادة موارد الدولة ورفع كفاءة الإنفاق، إلى جانب إطالة آجال الدين وخفض تكلفة خدمته، وتعظيم العائد من الأصول المملوكة للدولة من خلال سياسة ملكية الدولة وبرامج الطروحات والشراكة مع القطاع الخاص.
وفي الوقت نفسه، أكد مجلس الوزراء أن المجال يظل مفتوحًا أمام الخبراء والشخصيات العامة لطرح رؤاهم واجتهاداتهم الاقتصادية، مع التشديد على ضرورة التمييز بين هذه الطروحات الفردية وبين السياسات والمواقف الرسمية للدولة، التي تعلنها الجهات الحكومية المختصة عبر قنواتها الرسمية.
من جانبه، عاد هيكل للرد على بيان مجلس الوزراء، مؤكدًا عبر منصة «إكس» أنه «ليس مستشارًا لرئيس الوزراء»، ومتمسكًا بجوهر المقترح الذي طرحه سابقًا، معتبرًا أن التعامل مع التحديات الاقتصادية يتطلب حلولًا «مختلفة وغير تقليدية». وشدد على أن «استمرار طرح الحلول نفسها دون تحقيق نتائج ملموسة لا يمكن أن يؤدي إلى تغيير حقيقي».
وأوضح هيكل أن الحكومة سبق أن طبقت هذا النهج في ملف ماسبيرو، قائلًا: «الحكومة طبقت المقايضة في ماسبيرو، فالقول بأنه غير مجدٍ مش متأكد منه، لأنه تم تطبيقه بالفعل».
كما تطرق إلى مقترحه الخاص بنقل ملكية بعض أصول الشركات العامة من وزارة المالية إلى البنك المركزي، موضحًا أنه يدعو إلى نقل ملكية بعض حصص الشركات العامة إلى البنك المركزي، باعتباره الجهة المؤتمنة على الاحتياطي النقدي والجهاز المصرفي والودائع.
وبعد اتساع موجة الرفض، تراجع هيكل، الأحد، عن إدراج قناة السويس تحديدًا ضمن مقترحه، موضحًا أنه في حال وجود حساسية تجاه أصول مرتبطة بالقناة فيمكن اللجوء إلى ملكيات وأصول أخرى، مع تمسكه بجوهر فكرة المقايضة.
نوصي للقراءة: 11 مليار دولار خرجت في شهر واحد: ما كشفته حرب إيران عن الاقتصاد المصري

«إفلاس فكري»
يصف الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، المقترح بأنه «إفلاس فكري»، معتبرًا أنه لا يقدم معالجة حقيقية لاختلالات الموازنة العامة أو أزمة الدين، سواء المحلي أو الخارجي.
ويقول الشافعي في تصريحات خاصة لـ«زاوية ثالثة» إن الفكرة، ببساطة، تقوم على التصرف في أحد الأصول لسداد دين قائم، مشبهًا ذلك بشخص لديه مديونية للبنك فيلجأ إلى رهن منزله أو بيع أرض أو سيارة يمتلكها لسداد الدين، مؤكدًا أن هذا المنطق لا يمثل حلًا مستدامًا لمشكلة الدين العام، وإنما ينقل الأزمة من الالتزامات المالية إلى الأصول المملوكة للدولة.
ويتساءل كذلك عن جدوى اللجوء إلى هذا الخيار في ظل وجود دول تتجاوز ديونها حجم ناتجها المحلي بأضعاف، قائلًا إن معالجة ارتفاع الدين لا تعني بالضرورة رهن أصول الدولة لسداد الالتزامات، مستشهدًا بقناة السويس، ومتسائلًا عن جدوى رهن ممر ملاحي استراتيجي تمر عبره نحو 10-15% من حركة التجارة العالمية، وما إذا كان من الممكن ضمان التداعيات والالتزامات المستقبلية المترتبة على مثل هذا الإجراء.
ويحذر الشافعي من أن التعامل مع قناة السويس باعتبارها أصلًا يمكن استخدامه لتسوية الديون يثير، إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية، مخاوف تتعلق بالسيادة المصرية عليها، لافتًا إلى أن القناة تمثل أصلًا استراتيجيًا للدولة، وأن تحويلها إلى أداة لسداد المديونية قد يفتح الباب أمام مخاطر لا يمكن ضمان تداعياتها مستقبلًا.
وفي تفسيره لبيان مجلس الوزراء، يرى الشافعي أن الحكومة كانت بحاجة إلى توضيح موقفها حتى لا يُفهم طرح هيكل باعتباره سياسة رسمية للدولة، موضحًا أن تأكيد الحكومة أن المقترح يمثل وجهة نظر شخصية يهدف إلى الفصل بين آراء الشخصيات أو المستشارين المرتبطين بها وبين الموقف الرسمي للحكومة، ومنع حدوث التباس لدى الرأي العام بشأن الجهة التي تقف وراء المقترح.
ويشير كذلك إلى أن نفي الحكومة لا يعني بالضرورة تبنيها تقييمًا اقتصاديًا للمقترح بقدر ما يمثل توضيحًا لمسؤوليتها عنه، مؤكدًا أن وجود رأي اقتصادي لشخصية عامة أو مسؤول لا يجعله تلقائيًا سياسة حكومية أو موقفًا رسميًا للدولة.
ومنذ مطلع العام الجاري، تقول الحكومة إن لديها مسارًا متكاملًا لخفض الدين العام وتقليص تكلفة خدمته، إلى ما بين 71% و73% بنهاية العام المالي الجاري (2026-2027) الذي بدأ في يونيو الماضي، بدعم من استقرار عجز الموازنة على المدى المتوسط.
ويستند البرنامج الحكومي إلى مجموعة من الأدوات المالية والاقتصادية، تشمل تحقيق فوائض أولية مستدامة، أي زيادة إيرادات الدولة عن مصروفاتها قبل احتساب فوائد الدين، إلى جانب زيادة موارد الدولة ورفع كفاءة الإنفاق العام، وإطالة آجال استحقاق الديون وخفض تكلفة الاقتراض، بما يقلل الضغوط السنوية الناتجة عن خدمة الدين.
وتعتمد الحكومة كذلك على تعظيم العائد من الأصول المملوكة للدولة من خلال إعادة هيكلة وإدارة هذه الأصول، وبرنامج الطروحات الحكومية، والشراكة مع القطاع الخاص، وهو ما يعرف باسم «التخارج الحكومي أو بيع الأصول»، وتستهدف السياسة المالية أيضًا تحسين نسبة الدين إلى الناتج المحلي تدريجيًا من خلال ضبط مسار الإنفاق وزيادة الإيرادات والنمو الاقتصادي، غير أن فعالية هذه الأدوات تظل مرتبطة بقدرة الحكومة على تحقيق فوائض أولية مستدامة، وخفض تكلفة الاقتراض، وزيادة الإيرادات من مصادر حقيقية، بدلًا من الاعتماد على تسويات محاسبية أو نقل المديونية بين مؤسسات الدولة.
ويفترض أن تسدد الحكومة خلال العام الحالي 6.3 مليار دولار من الديون الخارجية، تشمل 2.9 مليار دولار سندات يوروبوند و3.4 مليار دولار قروضًا خارجية، بحسب وثيقة «استراتيجية الاقتراض السنوية» لوزارة المالية.
وهنا يبرز فارق جوهري بين خفض الدين فعليًا وبين خفض نسبته إلى الناتج المحلي؛ فقد تتراجع نسبة الدين إذا نما الناتج بوتيرة أسرع من نمو الدين، من دون أن يعني ذلك انخفاض القيمة الاسمية للمديونية، كذلك فإن استخدام بعض أصول الدولة في تسويات مالية قد يخفف التزامات جهة حكومية بعينها، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض إجمالي التزامات الدولة ما لم يقترن بتدفقات مالية حقيقية أو خفض فعلي في الدين المستحق على الحكومة.

مخالفة صريحة للدستور
القيادي السياسي بحزب المحافظين وعضو مجلس النواب السابق، طلعت خليل، وصف المقترح بأنه «غير دستوري»، بل ويمثل انتهاكًا صارخًا للدستور المصري الذي ينص في مادته رقم (43) على التزام الدولة بحماية قناة السويس وتنميتها والحفاظ عليها بصفتها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها، مؤكدًا أن النص الدستوري يوفر حماية خاصة للقناة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها أصلًا عاديًا يمكن استخدامه في تسويات مالية.
ويقول خليل لـ«زاوية ثالثة» إن مجلس الوزراء «أحسن صنعًا» بإصدار بيانه لتوضيح موقفه من مقترح مقايضة أصول الدولة بالمديونية، لكنه يرى أن هناك نقطة تستدعي التوضيح، وهي أن صاحب المقترح ليس مجرد «شخصية عامة»، وإنما مستشار لرئيس مجلس الوزراء، على حد قوله، وهو ما نفاه هيكل، داعيًا إلى عدم طرح ما وصفها بـ«بالونات الاختبار وجس النبض» في قضايا تتعلق بأصول الدولة الاستراتيجية.
ويشدد خليل على أن قناة السويس «غير مسموح مطلقًا الاقتراب منها» في إطار أي ترتيبات تتعلق بالمديونية، معتبرًا أن طرح رهنها أو استخدامها في تسوية الديون يمثل، من الناحية الاقتصادية والسياسية والأمنية، أمرًا بالغ الخطورة.
ويقول إن القناة «مرفق عام وممر ملاحي دولي مملوك للشعب المصري، ومن ثم لا يجوز، بحسب تقديره، إدخالها في أي صيغة لمقايضة الديون أو نقل ملكيتها إلى البنك المركزي»، لافتًا إلى أن عوائد القناة تؤول إلى الخزانة العامة للدولة، وبالتالي فإن التعامل معها كأصل يمكن رهنه أو مبادلته لسداد المديونية يثير مخاطر اقتصادية وسيادية كبيرة.
ويلفت إلى أنه سبق أن شارك في النقاشات المتعلقة بصياغة النص الدستوري الخاص بحماية قناة السويس، موضحًا أنه طالب آنذاك بإدراج نص دستوري خاص بالقناة، على غرار النص المتعلق بحماية نهر النيل، وهو ما انتهى إلى تضمينه في المادة 43 من الدستور.
ويوضح خليل كذلك أن قانون هيئة قناة السويس يتيح للهيئة تطوير المرفق وتنمية موارده والدخول في شراكات في حدود القانون، معتبرًا أن إنشاء أطر مالية جديدة للقناة، مثل الصناديق الخاصة، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لفصل مواردها عن الخزانة العامة أو استخدامها في أغراض أخرى، واصفًا طرح استخدام قناة السويس في تسوية الديون بأنه «عبث شديد جدًا»، معتبرًا أن الأمر لا يقتصر على مخاطره الاقتصادية، وإنما يمتد إلى الأمن القومي والسيادة المصرية، نظرًا للطبيعة الاستراتيجية للقناة.
ويؤكد خليل أن معالجة أزمة الدين العام يجب أن تتم من خلال سياسات اقتصادية ومالية واضحة، وليس عبر التفريط في الأصول الاستراتيجية للدولة، محذرًا من أن أي تعامل مع قناة السويس باعتبارها أداة لسداد الديون يمثل، في رأيه، خطًا لا ينبغي تجاوزه.
نوصي للقراءة: تسريع التخارج من الأصول تحت ضغط التمويل والإصلاحات الدولية

هل تلجأ الحكومة للمقترح مستقبلًا؟
يوضح الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد السياسي، في تصريحات خاصة لـ«زاوية ثالثة»، أن طرح حسن هيكل بشأن مقايضة أصول الدولة بالمديونية المحلية سبق طرحه من قبل، لكنه يفتقر إلى قابلية التطبيق، معتبرًا أن المقترح ينطوي على خلط بين طبيعة التعاملات المالية داخل مؤسسات الدولة وبين إدارة أصول وموارد دولة كاملة.
ويقول العمدة إن هناك فارقًا جوهريًا بين تسوية مديونية بين شركتين، أو بين شركة ووزارة، أو بين جهتين حكوميتين، وبين التعامل مع مديونية الدولة المصرية ككل، قائلًا إن «مصر دولة»، وبالتالي لا يمكن التعامل مع أصولها بالطريقة نفسها التي تتم بها تسوية الديون بين كيانات منفصلة.
ويشير إلى أن الأصول غير المستغلة التي يتحدث عنها المقترح تظل في النهاية ملكًا للشعب، حتى عندما تكون مملوكة لشركات أو كيانات حكومية، ومن ثم «لا يجوز التفريط فيها نتيجة أخطاء حكومات حالية أو سابقة»، على حد تعبيره.
وينتقد العمدة كذلك فكرة نقل ملكية أصول الدولة إلى البنك المركزي مقابل تسوية المديونية، موضحًا أن طبيعة البنك المركزي وصلاحياته لا تتضمن إدارة أو تملك أصول الدولة بهذا الشكل، ويقول إن دور البنك المركزي يرتبط أساسًا بالسياسة النقدية، وإدارة الاحتياطي النقدي، وسعر الصرف، وإصدار العملة، والرقابة على الجهاز المصرفي، وليس تملك أصول الدولة أو استخدامها في تسوية الدين العام.
وبشأن الاستناد إلى تسوية مديونيات الهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي كنموذج يمكن تعميمه، يرى العمدة أن ما جرى في حالة ماسبيرو يظل إجراءً محدودًا ومرتبطًا بظروف مالية ومؤسسية محددة، ويمكن أن يحدث في إطار تسويات جزئية بين جهات حكومية أو شركات وهيئات تابعة للدولة، لكنه لا يصلح أساسًا لإدارة الدين العام على نطاق واسع.
ويضيف أن «التوسع» في تطبيق هذا التصور لا يمكن تنفيذه عمليًا، وقد يؤدي إلى اختلالات في إدارة الاقتصاد وأصول الدولة، مشيرًا إلى عدم وجود تجارب دولية واضحة يمكن الاستناد إليها لإثبات نجاح مثل هذا النموذج على مستوى الدولة ككل.
وفي تقييمه لمشكلة الدين في مصر، يرى العمدة أن التركيز على الدين المحلي وحده يتجاهل المشكلة الأكثر تأثيرًا على الاقتصاد المصري، وهي الدين الخارجي. وقال إن ارتفاع الدين المحلي له تداعيات سلبية بالفعل، لكن يمكن التعامل معه من خلال أدوات اقتصادية ومالية، بينما يمثل الدين الخارجي ضغطًا أكبر على الاقتصاد، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة خدمته وتأثيره على موارد النقد الأجنبي وسعر صرف الجنيه.
ويعتبر أستاذ الاقتصاد السياسي أن جانبًا كبيرًا من الأزمات الاقتصادية التي تواجهها مصر يرتبط بعبء الدين الخارجي وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، مؤكدًا أن معالجة الدين المحلي تظل مهمة، لكنها لا تعالج بمفردها جوهر الضغوط التي يعاني منها الاقتصاد المصري.
وعلى الرغم من إعلان الحكومة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي بنحو 12% خلال العامين الماضيين، وما تبعه من رفع التصنيف الائتماني من مؤسسة «ستاندرد آند بورز» في أكتوبر الماضي، لأول مرة منذ سبع سنوات، ظل عبء خدمة الدين التحدي الأكثر حدة، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن خدمة الدين تستحوذ على نحو 50% من إجمالي المصروفات العامة، وحوالي 72% من إجمالي الإيرادات في 2024/2025، وهي من أعلى النسب بين الدول النظيرة.
ويكشف الجدل حول «المقايضة الكبرى» عن معضلة أوسع من الخلاف حول مقترح اقتصادي بعينه: كيف يمكن لمصر خفض ديونها المتراكمة من دون تحويل أصولها الاستراتيجية إلى أداة لسداد التزامات نشأت في الأساس من اختلالات مالية واقتصادية ممتدة؟
فبينما ترى الحكومة أن الطريق يمر عبر الفوائض الأولية، وضبط الإنفاق، وإطالة آجال الدين، وخفض تكلفة خدمته وتعظيم عوائد الأصول، يرى الخبراء الذين تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» أن استخدام الأصول لسداد الديون لا يعالج جذور الأزمة، بل قد ينقلها من خانة المديونية إلى خانة فقدان أصول تدر عوائد مستقبلية.