لمشروع سكة حديد طلبه كامل الوزير.. نزع 87 فدانًا في سيناء يضع أهالي المقاطعة والخرافين أمام إخلاء ثالث

قرار حكومي بنزع 87 فدانًا في سيناء لمشروع سكة حديد يضع قرى رفح والشيخ زويد أمام موجة إخلاء ثالثة، مقابل تعويض مبدئي 570 مليون جنيه.
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

يواجه السكان في عدد من قرى رفح والشيخ زويد، بمحافظة شمال سيناء، ضغوطًا متزايدة منذ يونيو 2026، لدفعهم نحو مغادرة أراضيهم الزراعية ومساكنهم، وسط تجريف لمساحات من أشجار الزيتون والفاكهة، وخلع لألواح الطاقة الشمسية المسؤولة عن تشغيل منظومة الري، وإزالة لعدد من العشش التي يقطنون بها.

ويتعرض السكان في قريتي الخرافين والمقاطعة لحملات ميدانية متكررة من قوات عسكرية تابعة لمعسكر الزهور، أحد معسكرات الجيش الثاني الميداني في مدينة الشيخ زويد، منذ مطلع يونيو، وتلقوا في الوقت نفسه أوامر شفهية بالإخلاء الفوري للمنطقة وتهديدات بالاعتقال، وبحسب شهود عيان، فإن عشرات الأسر اضطرت بالفعل للمغادرة.

وإثر تلقيهم إنذارًا شفويًا من السلطات في 20 يونيو بمغادرة القرية خلال 24 ساعة، وجّه سكان قرية المقاطعة، الواقعة جنوبي مدينة الشيخ زويد، نداء استغاثة إلى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لوقف إخراجهم من بيوتهم ومزارعهم بالقوة، كاشفين أن عددهم يزيد على 2000 أسرة باتوا في العراء.

وفي بيانٍ لهم في 21 يونيو، أكد الأهالي أنهم عادوا إلى قرية المقاطعة منذ نحو ثلاث سنوات، بعد انتهاء الحرب على الإرهاب، وزرعوا الأرض بأشجار الزيتون والخوخ والرمان حتى أصبحت جنة خضراء، لكنهم فوجئوا هذه الأيام بإخراجهم من بيوتهم ومزارعهم وكل ما يملكون بالقوة.

ويروي عيسى همام (اسم مستعار)، أحد سكان قرية المقاطعة التابعة لمركز الشيخ زويد، أن الأوضاع الأمنية في شمال سيناء شهدت تحسنًا كبيرًا بعد القضاء على الإرهاب، وهو ما شجع الأهالي على استصلاح أراضيهم الزراعية والعودة إلى الاستثمار فيها منذ نحو ثلاث سنوات، وأنفقوا أموالًا على تطوير مزارعهم عبر تركيب أنظمة الطاقة الشمسية وإنشاء شبكات ري حديثة، في ظل تأكيدات رسمية بأن سيناء أصبحت منطقة آمنة ومستقرة، لكنهم فوجئوا مؤخرًا بمطالبتهم بمغادرة أراضيهم.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الأهالي يرفضون انتزاع أراضيهم أو نقل ملكيتها إلى جهات أخرى، ونحن على استعداد للتعاون مع الجهات المختصة في تنفيذ المشروعات والخدمات الفنية، لكن دون التفريط في حقوقنا، ويجب تمكين المواطنين من العودة إلى جميع مناطق مدينة رفح وقرى الشيخ زويد”.

ويتساءل: من المستفيد من ترك هذه المناطق خالية؟ محذرًا من أن أي نزاع بين المواطنين والمؤسسات الحكومية في هذه المنطقة لن يخدم المصلحة العامة.

ويشير إلى أن بعض سكان رفح والشيخ زويد الذين سبق تهجيرهم أثناء الحرب على الإرهاب حصلوا على تعويضات مالية، إلا أن شريحةً كبيرةً من المهجرين لا تزال تعاني أوضاعًا معيشيةً صعبةً، ويعيش كثيرٌ منهم تحت خط الفقر في محافظات مختلفة، فضلًا عن معاناتهم أثناء التنقل عبر الأكمنة والأنفاق والمعديات.

ويشدد على أن ملكية الأراضي تعود إلى الأسر السيناوية منذ مئات السنين، وأنها حقٌّ من حقوق المواطنة، مؤكدًا أن القضاء على الإرهاب بجهود القوات المسلحة وأبناء القبائل يجب أن يتبعه تمكين الأهالي من العودة إلى جميع قرى ومدن رفح، مع تعويض من تعرضوا للتهجير منذ أكثر من عشر سنوات.

وفي الوقت نفسه، تؤكد مصادر محلية أن سكان قرية الخرافين، التابعة لمركز رفح بشمال سيناء، يواجهون ضغوطًا من السلطات لطردهم منها، ويروي سلام صابر، أحد سكان القرية، كيف اضطر إلى مغادرة منزله وأرضه في مدينة رفح منذ عام 2014، وفقد جميع ممتلكاته خلال سنوات التهجير.

ويضيف أنه خُصص له تعويض منذ عام 2014، إلا أنه لم يحصل عليه حتى الآن، مشيرًا إلى أن التأخير أفقد التعويض جزءًا كبيرًا من قيمته نتيجة التغيرات الاقتصادية وارتفاع الأسعار على مدار السنوات الماضية، منتقدًا تهجير المواطنين دون توفير مساكن بديلة.

ويكشف عن مشاركته، إلى جانب عددٍ من أبناء المنطقة، في دعم جهود القوات المسلحة خلال العمليات العسكرية لمكافحة الإرهاب، وبعد تحسن الأوضاع الأمنية عاد مع أهالي القرى إلى أراضيهم في عام 2023، وأعادوا زراعتها وإعمارها بجهودهم الذاتية، حتى عادت مظاهر الحياة تدريجيًّا إلى المنطقة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “السكان فوجئوا بعد ذلك بإنذارات تمنحهم مهلة لا تتجاوز 24 ساعة لإخلاء الأراضي وإزالة ما أُنجز من أعمال الإعمار، لتُنسف جهود السنوات الماضية”.

ويؤكد أن الأهالي تلقوا وعودًا من المسؤولين، خلال فترة العمليات الأمنية في سيناء، بإعادتهم إلى منازلهم وأراضيهم عقب القضاء على الإرهاب، متسائلًا عن أسباب مطالبتهم بمغادرة المنطقة مرةً أخرى، ومطالبًا السلطات بتوضيح مبررات هذه الإجراءات وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين قبل تنفيذ أي عمليات إخلاء.

 

نوصي للقراءة: جرافات التنمية تقتحم حي الريسة في العريش

الممر اللوجستي طابا – العريش

وتعود الأزمة إلى صدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1031 لسنة 2026، بشأن نزع ملكية نحو 87 فدانًا من المنازل ومزارع الزيتون بشمال سيناء، المنشور بالجريدة الرسمية في العدد 19 الصادر في 9 مايو 2026، بناءً على طلب من كامل الوزير، وزير النقل، لإنشاء المرحلة الأولى من خط سكة حديد (الفردان/بئر العبد/العريش/طابا) في المسافة من بئر العبد حتى العريش، ومسار وصلتَي بالوظة (ميناء شرق بورسعيد) وميناء العريش بنطاق محافظة شمال سيناء.

وبحسب المذكرة الإيضاحية للقرار، كلّف مجلسُ الوزراء الهيئةَ العامة للطرق والكباري بتنفيذ أعمال الجسر الترابي والأعمال الصناعية لمشروع إنشاء خط سكة حديد بئر العبد – العريش – طابا، وتبيّن وجود بعض التعارضات التي منعت تنفيذ المرحلة الأولى من الخط في المسافة من بئر العبد حتى العريش، ومسار وصلتَي بالوظة وميناء العريش بنطاق المحافظة، وهو ما يستلزم نزع ملكيتها حتى يتسنى استكمال المشروع.

وذكر التقرير الاستشاري للهيئة المصرية العامة للمساحة أن قيمة التعويض المبدئي المقرر لنزع الملكية اللازمة لتنفيذ المشروع تُقدر بنحو 570 مليون جنيه، وأرسلت الهيئة 31 كشفًا معتمدًا من مديرية المساحة بالإسماعيلية، تتضمن حصرًا لأسماء الملاك الظاهرين للمساحات المطلوب نزع ملكيتها لصالح المشروع، إضافة إلى 5 خرائط مساحية معتمدة.

خريطة نشرتها الجريدة الرسمية للأراضي التي يمر بها المشروع

وتستند الحكومة في قرارها بنزع ملكية تلك الأراضي إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 836 لسنة 1997، بطول 225 كم، الذي اعتبر الأراضي البالغ إجمالي مساحتها 2450 فدانًا، والواقعة بنواحي (الفردان – القنطرة شرق – جلبانة – رمانة – نجيلة – بئر العبد – مصفق – مزار – الميدان – المساعيد – العريش – الشيخ زويد – رفح)، من أعمال المنفعة العامة، والذي سبق نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 21 أبريل 1997.

وكانت وزارة النقل قد كشفت في 25 أبريل 2025 عن عزمها إنشاء الممر اللوجستي طابا – العريش، وميناء طابا البحري، ووصلة شرق التفريعة، ومشروعات الموانئ الجافة والمناطق اللوجستية في (القنطرة/بئر العبد/العريش/بغداد/الحسنة/النقب/طابا)، إضافة إلى عدد من مشروعات السكك الحديدية.

وقبيل ذلك أصدر رئيس الجمهورية القرار رقم 736 لسنة 2025، المنشور في الجريدة الرسمية (العدد 52 تابع “ج” الصادر في 25 ديسمبر 2025)، بتخصيص عدد من قطع الأراضي في شمال سيناء لصالح الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة، بهدف إقامة مناطق لوجستية وخدمية.

وشمل القرار تخصيص مساحة تُقدر بنحو 603.13 فدانًا بالقرب من مدينة رفح، إلى جانب قطع أراضٍ أخرى في منطقتي الحسنة وبغداد، في إطار خطة الدولة لتطوير البنية التحتية وتعزيز النشاط اللوجستي بالمحافظة.

وفي 24 أبريل 2026، أعلنت وزارة النقل تخطيطها لإنشاء 7 ممرات لوجستية، من بينها الممر اللوجستي طابا – العريش، بهدف الإسهام في تنمية سيناء وربط مناطق الإنتاج الصناعي والزراعي بالموانئ البحرية على البحر الأحمر والبحر المتوسط، إضافة إلى إعادة تأهيل وتطوير وإنشاء خط «الفردان / شرق بورسعيد / بئر العبد / ميناء العريش / طابا» بطول 500 كم، والمناطق اللوجستية بمواقع (القنطرة شرق – العريش “رفح” – بغداد – الحسنة – النقب – طابا)، وميناء طابا البحري.

وتطرح الحكومة هذه المشروعات باعتبارها جزءًا من رؤية مصر 2030 لتحقيق التنمية الإقليمية، وتربطها بتعزيز التنمية الاقتصادية والعمرانية في شمال سيناء، وتؤكد أنها تمثل ترجمة عملية لسياسة الدولة الرافضة لمخططات التهجير، عبر توسيع الاستثمارات وإقامة مشروعات قومية في المناطق الحدودية.

وفي تعليقه على الأزمة، يرى إبراهيم عز الدين، مدير السياسات بديوان العمران، أن إعادة إخلاء مناطق عاد إليها السكان بعد سنوات من النزوح وأعادوا إعمارها بجهودهم الذاتية، تعكس غياب رؤية تنموية طويلة الأجل وتخبطًا في السياسات العامة. ويشير إلى أن المناطق الحدودية تتطلب معاملة خاصة، تأتي في مقدمة أولوياتها كفالة استقرار المجتمعات المحلية والسكان الأصليين، مؤكدًا أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل هذه المناطق يعرقل تحقيق تنمية مستدامة، ويحول دون الاستفادة الحقيقية من إمكاناتها.

ويرى أن السياسات الحالية تركز على سرعة تنفيذ المشروعات أكثر من تقييم آثارها بعيدة المدى، محذرًا من أن غياب إشراك السكان فيها يفضي إلى تنمية هشة ومشروعات قد لا تستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “ما يحدث في كثير من المشروعات هو إعلان صفة المنفعة العامة والبدء في نزع الملكيات دون إتاحة معلومات حول البدائل التي جرى تقييمها، رغم وجود خيارات قد تحد من تجريف الأراضي الزراعية أو المساس بالتجمعات السكنية”.

ويضيف: “التخطيط العمراني في مصر يعاني غياب منهجية المفاضلة بين البدائل، بما يحقق المنفعة العامة بأقل تكلفة اجتماعية واقتصادية وبيئية، وتنفيذ مشروعات البنية التحتية في المناطق المأهولة يجب أن يستند إلى دراسات اجتماعية واقتصادية وبيئية وجغرافية شاملة، مع وضع السكان في صدارة عملية التخطيط”.

ويوضّح أن نزع الملكية ليس إجراءً استثنائيًا في مصر، بل معمول به في مختلف دول العالم، كما تجيزه المعايير الدولية، لكن بشرط أن يظل في أضيق الحدود وألا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى. غير أن المشكلة تكمن في أن الحكومة وحدها هي التي تقرر توافر المنفعة العامة، بينما لا يتيح قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990 الاعتراض على هذا التقدير، وهو ما يجعل القانون منحازًا إلى السلطة التنفيذية.

ويطالب بتعديل القانون بحيث تخضع قرارات تقرير المنفعة العامة لرقابة قضائية، مع إلزام الحكومة بتقديم ما يثبت أن المشروع يحقق بالفعل المصلحة العامة قبل الشروع في إجراءات نزع الملكية.

بينما تؤكد المحامية الحقوقية مها أحمد أن أي قرار بإخلاء السكان أو نزع ملكياتهم يجب أن يسبقه مسار قانوني واضح يضمن حماية حقوق المواطنين، موضحة أن ذلك يشمل إعلانًا رسميًا ومسبقًا عن القرار، وحصرًا دقيقًا وشفافًا للأراضي والمنازل، وإتاحة الفرصة للاعتراض والتظلم، وإجراء مشاورات حقيقية مع السكان، فضلًا عن تقدير تعويض عادل يُصرف قبل تنفيذ الإخلاء.

وتشير إلى أن الدستور المصري يحمي الملكية الخاصة ولا يجيز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، كما ينظم القانون رقم 10 لسنة 1990 إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “إخلاء السكان بعد عودتهم إلى مناطقهم وإعادة إعمارها بجهودهم الذاتية يضاعف حجم الضرر الذي لحق بهم، خاصة إذا تم دون توفير مساكن بديلة ملائمة، أو تعويضات عادلة، أو اتباع إجراءات قانونية واضحة”.

وتوضح أن الحق في السكن لا يقتصر على وجود مسكن فحسب، بل يشمل أيضًا الأمان القانوني، والارتباط بمصادر الرزق، والعلاقات الاجتماعية التي نشأت حول الأرض، بما يجعل أي مساس بهذه العناصر انتهاكًا لحق السكان في الاستقرار.

وتضيف: “إذا صحت روايات الأهالي بشأن تعرضهم لإخلاءات مفاجئة أو ضغوطٍ لإجبارهم على المغادرة دون إخطار كافٍ أو تعويضات أو بدائل مناسبة، فإن ذلك يثير شبهة عدم توافق هذه الإجراءات مع التزامات مصر الدستورية والدولية”.

وتلفت إلى أن لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تعتبر الإخلاء القسري، كقاعدة عامة، غير متوافق مع أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلا في حالات استثنائية تُستوفى فيها ضمانات صارمة، تشمل التشاور مع السكان، والإخطار المسبق، والتعويض العادل، وتوفير بدائل تحول دون التشرد.

وتتابع: “المبادئ الأممية المنظمة لعمليات الإخلاء المرتبطة بالتنمية تنص على أن أي تهجير بسبب المشروعات التنموية يجب أن يظل إجراءً استثنائيًا، وأن يتم بأوسع مشاركة مجتمعية ممكنة، ودون أن يؤدي إلى تشريد السكان أو حرمانهم من مصادر رزقهم”.

وتشدد على أن مفهوم المنفعة العامة لا ينبغي أن يكون فضفاضًا أو مفتوحًا للتفسير، وإنما يجب أن يستند إلى ضرورة حقيقية، وأن يثبت عدم وجود بدائل أقل ضررًا يمكن من خلالها تنفيذ المشروع.

وتبيّن أن مشروعية قرارات نزع الملكية لا تُقاس فقط بصدور قرار إداري، وإنما أيضًا بعدالة الإجراءات، وشفافية المعلومات، وتمكين المتضررين من الطعن على القرارات، والحصول على تعويضاتهم قبل تنفيذ الإخلاء، بما يضمن ألا يتحمل السكان وحدهم تكلفة مشروعات التنمية.

وترى أن تحقيق التوازن بين التنمية وحقوق السكان يتطلب إشراك المجتمعات المحلية منذ مرحلة إعداد المشروعات، لا بعد اتخاذ القرار، عبر عقد جلسات استماع علنية، ونشر الخرائط والكشوف الخاصة بالمشروعات، وتمكين الأهالي من تقديم اعتراضاتهم، وتشكيل لجان مستقلة لتقدير التعويضات، إلى جانب توفير بدائل سكنية وزراعية ملائمة وقريبة من مناطقهم الأصلية.

 

نوصي للقراءة: مئات المُهجرين من حدود سيناء يطالبون بـ”حق العودة” إلى قراهم


تحذيرات حقوقية من التهجير القسري

بدورها، أعربت 8 منظمات حقوقية عن بالغ قلقها إزاء ما وصفته بالممارسات والإجراءات التي تتخذها قوات الجيش المصري لإجبار سكان قريتي الخرافين والمقاطعة بشمال سيناء وتجمعات سكانية في رفح والشيخ زويد على مغادرة أراضيهم، التي عادوا إليها مؤخرًا بعد سنوات من النزوح والتهجير الناجم عن العمليات العسكرية في شمال سيناء، فأعادوا إعمارها بجهودهم الذاتية.

وفي بيان صادر عنها في 23 يونيو 2026، قالت المنظمات الموقعة: “إن أي مشروعات أو ترتيبات ذات طابع أمني أو تنموي لا ينبغي أن تتم على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين أو دون إشراكهم بصورة فعّالة في القرارات التي تمس مستقبلهم ومصير أراضيهم ومجتمعاتهم المحلية”، معتبرة أن التعويضات المالية لا تشكل بديلًا كافيًا في الحالات التي ترتبط فيها الأرض ارتباطًا وثيقًا بمصادر الرزق والهوية والانتماء الاجتماعي، لا سيما في المجتمعات البدوية والقبلية التي تعتمد حياتها بصورة مباشرة على الزراعة والأرض.

وأكدت المنظمات الموقعة أن أي إجراءات تهجير أو إخلاء في شمال سيناء يجب أن تلتزم بـالدستور المصري والمعايير الدولية، مشيرة إلى أن المادة (63) من الدستور تحظر التهجير القسري، بينما تكفل المادة (78) الحق في السكن الملائم والآمن.

وأوضحت أن غالبية الأسر المهددة بالإخلاء سبق أن نزحت منذ عام 2014 بسبب العمليات العسكرية، قبل أن تعود خلال السنوات الأخيرة وتعيد إعمار مناطقها، محذرة من أن تهجيرها مجددًا دون مبررات قانونية وضمانات للحماية والتعويض والبدائل المناسبة يمثل انتهاكًا لحقها في العودة والاستقرار.

كما أشارت إلى أن خبراء الأمم المتحدة أعربوا، في خطابين خلال عامي 2024 و2026، عن مخاوفهم من أوضاع النزوح في شمال سيناء، ودعوا إلى حماية السكان وممتلكاتهم وتوفير التعويضات والسكن البديل.

وطالبت المنظمات بوقف إجراءات الإخلاء، والإفصاح عن مبرراتها، ومنع الإكراه، وضمان الحوار مع الأهالي، وتعويض المتضررين، واحترام حق السكان في العودة والاستقرار، مؤكدة أن تنمية شمال سيناء لا تتحقق إلا عبر سياسات شفافة تحترم حقوق السكان.

وفي السياق ذاته، تؤكد إيمان جاد، مديرة وحدة التوثيق بمؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، أن مطالبة أهالي قرى رفح والشيخ زويد بإخلاء منازلهم وأراضيهم غير متوافقة مع القانون، في ظل غياب إعلان رسمي يوضح الأساس القانوني للإجراءات، وعدم توفير بدائل مناسبة أو تعويضات مسبقة.

وتوضح أن المادة (63) من الدستور المصري تحظر التهجير القسري التعسفي بجميع صوره، وتعتبر مخالفته جريمة لا تسقط بالتقادم، كما تكفل المادة (78) الحق في السكن الملائم والآمن، بينما تحمي المادة (35) الملكية الخاصة، ولا تجيز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا وفقًا للقانون.

تقول لـ”زاوية ثالثة”: “أي إجراءات تؤدي إلى إخراج المواطنين من مساكنهم أو أراضيهم يجب أن تستند إلى سند قانوني واضح، وأن تراعي ضمانات الإخطار والشفافية والتعويض والبدائل المناسبة، لا أن تعتمد على أوامر شفهية أو إجراءات ميدانية، وما يتعرض له أهالي القرى، إذا ثبتت الوقائع كما يرويها السكان، لا يتوافق مع الضمانات الدستورية”.

ولا تختلف إيمان على حق الدولة في تنفيذ مشروعات تنموية أو قومية تحقق المنفعة العامة، وفق ما ينظمه القانون المصري، شريطة الإعلان المسبق عن أسبابها، والتشاور مع المتضررين، وتحديد التعويضات بصورة عادلة وشفافة، وتوفير البدائل المناسبة قبل تنفيذ الإخلاء.

وتضيف: “هذه الضمانات تتوافق مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يعتبر التهجير القسري إجراءً استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا بعد استنفاد جميع البدائل، مع ضمان عدم تعرض السكان للتشرد أو فقدان مصادر رزقهم”.

وتلفت إلى أن أهالي القرى المعنية عادوا إلى مناطقهم بعد انتهاء الظروف الأمنية التي أدت إلى نزوحهم، وأعادوا إعمار منازلهم واستصلاح أراضيهم، وهو ما يفرض على الدولة، عند اتخاذ أي إجراءات جديدة، مراعاة هذه الوقائع واحترام الضمانات الدستورية المتعلقة بحقوق الملكية والسكن وعدم التهجير التعسفي.

كما تشير إلى أن المعايير الدولية تلزم السلطات بتمكين النازحين من العودة إلى مناطقهم بعد زوال أسباب النزوح، وألا يُعاد تهجيرهم إلا عند وجود ضرورة حقيقية، وبعد توفير جميع الضمانات، بما في ذلك البدائل المناسبة والتعويضات الفعالة وضمان استمرار مصادر الرزق والخدمات الأساسية.

وتُحذّر من أن تكرار النزوح يضاعف الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على الأسر، وهو ما ينبغي أخذه في الاعتبار عند التعامل مع مجتمعات تعرضت بالفعل للتهجير أكثر من مرة خلال العقد الماضي.

وتوضح أن المواطنين يملكون، من حيث المبدأ، الحق في الطعن على القرارات الإدارية أمام محاكم مجلس الدولة إذا رأوا أنها صدرت بالمخالفة للقانون أو الدستور، كما يحق لهم المطالبة بالتعويضات متى توافرت شروطها القانونية، لكن الواقع في شمال سيناء يفرض تحديات عملية، منها خصوصية أنماط الملكية والحيازة، والقيود المرتبطة بالمناطق الحدودية، بما يصعّب على كثير من المواطنين إثبات حقوقهم أو الوصول إلى مسارات التقاضي بصورة فعالة.

وتتابع: “هناك تجارب سابقة، مثل قضية هدم حي ميناء العريش التي شهدت صدور حكم قضائي بوقف الهدم قبل استئناف الإزالات، وقضية احتجاجات حق العودة التي انتهت بإحالة عدد من المشاركين إلى القضاء العسكري رغم تلقيهم وعودًا سابقة، وقد خلقت هذه التجارب لدى كثير من الأهالي شعورًا بعدم جدوى اللجوء إلى المسارات القانونية أو التفاوض”.

وتشدد على أن للدولة الحق في اتخاذ ما تراه ضروريًا لحماية الأمن القومي أو تنفيذ المشروعات العامة، لكن في إطار من القانون والضرورة والتناسب والشفافية، وترى أن تحقيق هذا التوازن يقتضي الإعلان الواضح عن أسباب أي إجراءات استثنائية، وإشراك المجتمعات المحلية في الحوار، وإتاحة المعلومات، وضمان صرف التعويضات العادلة وتوفير البدائل المناسبة قبل تنفيذ أي إخلاء، مع احترام حق المواطنين في التظلم والطعن على القرارات.

وترى أن معالجة الأزمة تتطلب، إلى جانب المسار القضائي، إنشاء آلية إدارية واضحة وشفافة تتيح للسكان معرفة أوضاعهم القانونية وتسويتها والتظلم من القرارات التي تمس حقوقهم، مؤكدة أن إشراك سكان شمال سيناء في القرارات المتعلقة بمستقبل مناطقهم، واحترام ارتباطهم بأراضيهم ومصادر رزقهم، من شأنه أن يعزز الثقة بين المواطنين والدولة، بما يخدم أهداف الأمن والاستقرار والتنمية.

فيما يرى الكاتب والحقوقي السيناوي أحمد سلمان أبو معتق أن الأرض بالنسبة إلى أهالي رفح والشيخ زويد لا تمثل مجرد ملكية عقارية، وإنما تشكل جزءًا من تاريخهم وهويتهم وذاكرتهم الجماعية، مؤكدًا أن الارتباط بها حقٌّ إنساني أصيل تكفله القوانين والمبادئ الدستورية.

ويوضّح أن أهالي قرى المقاطعة والخرافين وغيرها من قرى جنوب رفح والشيخ زويد تحملوا تبعات الحرب على الإرهاب، وقدموا تضحيات كبيرة دعمًا لاستقرار الدولة، قبل أن يعودوا إلى قراهم ويعيدوا إعمارها وزراعة أراضيها بجهود ذاتية، محولين مساحات واسعة إلى مزارع وبساتين منتجة.

يقول في تدوينة له: “آلاف الأسر تواجه اليوم حالة من القلق بشأن مستقبلها، في ظل مخاوف من فقدان المنازل والأراضي الزراعية ومصادر الرزق”، داعيًا إلى تبني إجراءات واضحة وشفافة تراعي حقوق المواطنين وفقًا للقانون، مع اعتماد الحوار وسيلةً لمعالجة أي نزاعات أو ترتيبات تتعلق بالمنطقة، ومطالبًا رئيس الجمهورية ومحافظ شمال سيناء بالنظر في أوضاع الأسر المتضررة وإيجاد حلول تحقق المصلحة العامة وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق المواطنين وكرامتهم.

ويشير إلى أن هناك حيازة عشائرية متوارثة للأراضي في رفح والشيخ زويد منذ قرون، بدأت باتفاقية ترسيم الحدود المصرية العثمانية عام 1906، وصولًا إلى التشريعات المصرية، ومنها قوانين الإصلاح الزراعي والقرار الجمهوري رقم 2 لسنة 1969، الذي يعتبره إسهامًا في توثيق حقوق أهالي سيناء خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي، مضيفًا أن الأهالي بعد تحرير سيناء واصلوا التعامل مع مؤسسات الدولة عبر الحيازات الزراعية والتراخيص والمرافق الرسمية، التي تُعد قرائن على استقرار الحيازة واستمرارها.

ويشدد الحقوقي السيناوي على أن الحفاظ على حقوق السكان لا يتعارض مع حماية الأمن القومي، بل يعزز الثقة بين الدولة والمواطن، وأن ارتباطهم بأراضيهم لا ينفصل عن تاريخهم الاجتماعي والاقتصادي، مؤكدًا أن التهجير أو إزالة مظاهر العمران لا يغيّر ارتباط الأهالي بأرضهم، إذ إن مطلب العودة يظل حاضرًا لدى السكان الذين أعادوا إعمار قراهم بعد سنوات من التهجير.

نوصي للقراءة: منظمات حقوقية تطالب بـ”وقف القمع” ضد المُهجرين من سيناء والسماح لهم بالعودة إلى قُراهم

تقنين أوضاع العائدين

في السياق ذاته، يكشف النائب فايز أبو حرب، عضو مجلس الشيوخ، عن تلقيه مناشدات من أهالي بعض قرى رفح وجنوب الشيخ زويد الذين عادوا إلى أراضيهم بعد انتهاء العمليات العسكرية ضد التنظيمات المسلحة، وأعادوا زراعتها بجهودهم الذاتية، وأعربوا خلالها عن مخاوفهم من مطالبتهم بمغادرة تلك الأراضي.

ويبيّن، في تدوينة نشرها عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، أن كثيرًا من المواطنين عادوا إلى أراضٍ يؤكدون ملكيتهم لها، واستصلحوها وزرعوها في إطار جهود إعادة إعمار سيناء وتنميتها، قبل أن يتلقوا تنبيهات بضرورة إخلائها، وهو ما يستدعي، بحسب قوله، وضع إطار قانوني واضح ينظم أوضاعهم.

ويبدي استعداد الأهالي للالتزام بأي ضوابط أو اشتراطات تضعها الدولة لتقنين الأوضاع، بما يسمح باستمرار استصلاح الأراضي وزراعتها بصورة قانونية، ويسهم في دعم التنمية الاقتصادية بالمحافظة، داعيًا إلى الوصول إلى حل يحافظ على حقوق المواطنين ويتوافق مع اعتبارات الأمن القومي.

ويشير إلى أنه أثار هذه القضية خلال اجتماع عُقد قبل نحو شهر بحضور محافظ شمال سيناء وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ وممثلي الأجهزة التنفيذية، مطالبًا بعقد اجتماع موسع يضم المحافظ والنواب والأجهزة الأمنية لوضع آلية قانونية وتنظيمية لمعالجة أوضاع المواطنين الذين عادوا إلى أراضيهم عقب استعادة الأمن في شمال سيناء، وتقنين أوضاعهم بما يحقق التوازن بين الحفاظ على حقوقهم ومتطلبات الأمن القومي.

ومنذ أواخر عام 2013، دُمر ما لا يقل عن 12350 مبنى في محافظة شمال سيناء، معظمها منازل، وجُرف أو أُتلف نحو 14,300 فدانًا من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان وفقدانهم مساكنهم ومصادر رزقهم، واستمرت أعمال الهدم وتجريف الأراضي بعد عام 2020 في رفح والشيخ زويد والعريش.

وفي أغسطس 2023، نظّم المئات من أهالي رفح والشيخ زويد احتجاجات للمطالبة بالعودة إلى أراضيهم ومنازلهم التي هُجّروا منها، وبتوفير البدائل المناسبة والتعويضات العادلة، وبعد لقاءات وتعهدات من مسؤولين محليين وأمنيين بالنظر في مطالب الأهالي، اعتقلت السلطات العشرات من المشاركين في الاحتجاجات وأحالتهم إلى المحاكمة العسكرية في القضية رقم 80 لسنة 2023 جنايات عسكرية الإسماعيلية، وفي ديسمبر 2024 صدر عفو رئاسي بحق 54 من المحكوم عليهم في هذه القضية، بينما بقي آخرون رهن الاحتجاز.

بدوره، يؤكد النائب البرلماني إبراهيم أبو شعيرة أنه يجري اتصالات ولقاءات يومية مع المسؤولين لمتابعة التطورات المتعلقة بقرى المقاطعة والخرافين والشدايدة واللفيتات، مشددًا على أن مطلبه الرئيسي يتمثل في توفير بدائل واضحة للأهالي قبل اتخاذ أي إجراءات تمس أوضاعهم.

ويوضح، في تدوينة نشرها عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، أنه يتحرك عبر قنوات مختلفة بالتوازي مع جهود مشايخ القبائل للتواصل مع الجهات المعنية، معربًا عن أمله في التوصل إلى حل للأزمة وتوفير البدائل المناسبة.

وفيما تؤكد الحكومة أن مشروعات الممرات اللوجستية والبنية التحتية تمثل ركيزة لتنمية شمال سيناء وتعزيز مكانتها الاقتصادية، يرى أهالي القرى المتضررة أن التنمية لا ينبغي أن تأتي على حساب حقهم في الأرض والاستقرار، بعدما عاد كثير منهم إلى قراهم وأعادوا إعمارها عقب سنوات من النزوح.

وبين الرؤية الرسمية للتنمية ومطالب السكان بضمانات قانونية وبدائل عادلة، تظل الأسئلة المتعلقة بمستقبل آلاف الأسر، وآليات تقنين أوضاعها، وحدود التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحقوق المواطنين، مفتوحة في انتظار حسم رسمي يبدد حالة القلق ويحول دون تكرار موجات النزوح التي شهدتها شمال سيناء خلال العقد الماضي.

Search