يشهد نهر النيل انخفاضًا في منسوبه، متأثرًا بضعف الأمطار على الهضبة الإثيوبية وقلة التدفقات الموسمية، تزامنًا مع تراجع التصريفات من سد النهضة الإثيوبي؛ إذ انحسرت المياه بشكل تاريخي في عدة مناطق على طول ضفتي النهر بالسودان خلال يوليو الجاري، وظهرت جزر وألسنة رملية داخل مجراه، خاصة في ولاية النيل الأزرق، ومن الخرطوم إلى ولايتي نهر النيل والشمالية.
وكشفت وزارة الزراعة والري السودانية عن تراجع التصريفات الواردة إلى خزان الروصيرص بنحو 100 مليون متر مكعب يوميًا، وهبوط تصريفات خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يوميًا، وتسجيل مناسيب المياه في محطات القياس هبوطًا مؤقتًا بلغ في الروصيرص 1.50 متر، وود العيس 1.70 متر، وود مدني 1.60 متر، والخرطوم 1.08 متر، والحلفايا 94 سنتيمترًا، وشندي 54 سنتيمترًا.
وأثّر الانخفاض في ضخ محطات المياه المغذية لبعض مناطق الخرطوم وشمال السودان، وأدى إلى توقف أو تراجع إنتاج بعض محطات مياه الشرب، مثل الصالحة في أم درمان، وسط تحذيرات من تفاقُم الأزمة الإنسانية القائمة بسبب الحرب، إذ يزيد الجفاف من مخاطر النزاعات المسلحة في أفريقيا، التي شهدت القارة منها منذ عام 1989 نحو 94 نزاعًا مسلحًا بسبب المياه، وفقًا لمعهد أتلانتيك، أخطرها الحرب الموريتانية السنغالية بين عامي 1989 و1991.
وتُشكّل الكميات الواردة من مياه النيل إلى مصر خلال يوليو نحو 15% من إجمالي الإيراد السنوي البالغ 55.5 مليار متر مكعب، وهي تمثل أكثر من 95% من إجمالي الموارد المائية للبلاد. ورغم استقرار الحصة المائية نظرًا لعمل السد العالي صمامَ أمان، إذ تبلغ السعة التخزينية الكلية لبحيرة ناصر خلفه نحو 162 إلى 169 مليار متر مكعب، ويكفي هذا المخزون الاستراتيجي لسد احتياجات البلاد نحو خمس إلى سبع سنوات في حالات الشح أو الجفاف، فإن خبراء أبدوا مخاوف طويلة الأمد من سنوات عجاف محتملة قد تواجهها مصر والسودان بسبب التغير المناخي وتشغيل السد.

جفاف الموسم وتشغيل السد
يعزو الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة بجامعة القاهرة والخبير بالجمعية العمومية لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، الانخفاض الأخير في منسوب النيل بالسودان إلى عاملين رئيسيين تزامنا: استمرار إثيوبيا في إدارة وتشغيل سد النهضة بصورة منفردة، وتراجع معدلات الأمطار على الهضبة الإثيوبية نتيجة ظاهرة «النينيو الساخنة» التي تؤدي إلى هبوب رياح ساخنة على القرن الأفريقي والهضبة الإثيوبية، بما يحد من تكوّن السحب ويخفض كميات الأمطار، محذِّرًا من أن العام الحالي من السنوات العجاف التي تشهد إيرادات مائية أقل من المعتاد.
ويوضّح أن السنوات العجاف لا تأتي عادة متصلة، إذ إن التاريخ الهيدرولوجي لحوض النيل شهد حالات محدودة فقط من تعاقب عدة سنوات جافة، مستشهدًا بفترة الجفاف التي امتدت بين عامي 1981 و1988، مؤكدًا أن مخزون السد العالي آنذاك ساعد مصر على تجاوز الأزمة حتى عادت سنوات الفيضان المرتفع وعوّضت النقص.
وتُخلّف ظاهرة النينيو آثارًا واسعة في أفريقيا؛ إذ تضرب موجات جفاف حادة جنوب القارة، خاصة زيمبابوي وبوتسوانا وناميبيا وأنغولا وجنوب أفريقيا، فتتلف المحاصيل وتنفق الماشية ويتفاقم انعدام الأمن الغذائي، حتى بات نحو 2.4 مليون شخص في زيمبابوي يواجهون نقصًا حادًا في الغذاء، فيما تتسبب الظاهرة في المقابل بفيضانات وانهيارات أرضية في شرق أفريقيا. وقد حذّر كبير خبراء المناخ في بنك التنمية الأفريقي من أن النينيو قد تتسبب في خسائر تتراوح بين 10 و20 مليار دولار في الدول الأفريقية المتضررة، إلى جانب موجات هجرة جماعية وارتفاع حاد في أسعار الغذاء.
ويوضّح نور الدين أن انخفاض التصرفات الخارجة من سد النهضة حتى 20 يوليو إلى أقل من ربع المعدلات المعتادة، بحسب تقديره، يشير إلى أن إطلاق المياه يجري وفق قرارات تشغيلية إثيوبية منفردة، لا استنادًا إلى تنسيق مع السودان ومصر أو مراعاة لاحتياجات دولتي المصب، وهو ما انعكس على السودان في صورة تراجع المناسيب وتوقف بعض محطات مياه الشرب وتأثّر مناطق زراعية ورعوية تعتمد مباشرة على تدفقات النيل الأزرق.
ويقول لـ«زاوية ثالثة»: «إثيوبيا ما زالت تعطي الأولوية لإعادة ملء خزان سد النهضة لتعويض ما فقده خلال العام الماضي نتيجة تشغيل التوربينات والتبخر، قبل تمرير المياه إلى دولتي المصب، وهو ما يعكس غياب التوافق على قواعد التشغيل خلال الفترات الحرجة». ويشير إلى أن مصر طالبت في جولات التفاوض السابقة بأن يقتصر ملء الخزان وإنتاج الكهرباء في سنوات الجفاف على نحو 70 إلى 80% من السعة المعتادة، بحيث تتقاسم الدول الثلاث آثار نقص الإيراد، بدلًا من تحميل مصر والسودان وحدهما تبعات سنوات الجفاف.
ويؤكد أن التأثير المباشر على مصر يظل محدودًا في المدى القريب، نظرًا لاعتمادها على المخزون الاستراتيجي ببحيرة السد العالي، إذ ينعكس أي نقص في الإيراد في الوقت الحالي على منسوب البحيرة لا على الإمدادات اليومية للمواطنين، بينما يرى أن الأزمة لا تعكس تحولًا مناخيًا دائمًا في الحوض بقدر ما تكشف مشكلة في إدارة السد بصورة أحادية، وأن جوهرها غياب التنسيق وتبادل البيانات وعدم الاتفاق على قواعد ملزمة للتشغيل، خاصة خلال فترات الجفاف.
نوصي للقراءة: غرق أراضي الدلتا.. غياب التنسيق يضع مصر تحت رحمة «تشغيل النهضة الأحادي»

الجفاف يهدد شرق أفريقيا
يستمد النيل أكثر من 81% من إيراده السنوي من الجزء الغربي من إثيوبيا، بينما تأتي بقية الإيرادات من منطقة البحيرات الاستوائية، بحسب ما كشفه الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك في يونيو الماضي، مشيرًا إلى توقعات مركز التنبؤات المناخية التابع لمنظمة «إيجاد» (ICPAC) باحتمال انخفاض الأمطار على إثيوبيا خلال الموسم الممتد من يوليو إلى أكتوبر.
ومع ذلك، لا يعتقد شراقي في وجود مؤشرات علمية كافية لاعتبار انخفاض الأمطار المتوقع هذا العام بداية لفترة جفاف ممتدة، موضحًا أن سنوات الجفاف التاريخية تزامنت مع انخفاض الأمطار على الهضبة الإثيوبية والمنابع الاستوائية معًا، بينما تشهد بحيرة فيكتوريا هذا العام أمطارًا أعلى من المتوسط، وهو عامل مطمئن إلى جانب الوضع الجيد لمخزون السد العالي.
ويشير إلى أن حوض النيل شهد فترة جفاف بين عامي 1981 و1987 تأثرت بها معظم دوله، إلا أن السد العالي مكّن مصر من تجاوزها بالاعتماد على مخزون بحيرة ناصر، حتى انخفض منسوبها إلى نحو 150 مترًا، قبل أن يشهد عام 1988 فيضانًا استثنائيًا أعاد ملء البحيرة. ويوضّح أن معدلات الهطول ظلت منذ عام 1988 عند مستويات متوسطة أو أعلى من المتوسط على مدى نحو 39 عامًا، مع ارتفاع ملحوظ في إيرادات الفيضان خلال الفترتين (1998–2002) و(2019–2025)، لافتًا إلى الدور المحوري للسد العالي في تنظيم تدفقات النيل طوال العقود الماضية.
وكانت توقعات مركز «إيجاد» (ICPAC) قد رجّحت في مايو الماضي سيادة ظروف جافة وأقل من المعدل الطبيعي في معظم شمال ووسط شرق أفريقيا خلال يوليو 2026، مع درجات حرارة أعلى من المعتاد ونمط يقترب من تأثيرات النينيو القوية، وتوقّعت هطولًا دون المعدلات في معظم أراضي إثيوبيا والسودان وجنوب السودان وأوغندا وجيبوتي وإريتريا وأجزاء من غرب كينيا وساحلها، بأن تصل احتمالات الجفاف إلى ما بين 60% و80% في وسط وشمال شرق وغرب إثيوبيا وشمال أوغندا وجنوب السودان.
وتعاني مصر فقرًا مائيًا حادًا، إذ يبلغ نصيب الفرد حاليًا نحو 500 متر مكعب سنويًا، أي نصف «خط الفقر المائي» العالمي البالغ 1000 متر مكعب، فيما لا يتجاوز إجمالي الموارد المائية التقليدية نحو 60 مليار متر مكعب مقابل احتياجات تتخطى 114 مليار متر مكعب، وهو عجز ضخم تحاول الدولة تعويضه بإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي. وبلغ إجمالي الموارد المائية المتاحة لمصر، شاملةً إعادة الاستخدام، 81.63 مليار متر مكعب، ساهمت مياه النيل بنصيبها الأكبر بنحو 55.5 مليار متر مكعب عام 2023، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2024.
ويمكن لانخفاض قدره مليار متر مكعب فقط من مياه النيل المتدفقة إلى مصر أن يؤدي إلى فقدان 290 ألف شخص لوظائفهم، وتدهور 130 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وزيادة قدرها 150 مليون دولار في واردات الغذاء، وخسارة 430 مليون دولار من الإنتاج الزراعي، بحسب دراسة نشرتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة استنادًا إلى تقديرات أممية.
نوصي للقراءة: سد النهضة اكتمل وإثيوبيا لا تتفاوض.. فماذا تملك مصر؟

إدارة أحادية وتذبذب متزايد
يؤكد الدكتور ضياء القوصي، خبير الموارد المائية والمستشار السابق بوزارة الري، أن الانخفاض الأخير في مناسيب النيل بالسودان يرتبط مباشرة بطريقة تشغيل سد النهضة، إلى جانب تأخر الأمطار وقلتها في بداية الموسم المطري على الهضبة الإثيوبية، متهمًا أديس أبابا بأنها عمدت إلى تصريف جزء من المياه المخزنة أمام السد استعدادًا لموسم الفيضان الجديد، بعد أن انخفض المخزون نتيجة تشغيل التوربينات وفواقد التبخر.
ويوضّح أن معدلات الأمطار جاءت أقل من المتوسط في مايو ثم ارتفعت في يونيو، بينما تظل الصورة غير مكتملة بالنسبة ليوليو، ما يصعّب تقدير الإيراد النهائي للموسم. ويشير إلى أن تراجع الوارد اليومي إلى خزان الروصيرص من نحو 207 ملايين متر مكعب إلى 129 مليون متر مكعب يوميًا يعكس تأثير إدارة سد النهضة في المياه الواصلة إلى السودان، إذ يفرض على السدود السودانية الاحتفاظ بجزء من المياه لإعادة تكوين مخزونها، ومنها سد مروي، قبل تمريرها إلى المناطق أسفل النهر.
ويؤكد أن إنشاء سد النهضة غيّر طبيعة تدفقات النيل الأزرق، إذ صارت إثيوبيا تتحكم في كميات المياه المنصرفة إلى السودان ومصر عبر إدارة السد، بعدما كانت التدفقات تصل طبيعيًا وفق الإيراد السنوي، ما يجعل أي تأخر في موسم الأمطار أو انخفاض في معدلاته ينعكس على إمدادات دولتي المصب. ويرى أن الإدارة المنفردة قد تؤدي إلى سيناريوهين متناقضين: انخفاض حاد في الإمدادات خلال الجفاف، أو إطلاق كميات كبيرة خلال الأمطار الغزيرة بما يزيد مخاطر الفيضان في السودان، مشددًا على أن التنسيق بين الدول المتشاطئة هو الضمان الأساسي لإدارة مستقرة لتدفقات النيل الأزرق.
وبحسب تقديره، فإن مصر استنفدت على مدار السنوات الماضية مختلف المسارات التفاوضية والدبلوماسية والقانونية المتعلقة بالسد، مؤكدًا أن استمرار إدارته بصورة أحادية دون اتفاق ملزم لتبادل البيانات وقواعد التشغيل يزيد تعقيد الأزمة ويستدعي البحث عن وسائل أكثر فاعلية لحماية الحقوق المائية لدولتي المصب.
ورسميًا، كشف الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أن أمطار حوض النيل الأبيض خلال موسم مارس–مايو جاءت أعلى من المتوسط، بينما سجلت أمطار الهضبة الإثيوبية منذ بداية موسمها معدلات أقل من المتوسط بصورة طفيفة، لكنه رفض، في مداخلة هاتفية لبرنامج «يحدث في مصر»، وصف الوضع الحالي بالجفاف استنادًا إلى بيانات الفترة الأولى من موسم الفيضان، مؤكدًا أن السد العالي بقدراته التخزينية والتشغيلية يمثل الركيزة الأساسية للأمن المائي في مختلف السيناريوهات.
نوصي للقراءة: من «التمويل الغبي» إلى وعود بالحل… لماذا يتحدث ترامب عن سد النهضة الآن؟

زيادة مخاطر العجز المائي
وكانت صورة نشرتها «العربية» قد أظهرت وصول منسوب المياه في بحيرة سد النهضة إلى نحو 625 مترًا فوق سطح البحر، بما يعادل تخزينًا يقارب 42 مليار متر مكعب، في حين تبلغ السعة التخزينية الكاملة للبحيرة نحو 74 مليار متر مكعب، وهو تخزين ضخم يهدد دولتي المصب بانخفاض المناسيب في فترات الجفاف ومخاطر الفيضان في موسم الأمطار، كما حدث في السودان خلال فيضان 2025 حين ارتفع منسوب النيل إلى مستويات غير مسبوقة اجتاحت عدة ولايات. وكان سويلم قد أعلن في يوليو 2025 أن مصر تأثرت من ملء السد، وأن كل كمية مياه تُحتجز خلفه تُخصم من حصة مصر والسودان.
ويوضّح الدكتور محمد حافظ، أستاذ هندسة السدود بجامعة يونتن الماليزية، أن التشغيل الكامل للسد أحدث تحولًا جوهريًا في النظام الهيدرولوجي للنيل الأزرق، فلم تعد التدفقات تخضع بالكامل للدورة الطبيعية للأمطار، وإنما ارتبطت بدرجة كبيرة بسياسات التشغيل وقرارات الملء والتصريف، بعدما كان النهر يتسم بفيضانات موسمية واضحة وتذبذب طبيعي. ويشير إلى أن هذا النمط أضعف دور الري الفيضي الطبيعي، لا سيما في السودان، وغيّر توقيت وصول المياه إلى السدود السودانية والسد العالي، وقلّل كميات الطمي الواصلة إلى مجرى النهر، مع ظهور مؤشرات على انخفاض المناسيب قرب بعض مآخذ محطات مياه الشرب بين 7 و9 يوليو 2026.
ويؤكد أن غياب التنسيق الفني بين إثيوبيا ودولتي المصب يزيد المخاطر التشغيلية في ظل التغيرات المناخية، موضحًا أن تغير المناخ لا يؤدي إلى زيادة أو انخفاض ثابت في التدفقات، وإنما يزيد حدة التذبذب بين سنوات الفيضان الشديد وفترات الجفاف الممتد، ما يفرض قواعد تشغيل أكثر مرونة وسعات تخزينية قابلة للتكيّف وأنظمة إنذار مبكر وتنسيقًا إقليميًا أكفأ.
ويرى حافظ أن السيناريو الأقل خطورة يتمثل في زيادة التباين الموسمي مع انخفاض محدود في الإيراد السنوي، بينما الأشد يتمثل في استمرار الجفاف فتراتٍ أطول واتساع نطاق الأراضي المتضررة، بما ينعكس على الإنتاج الزراعي وإمدادات المياه والطاقة الكهرومائية، خاصة لمصر التي تعتمد شبه كليًا على النيل. ويضيف أن انتهاء الجفاف الممتد لا يعني عودة الأوضاع سريعًا، إذ ستحتاج السدود إلى إعادة تكوين مخزونها مع أول مواسم الفيضان الكبيرة، وهو ما قد يستغرق بين ثلاث وخمس سنوات بحسب شدة الجفاف ومدته، مؤكدًا أن السد العالي يظل خط الدفاع الرئيسي لمصر، وإن كان استمرار الجفاف مع غياب التنسيق قد يزيد مخاطر العجز مهما بلغت كفاءة إدارته.
وتؤكد الدكتورة باكيناز زيدان، أستاذة هندسة الموارد المائية والسدود بكلية الهندسة بجامعة طنطا، أن الانخفاض الأخير في مناسيب النيل بالسودان يرتبط جزئيًا بتشغيل سد النهضة، لكنه لا يُفسَّر بالسد وحده، إذ تتداخل معه معدلات الأمطار على الهضبة الإثيوبية، وتوقيت تشغيل التوربينات أو إيقافها، وعمليات ملء الخزان، فضلًا عن أسلوب تشغيل السدود السودانية مثل الروصيرص وسنار. وتشير إلى أن الانخفاضات المفاجئة قد تعكس تعديلات تشغيلية داخل السد، غير أن غياب البيانات اليومية يجعل من الصعب تحديد أسبابها أو التنبؤ بها.
وتوضّح أن حجم التأثير يعتمد على طريقة تشغيل السدود لا على وجودها فقط؛ فالسودان قد يشهد انخفاضًا في الإمدادات إذا استمر التخزين مع تراجع الإيراد الطبيعي، بينما يعتمد الوضع في مصر أساسًا على قدرة السد العالي على تعويض العجز، لكنها تُحذّر من أن استمرار الجفاف سنوات متتالية قد يستنزف جزءًا من المخزون الاستراتيجي، بما يستدعي إجراءات لإدارة الطلب تشمل رفع كفاءة الري والتوسع في إعادة استخدام المياه وترشيد الاستهلاك.
وترى زيدان أن تجربة السد أفرزت دروسًا فنية في إدارة السدود العابرة للحدود، في مقدمتها تبادل البيانات الهيدرولوجية والتشغيلية بانتظام، ووضع قواعد تشغيل متفق عليها خاصة في فترات الجفاف والفيضان، وتطوير نظم إنذار مبكر مشتركة، واستخدام نماذج محاكاة للسيناريوهات، وتشكيل لجنة فنية دائمة تضم خبراء الدول المعنية، بما يحقق استفادة متوازنة من الموارد ويحافظ على الأمن المائي لدول المنبع والمصب.
نوصي للقراءة: كيلو سمك واحد يكلّف البحر عشرة: حسابات الصيد الجائر في البحر الأحمر

فشل المفاوضات
في ديسمبر 2023، أعلنت القاهرة رسميًا فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات التي استمرت أربعة أشهر في التوصل إلى أي اتفاق بشأن أزمة سد النهضة، مؤكدة أن أديس أبابا استغلت مسار التفاوض غطاءً لفرض سياسة الأمر الواقع دون مراعاة لمصالح دولتي المصب، وأنها ستواصل مراقبة عمليات الملء والتشغيل مع احتفاظها الكامل بحقها في الدفاع عن أمنها المائي.
وسبق ذلك توقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي في الخرطوم «إعلان مبادئ» مع إثيوبيا والسودان في مارس 2015، نصّ على التزام إثيوبيا بمراعاة احتياجات مصر والسودان المائية وتجنب إلحاق أي أضرار جسيمة بهما خلال بناء السد وملئه، إلا أن الممارسات الإثيوبية اللاحقة خالفت هذا الالتزام. وفي يونيو 2021، لجأت مصر إلى مجلس الأمن الدولي لحشد موقف دولي يضغط على إثيوبيا، غير أن المجلس اكتفى بحثّ الدول الثلاث على مواصلة التفاوض تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، وهو ما رأت فيه مصر والسودان موقفًا لا يرقى إلى مستوى خطورة التهديد.
في المقابل، تتمسك إثيوبيا بأن السد مشروع تنموي لتوليد الكهرباء يخدم نحو مئة مليون نسمة يفتقر نصفهم تقريبًا إلى الكهرباء، وأنها موّلته ذاتيًا عبر سندات حكومية وتبرعات المواطنين، وقد وصفه رئيس وزرائها آبي أحمد، عند افتتاحه رسميًا في سبتمبر 2025، بأنه «ليس تهديدًا، بل فرصة مشتركة» لدول حوض النيل، مؤكدًا استعداد بلاده للتعاون البنّاء مع دولتي المصب.
ويؤكد السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن مفاوضات سد النهضة متوقفة منذ آخر جولة ولم تُستأنف، رغم بعض التحركات السياسية، ومنها إبداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتمامًا بإيجاد حل، وطرح المبعوث الأمريكي الخاص مسألة السد خلال زياراته إلى مصر، دون أن يترجم ذلك إلى تقدم عملي.
وكان ترامب قد تحدث عن الأزمة في أغسطس 2025، قائلًا إن «إثيوبيا بنت السد بأموال الولايات المتحدة إلى حد كبير»، وإنه «واحد من أكبر السدود في العالم»، مضيفًا أنه «لا يسمح بمرور الكثير من المياه إلى نهر النيل»، وأن مصر «غير سعيدة بذلك لأنها تعتمد في حياتها على النيل»، معربًا عن اعتقاده بأن «هذا الأمر سيُحل على المدى الطويل». ويُشار إلى أن سد النهضة مُموَّل ذاتيًا من إثيوبيا عبر سندات حكومية وتبرعات مواطنيها، لا بأموال أمريكية كما ذكر ترامب.
ويرى السفير أن الموسم الحالي يُعد أول اختبار حقيقي لتأثير السد في ظل توقعات بانخفاض الفيضان، بعد نحو تسع سنوات اتسمت بفيضانات مرتفعة، ثلاث منها استثنائية، لكنه يقول لـ«زاوية ثالثة»: «من المبكر الجزم بما إذا كان انخفاض الفيضان هذا العام حالة استثنائية أم بداية لمرحلة ممتدة، وآثار التخزين في السد على المياه الواصلة إلى مصر والسودان ستتضح مع الوقت، ولا يمكن الآن تحديد مدى انعكاس ذلك على حصة مصر».
ويشير إلى أن انخفاض المنسوب قد يفاقم الأوضاع الإنسانية في السودان، خاصة في المناطق الريفية التي يعتمد سكانها على الزراعة المرتبطة بمياه الفيضان، بما ينعكس سلبًا على الأمن الغذائي والثروة الحيوانية. ويوضّح أن العلاقات السودانية الإثيوبية تشهد توترًا، في ظل اتهامات بمرور أسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية، إلى جانب توترات إثيوبيا مع إريتريا وإقليم تيغراي.
ويبيّن أن موقف السودان من السد لم يكن متطابقًا بالكامل مع الموقف المصري، إذ ترى الخرطوم أنه قد يحقق لها مكاسب، منها تنظيم التدفقات بما يقلل آثار الفيضانات جنوبًا، والتوسع في الرقعة الزراعية وزراعة أكثر من محصول سنويًا، والاستفادة من كهربائه الأقل تكلفة، مستدركًا بأن هذه المكاسب لا تلغي تأثر السودان في سنوات انخفاض الفيضان، وهو ما بدأت مؤشراته تظهر بالفعل.
وبين الظواهر المناخية المتطرفة كالنينيو، وتراجع الأمطار على الهضبة الإثيوبية، واستمرار التشغيل الأحادي للسد، تواجه مصر والسودان بوصفهما دولتي المصب واقعًا مائيًا أكثر تعقيدًا مما عرفتاه خلال العقود الماضية. وبينما يحدّ المخزون الاستراتيجي للسد العالي من الآثار المباشرة على مصر في الوقت الراهن، يبدو السودان أكثر تعرضًا لتداعيات انخفاض التدفقات. ويجمع الخبراء على أن الخطر لا يكمن في موسم جفاف واحد، بل في غياب اتفاق ملزم يضمن تبادل البيانات وتنسيق التشغيل خلال سنوات الشح، بما يحول دون تحوّل التقلبات الطبيعية إلى أزمة مائية وإنسانية ممتدة في حوض النيل.