في عام 2008، تعرّف المهندس الزراعي محمد عطية، الحاصل على ماجستير في العلوم الزراعية والمتخصص في الزراعة العضوية وشبكات الري الحديثة، للمرة الأولى على الستيفيا، وهي نبات عشبي ينتمي إلى الفصيلة النجمية، ويعد أبرز المحليات الطبيعية البديلة للسكر، ولا تضيف سعرات حرارية، أو ترفع مستويات السكري بالدم.
وقتها لم يكن النبات معروفًا في مصر، فجلب محمد معه من كندا عدد من الشتلات وزرعها بمحافظة كفر الشيخ، وما شجعه على بدء مشروعه قبل 18 عامًا، هو حاجة مصر إلى بدائل طبيعية للسكر المستخلص من القصب والبنجر، خاصة مع تزايد أعداد مرضى السكري والسمنة.
ويصل عدد المصابين بمرض السكري في مصر إلى 13.2 مليون شخص، إذ تأتي مصر في المرتبة التاسعة عالميًا من حيث معدل الانتشار والإصابة بالسكري، وتسجل نسب انتشار مرتفعة تصل إلى أكثر من 20% بين البالغين، بحسب بيانات الاتحاد الدولي للسكري، في عام 2024.
فيما يبلغ عدد المصابين بارتفاع ضغط الدم، نحو 30 مليون مصاب، بمعدل انتشار يتخطى 26.3%، ويصل في بعض الفئات العمرية إلى قرابة 40%، ويتسبب في وفاة ما يقرب من 300 شخص يوميًا، وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن ما يقرب من 40٪ من البالغين في مصر يعانون من ارتفاع ضغط الدم، وحوالي ثلثي المصريين يعانون من فرط الوزن.
وبحسب دراسة علمية بعنوان “عبء السمنة في مصر”، فقد بلغ عدد الوفيات السنوية بسبب السمنة، عام 2020، حوالي 115 ألف حالة، بنسبة 19.08% من إجمالي الوفيات، وكان الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان، قد أعلن في 2023 عن إصابة 40 % من البالغين بالسمنة في مصر، وأن النسبة ترتفع إلى 50% بين السيدات، فيما ذكرت العميدة السابقة للمعهد القومي للتغذية، جيهان فؤاد، في 2024، أن نحو 75% من المصريين فوق 18 سنة يعانون من السمنة، من هنا تأتي أهمية النباتات العشبية البديلة للسكر، مثل الستيفيا.
ويشرح المهندس الزراعي محمد عطية أن الفدان يحتاج إلى نحو 20 إلى 30 ألف شتلة، يتراوح سعر الواحدة منها بين خمس جنيهات إلى عشر جنيهات، ؛ بينما ينتج الفدان نحو 6 أو 7 طن سنويًا من الأوراق الجافة، وحال الاكتفاء بقطف الأوراق وترك السيقان يمكن تكرار الجمع عدة مرات خلال الموسم.. يشرح المهندس الزراعي.
ويقول لـ “زاوية ثالثة”: “رغم أن تكلفة تأسيس الفدان تكون في البداية، مرتفعة، إلّا أن العائد الاقتصادي جيد، إذ يتراوح سعر الكيلو بين 500 إلى 600 جنيه للجملة، ويصل إلى 800 جنيه للتجزئة”.
ويُعد الاستيفيا نبات شبه مستديم، إذ يبقى في الأرض لفترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، كذلك يتكيف وينمو في الأراضي الجديدة ومع أنظمة الري الحديثة، وينتج الفدان الواحد ما بين أربع وست حشات سنويًا، بمعدل حشة كل شهرين تقريبًا خلال فترات النمو النشط، بينما يتراوح متوسط إنتاجية الفدان بين ثلاثة وأربعة أطنان من الأوراق الجافة كل عام.
ويؤكد محمد أن الظروف المناخية في مصر مناسبة لزراعة الاستيفيا، خاصة في المناطق الصحراوية والأراضي الجديدة، شريطة الاعتماد على نظم الري بالتنقيط وتوفير احتياجات النبات من المياه بصورة منتظمة، معتبرًا أن درجات الحرارة المرتفعة تساعد على نمو النبات وتحسين إنتاجيته.
رغم ذلك يوضح أن الأمر لا يخلو من معوقات أبرزها، ارتفاع تكلفة البذور التي يتجاوز سعر الكيلو منها 20 ألف جنيه، وصعوبة التعامل معها، نظرًا لصغر حجمها وحساسيتها الشديدة أثناء التداول والتخزين، لذا يُفضل محمد إنتاج الشتلات داخل الصوب الزراعية قبل نقلها إلى الأرض المستديمة، لتقليل نسب الفقد وضمان نجاح الزراعة.
وبمرور الوقت لاحظ محمد أن جودة المحصول ترتبط بدرجة كبيرة بتركيز مركبات “الستيفيول جليكوسيد” المسؤولة عن المذاق الحلو؛ فلجأ إلى الاعتماد على الكربون العضوي والفوسفور في التسميد، مع الاستخدام المحدود للأسمدة النيتروجينية، بهدف رفع تركيز المادة الفعالة داخل الأوراق.
ويُفرّق بين إثنان من الاستيفيا في مصر: الصنف الكندي الذي يتميز بانخفاض درجة المرارة وارتفاع الطلب عليه في الأسواق الخارجية، بينما تنتشر زراعة الصنف الهندي في بعض المناطق داخل مصر، ويُعرف بارتفاع إنتاجيته نسبيًا لكنه أكثر مرارة وأقل قبولًا لدى بعض المستهلكين.
وعلى مدار سنوات زراعته للاستيفيا اصطدم بعدم وجود مصانع محلية متخصصة في استخلاص المادة المُحلِّية من أوراق الاستيفيا، ما جعل السوق المحلي يعتمد بدرجة كبيرة على المنتجات المستوردة أو المعاد تعبئتها، وفي المقابل يتم توجيه الجزء الأكبر من الإنتاج إلى التصدير لدول الخليج وبعض الدول الأوروبية، التي يزداد فيها الإقبال على المحليات الطبيعية، سواء كشتلات أو أوراق مجففة وبذور.
هذا النمط يخلق نقصًا موسميًا في المعروض من الاستيفيا داخل السوق المحلية، خاصة خلال شهري مارس وأبريل من كل عام، لذا يقترح محمد إنشاء وحدات أو مصانع محلية لاستخلاص مركبات التحلية من الأوراق يمكن أن يسهم في خفض الأسعار وتوفير منتجات أكثر جودة للمستهلكين، بدلاً من الاعتماد على المنتجات المستوردة أو المواد البديلة المتداولة في الأسواق.
لذلك اتجه مؤخرًا إلى تغيير مسار مشروعه، فبدلًا من التركيز على البيع بالجملة والتصدير، قرر التوجه لبيع الشتلات مباشرة إلى المستهلكين، وخاصة مرضى السكري؛ إذ يعتقد أن زراعة الأستيفيا على الأسطح والشرفات تمثل حلًا عمليًا للأسر التي تحتاج إلى محليات طبيعية للمشروبات وإعداد بعض المنتجات الغذائية، لاسيما أن النبات لا يحتاج إلى مساحات كبيرة، ويمكن زراعته داخل زجاجات بلاستيكية.
وتشير دراسات صادرة عن معهد بحوث المحاصيل السكرية التابع لمركز البحوث الزراعية إلى أن التوسع في زراعة الأستيفيا قد يسهم في تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي من السكر، والمُقدرة بنحو 400 إلى 800 ألف طن سنويًا، إلى جانب ما يتميز به المحصول من انخفاض احتياجاته المائية مقارنة بقصب السكر.
فيما يشرح الدكتور خالد عياد، أستاذ المكافحة البيولوجية بمركز البحوث الزراعية، أن الأستيفيا تتمتع بقدرة عالية على التأقلم مع الظروف البيئية المختلفة في مصر، بجانب كونه من النباتات العشبية سهلة الزراعة ولا يحتاج إلى مساحات واسعة، بل يمكن زراعته في الأراضي الزراعية التقليدية أو الصحراوية، وحتى في الحدائق المنزلية والشرفات، ويُستخدم إما في صورته الطبيعية بعد تجفيف الأوراق أو بعد خضوعه لعمليات تصنيع واستخلاص لإنتاج محليات جاهزة للاستخدام في الأغذية والمشروبات.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “النبات ما زال يُزرع على نطاقات محدودة، وتُستخدم أوراقه المجففة بصورة مباشرة من قبل بعض المستهلكين، لكن تحويله إلى صناعة اقتصادية واسعة يتطلب منظومة متكاملة تشمل الزراعة والتصنيع والتسويق والتوعية الطبية والغذائية، بما يضمن بناء سوق مستدام للمنتج”.
ويرى أن التوجه العالمي نحو المحليات الطبيعية يمنح النبات أهمية متزايدة في الأسواق الغذائية والصحية، لكن التحدي الرئيسي أمام انتشاره يرتبط بالتسويق وبناء الطلب الاستهلاكي، إذ شهدت السنوات الماضية تجارب لمزارع ومشروعات ومصانع خاصة عملت على إنتاج وتعبئة منتجات الاستيفيا، إلا أن كثيرًا منها لم يحقق النجاح التجاري المتوقع بسبب ضعف التوعية المجتمعية بالمنتج وعدم تهيئة السوق لتقبله على نطاق واسع، – بحد وصفه -.
نوصي للقراءة: الكاسافا في مصر: فرص أضاعتها البيروقراطية وطريق لسد الفجوة الغذائية

أهمية المحليات البديلة للسكر
من ناحيته يوضح الدكتور علي عبد الله، مدير المركز المصري للدراسات الدوائية والإحصاء ومكافحة الإدمان، أن الستيفيا نجحت في تصدر سوق المحليات البديلة للسكر، على حساب الأسبارتام والسكارين، التي تراجع استخدامها بصورة ملحوظة خلال السنوات الماضية، بسبب أضرارها الصحية المحتملة، في حين أظهرت الاستيفيا مستوى جيدًا من الأمان، لكن بعض المستخدمين يشكون في البداية من وجود مذاق مرّ أو مختلف عن السكر التقليدي، وهي شكوى تتراجع مع الاعتياد على استخدام المنتج.
ويقول لـ”زاوية ثالثة”: “الستيفيا من أبرز منتجات بدائل السكر في الصيدليات المصرية، سواء في صورة أقراص أو مسحوق، بعضها مستوردة والبعض يُعبأ أو يُصنع محليًا بواسطة شركات مصرية، مثل: سيكم وإيزيس وأتوس فارما، والاستخدام يتركز بصورة أساسية بين مرضى السكري والأشخاص الراغبين في خفض الوزن أو اتباع أنظمة غذائية منخفضة السعرات الحرارية”.
ويشرح مدير المركز المصري أن عامل السعر أحد أبرز التحديات أمام التوسع في استخدامها، إذ تتوافر بعض المحليات التقليدية بأسعار أقل، بينما تباع منتجات الاستيفيا بأسعار أعلى نسبيًا، سواء في صورة أقراص أو أكياس، إذ يبلغ سعر العبوة التي تحتوي على 100 كيس، من إنتاج شركة أتوس فارما، في الصيدليات 250 جنيه، في حين يبلغ سعر البرطمان من منتج سويتال ستيفيا وزن 250 جرام، الذي تنتجه شركة هيجنت للأدوية، نحو 170 جنيه.
ويتراوح سعر سكر الاستيفيا في مصر بين 6.50 و 13.00 دولار (ما يعادل 200 إلى 400 جنيه مصري) للعبوة، وذلك بناءً على العلامة التجارية وحجم العبوة (أظرف أو أقراص)، ومن أشهر العلامات التجارية المتوفرة في الأسواق: سكر ستيفيا امتنان، ويبلغ سعر العبوة وزن 50 جرام منه 105 جنيه، ووزن 125 جرام 215 جنيه، أما العبوة التي تحتوي على 50 ظرف، فيصل سعرها إلى 225 جنيه مصري، بجانب منتج ستيفيانا، ويبلغ سعر العبوة منه التي تزن 200 جرام حوالي 225 جنيه، وسكر ستيفيا أبو عوف، ويبلغ سعر العبوة منه التي تحتوي على 50 ظرف حوالي 95 جنيه مصري، وسويتال ستيفيا التي يبلغ سعر العبوة منها وزن 250 جرام، حوالي 170 جنيه، وتباع منتجات ستيفيولا وزن 250 جرام بنحو 480 جنيه، والعبوة التي تحتوي على 150 قرص بـ410 جنيه، وعبوة الـ50 باكيت بـ400 جنيه.
ويتابع: “في الوقت الحالي نحن لسنا في حاجة إلى زيادة الإنتاج فقط، بقدر حاجتنا إلى التثقيف والتوعية بأهمية بدائل السكر، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض المرتبطة بالإفراط في استهلاك السكريات”، لافتًا إلى أن الاستيفيا تمثل خيارًا مناسبًا لبعض الفئات الصحية، لكنها ليست بديلًا عن اتباع نمط غذائي صحي متكامل.
فيما تشرح الدكتورة إيمان كامل، استشاري التغذية العلاجية والأستاذة بالمركز القومي للبحوث، أن المركبات المسؤولة عن الطعم الحلو في نبات الاستيفيا، تعرف باسم “ستيفيول جليكوسايدز“، ولا ترفع مستويات السكر في الدم ولا تحفز إفراز الأنسولين بصورة مباشرة، لأن الجسم لا يهضمها في الأمعاء الدقيقة، ما يجعلها منخفضة السعرات الحرارية وآمنة نسبيًا لمرضى السكري عند استخدامها في صورتها النقية.
تقول لـ”زاوية ثالثة”: “بعض الدراسات السريرية الصغيرة أظهرت تحسنًا محدودًا لدى بعض المرضى، لكن لا يوجد إجماع علمي على اعتبارها وسيلة علاجية لتحسين مقاومة الإنسولين، وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم مستويات الجلوكوز في الدم، وأظهرت دراسات سريرية أن الجرعات المرتفعة من مركب الستيفيوسايد، أحد أهم الجليكوسيدات المحلّية المستخلصة من الاستيفيا، أدت لانخفاض ملحوظ في مستويات ضغط الدم لدى المصابين بارتفاع الضغط الخفيف إلى المتوسط”.
وتقارن استشاري التغذية العلاجية بين الاستيفيا والمحليات الصناعية الأخرى مثل الأسبارتام والسوكرالوز، موضحة أن الأنواع الثلاثة لا ترفع مستويات السكر في الدم عند استخدامها ضمن الحدود الموصى بها، إلا أن الاستيفيا تتميز بكونها مستخلصة من مصدر نباتي، بينما يتميز السوكرالوز بملاءمته للخبز والطهي بسبب ثباته الحراري، في حين يُمنع الأسبارتام لمرضى الفينيل كيتون يوريا (PKU)، وهو اضطراب وراثي يمنع الجسم من تكسير الحمض الأميني فينيل ألانين.
وتلفت إلى أن دور الاستيفيا في إنقاص الوزن يرتبط أساسًا باستبدال السكر وتقليل السعرات الحرارية المستهلكة يوميًا، وليس بامتلاكها خصائص مباشرة لحرق الدهون، مضيفة: “الاستيفيا يمكن أن تكون أداة مفيدة ضمن نظام غذائي متوازن، لكنها ليست بمفردها علاجًا للسمنة أو لمتلازمة الأيض، – مجموعة عوامل خطر تشمل السمنة وارتفاع الضغط والسكر والدهون -، فهذه الحالات تتطلب تعديلًا شاملًا في نمط الحياة والغذاء والنشاط البدني”.
وتحذر من الخلط الشائع بين الاستيفيا النقية والمنتجات التجارية التي تحتوي على مواد مالئة مثل الدكستروز، – سكر بسيط مشتق من الجلوكوز- أو المالتوديكسترين، – كربوهيدرات سريعة الامتصاص تُستخدم كمادة حاملة أو مالئة-، موضحة أن كثيرًا من المنتجات المتداولة في الأسواق لا تحتوي على استيفيا خالصة، وأن هذه الإضافات قد ترفع المحتوى الكربوهيدراتي وتؤثر في حسابات مرضى السكري، ناصحة المستهلكين بقراءة المكونات بعناية والتأكد من أن المنتج يحتوي فقط على “ستيفيول جليكوسايدز” أو “ريبوديوسايد A” ، – أكثر مركبات الاستيفيا استخدامًا في المنتجات التجارية بسبب انخفاض المرارة.
وتؤكد أن الهيئات الدولية المعنية بسلامة الغذاء تعتبر الاستيفيا آمنة ضمن الحدود اليومية الموصى بها، والتي تبلغ أربعة ملليجرامات من ستيفيول جليكوسايدز لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا، ومع ذلك، تنصح الحوامل والأطفال ومرضى الكلى ومن يتناولون أدوية للسكري أو ضغط الدم باستخدامها باعتدال ومتابعة حالتهم الصحية مع الطبيب المعالج عند الحاجة.
نوصي للقراءة: خسائر القطن.. من يحمي الفلاح من الحكومة؟

تصدير المادة الخام واستيراد المستخلصات
قبل أربع سنوات بدأ المستثمر الزراعي إسماعيل علي، بزراعة فدان واحد من الستيفيا في كفر الدوار، قبل التوسع في الإنتاج داخل الصوب الزراعية، التي يراها أكثر ملاءمة للنبات من الزراعة المكشوفة، لكونها تحتاج إلى ظروف بيئية خاصة تجمع بين الإضاءة الجيدة والرطوبة المعتدلة مع الحماية من أشعة الشمس الحارقة.
وبعد الحصاد بدأ عملية تجفيف الأوراق التي يصفها بالمرحلة الأكثر حساسية في إنتاج الاستيفيا، إذ تتطلب عناية ودرجة حرارة مناسبة للحفاظ على جودتها، وهو ما يتطلب عمالة إضافية ومساحات مخصصة للتجفيف، ويزيد من تكاليف الإنتاج، مشيرًا إلى أن أوراق الستيفيا المجففة يمكن تخزينها لمدة تصل إلى عام كامل دون تدهور ملحوظ في الجودة إذا حُفظت في ظروف مناسبة بعيدًا عن الرطوبة.
وفي المرحلة التالية أطلق مشروعه لتعبئة أوراق الاستيفيا المجففة، داخل عبوات صغيرة وزن 45 جرام، يبيعها بسعر 30 جنيه، لعدد من متاجر العطارة، وبالتزامن يقوم بالتسويق لمنتجه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وشحنه إلى منازل المستهلكين داخل نطاق القاهرة الكبرى.
ويشرح إسماعيل أن نبات الستيفيا موجود في الأسواق المصرية منذ أكثر من عشر سنوات، إلا أن انتشاره ما زال محدودًا، ولم يتحول بعد إلى زراعة واسعة الانتشار بين المزارعين بسبب احتياجه إلى عناية خاصة وصعوبة التسويق المحلي، ما يجعل معظم المنتجين يعتمدون على التصدير باعتباره أكثر جدوى اقتصادية، بينما يظل الطلب المحلي محدودًا نتيجة ضعف الوعي بطبيعة المنتج واستخداماته.
يقول لـ “زاوية ثالثة”: “الإقبال على المنتج يتركز بشكل أكبر بين الفئات الأكثر وعيًا بالبدائل الغذائية الصحية، خاصة في المدن الجديدة والمناطق ذات المستويات الاقتصادية المرتفعة، بينما لا تزال الاستيفيا محدودة الانتشار في الأحياء الشعبية بسبب ارتفاع سعرها النسبي واختلاف مذاقها عن السكر التقليدي”.
ويُبيّن أن التاجر يشتري الكيلو من المزارع بأسعار تتراوح بين 250 و300 جنيه، ثم يعيد بيعه إلى المستهلكين عادة بسعر 600 جنيه ويصل إلى 700 جنيه، في أوقات ارتفاع الطلب ونقص المعروض خلال شهري مارس وأبريل، بسبب التصدير، بينما تباع العبوات الصغيرة بأسعار متفاوتة حسب الكمية وطريقة التعبئة.
ويلفت إلى وجود عدد محدود من الشركات والمصانع العاملة في مجال المنتجات الصحية التي تستخدم الاستيفيا ضمن منتجاتها، إلى جانب بعض التجار الذين يوجهون كميات للتصدير، خاصة إلى الأسواق العربية مثل ليبيا.
ويحذر من أن معظم منتجات المساحيق البيضاء المتداولة في الأسواق تحت اسم “سكر الاستيفيا” تختلف عن المنتج الطبيعي الذي يكون أخضر اللون عند طحنه، ما يعني أنها تحتوي على مكونات ومحليات إضافية تمنحها لونًا وطعمًا أقرب إلى السكر العادي، ـ بحد قوله ـ.
ورغم اتساع المساحات المزروعة خلال السنوات الأخيرة عبر مبادرات القطاع الخاص وبعض المشروعات الزراعية، لتبلغ نحو 300 فدان، فإن صناعة الستيفيا في مصر لا تزال تواجه أزمة غياب مصانع استخلاص المادة الفعالة من الأوراق على نطاق تجاري واسع، ما جعل معظم منتجيها يلجأون إلى التصدير.
وتعتمد غالبية الشركات العاملة في سوق محليات الستيفيا على استيراد المستخلص النقي من الخارج، ثم إعادة خلطه وتعبئته محليًا في صورة منتجات استهلاكية، بينما تقتصر عمليات التصنيع المحلية المرتبطة بالمحصول على التجفيف والفرز والطحن والتعبئة، سواء لإنتاج مسحوق الأوراق المجففة أو لاستخدامها في المشروبات العشبية وبعض المنتجات الغذائية.
في هذا السياق يرى الدكتور أيمن العش، المدير السابق لمعهد المحاصيل السكرية، أن إنتاج الأوراق الجافة من الستيفيا في مصر يفوق حجم الطلب المحلي عليها، لكن ضعف الثقافة الاستهلاكية وعدم انتشار استخدام الأوراق مباشرة بين المواطنين يحدان من الاستفادة منها، بينما يتركز الطلب على مستخلصات الاستيفيا المصنّعة التي يستخدمها منتجو المشروبات منخفضة السعرات الحرارية وشركات الأدوية، التي تعتمد عليها كمحليات آمنة للمرضى الذين لا يستطيعون تناول السكر التقليدي.
ويعتقد أن التوسع في إنشاء مصانع مستخلصات الاستيفيا يمكن أن يسهم في خفض أسعار المنتجات المتداولة للمستهلكين محليًا وتقليل الاعتماد على الاستيراد، لكنه يؤكد أن تحقيق ذلك يتطلب استثمارات من القطاع الخاص في إنشاء وحدات الاستخلاص والتصنيع، إضافة إلى تنمية السوق المحلية ورفع الوعي بالاستخدامات الصحية للنبات.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “مستقبل الاستيفيا في مصر يرتبط بمدى استعداد المستثمرين للدخول في مجال التصنيع وليس الزراعة فقط، والتحدي الأساسي لا يكمن في إنتاج النبات، بل في ضمان وجود سوق قادرة على استيعاب المنتجات النهائية وتحقيق عائد اقتصادي مستدام”.
ويرجع المدير السابق لمعهد المحاصيل السكرية، التجارب البحثية على زراعة الستيفيا في مصر، إلى أوائل التسعينيات، خلال عامي 1993 و1994، مؤكدًا أن التجارب أثبتت نجاح زراعة النبات في البيئة المصرية، إذ يتلاءم المناخ المحلي معه بدرجة كبيرة، رغم أن فصل الشتاء يؤدي إلى انخفاض نسبي في الإنتاجية مقارنة بالدول الاستوائية التي ينحدر منها النبات.
ويشرح أن الستيفيا محصول معمر يمكن أن يستمر في الأرض خمس أو ست سنوات، ويتم حصاده عدة مرات سنوياً، إلا أن الظروف المناخية المصرية تجعل العائد الاقتصادي يعتمد عملياً على ثلاث حشات رئيسية في العام بدلاً من أربع أو أكثر كما يحدث في بعض الدول الأخرى.
ويوضح أن المادة الفعالة الموجودة في نبات الاستيفيا، والمعروفة باسم “الجليكوسيدات”، تتمتع بقدرة تحلية تصل إلى نحو 300 ضعف السكر التقليدي، من دون أن تحتوي على سعرات حرارية، وهو ما جعلها تحظى باهتمام عالمي واسع في الصناعات الدوائية والغذائية الموجهة لمرضى السكري ومتبعي الحميات الغذائية.
ورغم نجاح زراعة الأستيفيا محليًا، يرى العش أن القطاع يواجه عقبتين رئيسيتين؛ الأولى تتمثل في محدودية الوعي المجتمعي بالنبات واستخداماته، ما يحد من حجم الطلب المحلي على الأوراق المجففة ومنتجاتها، أما العقبة الثانية والأهم فهي غياب المصانع المتخصصة في استخلاص المواد الفعالة عالية القيمة الاقتصادية من النبات، وعلى رأسها مادتي “الستيفيوسيد” و”الريبوسايد”، اللتان تدخلان في صناعة المحليات الطبيعية المستخدمة عالميًا.
ويُبين أن مصر ما زالت تستورد هذه المواد الفعالة في صورة مسحوق أبيض جاهز من الخارج، خصوصاً من الصين، رغم توافر المادة الخام في مصر، مؤكدًا أن القيمة الاقتصادية الحقيقية للاستيفيا لا تكمن في تصدير الأوراق المجففة، وإنما في تصنيعها واستخلاص مكوناتها الفعالة محلياً، الأمر الذي يرفع العائد الاقتصادي ويخلق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني.
فيما يؤكد الدكتور طارق أبو موسى، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية، أن الاستيفيا من الشجيرات العشبية التي تمتلك قيمة اقتصادية وصحية واعدة، إلاّ أن زراعتها في مصر لا تزال محدودة، بعضها مساحات تجريبية داخل مراكز البحوث الزراعية.
يقول لـ”زاوية ثالثة”: “تقييم الجدوى الاقتصادية للنبات يرتبط بوجود مساحات زراعية كافية تسمح بإنتاج تجاري واسع النطاق، وهو ما لم يتحقق بعد في مصر؛ فالمساحات المزروعة حاليًا محدودة ولا تكفي لتغطية الطلب المحلي بصورة كاملة، فضلًا عن عدم قدرتها على دعم أي نشاط تصديري مؤثر”.
ويشير إلى أن الطلب العالمي على المحليات الطبيعية قائم بالفعل، إلا أن الحديث عن التوسع في التصدير يظل سابقًا لأوانه في ظل محدودية الإنتاج المحلي، والاستفادة القصوى منه تتطلب التوسع في الزراعة والإنتاج والتصنيع، إلى جانب رفع الوعي بين المزارعين والمستهلكين على حد سواء، وبذل جهود أكبر في مجال التوعية والإرشاد الزراعي، الذي يفترض أن يمثل حلقة الوصل بين المزارعين والمراكز البحثية التي تنقل إليهم نتائج الدراسات والتجارب الزراعية الحديثة.
وبينما تتزايد معدلات الإصابة بالسكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم في مصر، تبدو الاستيفيا خيارًا واعدًا يجمع بين البعد الصحي والاقتصادي والبيئي، غير أن تحول هذا النبات من محصول محدود الانتشار إلى صناعة متكاملة لا يتوقف على نجاح زراعته فحسب، بل يرتبط بقدرة السوق على استيعابه، وبتوفير استثمارات في التصنيع والاستخلاص، ورفع وعي المستهلكين باستخداماته.
وبينما تواصل مصر تصدير الأوراق الخام واستيراد المستخلصات عالية النقاوة، يظل السؤال مطروحًا: هل تنجح الاستيفيا في الانتقال من هامش السوق إلى قلب استراتيجية الأمن الغذائي والصناعات الصحية، أم تبقى مجرد محصول واعد لم يكتمل استغلال إمكاناته بعد؟