حين يصبح الضحك مشكلة: «قاع الهامور» و1.8 مليون مصري في 10 أيام

جروب “قاع الهامور” الساخر المستوحى من سبونج بوب ضم 1.8 مليون عضو في 10 أيام قبل إغلاقه في 12 يومًا باتهامات تحريض الرأي العام، فيما كشف استطلاع زاوية ثالثة أن 70% من أعضائه رأوا أن نقاشاته تجاوزت الترفيه إلى الغلاء والأسعار والقرارات الحكومية

إسماعيل موسى

في 29 يوليو 2026، ضربت مسيرة سفينتين لتخزين الغاز الطبيعي في ميناء دمياط على البحر المتوسط، وفقما أعلن مجلس الوزراء بعدها بيوم في 30 يوليو 2026، دون تحديد الجهة المسئولة في البيان المقتضب الذي أشار إلى أن “الجهات المعنية” تستكمل تحقيقاتها للوقوف على ملابسات الحادث واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي.

“الجهات المعنية” ما زالت تحقق في واقعة ضرب سفينتي ميناء دمياط، ولم يصدر عنها بيان توضيحي حتى نشر التقرير. وبعد نحو أسبوعين من ضرب المسيرة، تأسست مجموعة “قاع الهامور” على فيسبوك، تجاوز عدد أعضائها 1.8 مليون مشترك في 10 أيام فقط، ما دفع “الجهات المعنية” إلى التحقيق في شأن جروب ترفيهي.

وبعد 12 يوم إطلاق الجروب، وتحديدًا في 23 أغسطس 2026، تم إغلاق “قاع الهامور”، بعد أنباء عن اعتقال الجهات الأمنية مديري الجروب على خلفية اتهامات بغزو العالم وتحريض الرأي العام وعلاقات بجماعة الإخوان. إلا أن أحد المسئولين عن الجروب نفى اعتقال أحد منهم.

وفي مفارقة لا تخلو من عجب، ما زالت “الجهات المعنية” لم تتوصل/لم تعلن عن الجهة التي أطلقت مسيرة نحو هدفين بميناء دمياط في قلب الدلتا، بينما تحركت ذات “الجهات المعنية” كالبرق الخاطف حينما تعلق الأمر بـ”السخرية“.

ضمّ حائط “قاع الهامور” عددًا من المنشورات الساخرة للأعضاء، شمل جزءًا منها الجوانب الاقتصادية في البلاد وتقاطعت بشكل خفيّ مع سياسة الدولة. فيما ظهرت انتقادات لتعاطي السلطات مع العالم الافتراضي في ظل مشكلات اقتصادية طاحنة يعيشها الشعب في الواقع الحقيقي. وانتهى الحال بالجروب إلى الإغلاق.

 

شكاوى أهالي قاع الهامور” جروب ساخر أُنشئ للمزاح، مستوحى من عالم “سبونج بوب“، لكن الأعضاء جعلوا المجموعة مكانًا يناقشون فيه مشكلات الإسكان الاجتماعي في “قاع الهامور” وأسعار الإيجارات “تحت القاع” ويقيّمون مطاعم الهامور مثل “مستر سلطع” و”سلطع برجر” وسناتر الدروس “تحت الماء” وحتى نظام “البلطيات” الخاص بالطبيب الراحل ضياء العوضي. جاء ذلك في ظل حكايات الأعضاء التي تتماس مع الفقر والضغوط الاقتصادية في سياق ساخر.

ولكن.. هل كان “قاع الهامور” سياسيًا؟

لم تجمع السخرية أعضاء جروب شكاوى أهالي قاع الهامور. خلف الميمز والشخصيات الكرتونية، وجدوا مساحة للحديث عن أزمات أكثر جدية مثل الأسعار والغلاء والأجور والعمل والقرارات الحكومية، وهذا ما تكشفه نتائج استطلاع أجرته “زاوية ثالثة” مع 46 من أعضاء الجروب.

وكان الشباب هم الكتلة الأكبر، وبلغت نسبة من تتراوح أعمارهم بين 20 و29 عامًا نحو 63% مقابل 33% للفئة بين 30 و39 عامًا، حسب الاستطلاع، لكن معظم هؤلاء لم يكونوا بالضرورة من صناع المحتوى داخل الجروب؛ إذ قال نحو 93% من المشاركين إنهم كانوا يتابعون الجروب أكثر مما يشاركون فيه.

وبدا أن السخرية كانت نقطة الدخول الرئيسية، كما يقول المشاركون في الاستطلاع، فأكثر من 65% من المشاركين قالوا إن المنشورات الساخرة كانت سبب انضمامهم إلى الجروب، بينما انضم نحو 33% لمتابعة المشكلات المحلية.

غير أن الجروب، وفق المشاركين، لم يظل حبيس الترفيه، إذ إن نحو 70% يرون أن النقاشات تجاوزت المشكلات الفردية والمحلية إلى قضايا اقتصادية وسياسية عامة، وكان الغلاء وارتفاع الأسعار في مقدمة هذه القضايا بنسبة نحو 59%، يليه الحديث عن الأوضاع السياسية بنحو 22%، ثم القرارات الحكومية 17%، والبطالة 15%.

 

دخل أعضاء الجروب تلك المساحة بحثًا عن الميمز والضحك، لكنهم وجدوا أنفسهم يتحدثون عن الغلاء والمرتب والشغل والبطالة والقرارات الحكومية، كما تقول أستاذة الاجتماع بجامعة بنها لـ”زاوية ثالثة” بينما تحولت الشخصيات الكرتونية إلى لغة بديلة للحديث عن الواقع، وأصبحت السخرية بالنسبة إلى قطاع من الأعضاء وسيلة للتنفيس والانتقاد وربما طريقة لقول ما يصعب قوله مباشرة.

ولكن الجروب لم يكن مساحة سياسية بالمعنى التقليدي، كما تقول أستاذة الاجتماع التي رفضت ذكر اسمها، متابعة أن الحديث عن السياسة والاقتصاد لم يدخل الجروب من الباب الأمامي وإنما تسلل إليه من باب النكتة.

 

“لماذا أُغلق الجروب؟” سؤال طرحته “زاوية ثالثة” على أعضاء الجروب، وجاء “انتقاد الأوضاع العامة بسخرية” في مقدمة التفسيرات، إذ اختاره نحو 41% من المشاركين، ويرى 26% أن طبيعة المحتوى الساخر والرمزي كانت عاملًا في الإغلاق، بينما يظل نحو 22% لا يعرفون السبب المباشر.

لماذا يخشى الديكتاتور السخرية؟

تخشى السلطة الديكتاتورية السخرية، التي تعتبرها ضربة لهيبتها وصورتها أمام الناس، إذ إن السلطة القمعية تحتاج أن تبدو قوية ومتماسكة ومسيطرة، بينما تحوّلها السخرية مادة للضحك وتنزع عنها الرهبة التي يقوم عليها جانب من قدرتها على فرض الطاعة، كما يقول أستاذ للاجتماع السياسي لـ”زاوية ثالثة”.

تمنح السخرية الناس لغة بديلة لقول ما قد يصعب قوله مباشرة، فبدلًا من انتقاد السلطة صراحة، يمكن اختزاله في نكتة أو صورة ساخرة يفهم الجميع معناها، حسب أستاذ الاجتماع السياسي الذي رفض ذكر اسمه، لتصبح الفكاهة خطابًا سياسيًا غير مباشر قادرًا على تجاوز بعض الحواجز التي يفرضها الخوف والرقابة.

ليست المرة الأولى التي تتحول فيها السخرية إلى أداة للتعبير. فقد استخدمت حركة “Otpor!” في صربيا، السخرية والرموز في مواجهة نظام سلوبودان ميلوشيفيتش، حيث ساعدت الفكاهة على كسر الخوف وتوسيع مساحة التعبير. 

وترى دراسة أكاديمية أن الأنظمة الاستبدادية والسلطات القمعية تنظر بحساسية إلى السخرية، لأنها لا تكتفي بإثارة الضحك وإنما تبسط القضايا العامة وتزيد الوعي بها وتتيح التعبير عن الغضب وانتقاد الأوضاع وتمنح مساحة للأصوات التي يصعب عليها التعبير المباشر. ذلك ما تعكسه نتائج الاستطلاع، إذ يعتبر 20% من المشاركين السخرية وسيلة لانتقاد الأوضاع ويقول 13% إن السخرية أتاحت قول ما يصعب التصريح به مباشرة.

والسخرية قد تجعل الأفراد أكثر جرأة في التعبير عن مواقفهم، حسب الدراسة. هذا ما أكده الاستطلاع، إذ يقول نحو 70% إن السخرية جعلتهم أكثر جرأة في التعبير عن آرائهم، سواء بدرجة كبيرة أو إلى حد ما. ولا تقف وظيفة السخرية، وفق الدراسة، عند حدود التعبير الفردي، إذ يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإثارة الاهتمام بالقضايا العامة. ويرى نحو 70% من المشاركين في الاستطلاع أن نقاشات الجروب تجاوزت المشكلات المحلية إلى قضايا اقتصادية وسياسية عامة.

ويظهر استطلاع المشاركين أن “السخرية وسيلة للتعبير عن الغضب”؛ إذ بلغ متوسط الموافقة عن العبارة 3.91 نقطة من 5 نقاط. وكان المتوسط أعلى بين المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و39 عامًا مسجلًا 4.07 نقطة من 5، مقابل 3.79 نقطة من 5 بين الفئة الأصغر سنًا.

السخرية ومقاومة الخطاب السائد 

يذهب أستاذ الفلسفة بجامعة سانتا باربارا كريس كرامر في دراسة له إلى أن قوة الفكاهة الساخرة لا تأتي فقط من قدرتها على إضحاك الجمهور، وإنما من قدرتها على قلب وظيفة الخطاب نفسه، فما يبدو ترفيهًا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإعادة النظر في الواقع وكشف تناقضاته، بما يمنح السخرية مساحة لمقاومة الخطاب السائد. وهذا ما تقدم نتائج الاستطلاع، إذ انضم 65% من المشاركين للجروب بسبب المنشورات الساخرة، كما أن تحليل الإجابات يكشف أن 40% ممن دخلوا الجروب لم يروه مساحة ترفيهية فقط.

في قراءة للسخرية السياسية في مصر، ترى دراسة لـ”جلوبال رايتس” أن السخرية إحدى أدوات المقاومة في المجتمعات التي تعتمد الخوف لتقييد التعبير؛ لمنحها الجمهور مساحة للتعليق على الواقع السياسي وتوفيرها تنفيسًا نفسيًا وشعورًا بالجرأة والتمكين، وتستشهد الدراسة بتجربة باسم يوسف الذي رأى أن الفكاهة يمكن أن تكون مضادًا للخوف لأنها تحرر العقل وتمنح الفرد مساحة للحكم والتفكير. وهذا ما يبينه الاستطلاع، حيث إن 30% من المشاركين يقرون أن السخرية في الجروب كانت وسيلة لتنفيس الغضب.

وتصف دراسة السخرية السياسية بأنها شكل من “المعارضة المقنّعة بالكوميديا”؛ إذ تسمح بتمرير نقد سياسي واجتماعي في صورة فكاهية يصعب التعامل معها باعتبارها احتجاجًا مباشرًا، وتوضح أن التضييق على هذا النوع من التعبير يدفع الساخرين إلى استخدام الرموز والإيحاءات واللغة غير المباشرة، حيث يفهم الجمهور الرسالة دون أن تُقال بصورة صريحة. وتقدم نتائج الاستطلاع مؤشرًا قريبًا من ذلك؛ إذ يرى 26% من الأعضاء أن طبيعة المحتوى الساخر الرمزية أحد الأسباب الأقرب لإغلاق الجروب.

يكشف تحليل مفردات “قاع الهامور” أن الاقتصاد هو اللغة الأعمق للجروب، لكن ليس بلغة اقتصادية؛ فلم تكن الكلمات الأبرز هي التضخم وعجز الموازنة والسياسة النقدية، وإنما السعر والمرتب والإيجار والأكل والمواصلات والفواتير. وتأتي مفردات عالم “سبونج بوب” ورموزه لتكشف المفارقة الأساسية: الشكوى الاقتصادية قيلت بلغة ساخرة وكرتونية.

عبر تحليل “زاوية ثالثة” لمنشورات الجروب بين الساعة 12 صباحًا في 21 أغسطس 2026 و12 صباحًا لليوم التالي، تبيّن أن الكتلة الأساسية في المنشورات تدور حول الأسعار والقدرة الشرائية ثم الدخل والعمل فالسكن والخدمات والمرافق والغذاء والمواصلات، وصولًا إلى التقسيط والديون. أما السياسة، فلا تظهر بوصفها موضوعًا مباشرًا في “قاع الهامور”؛ فلا يهيمن على النقاش قاموس سياسي تقليدي، لكنها تحضر خلف الاقتصاد، في التموين وتعريفة الخدمات كالكهرباء والمياه والأجور والأسعار.

 

التهمة.. السخرية

منذ يوليو 2013 في مصر، لم يقتصر التضييق على النشاط السياسي المباشر بل امتد إلى أشكال فنية وساخرة استخدمت الأغنية والكاريكاتير والفيديو والكوميديا وسيلة للتعبير. ففي 2014، مُنعت أغنيات حمزة نمرة من الإذاعة الحكومية 2014، كما تعرضت كايروكي لقيود رقابية في 2016، ثم جاءت قضية أغنية “بلحة” في 2018 لتكشف مستوى أكثر حدة؛ إذ طال احتجاز مخرج الكليب شادي حبش وكاتب الأغنية الشاعر جلال البحيري وآخرين من فريق العمل، وانتهت القضية بوفاة “حبش” في محبسه بجانب أحكام بالسجن على الآخرين.

كما برزت قضية إسلام جاويش في 2016، الذي احتُجز بعد مداهمة مقر عمله على خلفية رسوم ومحتوى ساخر، ثم قضية أشرف عمر في 2024، الذي أُلقي القبض عليه وأحيل إلى نيابة أمن الدولة في قضية تضمنت اتهامات بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية على خلفية رسوم تناولت أزمات اقتصادية وخدمية.

أما السخرية المصورة، فكانت فرقة “أطفال شوارع” من أبرز الحالات؛ إذ احتُجز أعضاؤها في 2016 على خلفية فيديوهات ساخرة تناولت قرارات رسمية وأوضاعًا اقتصادية وقضايا سياسية. وفي العام نفسه، أثار فيديو شادي أبو زيد وأحمد مالك الساخر من الشرطة ملاحقة وإجراءات نقابية، قبل أن يتعرض أبو زيد لاحقًا للحبس الاحتياطي في قضية أمن دولة.

ولم يتوقف التضييق عند أصحاب المحتوى، بل طال المساحات التي تنتج وتستضيف الفن المستقل؛ ففي 2015 تعرض “تاون هاوس جاليري” ومسرح “روابط” للمداهمة والإغلاق، كما طالت الإجراءات دار “ميريت” للنشر، وفي 2019 حكم القضاء العسكري على الناشر خالد لطفي بالسجن على خلفية نشر كتاب.

وعلى شاشة التلفزيون، جاءت تجربة “البرنامج” لباسم يوسف كأبرز نموذج، بعدما أنهى تجربته في 2014 وسط ضغوط قال إنها جعلت تقديم السخرية السياسية المستقلة غير ممكن، وغادر البلاد بعدها.

“السخرية ليست مجرد وسيلة للترفيه، وإنما تشكّل تصورات الجمهور تجاه قضايا سياسية”، حسب دراسة تناولت حالة برنامج “البرنامج” لباسم يوسف، واختبرت الدراسة قضية جهاز الكشف عن فيروس سي والإيدز المعروف إعلاميًا بـ”جهاز الكفتة” الذي واصل البرنامج تذكير الجمهور به والسخرية من وعوده، وقضية استخدام الفحم في توليد الكهرباء التي تناولها البرنامج بصورة أكثر جدية واستند فيها إلى الحجج والأدلة البيئية والصحية.

نهاية، الجروب لم يبدأ منصة سياسية، ولم يدخل الأعضاء بحثًا عن المعارضة، وإنما دخلوا بحثًا عن الضحك، ثم وجدوا أنفسهم يتحدثون عن الأسعار والمرتبات والإيجارات والخدمات والقرارات الحكومية، وتحولت شخصيات “سبونج بوب” إلى لغة بديلة والميمز إلى مساحة للتنفيس والشكوى الفردية إلى حديث جماعي، ولهذا لم تكن تجربة “قاع الهامور” معزولة؛ فقد سبقتها حالات طالت مغنين وكاريكاتيريين وصناع فيديو وكتابًا وناشرين.

وفي بلد يمكن أن تبقى هوية الجهة التي استهدفت سفينتي ميناء دمياط معلقة في انتظار التحقيق، بينما يُغلق جروب ساخر خلال أيام، تبدو المفارقة أكبر من مجرد حكاية “قاع الهامور”: ربما لا تخشى السلطة ما يقوله الناس فقط، بل تخشى أن يضحكوا وهم يقولونه.

Search