سد النهضة اكتمل وإثيوبيا لا تتفاوض.. فماذا تملك مصر؟

سد النهضة اكتمل ملؤه بـ42 مليار متر مكعب وافتُتح رسميًا في سبتمبر 2025، وترامب يعرض الوساطة للمرة الثالثة بعد فشل مساعيه عام 2020، فيما يصف خبراء توقيع مصر على اتفاقية مبادئ 2015 بأنه “الخطأ الأصلي” الذي منح السد شرعية دولية.
Picture of ياسمين علي

ياسمين علي

 على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية منتصف يونيو الماضي، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حضور السيسي عن أزمة سد النهضة قائلًا: “سنعمل على مساعدة مصر، أعتقد أن إثيوبيا تصرفت معكم بشكل غير منصف، ومنسوب النيل أصبح أقل مما ينبغي، لقد بُني سد في إثيوبيا وهو يسبب مشكلات كبيرة لمصر وأنا على دراية تامة بذلك، لقد كنت قد توصلت إلى تسوية بشأن هذه القضية ثم جاءت انتخابات بشخص آخر إلى السلطة لم يكن يعرف الكثير عن هذا الملف ولم يكونوا ينوون تسوية أي شيء، لكننا سنرى إذا كان بإمكاننا التوصل إلى تسوية.”

ويصف خبراء هذه التصريحات بأنها إعادة إحياء لمناقشات سبق أن جرت دون نتائج ملموسة. ويؤكد الدكتور مختار غباشي الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية والاستراتيجية أنها تمثل دعمًا معنويًا لحق مصر التاريخي في مياه النيل لا أكثر، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة والبنك الدولي سبق أن دعوا الأطراف الثلاثة إلى مفاوضات، وعند المحطة الأخيرة للتوقيع أحجمت إثيوبيا ولم تستطع واشنطن إرغامها. وهذا ليس المشهد الأول من نوعه؛ ففي ولايته الأولى رعى ترامب مفاوضات أسفرت عن “وثيقة واشنطن” فبراير 2020 التي وقّعت عليها مصر بالأحرف الأولى لكن إثيوبيا أحجمت فتجمّدت المفاوضات، وفي ولايته الثانية أدلى بتصريحات مشابهة في يوليو 2025 ويناير 2026، فيما افتُتح السد رسميًا في سبتمبر 2025 بعد اكتمال ملئه بـ42 مليار متر مكعب.

 

نوصي للقراءة: بعد الملء الرابع لسد النهضة: مصر مهددة بعدم امتلاك مياه بحلول عام 2025

 ليست المرة الأولى

وبدأت وساطة الولايات المتحدة الأمريكية في قضية سد النهضة، بعد كلمة رسمية ألقاها الرئيس المصري خلال الدورة الرابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، سبتمبر 2019، بعدما وصلت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا لطريق مسدود، قال فيها إن نهر النيل بالنسبة لمصر مسألة حياة وقضية وجود، مشيرًا إلى تفهم مصر لحق إثيوبيا في التنمية، لكن المسار يحتاج إلى التوصل لاتفاق عادل ومتوازن يحفظ حقوق جميع الأطراف.

ودعا السيسي خلال الكلمة، المجتمع الدولي للاضطلاع بدور بناء لحث جميع الأطراف على التحلي بالمرونة سعيًا للتوصل لاتفاق مرضي للجميع. فيما تلى هذه الكلمة مباحثات مكثفة مع شركاء دوليين فتحت الباب لاحقًا لتدخل الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب لرعاية مفاوضات ثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا في نوفمبر من نفس العام.

ووجه ترامب وزير الخزانة الأمريكية والبنك الدولي برعاية جولات المفاوضات من أجل الوصول إلى اتفاق شامل وملزم، وانتهت الجولات بصياغة ما عُرف بـ”وثيقة واشنطن” في فبراير 2020، التي حددت قواعد ملء وتشغيل السد،  ووقعت عليها مصر بالأحرف الأولى، لكن أثيوبيا غابت عن التوقيع، لتتجمد المفاوضات.

 وفي سبتمبر 2020، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، أن إدارة ترامب قررت تعليق بعض المساعدات لإثيوبيا، بسبب عدم إحراز تقدم في المحادثات مع مصر والسودان، وقدرت بعض التقارير أن المساعدات المقتطعة تقل عن 130 مليون دولار.

 وفي نهاية ولايته الأولى في أكتوبر 2020، صرح ترامب بأن الموقف خطير جدًا، ومصر لن تستطيع الحياة بهذا الشكل، وقد تنتهي إلى تفجير السد، إذا لم تتوصل إلى اتفاق، وأثار هذا التصريح فضب الإدارة الإثيوبية التي أكدت أنه لا توجد قوة تمنعها من بناء وتشغيل السد.

 وبعدما عاد ترامب إلى الحكم في ولايته الحالية، أدلى بعدة تصريحات جديدة بشأن سد النهضة، بدأت في يوليو 2025، إذ قال خلال مؤتمر صحفي مع الأمين العام لحلف الناتو، إن الإدارة الأمريكية تعمل مع إثيوبيا لحل أزمة السد. 

 وبعد افتتاح سد النهضة رسميًا في سبتمبر العام الماضي،  قال ترامب إنه نجح في تجنب حرب محتملة بين مصر وإثيوبيا بسبب قضية سد النهضة، موضحًا: “لقد بنوا سدًا في إثيوبيا يؤثر على نهر النيل، وأعتقد أن هذه مشكلة كبيرة”. 

وفي يناير الماضي، عاد ترامب للحديث عن الوساطة بين مصر وإثيوبيا لحل النزاع، وكتب في رسالة إلى الرئيس المصري، نشرها على حسابه الرسمي على منصة “تروث سوشيال”: “أنا على استعداد لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة تقاسم مياه النيل بشكل مسؤول ونهائي”.

  

أمريكا لا تملك التأثير على إثيوبيا

 ويرى الدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة لا تتخطى كونها كلمات جوفاء لا معنى لها ولا تملك التأثير على إثيوبيا، وإلا كانت قد أحدثت تأثيرًا في المرات السابقة.

 ويضيف “زهران” في تصريح لـ”زاوية ثالثة”، أن حزب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (الإزدهار)، فاز بأغلبية برلمانية وصلت إلى 90%، في الانتخابات الأخيرة، ما يعني أن الشعب الإثيوبي معه، وسد النهضة مشروع قومي بالنسبة لهم، مؤكدًا أن مصر هي التي وافقت على بناء السد منذ البداية، ولو لم تكن تريده كان بإمكانها تدميره قبل أن يكون الحل العسكري كارثة كما هو الوضع الآن.

 وحاليًا، يصل منسوب المياه في بحيرة سد النهضة الإثيوبي إلى حوالي 625 مترًا فوق سطح البحر، وهو ما يعادل تخزينًا مائيًا ضخمًا يبلغ 42 مليار متر مكعب. وتشكل مياه السد قنبلة مائية لدولتي المصب مصر والسودان، وبالفعل شهدت السودان في موسم فيضان 2025، ارتفاعًا لمنسوب مياه نهر النيل لمستويات غير مسبوقة تسببت في فيضانات اجتاحت عدة ولايات، ما يعني أن التخوفات من سد النهضة حاليًا لا تتعلق فقط بانخفاض منسوب المياه في فترات الجفاف، ولكن أيضًا بمخاطر الفيضان في موسم الأمطار، وهذا ما أكدته وزارة الموارد المائية والري في تقرير لها بعد افتتاح سد النهضة في سبتمبر 2025،  مؤكدة أن سد النهضة يمثل خطرًا دائمًا ومستمرًا على دولتي المصب خلال فترات الجفاف والفيضان كذلك.

 ويقول “زهران” إن ما يجعل المصريون لا يشعرون بخطورة تخزين الكميات الهائلة من المياه خلف، هو بحيرة ناصر خلف السد العالي، التي تسد عجز المياه من حصة مصر السنوية من نهر النيل والمقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب، لكن بمجرد أن تنفذ البحيرة أو تصل لمرحلة الخطر، سيشعر الناس بالجفاف.

 ويشير “زهران” إلى ما وصفه بـ “السياسات المتناقضة”، فعلى سبيل المثال بعض الدول العربية ومنها الإمارات هي من تمول إثيوبيا وهي من تحاربنا في السودان، والآن مصر تقدم لها الموانئ والمطارات والشركات، ويضيف: “لا أزعم أنني أفهم مثل هذه التناقضات إلا أنها أوراق ضد الأمن القومي المصري، ومنها ورقة المياه”، مشيرًا إلى أنه لا توجد إرادة لحماية الأمن القومي المصري لأنه سيؤثر على المياه ولو لم يكن اليوم سيكون غدًا.

 ويقول الخبير السياسي إن مصر من صنعت أزمتها بيدها، لأن التوقيع على اتفاقية المبادئ عام 2015 التي تنصلت منها إثيوبيا كما اتهمتها مصر فيما بعد، لم تخضع لرقابة الشعب أو البرلمان، والآن لا داعي للتوسل للولايات المتحدة، فالسياسة لا يوجد فيها شيء بلا ثمن، وإن لجأنا إليها فهناك العديد من الملفات التي قد تضغط علينا بها منها: أزمة قطاع غزة، والغاز الإسرائيلي، وتسليح دول الخليج، وكلها ملفات شائكة تتعلق بمصر.

 ويؤكد “زهرا أنه لا يرى أن في يد الولايات المتحدة أوراقًا للضغط على إثيوبيا، كذلك لا تملك مصر أوراقًا للضغط على الولايات المتحدة لفرض حل لمشكلة سد النهضة على جميع الأطراف.

 

نوصي للقراءة: لمشروع سكة حديد طلبه كامل الوزير.. نزع 87 فدانًا في سيناء يضع أهالي المقاطعة والخرافين أمام إخلاء ثالث

الضغط الاقتصادي هو الحل المتبقي

 ويتفق مع زهران، أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، إذ يؤكد أن التصريحات الأمريكية لم تترجم خلال الفترة الأولى ولا الثانية لرئاسة دونالد ترامب، لسياسات محددة، وبالتالي فهي مجرد “كلام”، رغم اعترافه بقدرة الولايات المتحدة على الضغط على إثيوبيا كونها بلد تمتلئ بالمشكلات، لكن في الوقت ذاته لماذا تتحرك الولايات المتحدة وأصحاب الشأن لا يفعلون شيئًا؟

ويضيف “صادق” لـ”زاوية ثالثة”، أن الكثير من دول العالم تحدثت عن دعمها لمصر في موقفها بشأن سد النهضة، لكنها لم تترجم هذا الدعم لأفعال، ومن بينها الاتحاد الأوروبي الذي تربطه بمصر علاقات قوية لكنه لم يوقف التجارة مع إثيوبيا، ودول الخليج لا تزال تستثمر في إثيوبيا، وحتى وصل الأمر لمجلس الأمن مرتين، وهو إجراء بالغ الصعوبة وكان يوصف بالانتصار السياسي، إلا أنه انتهى بهزيمة عندما تجاهلت روسيا والصين تحويله لقضية بسبب استثماراتهما في أديس أبابا.

 ويتابع أن الخطأ من البداية كان بتوقيع اتفاق مبادئ وثيقة سد النهضة، الذي لولاه لم تجد إثيوبيا الدعم الدولي والتكنولوجي بالشكل الذي حدث، فالكثير من الشركات كانت ستتخوف من مساندة السد بسبب المشكلات القانونية، أما الآن فنحن من فرطنا في حقنا، وليس أمامنا سوى سلاح الضغوط الاقتصادية، فالحل العسكري حاليًا صار مستبعدًا.

 ويوضح “صادق” أن مصر لا تزال تستخدم الأسلوب الدبلوماسي وسياسة النفس الطويل، ودخلت في تكتيك آخر بمنع إثيوبيا من الحصول على ميناء البحر الأحمر، وبإمكانها الآن التحرك على المستوى الاقتصادي من خلال إقناع الدول بوقف التجارة مع معها إن أمكن. موضحًت أن هناك فكرة لوقف مرور الصادرات الإثيوبية من البحر الأحمر عن طريق قناة السويس، لكن وفقًا لاتفاقية القسطنطينية تشترط ألا يتم اللجوء لهذا الحل إلا في حالة حرب، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

 وتبذل إثيوبيا منذ عام 1993، مساع متواصلة للوصول لمنفذ على البحر الأحمر، وتقابلها مصر بمساع أخرى لإحباط مستهدفها، من خلال عقد لقاءات مع مسؤولين في إريتريا، الجارة الشمالية لها، ثم اليمن، البوابة الاستراتيجية بالبحر الأحمر، تؤكد خلالها رفض دخول دول غير مشاطئة على ذلك البحر لاعتبارات أمنها القومي.

 وفي عام 2024، بعدما اعترفت إثيوبيا بأرض الصومال كدولة مستقلة، وقعت معها اتفاقًا وصفته بالتاريخي، ينص على موافقة الأخيرة تأجير أكثر من 12 ميلًا من الوصول البحري في ميناء بربرة لمدة 50 عامًا، مع إمكانية التمديد للبحرية الإثيوبية للاستغلال العسكري والتجاري، وهو الاتفاق الذي رفضته مصر، مطالبة أديس أبابا بالامتناع عن الانخراط في إجراءات أحادية تزيد من حدة التوتر، وتعرض مصالح دول المنطقة وأمنها القومي للمخاطر والتهديدات.

 ورغم اعتماد إثيوبيا حاليًا بشكل رئيسي على ميناء جيبوتي، المطل على البحر الأحمر المرتبط بقناة السويس، إلا أن مصر لا تملك وقف مرور تجارتها من القناة بحكم اتفاقية القسطنطينية 1888، والتي تنص على “ألا تمس بأي شكل حرية استخدام القناة، سواء في وقت الحرب أو السلم، ولا تخضع القناة أبدًا لمباشرة حق الحصر”، لكن المادة العاشرة “تتيح لمصر اتخاذ تدابير استثنائية تراها ضرورية لضمان الدفاع عن أراضيها وحفظ الأمن العام”.

وتكشف التصريحات الأمريكية الأخيرة أن ملف سد النهضة لا يزال حاضرًا على أجندة القوى الدولية، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم مؤشرات كافية على اقتراب استئناف مسار تفاوضي قادر على كسر الجمود الممتد منذ سنوات. وبينما تبدو خيارات القاهرة أكثر تعقيدًا بعد اكتمال بناء السد وتشغيله، يظل الرهان على أدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، إلى جانب التحركات الإقليمية، هو المسار الأكثر واقعية في ظل استبعاد الخيارات العسكرية وغياب إرادة دولية لفرض تسوية ملزمة على جميع الأطراف.

ياسمين علي
صحفية مصرية، متخصصة في ملفي التعليم والاقتصاد، عملت في مواقع محلية وإقليمية ودولية.

Search