حين تصمت الصحافة بأمر النيابة

طلب هيئة دفاع سالي الجباس حظر النشر في قضيتها يُعيد نقاشًا قانونيًا: القانون والدستور يجعلان الحظر استثناءً مقيدًا بمبررات واضحة، لكن قرارات الحظر امتدت تاريخيًا لقضايا فساد مسؤولين وجرائم شرطة بلا تسبيب معلن ولا مسار للطعن، فيما يُصمت الحظر الصحفيين بينما تنتشر الشائعات على منصات التواصل
Picture of شيماء حمدي

شيماء حمدي

أعاد طلبٌ تقدّمت به هيئة الدفاع عن المحامية سالي الجباس، المتهمة بقتل والدتها والتمثيل بجثمانها في محافظة الإسكندرية، إلى النائب العام لإصدار قرار بحظر النشر في القضية، فتحَ الجدل من جديد حول حدود العلاقة بين حق المجتمع في المعرفة وسلطة النيابة العامة في تقييد النشر؛ فبينما بررت هيئة الدفاع طلبها بالحفاظ على سرية التحقيقات وضمان حقوق المتهمة، رأى قانونيون وصحفيون آخرون أن القضية لا تندرج ضمن الحالات التي يجيز فيها القانون حظر النشر، مؤكدين أن الأصل إتاحة المعلومات، وأن الحظر يظل إجراءً استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا في أضيق الحدود.

وخلال السنوات الأخيرة، أصدرت النيابة العامة قرارات بحظر النشر في عدد من القضايا التي شغلت الرأي العام، كان أحدثها قرار في أبريل 2026 شمل أربع قضايا جنائية، بينها وقائع اعتداءات جنسية وانتحار، مع حظر تداول أي معلومات عنها في وسائل الإعلام التقليدية والرقمية إلى حين انتهاء التحقيقات.

ويُعرَّف حظر النشر في القانون المصري بأنه إجراء يمنع تداول أو نشر معلومات أو تفاصيل مرتبطة بواقعة أو قضية محددة عبر وسائل الإعلام المختلفة، مقروءةً كانت أو مرئية أو مسموعة، خلال مرحلة معينة من مراحل التحقيق أو المحاكمة؛ ويشمل نطاقه الجهات والأشخاص المرتبطين بالقضية، بما فيهم وسائل الإعلام وأطراف العملية القضائية، وفقًا للقرار الصادر من الجهة المختصة.

وفي المقابل، كفل الدستور المصري حق المواطنين في الحصول على المعلومات؛ إذ نصت المادة (68) على أن «المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب»، وأن الإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، مع التزام مؤسسات الدولة بإتاحتها بشفافية، وتنظيم القانون لضوابط الحصول عليها وسريتها. كما ألزم الدستور بتحديد قواعد التظلم من رفض إتاحة المعلومات، والعقوبات المتعلقة بحجبها أو تقديم معلومات مغلوطة عمدًا.

ومع طلب هيئة دفاع سالي الجباس حظر النشر في القضية، عاد الجدل حول الحدود الفاصلة بين حق المواطنين في المعرفة وسلطة النيابة العامة في تقييد تداول المعلومات؛ فمتى يجيز القانون للنيابة العامة أو القضاء إصدار قرار بحظر النشر؟ وهل توجد معايير محددة تحكم اللجوء إلى هذا الإجراء، أم يظل خاضعًا للسلطة التقديرية في كل قضية على حدة؟

 

نوصي للقراءة: 36 وفاة في أماكن الاحتجاز خلال ستة أشهر.. ومحمد عادل يهدد بالانتحار

عن حظر النشر وحدوده وفقًا للقانون

وفي ورقة بعنوان «حظر النشر والحق في المعرفة»، ترى مؤسسة حرية الفكر والتعبير أن حظر النشر لا يمثل القاعدة الأصلية، وإنما إجراء استثنائي يترتب عليه تقييد أفعال مباحة في الأصل، هي تداول المعلومات ونشرها؛ فالأصل في العمل الصحفي حرية النشر وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، بينما يأتي الحظر استثناءً تفرضه ظروف محددة تتعلق بطبيعة القضية أو مرحلة الإجراءات القانونية، لا بممارسة الصحافة في حد ذاتها.

وتشير المؤسسة إلى أن تقييم مشروعية قرارات حظر النشر لا يرتبط بطبيعة المعلومات التي يشملها القرار وحدها، وإنما بالظروف المحيطة بها والهدف من منع تداولها، بحيث يكون القيد مبررًا بمصلحة قانونية واضحة، مثل حماية سلامة التحقيقات أو حقوق أطراف القضية أو ضمان عدم التأثير على سير العدالة.

وبناءً على ذلك، ترى الورقة أن إصدار قرارات الحظر يفترض أن يستند إلى مبررات واضحة تتعلق بحماية مصلحة قانونية محددة، سواء بالحفاظ على سلامة التحقيقات أو حماية حقوق أطراف القضية أو منع التأثير على سير العدالة.

كما أن تقييم استخدام حظر النشر لا ينبغي أن يقتصر على مجرد وجود القرار، وإنما يمتد إلى فحص مبرراته ونطاقه ومدته؛ أي طبيعة المعلومات التي يُمنع تداولها، والظروف التي استدعت فرض القيد، ومدى التزام الجهات القضائية بالحدود التي وضعتها النصوص القانونية المنظمة لهذه السلطة.

من جهته، يرى المحامي ياسر سعد أن حظر النشر يمثل استثناءً على الأصل العام المتمثل في علانية التحقيقات والمحاكمات، موضحًا أن القانون وضع ضوابط مختلفة للجوء إليه بحسب مرحلة القضية؛ ويشير إلى أن سرية التحقيقات الأولية قد تكون مبررة في بعض الحالات، لاحتمال ارتباطها بمعلومات شخصية تخص أطرافًا في القضية، أو خشية التأثير على جمع الأدلة وسير التحقيقات.

ويوضح سعد في حديثه لـ«زاوية ثالثة» أن الإشكالية الأساسية تظهر في قرارات حظر النشر المتعلقة بالمحاكمات، إذ إن الأصل، وفقًا للدستور المصري والمواثيق الدولية ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، هو علانية جلسات المحاكمة باعتبارها إحدى ضمانات العدالة ومراقبة سلامة الإجراءات؛ ولا يجوز تقييد هذه العلانية إلا في حالات استثنائية تقدرها المحكمة، تتعلق بحماية النظام العام أو الآداب العامة أو اعتبارات الأمن القومي، بحسب ظروف كل قضية.

ويضيف أن تنظيم حظر النشر يستند إلى مجموعة من النصوص التي تفرق بين مرحلتي التحقيق والمحاكمة، مشيرًا إلى أن قانون الإجراءات الجنائية يمنح جهات التحقيق سلطة الحفاظ على سرية الإجراءات إذا كان النشر قد يؤدي إلى الإخلال بمصلحة التحقيق أو التأثير على سيره أو الإضرار بحقوق أطراف القضية؛ وذلك وفقًا للمادتين 190 و193 من قانون العقوبات، إلى جانب المادة 268 من قانون الإجراءات الجنائية، وهي نصوص تضع إطارًا لهذه السلطة وتحدد الحالات التي يمكن فيها تقييد النشر.

ويشدد سعد على أن مجرد تقدير جهة التحقيق لفائدة الحظر لا يكفي وحده، وإنما يجب أن يستند القرار إلى مبررات واضحة ومحددة ترتبط بمصلحة قانونية حقيقية، محذرًا من أن التوسع في استخدام قرارات حظر النشر دون أسباب موضوعية قد ينتقص من مبدأ علانية العدالة؛ ويؤكد أن علانية التحقيقات والمحاكمات ليست إجراءً شكليًا، وإنما ضمانة أساسية لتعزيز ثقة المواطنين في منظومة العدالة.

وفيما يتعلق بالقضايا الجنائية ذات الطابع الخاص، مثل جرائم القتل أو العنف الأسري، يرى سعد أن تقدير الحاجة إلى حظر النشر يجب أن يرتبط بظروف كل قضية ومصلحة أطرافها، خاصة المتهم أو المجني عليه، موضحًا أن تداول أسماء أو معلومات شخصية لا ترتبط مباشرة بالقضية قد يؤدي إلى أضرار تمس الحياة الخاصة والسمعة؛ ويؤكد أن نشر المعلومات المتعلقة بالقضايا يمثل إحدى أدوات الرقابة المجتمعية على سير العدالة وحماية حقوق المتهمين، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن تحديد الحاجة إلى السرية يجب أن يقوم على تقدير موضوعي للأضرار المحتملة من النشر، لا على اعتبار الحظر قاعدة أصلية.

ويشير إلى أن الإشكالية لا تكمن في وجود سلطة قانونية لحظر النشر، وإنما في كيفية استخدامها، مؤكدًا أن أي قرار بتقييد تداول المعلومات يجب أن يستند إلى مبررات واضحة ومحددة تتعلق بمصلحة قانونية حقيقية، لا إلى مجرد الرغبة في منع تداول تفاصيل القضايا أمام الرأي العام.

وينظم المشرّع المصري حظر النشر عبر مجموعة من النصوص التي تفرق بين مرحلتي التحقيق والمحاكمة؛ ففيما يتعلق بالمحاكمات، يقرر قانون الإجراءات الجنائية أن الأصل هو علانية الجلسات، إذ تنص المادة 268 على أن تكون الجلسة علنية، مع منح المحكمة سلطة استثنائية في جعلها سرية كليًا أو جزئيًا إذا اقتضت ذلك اعتبارات النظام العام أو الآداب، كما لا يجوز نقل وقائع الجلسات أو بثها إلا بموافقة كتابية من رئيس الدائرة بعد أخذ رأي النيابة العامة.

كما منح قانون العقوبات المحكمة سلطة حظر نشر المرافعات القضائية أو الأحكام كلها أو بعضها، وفقًا للمادة 190، إذا اقتضت طبيعة الدعوى ذلك حفاظًا على النظام العام أو الآداب؛ بينما تجرّم المادة 193 نشر أخبار بشأن تحقيق جنائي قائم إذا كانت سلطة التحقيق قد قررت إجراءه في غيبة الخصوم، أو حظرت إذاعة شيء منه مراعاةً للنظام العام أو الآداب أو لظهور الحقيقة.

فيما تنص المادة 187 من الدستور المصري على أن جلسات المحاكم علنية، إلا إذا قررت المحكمة سريتها مراعاةً للنظام العام أو الآداب، وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية. ويؤكد هذا النص أن الأصل هو تمكين الجمهور من متابعة إجراءات التقاضي، باعتبار العلانية إحدى وسائل الرقابة المجتمعية على عمل القضاء، بما يعزز الثقة في منظومة العدالة.

ويتوافق هذا الإطار مع المعايير الدولية، ومنها المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تقرر أن جلسات المحاكمة تكون علنية كأصل عام، مع السماح باستثناءات محددة وضيقة تتعلق بحماية النظام العام أو الآداب أو مصالح العدالة.

لدينا ما نخفيه!

وبحسب ورقة بحثية بعنوان «لدينا ما نخفيه!.. ورقة عن حظر النشر في القضايا المتهم فيها موظفون رسميون في مصر»، أصدرتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير في أبريل 2021، فإن قرارات حظر النشر ارتبطت خلال العقود الأخيرة بعدد من القضايا التي شغلت الرأي العام، من بينها قضايا تتعلق بمسؤولين وموظفين عموميين.

ورصدت الورقة أنه خلال سنوات حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك أصدرت سلطات التحقيق قرارات بحظر النشر في 10 قضايا على الأقل، كان من بينها قضية محمد فودة سكرتير وزير الثقافة الأسبق، الذي أُلقي القبض عليه عام 1997 ومعه محافظ الجيزة الأسبق ماهر الجندي؛ وتحفظت النيابة حينها على تسجيلات بين فودة ومسؤولين كبار في الدولة تخص قضايا فساد ورشوة، وأصدرت قرارها بحظر النشر لأي أخبار أو معلومات عن القضية، قبل إدانته والحكم عليه بالسجن خمس سنوات.

وبحسب «حرية الفكر والتعبير»، فإنه عقب ثورة يناير 2011 صدرت قرارات أخرى بحظر النشر في قضايا ارتبطت بمحاسبة رموز النظام السابق، من بينها محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي وستة من مساعديه في اتهامات تتعلق بقتل المتظاهرين والإضرار بالمال العام، حيث أصدر المستشار أحمد رفعت، رئيس الدائرة الخامسة بمحكمة جنايات القاهرة، قرارًا بحظر النشر في القضية؛ كما أصدرت محكمة جنايات الجيزة في 3 نوفمبر 2012 قرارًا بحظر النشر في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«سخرة المجندين»، والمتهم فيها حبيب العادلي وعدد من معاونيه.

وفي الفترة نفسها، أصدر رئيس هيئة القضاء العسكري اللواء عادل محمود المرسي عام 2012 قرارًا بحظر النشر في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«كشوف العذرية»، المتعلقة باتهام أفراد من القوات المسلحة بإخضاع متظاهرات محتجزات لكشوف عذرية قسرية عقب أحداث ثورة يناير، وذلك بعد أن أثارت القضية جدلًا واسعًا حول مسؤولية الجهات الأمنية والعسكرية عن الواقعة.

وخلال السنوات التالية، استمرت قرارات حظر النشر في قضايا تتعلق باتهامات بالفساد والرشوة؛ ففي يونيو 2014 أصدر النائب العام قرارًا بحظر النشر في التحقيقات الخاصة بقضية اتهام رئيس هيئة موانئ بورسعيد وستة متهمين آخرين بتلقي رشوة، وانتهت القضية لاحقًا إلى حكم بالسجن المشدد خمس سنوات بحق المتهم الرئيسي. كما صدر عام 2017 قرار بحظر النشر في قضية رشوة وزارة الزراعة، التي كان من بين المتهمين فيها وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال ومدير مكتبه، وانتهت إلى أحكام بالسجن والغرامة على عدد من المتهمين.

وفي عام 2016، أصدر النائب العام قرارًا بحظر النشر في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«الرشوة الكبرى» بمجلس الدولة، والمتهم فيها جمال اللبان، مدير عام التوريدات والمشتريات بالمجلس، بتلقي رشوة عقب ضبط مبالغ مالية كبيرة بحوزته؛ وأعقبت القضية استقالة المستشار وائل شلبي، أمين عام مجلس الدولة، قبل وفاته أثناء التحقيقات، فيما انتهت إلى الحكم على جمال اللبان بالسجن 25 عامًا في 2017. كما صدر قرار بحظر النشر في قضية اتهام رئيس نيابة مدينة نصر وشقيقه المستشار بنيابة النقض، إلى جانب سبعة ضباط بوزارة الداخلية، بتهريب آثار.

وامتدت قرارات حظر النشر إلى قضايا تتعلق باتهامات لرجال شرطة في وقائع قتل وتعذيب؛ ففي 22 أكتوبر 2011 أصدرت محكمة جنايات الإسكندرية قرارًا بحظر النشر في قضية مقتل خالد سعيد، التي اتُّهم فيها ضابطا شرطة بالتسبب في وفاته. كما أصدر النائب العام عام 2015 قرارين بحظر النشر في قضيتي مقتل الناشطة السياسية شيماء الصباغ، التي قُتلت خلال مشاركتها في وقفة سلمية، ومقتل المحامي كريم حمدي داخل قسم شرطة المطرية، حيث اتُّهم ضابطا شرطة بتعذيبه حتى الوفاة؛ وانتهت قضية شيماء الصباغ إلى أحكام قضائية بعد إعادة المحاكمة، بينما انتهت قضية كريم حمدي إلى براءة المتهمين بعد إعادة المحاكمة.

وفي القضايا ذات الطابع الجنسي أو المرتبطة باتهامات تمس السمعة، صدرت كذلك قرارات بحظر النشر؛ ففي 2 فبراير 2021 أصدرت محكمة الجنايات قرارًا بحظر النشر في القضية المتهم فيها قاضٍ بمحكمة الاستئناف واثنان من أصدقائه بخطف فتاة واغتصابها، عقب تداول تفاصيل الواقعة إعلاميًا وإثارتها جدلًا واسعًا. كما أصدرت النيابة العامة قرارًا بحظر النشر في التحقيقات الخاصة باتهام القاضي رامي عبدالهادي بطلب رشوة جنسية مقابل إصدار حكم لصالح إحدى السيدات، وانتهت القضية إلى تقديمه استقالته دون إعلان إحالته للمحاكمة.

وتخلص الورقة إلى أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في وجود سلطة قانونية لإصدار قرارات حظر النشر، وإنما في مدى وضوح المعايير التي تحكم استخدامها، خاصة في القضايا التي تتعلق بمسؤولين أو مؤسسات عامة؛ وترى أن غياب الشفافية حول أسباب إصدار بعض القرارات ومدى ضرورتها قد يفتح المجال أمام التساؤلات حول حدود هذا الإجراء، ومدى تحقيقه التوازن بين حماية التحقيقات وضمان حق المواطنين في المعرفة.

 

نوصي للقراءة: بين دعوتين رئاسيتين لتطوير الإعلام: 21 صحفيًا محبوسًا وقانون معطل

الأمن القومي..

لم تقتصر قرارات حظر النشر خلال السنوات الأخيرة على قضايا الفساد أو القضايا المرتبطة بالمسؤولين العموميين، بل امتدت إلى بعض القضايا الجنائية التي حظيت باهتمام واسع من الرأي العام؛ ففي 12 أبريل 2026، أصدر النائب العام قرارًا بحظر النشر في عدد من القضايا التي كانت محل تداول واسع على منصات التواصل الاجتماعي، من بينها الواقعة رقم 3764 لسنة 2026 إداري سيدي جابر، المتعلقة بانتحار سيدة بمنطقة سيدي جابر في الإسكندرية، إضافة إلى الواقعتين رقمي 2094 لسنة 2026 جنايات مركز شبين الكوم و3743 لسنة 2026 جنح مركز شبين الكوم، المتعلقتين باتهام عمّ بالاعتداء الجنسي على ابنتي شقيقه؛ كما شمل القرار واقعة أخرى رقم 3015 لسنة 2026 جنح مركز الشهداء، الخاصة باتهام أب وجدّ بالتعدي جنسيًا على طفلة قبل مقتلها.

وفي عام 2022، أصدرت النيابة العامة قرارًا بحظر النشر في التحقيقات المتعلقة بقضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، التي أثارت اهتمامًا واسعًا بعد وقوعها أمام جامعة المنصورة؛ كما صدر قرار بحظر النشر في قضية اتهام إحدى الإعلاميات بالاتجار في المواد المخدرة عام 2025، وفي قضية مقتل أحد القضاة عام 2024.

وفي السياق، ترى إيمان عوف، مقررة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، أن اللجوء إلى حظر النشر قد يكون مبررًا في القضايا المرتبطة بشكل مباشر وواضح بالأمن القومي، أو التي قد يترتب على نشر تفاصيلها ضرر حقيقي على الاستقرار الأمني أو العلاقات الخارجية أو المنشآت العسكرية، لكنها تشدد على ضرورة وجود ضوابط واضحة تحدد نطاق هذا المفهوم.

وتشير مقررة لجنة الحريات، في حديثها لـ«زاوية ثالثة»، إلى أن الإشكالية الرئيسية تكمن في التوسع في تفسير مفهوم الأمن القومي، وتحوّله أحيانًا إلى مصطلح مطاط يسمح بإدراج قضايا لا ترتبط به مباشرة، موضحةً أن نشر تحقيقات حول وقائع فساد أو انتقاد سياسات اقتصادية لا يمكن اعتباره بالضرورة مساسًا بالأمن القومي، بل إن مكافحة الفساد تمثل جزءًا أصيلًا من دور الصحافة الرقابي.

كما توضح أن الحالات التي تستدعي حظر النشر يجب أن تظل محدودة واستثنائية، بينما لا توجد مبررات كافية لفرضه في القضايا الجنائية العادية أو وقائع الفساد أو الحوادث التي لا تمس مصالح الأمن القومي مباشرة؛ وتحذر من أن التوسع في قرارات الحظر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لأن الصحفيين والمؤسسات الصحفية يكونون الطرف الأكثر التزامًا بهذه القرارات بحكم خضوعهم للقواعد المهنية والقانونية، بينما قد تستمر المعلومات غير الدقيقة في الانتشار عبر صفحات غير مهنية أو حسابات شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتضيف أن منع النشر دون توفير معلومات رسمية كافية قد يسهم في انتشار الشائعات، مؤكدةً أن دور النيابة العامة في إصدار بيانات توضيحية يساعد الصحفيين على الالتزام بالدقة ويحد من الاجتهادات غير المنضبطة؛ وترى أن التجربة العملية في بعض القضايا، ومنها المرتبطة بالعنف ضد النساء أو الانتهاكات داخل المؤسسات التعليمية، أظهرت أن التنسيق بين جهات التحقيق والصحفيين حول ما يمكن نشره قد يكون أكثر فاعلية من الحظر الكامل.

وأكدت عوف أن حماية حقوق المتهمين والمجني عليهم لا تتحقق فقط بمنع النشر، وإنما أيضًا بتوفير معلومات دقيقة ومنضبطة، بما يحقق التوازن بين حماية سير العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

من جهته، يرى الباحث الحقوقي والسياسي مصطفى شوقي أن حق المواطنين في المعرفة لا يتعارض مع مبدأ سرية التحقيقات، موضحًا أن الأصل في التحقيقات الابتدائية هو السرية وفقًا لقانون الإجراءات الجنائية، بهدف حماية سير التحقيق والحفاظ على الأدلة وضمان حقوق المتهمين والشهود، لا منع المجتمع من معرفة ما يجري في القضايا العامة.

ويشير شوقي، في حديثه لـ«زاوية ثالثة»، إلى أن الإشكالية تظهر حين تتحول السرية من إجراء لحماية التحقيق إلى وسيلة لحجب النقاش العام في القضايا التي تحظى باهتمام مجتمعي واسع، مؤكدًا أن حظر النشر يجب أن يظل إجراءً استثنائيًا يستند إلى أسباب واضحة مرتبطة بمصلحة التحقيق، لا أداةً لإغلاق المجال العام أو منع تداول المعلومات.

ويرى شوقي أن أحد أوجه الإشكال في تنظيم حظر النشر يتمثل في غياب معايير تفصيلية تلزم النيابة العامة بتسبيب قراراتها، إلى جانب غياب مسار قانوني واضح للطعن عليها، وهو ما يترك مساحة واسعة للجدل حول حدود استخدام هذه السلطة.

وفيما يتعلق ببعض القرارات التي أثارت انتقادات، يوضح شوقي أن الجدل لا يتعلق بمبدأ السرية في حد ذاته، وإنما بمدى ارتباط القرار بظروف القضية ومبرراته، مشيرًا إلى أن قرارات حظر النشر في قضايا مثل مستشفى سرطان الأطفال 57357 وغيرها من القضايا التي شغلت الرأي العام أثارت تساؤلات حول مدى الحاجة إلى تقييد تداول المعلومات في قضايا تمس المصلحة العامة.

وأكد شوقي أن الحل لا يتمثل في إلغاء سلطة النيابة العامة في إصدار قرارات حظر النشر، وإنما في وضع ضوابط أكثر وضوحًا لاستخدامها، بما يحقق التوازن بين حماية التحقيقات وحقوق أطراف القضايا من جهة، وحق المجتمع في المعرفة ومتابعة القضايا العامة من جهة أخرى.

وبين حق المجتمع في معرفة ما يجري في القضايا العامة، وحق المتهمين والمجني عليهم في حماية خصوصيتهم وضمان محاكمة عادلة، يبقى التحدي الأساسي تحقيق التوازن بين المصلحتين دون أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة.

وتكشف التجارب خلال السنوات الماضية أن غياب الشفافية حول أسباب إصدار بعض قرارات حظر النشر، أو التوسع في تفسير مبرراتها، يؤدي إلى زيادة الجدل، خاصة في القضايا المرتبطة بمسؤولين عموميين أو تلك التي تمس مصالح عامة؛ وفي المقابل، فإن توفير معلومات رسمية دقيقة ومنتظمة من جهات التحقيق يمكن أن يكون بديلًا أكثر فاعلية من المنع الكامل، بما يحد من انتشار الشائعات ويضمن حق الجمهور في المعرفة.

ويرى الخبراء الذين تحدثوا إلى هذا التقرير أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ حظر النشر ذاته، باعتباره إجراءً استثنائيًا أقره القانون، وإنما في ضمان ألا يُستخدم لتقييد الرقابة المجتمعية أو حجب المعلومات في القضايا التي يهم المواطنين متابعتها؛ فعدالةٌ لا يراها المجتمع ولا يفهم إجراءاتها قد تفقد جزءًا من الثقة التي تستند إليها، بينما تظل علانية الإجراءات والحق في المعرفة من أهم الضمانات التي تعزز ثقة المواطنين في منظومة العدالة.

شيماء حمدي
صحفية مصرية، تغطي الملفات السياسية والحقوقية، وتهتم بقضايا المرأة. باحثة في حرية الصحافة والإعلام والحريات الرقمية.

Search