ترشيد الإنفاق يطفئ أضواء المسارح الجامعية في مصر

ميزانية العرض المسرحي في بعض الجامعات لا تتجاوز 11 ألف جنيه يتحمل الطلاب فارقها من جيوبهم، فيما انخفض عدد قصور وبيوت الثقافة من 594 موقعًا عام 2016 إلى 347 بحلول 2021، وسط قرارات إلغاء وتأجيل تطال المهرجانات المسرحية الجامعية باسم ترشيد الإنفاق
Picture of آية ياسر

آية ياسر

بعد أشهر من البروفات والاستعدادات، وجد مئات الطلاب في جامعات مصرية أنفسهم أمام قرارات مفاجئة بإلغاء مهرجانات مسرحية أو تأجيلها لأجل غير معلوم، فيما أُغلقت مسارح وقصور ثقافة وتقلصت مساحات التدريب والعرض تحت وطأة ضغوط مالية وإدارية متزايدة. وبينما تبرر جهات رسمية هذه الإجراءات باعتبارات ترشيد الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات في ظل الأزمة الاقتصادية، يحذر فنانون وأكاديميون وبرلمانيون من أن تراجع النشاط المسرحي والثقافي لا يقتصر أثره على تعطيل عروض فنية، بل يمتد إلى إضعاف إحدى أهم أدوات مصر التاريخية في صناعة القوة الناعمة واكتشاف المواهب الشابة.

مطلع يونيو الجاري، شهدت كلية الحقوق بجامعة العاصمة (حلوان سابقًا)  أزمة على خلفية قطع الصوت والإضاءة فجأة أثناء عرض مسرحية “الدحديرة”، رغم تدريب الطلاب عليها قرابة أربعة أشهر، وإثر حالة الجدل التي تبعت الواقعة، أحالت إدارة الجامعة الأمر للتحقيق، وشكلت لجنة رسمية لإعادة تقييم العرض ضمت الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين، والفنان أشرف عبد الباقي، وانتهت الأزمة بالتصالح، وصدور قرار رسمي باستئناف العرض المسرحي.

ويواجه النشاط المسرحي في العديد من الجامعات المصرية تحديات بالغة، أدت إلى تأجيل الملتقى المسرحي لطلاب الجامعة لأجل غير مسمى، وهو حدث ثقافي وفني سنوي تنظمه إدارة النشاط الثقافي والفني في الجامعات، وتقدم خلاله كل كلية عرضًا مسرحيًا يتنافسون به على جوائز الإخراج والتمثيل وأفضل عرض.

كذلك أعلنت جامعة كفرالشيخ، في أبريل الماضي، التأجيل المؤقت للنشاط المسرحي في إطار ما وصفته بالرؤية التطويرية التي تستهدف توسيع قاعدة المشاركة الطلابية والارتقاء بالمستوى الفني للنشاط داخل الجامعة.

كما يواجه النشاط المسرحي في الجامعة، تحديات مزمنة تتعلق بضعف البنية التحتية ونقص التمويل، ما يضطر الطلاب إلى تحمل جزء كبير من تكاليف العروض من أموالهم الخاصة، بحسب أحمد عمر، (اسم مستعار) وهو أحد أعضاء فريق المسرح بكلية الصيدلة ، موضحًا أن العروض تُقام داخل مدرجات دراسية تفتقر إلى التجهيزات الأساسية الخاصة بالمسرح، مثل أنظمة الإضاءة والصوت الاحترافية والمعدات الفنية اللازمة لتنفيذها، وتضطر الفرق المسرحية إلى استئجار الإضاءة والصوت من خارج الجامعة، وهو ما يستهلك الجزء الأكبر من الميزانيات المخصصة للنشاط.

يقول لـ “زاوية ثالثة”: “المخصصات المالية التي تحصل عليها بعض الفرق لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الإنتاج المسرحي، بما يشمل الديكور والملابس والإكسسوارات والمكياج إلى جانب التجهيزات الفنية، ويساهم أعضاء الفرق المسرحية في التكاليف، فيما يتحمل بعض المخرجين أو القائمين على النشاط جزءًا من النفقات من مواردهم الشخصية لاستكمال العروض”.

ويعتقد أن بعض الكليات في الجامعة تحصل على مخصصات أكبر من غيرها، ما يخلق تفاوتًا واضحًا في فرص إنتاج العروض المسرحية مشيرًا إلى أن المبالغ التي تصل إلى الفرق من الميزانيات المخصصة للنشاط المسرحي، تتعرض لاستقطاعات كبيرة تحت مسمى الضرائب وتصرف بأقل من القيم المعلنة في المستندات الرسمية ـ بحد قوله ـ.

ويشرح أن العقبات لا تقتصر على التمويل فقط، بل تمتد إلى الإجراءات الإدارية المرتبطة بممارسة النشاط؛ ولا تتمكن بعض الفرق من بدء التدريبات إلا بعد صدور موافقات رسمية مرتبطة بالمهرجانات الجامعية، وهو ما يقلص الفترة الزمنية المتاحة للإعداد ويؤثر على جودة العروض.

ويلفت إلى أن البروفات تُجرى في مساحات محدودة للغاية أو في أماكن مفتوحة داخل الحرم الجامعي لعدم توافر قاعات مجهزة تتسع لأعضاء الفرق، وبالتالي يواجه الطلاب قيودًا تتعلق بمواعيد استخدام القاعات وأماكن التدريب، نظرًا للجداول الدراسية والالتزامات الأكاديمية.

ويؤكد أن عددًا محدودًا فقط من كليات الجامعة يشارك بانتظام في الأنشطة المسرحية، بينما تغيب كليات أخرى عن المشاركة بسبب ضعف الدعم أو غياب الاهتمام بالنشاط، داعيًا لتوفير ميزانيات أكثر ملاءمة لطبيعة الإنتاج المسرحي، وإتاحة أماكن مناسبة للتدريبات والعروض، وتنظيم مهرجانات منتظمة للطلاب، إلى جانب الاستعانة بمخرجين ومتخصصين لتدريب المواهب الشابة. 

ولا يختلف الحال كثيرًا في جامعة قناة السويس، إذ ألغت إدارة الجامعة المهرجان المسرحي قبل موعده، ثم تراجعت عن القرار بعد اعتراضات الطلاب، قبل أن تعود مجددًا لإلغائه قبل انطلاقه بنحو أسبوعين، بحسب ما يؤكد طلاب وأعضاء بفرقة المسرح في الجامعة، لـ “زاوية ثالثة”.

وتشرح ريم حسني (اسم مستعار)، الطالبة بكلية السياحة والفنادق، أن الاستعدادات للمهرجان المسرحي كانت قد بدأت  منذ شهر فبراير، وكانت الفرق الطلابية تواصل بروفاتها بشكل منتظم، قبل أن تتلقى إخطارًا بإلغاء المهرجان بدعوى ترشيد استهلاك الكهرباء وعدم توافر الميزانية، في إطار قرار قيل إنه يشمل الجامعات كافة.

إثر ذلك حاول الطلاب  إقناع إدارة الجامعة بعدم إلغاء الفعاليات، حتى مع استعدادهم لتحمل جزء من النفقات من مواردهم الخاصة، لكن الجامعة أصرت  على الإلغاء ما أدى إلى توقف البروفات في جميع الكليات، لكن الطلاب لم يستسلموا، وأطلقوا منشورات ومقاطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي للمطالبة بإعادة المهرجان، ما أجبر إدارة الجامعة لإلغاء القرار والسماح باستئناف البروفات، مع إجراء قرعة لتحديد مواعيد العروض.

وتول ريم لـ”زاوية ثالثة” إن الفرق الطلابية قد عادت إلى التدريبات المكثفة لتعويض فترة التوقف، ومعظم الكليات كانت قد انتهت بالفعل من تجهيز عروضها المسرحية، وكان من المقرر انطلاق المهرجان مطلع مايو، إلا أن الطلاب فوجئوا خلال إحدى البروفات في 29 أبريل بإخطار جديد يفيد بتأجيل المهرجان إلى شهر يوليو.

ويشرح زيدان سيد (اسم مستعار)، الطالب بكلية التمريض في جامعة قناة السويس وعضو فريق المسرح بالكلية، أن الميزانية المخصصة للعروض المسرحية محدودة للغاية، إذ لا تتجاوز نحو 11 ألف جنيه للعرض الواحد، تشمل الديكورات والملابس والموسيقى والخامات الفنية والأجور، ما يدفع الطلاب إلى تحمل جزء كبير من النفقات بأنفسهم لضمان خروج العروض بالشكل المناسب.

ويشير إلى أن أعضاء الفرق المسرحية اعتادوا جمع مساهمات مالية فيما بينهم وتكوين صندوق لدعم الإنتاج، فيما يلجأ بعضهم إلى الاستدانة لتوفير مستلزمات العرض قبل صرف الميزانية الرسمية، التي لا تُصرف عادة إلا قبل المهرجان بفترة قصيرة لا تتجاوز أسبوعين، وهو ما يجعل الاعتماد عليها في تنفيذ التجهيزات أمرًا شبه مستحيل.

يقول  لـ “زاوية ثالثة”: “قرار إلغاء المهرجان بعد انتهاء الطلاب من الإنفاق على الديكورات والمعدات كبدهم خسائر مادية،  ومخرج العرض الذي شاركت فيه اضطر إلى تدبير تكاليف العمل من ماله الخاص على أمل استردادها بعد صرف المخصصات المالية، إلا أن إلغاء المهرجان حال دون ذلك”.

ويلفت إلى حالة عدم الاستقرار التي تحيط بالنشاط المسرحي، حيث تبذل الفرق جهودًا كبيرة في الإعداد والتدريب وجمع الموارد، ثم تواجه قرارات مفاجئة بالإلغاء أو التأجيل، الأمر الذي ينعكس سلبًا على حماس الطلاب واستمرار مشاركتهم في الأنشطة الفنية داخل الجامعة.

وتُخصص ميزانية رعاية الشباب في الجامعات لدعم الأنشطة الطلابية، من قِبل المجلس الأعلى للشباب ووزارة التعليم العالي ضمن موازنة الجامعات، تُوزع على الأنشطة الطلابية، كالفعاليات الرياضية، الثقافية، الاجتماعية، الفنية، والعلمية، تُخصص نسب محددة (تصل غالباً إلى 80%) من حصيلة رسوم النشاط لصالح اتحادات الطلاب لدعم مبادراتهم، بينما يوجه جزء من الميزانية كصناديق تكافل لدعم الطلاب المتعثرين في سداد المصروفات الدراسية، بجانب تغطية تكاليف الإشراف، إدارة المعسكرات، ومكافآت موظفي رعاية الشباب. وبلغت مخصصات التعليم العالي والبحث العلمي في موازنة الدولة للعام المالي (2025/2026)  نحو 135 مليار جنيه مصري، خُصص منها 128 مليار جنيه لقطاع التعليم العالي، و7 مليارات جنيه للبحث العلمي.

 

 

نوصي للقراءة: مشاريع هيئة الترفيه السعودية:ستنعش السينما المصرية أم ستُغرقها؟

ترشيد الاستهلاك وضعف الموازنة

يواجه النشاط المسرحي داخل الجامعات المصرية تحديات ضعف الموازنة بجانب التعقيدات الإدارية؛ إذ يكشف ميشيل صبري (اسم مستعار)، أحد أعضاء فريق مسرح جامعة المنوفية، أن الفرق المسرحية داخل الجامعة تواجه منذ سنوات تضييق مستمر، مشيرًا إلى أن بعض الفرق توقفت بالفعل عن العمل نتيجة ضعف الدعم المقدم من إدارات رعاية الشباب.

ويوضح أن الأزمة بدأت مع تطبيق قرارات ترشيد الاستهلاك في عام 2021، تزامنًا مع جائحة (كوفيد19)، إذ أُبلغ الطلاب بإلغاء المهرجان المسرحي وعدم السماح بصرف أي ميزانيات للأنشطة، مشيرًا إلى أن الطلاب عرضوا تنظيم المهرجان بتمويل ذاتي، إلا أن الإدارة أبلغتهم بعدم إمكانية تنفيذ ذلك بسبب تكاليف اللجان المنظمة والتحكيم، وهو ما تقبله الطلاب آنذاك لقلة خبرتهم بالإجراءات واللوائح المنظمة للأنشطة.

غير أن أعضاء الفرق المسرحية فوجئوا لاحقًا باستمرار المهرجانات في جامعات أخرى، ما دفعهم إلى التساؤل عن أسباب توقفه داخل جامعتهم، وعندما حاولوا مناقشة الأمر مع المسؤولين بالجامعة، لم يتلقوا تفسيرات مقنعة.

يقول لـ “زاوية ثالثة”: “النشاط المسرحي ظل يعاني حالة من الجمود منذ أغسطس 2021 حتى ديسمبر 2023، دون إقامة مهرجان مسرحي منتظم، وأثناء ذلك كان الطلاب يطالبون بتنفيذ التوصيات التي خرجت بها بعض لجان التحكيم وتطوير النشاط المسرحي، لكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ”.

ويذكر أن مهرجانًا مصغرًا أُقيم في ديسمبر 2023 بجهود ذاتية، دون أي دعم مالي، مشيرًا إلى أنه شخصيًا لم يتلق حتى الآن مستحقات مالية أنفقها على أحد العروض، وفي تراجع إضافي في دعم الأنشطة الفنية، تم إلغاء منتخب المسرح الجامعي ومركز الفنون بالجامعة، ورغم المطالبات الطلابية  بإعادتها لم يتلقوا سوى وعود متكررة دون خطوات تنفيذية واضحة، معتبرًا أن الأزمة لا ترتبط فقط بنقص الموارد المالية، بل في غياب الإرادة الإدارية لتطوير  النشاط المسرحي وتوفير أماكن للبروفات والدعم اللوجستي اللازم لإنتاج العروض.

 بدوره يشرح محمد حسن (اسم مستعار)، وعضو فريق المسرح بكلية الإعلام في جامعة عين شمس، أن النشاط المسرحي داخل الكلية يواجه مشكلات متكررة بسبب عدم توفر ميزانيات كافية، رغم أن تكلفة العروض المسرحية ليست مرتفعة مقارنة بحجم الأنشطة الجامعية الأخرى؛ إذ لا تتجاوز عادة 20 ألف جنيه.

ويؤكد لـ “زاوية ثالثة”، أن تنظيم العروض المسرحية يتم بصعوبة شديدة، وتتكرر حالات التأجيل والإلغاء، كذلك بعض الفعاليات المسرحية التي اعتاد الطلاب تقديمها لم تُنظم هذا العام، وسط حالة من عدم اليقين بشأن استكمال العروض أو المشاركة في المهرجانات الجامعية.

وبينما يواجه النشاط المسرحي في جامعة بنها، عقبات تتعلق بغياب مسرح مجهز يتيح للطلاب تقديم عروضهم في ظروف مناسبة، قررت إدارتها تأجيل المهرجان المسرحي بسبب ظروف تنظيمية تزامنت مع فترة الامتحانات. ويحكي مؤمن عادل (اسم مستعار)، أحد أعضاء فريق المسرح بالجامعة أن فريقه  مُنع من إجراء البروفات داخل الكلية، ما اضطرهم إلى البحث عن أماكن بديلة للتدريب، مثل المقاهي أو المساحات المفتوحة في الشوارع. 

“القاعات التي كانت تُخصص للبروفات قبل الامتحانات لم تكن متاحة إلا ليوم أو يومين أسبوعيًا، بدعوى شكاوى بعض أعضاء هيئة التدريس من الضوضاء، وهو ما لم يكن كافيًا بالنسبة لفريق يضم طلابًا يخوضون تجربة التمثيل للمرة الأولى ويحتاجون إلى وقت أطول للتدريب والتأهيل”. يقول  لـ”زاوية ثالثة”.

ويلفت إلى أن الفرق المسرحية تواجه نقص الدعم الفني والمالي، ويتحملون تكاليف الديكورات والتجهيزات من أموالهم الخاصة في ظل غياب ميزانية واضحة للأنشطة المسرحية، موضحًا أن غالبية العروض جرى تنفيذها بإمكانات محدودة للغاية، اعتمادًا على خامات بسيطة ومتاحة، رغم ذلك صدر قرار بعدم مشاركة الكلية في المهرجان بسبب تزامنه مع فترة الامتحانات، وهو ما أثار استياء الطلاب. 

وبحسب المخرج المسرحي عزت زين، فإن طلاب جامعة الفيوم  كانوا قد استعدوا للمشاركة في المهرجان المسرحي السنوي لجامعتهم، ولكن بعد أقل من أسبوع على موعد إقامته ألغت الجامعة المهرجان تمامًا بدعوى ترشيد النفقات حسب توجيهات الحكومة.

ويضيف في تدوينة له عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، أن الإلغاء جاء نتيجة تفسير غير صحيح لقرار الترشيد، ولم يتم الاعتذار للطلاب عن ضياع جهدهم المبذول، ومتسائلًا عن سبب إقامة جامعات الأخرى لمهرجاناتها إذا كانت تلك تعليمات الحكومة؟

ويأتي ذلك ضمن تداعيات خطة الحكومة المصرية، لترشيد الاستهلاك في قطاعات الطاقة والمياه وترشيد الإنفاق الحكومي، لمواجهة الأزمة الاقتصادية، تشمل الإجراءات: خفض السفريات والفعاليات الرسمية، تقليص الإنفاق، إلزام المباني الحكومية بضوابط الإضاءة، وتطبيق ضوابط صارمة على الإعلانات بالطرق العامة لتقليل الاستهلاك.

من جهتها تؤكد الدكتورة رانيا فتح الله، أستاذة التمثيل والإخراج بقسم الدراسات المسرحية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، أن المسرح الجامعي يمثل البوابة الحقيقية الأولى لاكتشاف الفن المسرحي بالنسبة لمعظم الطلاب، إذ توفر الجامعة الاحتكاك الفعلي بعناصر العمل المسرحي من تمثيل وإخراج وإنتاج وعروض متكاملة.

وتؤكد أن وجود المسرح الجامعي ضرورة لا غنى عنها داخل المؤسسات التعليمية، مشيرة إلى أن هذا النشاط ظل على مدار عقود أحد أهم روافد الحركة المسرحية المصرية، ورغم التحديات المختلفة التي تواجه النشاط المسرحي، فإنها تراهن على شغف الطلاب بالفن المسرحي ووجود أساتذة يؤمنون بأهمية المسرح.

تقول  لـ”زاوية ثالثة”: “المسرح الجامعي لا يزال يقدم أعمالًا متميزة على مستوى فني مرتفع، وقد شاركت سابقًا في لجان تحكيم عدد من المهرجانات والملتقيات الجامعية، وشاهدت عروضًا مبهرة من حيث مستوى الإبداع والابتكار”.

وترى أن التحدي الأساسي الذي يواجه العديد من التجارب المسرحية الشابة لا يرتبط فقط بالإمكانات المادية، إذ أن كثيرًا من العروض الجيدة تُنتج بالفعل بميزانيات محدودة، لكن ما يحتاجه الشباب بصورة أكبر هو الدعم المعنوي وتسليط الضوء على أعمالهم وإتاحة فرص أوسع للتعريف بها عبر وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، لتشجيعهم على مواصلة العمل والإبداع.

 

نوصي للقراءة: التراث المصري في المزاد..إرث حضاري مهدد بالسرقة

قصور ثقافة خارج الخدمة

معاناة الفرق المسرحية من الإلغاء والتأجيل وضعف الموازنة لم يقتصر على النشاط المسرحي في الجامعات، بل امتدت أيضًا إلى بعض قصور الثقافة التي تعرضت للإغلاق في محافظة دمياط، على خلفية قرارات تتعلق بإجراءات السلامة والحماية المدنية، عقب حادث سقوط “هِّرسة” (هيكل خشبي/معدني) محملة بمعدات الإضاءة والديكور على خشبة المسرح بقصر ثقافة المنصورة في الدقهلية، في فبراير عام 2024، ما أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص من طاقم العمل بجروح بالغة.

ويروي المخرج المسرحي محمد وليد، الذي يعمل ضمن فرق الهيئة العامة لقصور الثقافة، أن أولى تداعيات تلك الأزمة تمثلت في منع استخدام مسرح قصر ثقافة دمياط الجديدة في البروفات والعروض المسرحية، ما اضطر الفرق الفنية إلى البحث عن أماكن بديلة للتدريب والعرض خارج القصر، سواء في قاعات أخرى غير ملائمة للعمل المسرحي أو في محافظات مختلفة، إثر حادث قصر ثقافة المنصورة، تم إيقاف الأنشطة الثقافية والفنية ومن بينها النشاط المسرحي داخل عدد من قصور الثقافة في محافظة دمياط لعدم استيفاء اشتراطات الحماية المدنية.

يقول  لـ”زاوية ثالثة”: “المشكلة لا تكمن فقط في إغلاق المسارح، وإنما في غياب رؤية واضحة لمعالجة الأزمة أو جدول زمني معلن لإعادة فتحها، العاملين في المجال الثقافي لم يتلقوا معلومات محددة بشأن الخطوات المطلوبة لاستئناف النشاط أو المدة المتوقعة لاستمرار الإغلاق، ما خلق حالة من الضبابية والقلق بين الفرق الفنية”.

ويؤكد أن العاملين في المجال الثقافي لا يعترضون على تطبيق اشتراطات السلامة والحماية المدنية، بل يطالبون بوضع خطة واضحة وسريعة لمعالجة المشكلات الفنية وإعادة فتح قصور الثقافة، بما يسمح باستئناف الأنشطة الثقافية والفنية واستعادة دورها في خدمة الجمهور المحلي.

ويوضح أن بعض الفرق أصبحت تنتج عروضًا مسرحية وتشارك بها في مهرجانات أو مسابقات خارج المحافظة أمام لجان التحكيم فقط، من دون أن تُعرض فعليًا على الجمهور الذي أُنتجت من أجله، مشيرًا إلى أن بعض الفرق تنفذ أعمالًا بتكلفة مالية كبيرة ثم تكتفي بعرضها مرة واحدة في إطار المنافسات الرسمية، ويُحرم جمهور المحافظة من مشاهدتها، متسائلًا حول جدوى إنفاق موازنات إنتاجية على عروض لا تصل إلى الجمهور المحلي.

وتواجه الهيئة العامة لقصور الثقافة تحديات مزمنة تتعلق بضعف الميزانية المخصصة للنشاط الثقافي، والتي لا تتجاوز 87 مليون جنيه سنويًا، فضلًا عن نقص الكوادر المتخصصة في المجالات الثقافية والفنية، وافتقار العديد من منشآتها للبنية الأساسية التي تؤهلها لاستقبال الجمهور، بحسب وزير الثقافة السابق، الدكتور أحمد فؤاد هنو، خلال كلمة ألقاها أمام الجلسة العامة لمجلس الشيوخ في يناير من العام 2024.

وبحسب بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، بلغ عدد قصور وبيوت الثقافة في مصر 357 منشأة حتى نهاية عام 2023، ووفقًا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادر عام 2022، فإن عدد قصور وبيوت الثقافة انخفض من 594 موقعًا في عام 2016 إلى 347 فقط بحلول عام 2021، فيما سجل عام 2017 بداية الانحدار الحاد، إذ بلغ عددها آنذاك 336 موقعًا فقط.

 

نوصي للقراءة: إغلاق 120 مكتبة وبيت ثقافة في مصر.. سياسة الانكماش الثقافي تكتسب طابعًا رسميًا

سياق أوسع يرتبط بالأزمة الاقتصادية

في السياق ذاته ترى النائبة الدكتورة ضحى عاصي، عضو لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، أن تراجع الأنشطة الثقافية والفنية في عدد من المؤسسات التعليمية والثقافية، لا يجب قراءته دائمًا على أنه عداءًا للثقافة ومحاولة لتهميشها، لأنه يأتي في إطار سياق أوسع يرتبط بالأزمة الاقتصادية الحالية وسياسات ترشيد الإنفاق التي أقرتها الحكومة، وانعكست على مختلف القطاعات، إذ أن محدودية الموارد المالية تدفع الجهات المختلفة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، ما يجعل الأنشطة الثقافية والمسرحية تتراجع في سلم الاهتمامات مقارنة بالخدمات الأساسية والاحتياجات الأكثر إلحاحًا، بجانب البيروقراطية وحركات الردة الرجعية والوعي الجمعي الذي يعتبر أن الثقافة رفاهية.

وبشأن إلغاء عروض مسرحية أو تأجيل مهرجانات وملتقيات للمسرح الجامعي ببعض الجامعات، توضح النائبة أنها تقدمت بطلب إحاطة بشأن ما أثير حول منع عرض مسرحي في جامعة حلوان، بهدف الوقوف على حقيقة الوقائع المتداولة ومساءلة الجهات المعنية حول أسبابها، مشددة على ضرورة التحقق من الملابسات كافة وعدم الاكتفاء بما يُتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

تقول  لـ”زاوية ثالثة”: “المشكلات المرتبطة بالنشاط المسرحي الجامعي، ترجع لعوامل متعددة، من بينها ضعف التمويل، وترتيب الأولويات داخل المؤسسات، فضلاً عن اختلاف قناعات الإدارات الجامعية بأهمية النشاط الثقافي والفني ودوره في الحياة الجامعية”.

وتشرح أن حالات إغلاق بعض قصور الثقافة، ترتبط بأزمات تمويلية أو محاولات إصلاح أو تطبيق اشتراطات السلامة والحماية المدنية؛ إذ أن العديد منها تعاني مشكلات تتعلق باشتراطات الحماية المدنية أو أعمال الترميم، ويحول نقص التمويل يحول دون استكمال أعمال التطوير المطلوبة أو توفيق الأوضاع وفق الأكواد المعتمدة.

وبلغت موازنة وزارة الثقافة المصرية للعام المالي 2025/2026 نحو 3.635 مليار جنيه، وتركزت أوجه الإنفاق على تجديد ورفع كفاءة البنية التحتية والمباني الثقافية، ورقمنة الخدمات الثقافية وحماية التراث، دعم مشاريع الهوية البصرية للمدن المصرية، وتغطية التزامات المؤسسات الثقافية في الخارج.

 

نوصي للقراءة: مصادرة ومنع: كيف يعاني قطاع النشر في مصر من التضييق؟


الإيقاف بدلًا من التطوير

من ناحية أخرى تتطرق النائبة ضحى عاصي إلى إلغاء الدورة الثانية والأربعين لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، عازية القرار لكون اللجنة العليا للمهرجانات رأت وجود تراجع في أداء المهرجان وتأثيره خلال السنوات الأخيرة، ومن ثم اعتبرت أن إيقافه مؤقتًا قد يتيح فرصة لإعادة تقييم آليات الإدارة وتطوير الأداء بما يضمن استعادة مكانته.

وتعتبر أن وجود لجان متخصصة لتقييم أداء المهرجانات الثقافية والفنية يمثل آلية إيجابية لضمان جودة الفعاليات الثقافية واستمرار دعم الفعال منها، مشيرة إلى أن المهرجانات العريقة، مثل: مهرجان الإسكندرية والذي يعود عمره إلى 55 عامًا، هو جزء من قوة مصر الناعمة ويجب الحفاظ عليه  وإيجاد طريقة لتصحيح التراجع الذي ربما يكون قد حدث، ليظل المهرجان بقوته وتأثيره .

وكانت اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة المصرية، برئاسة الدكتورة جيهان زكي،  أعلنت في مطلع يونيو الجاري، إلغاء الدورة الثانية والأربعين من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، والتي كان من المقرر إقامتها في الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر، وذلك على خلفية تقييم الأداء والخلافات الداخلية للجهة المنظمة، مما أسفر عن إيقاف الدورة دون حسم المصير النهائي للمهرجان، إثر ذلك أعلن الكاتب الصحفي “الأمير أباظة” استقالته من رئاسة المهرجان، لفتح الباب أمام ترتيب الأوضاع وتصحيح المسار.

فيما تؤكد الناقدة الفنية فايزة هنداوي، أن المهرجان واجه خلال السنوات الأخيرة عددًا من المشكلات الإدارية والفنية، إلا أن معالجة هذه المشكلات لا ينبغي أن تكون عبر إلغاء المهرجان أو إيقافه، وإنما من خلال وضع حلول واضحة وآليات إصلاح تضمن تطويره واستمرار دوره الثقافي، إذ كان بإمكان اللجنة العليا للمهرجانات وضع شروط ومعايير محددة أمام الجهة المنظمة للمهرجان، ومتابعة تنفيذها لضمان خروج الدورة بصورة أفضل، بدلًا من تعليق انعقادها.

رغم ذلك لا ترى الناقدة أن التزامن بين الجدل الدائر حول الأنشطة المسرحية في الجامعات وقرار وقف دورة مهرجان الإسكندرية، يعكس بالضرورة وجود توجه منظم لإلغاء الأنشطة الثقافية والفنية، إذ أن لكل ملف أسبابه الخاصة، مشيرة إلى أن اللجنة العليا للمهرجانات لم تكن تستهدف تقليص النشاط الثقافي، لكنها تبنت تصورًا مفاده أن إيقاف المهرجان مؤقتًا قد يسهم في تحسين مستواه مستقلًا، وهو طرح لا تتفق معه.

تقول  لـ”زاوية ثالثة”: “أزمة النشاط المسرحي في الجامعات ترتبط في جانب كبير منها بضعف إدراك بعض الإدارات الجامعية لأهمية الفن والثقافة ودورهما في بناء شخصية الطلاب؛ فالمسرح الجامعي لعب تاريخيًا دورًا محوريًا في اكتشاف وتخريج أجيال من الفنانين والمبدعين، كما قدم أعمالًا فنية متميزة حصدت جوائز وحققت تأثيرًا ثقافيًا ملحوظًا”.

وتقر بأن الأزمة الاقتصادية الحالية وسياسات ترشيد الإنفاق أسهمت في تراجع الاهتمام بالأنشطة الثقافية لدى بعض الجهات، نتيجة النظر إليها باعتبارها أنشطة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها، رغم أن الموازنات المخصصة للأنشطة الثقافية والفنية في مصر تظل محدودة نسبيًا مقارنة بحجم الإنفاق العام، مشيرة إلى أن تكلفة الفعاليات الثقافية الكبرى لا تمثل عبئًا حقيقيًا على الموازنة العامة للدولة. 

وتعتقد أن هناك تصورًا خاطئًا يعتبر الإنفاق على الأنشطة الفنية والثقافية نوعًا من الترف أو إهدار الموارد، في حين أن الاستثمار في الثقافة والفنون يمثل استثمارًا في بناء الوعي والعقل وتشكيل الشخصية الإنسانية، مشددة على أن الفن يؤدي دورًا مهمًا في مواجهة الأفكار المتطرفة وتعزيز قيم التنوير والانفتاح، بما يجعله جزءًا من منظومة التنمية المجتمعية وليس نشاطًا هامشيًا.

 

نوصي للقراءة: معرض القاهرة للكتاب: الإيجارات ترتفع حتى 250% وناشرون يهددون بالانسحاب


تراجع القوة الناعمة المصرية

في ذات السياق ترى النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، أن تراجع الأنشطة المسرحية والثقافية داخل الجامعات، بالتزامن مع إغلاق عدد من قصور الثقافة وتعثر بعض الفعاليات الفنية، يمثل خسارة حقيقية لأحد أهم مصادر القوة الناعمة المصرية، محذرة من الآثار طويلة المدى لهذا التوجه على الحياة الثقافية والمجتمعية في البلاد.

وتؤكد أن حصر العملية التعليمية في الجانب الأكاديمي يفرغها من أبعادها الإبداعية والإنسانية، إذ أن الأنشطة الفنية والثقافية جزء أساسي من تكوين شخصية الطالب وتنمية قدراته، وتقليصها يؤدي إلى إهدار طاقات الشباب وحرمانهم من مساحات التعبير والتنفيس ويزيد مشاعر الاحتقان، مما ينعكس سلبًا على المجتمع.

وتنتقد ما وصفته بتراجع دور المؤسسات الثقافية في الوصول إلى الجمهور، تقول   لـ”زاوية ثالثة”: “الثقافة أصبحت محصورة في نطاق محدود بدلًا من أن تكون متاحة على نطاق واسع داخل المدارس والجامعات وقصور الثقافة، ووزارة الثقافة مطالبة بالعودة إلى دورها الأساسي في نشر الثقافة ودعم الأنشطة الإبداعية في مختلف المحافظات والفئات العمرية”.

وتعزي النائبة هذا التراجع، إلى طريقة الحكومة في ترتيب الأولويات العامة، مشيرة إلى أن الدول التي تسعى إلى تحقيق التنمية تضع التعليم والشباب في مقدمة اهتماماتها، باعتبار أن الاستثمار في الثقافة والفنون ينعكس لاحقًا على الاقتصاد والتنمية والمكانة الدولية للدولة.

وتضيف: “الصناعات الثقافية والفنية تمثل موردًا اقتصاديًا مهمًا في العديد من الدول، سواء من خلال المهرجانات الدولية أو الإنتاج الفني أو السياحة الثقافية، والقوة الناعمة ليست مجرد قيمة معنوية، بل أداة اقتصادية واستراتيجية يمكن أن تسهم في تعزيز صورة الدولة وجذب الاستثمارات والسياحة”.

وتشدد على أن الثقافة والفنون تلعبان دورًا مهمًا في تعزيز التماسك المجتمعي ومواجهة مظاهر العنف والتطرف، مؤكدة أن توفير مساحات للإبداع والتعبير أمام الشباب يعد جزءًا من منظومة الأمن المجتمعي والأمن القومي، داعية إلى إعادة النظر في السياسات المتعلقة بدعم الثقافة والأنشطة الإبداعية داخل المؤسسات التعليمية والثقافية.

وبين قرارات الإلغاء والتأجيل، وضعف الموازنات، وتعقيدات الإجراءات الإدارية، يجد آلاف الطلاب المشاركين في الفرق المسرحية أنفسهم أمام واقع يهدد استمرارية واحدة من أقدم وأهم منصات اكتشاف المواهب الفنية في مصر. وبينما ترى جهات رسمية أن إجراءات الترشيد تفرض إعادة ترتيب الأولويات في ظل الضغوط الاقتصادية، يحذر فنانون وأكاديميون وبرلمانيون من أن تقليص الأنشطة الثقافية قد يترك آثارًا تتجاوز حدود المسرح إلى مستقبل القوة الناعمة المصرية نفسها.

آية ياسر
صحافية وكاتبة وروائية مصرية حاصلة على بكالوريوس الإعلام- جامعة القاهرة.

Search