اشتباكات الوراق تتجدد.. الأهالي يتمسكون بـ«بيت مقابل بيت» ويرفضون نظام «المالك الظاهر»

أهالي الوراق يطالبون بضمان «بيت مقابل بيت» ووقف نظام «المالك الظاهر» بعد تجدد الاشتباكات.
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

تجددت المواجهات بين أهالي جزيرة الوراق وقوات الأمن، خلال الأسبوع الماضي، على خلفية الإجراءات الأمنية المشددة المفروضة على حركة التنقل عبر المعديات النيلية، في وقت يتمسك فيه السكان بحزمة مطالب حقوقية وقانونية، في مقدمتها تسوية أوضاعهم السكنية وفق ضمانات رسمية ملزمة، وإنهاء الملاحقات القضائية المترتبة على أحداث الجزيرة، ورفع التضييقات الأمنية التي تعوق حريتهم في الحركة.

ويوضح مصدر من أهالي الجزيرة لـ«زاوية ثالثة»، أن المواجهات الأخيرة اندلعت إثر توقيف أحد المواطنين يدعى طاهر الطويل على إحدى المعديات أثناء توجهه لإنهاء إجراءات استخراج شهادة وفاة لأحد أقاربه؛ إذ نشبت مشادة كلامية مع أحد أفراد القوة الأمنية المتمركزة في الموقع، تطورت إلى الاعتداء عليه بالضرب والسحل، ما استدعى تدخل الأهالي وتصاعد الموقف إلى اشتباكات مباشرة مع عناصر الأمن.

وتشير الشهادات الميدانية إلى أن هذه الواقعة ليست معزولة، بل تندرج ضمن نمط متكرر من الاحتكاك اليومي الذي تفرضه التدابير الأمنية؛ إذ تحولت المعديات، وهي الشريان الوحيد للاتصال بالخارج، من مرافق نقل حيوية إلى نقاط فرز أمني وتفتيش دائم تُحيط بها الحواجز الحديدية والكتل الخرسانية، وهو ما يُضاعف من حالة الاحتقان بين الأهالي والقوات المتمركزة.

وفي سياق متصل، بثّ المواطن عبد الله سعد مقطع فيديو وثّق فيه تعرضه لاعتداء مماثل على إحدى المعديات، متهمًا مأمور قسم شرطة الوراق وعددًا من الضباط والأفراد بالتدخل في مشادة لم يكن طرفًا فيها، والاعتداء عليه بالضرب المبرح والصعق بعصا كهربائية والسحل على الأرض.

ووضع سعد الواقعة ضمن ما وصفه بـ«النهج العقابي المستمر» ضد أهالي الوراق، مستحضرًا نماذج لحالات توقيف ومحاكمات يراها السكان مجحفة وانتقامية؛ ومن بينها صدور حكم قضائي بالسجن لمدة خمس سنوات بحق أحد أهالي الجزيرة على خلفية نزاع وواقعة ارتبطت بنقل "باب خشبي"، واحتجاز مواطن آخر لمدد تراوحت بين أربعة وخمسة أشهر إثر مشادة لفظية عارضة مع أحد الضباط.

وبناءً على ذلك، وجّه سعد دعوة إلى أهالي الجزيرة للتكاتف وتنظيم وقفة احتجاجية سلمية لإنهاء ما وصفه بـ«الكمين الأمني الدائم» المفروض على المعديات، مشددًا على أن تحركه لا يبتغي فقط رد اعتباره ومحاسبة المعتدين عليه، وإنما يهدف إلى إنصاف سائر الأهالي المتضررين من ممارسات التضييق والتنكيل المستمرة على المعابر.

وفي شهادة متقاطعة حول الحادثة ذاتها، روى محمد سعد، وهو أحد أبناء الجزيرة ومصاب نتيجة اشتباكات سابقة مع الأمن، ملابسات استهداف شقيقه عبد الله، مؤكدًا أن مأمور القسم، وعقب علمه بصلة القرابة التي تجمعهما، وجّه أفراد القوة لاستدعاء شقيقه عبد الله واحتجازه رغم أن المشادة الأصلية كانت قد اشتعلت بين أطراف آخرين، مشيرًا إلى أنه يلتزم البقاء في منزله بصورة شبه كاملة منذ قرابة 60 يومًا لتفادي أي احتكاكات محتملة قد تفضي إلى تجدد التصعيد داخل الجزيرة؛ معتبرًا أن النيل من شقيقه يمثل نمطًا من "العقاب بالتبعية" وتحميل الأفراد مسؤولية خلافات لم يكونوا طرفًا فيها.

اجتماع الأهالي: تثبيت المطالب ورفض المعالجات الجزئية

جاءت هذه التطورات الميدانية عقب اجتماع موسع عقده أهالي الجزيرة، يوم الجمعة 23 أكتوبر، بحسب ما نشرته حملة «باقون في جزيرة الوراق» بهدف بلورة موقف موحد إزاء المسارات العالقة مع السلطات المعنية، وشدد المجتمعون على أن معالجة التوترات الأمنية تظل سطحية ما لم تُعالج الجذور الهيكلية للأزمة، والمتمثلة في ضمانات السكن وحق الملكية.

وخلص الاجتماع إلى صياغة أربعة مطالب حاسمة لا تقبل التجزئة، أولها إصدار قرار رسمي ملزم يضمن تعويض السكان وفق قاعدة «بيت مقابل بيت» داخل الجزيرة، لضمان عدم ترك مصير الأسر لوعود غير محددة أو ترتيبات غير قانونية.

وتمثل المطلب الثاني في إسقاط كافة القضايا والأحكام الصادرة بحق أهالي الجزيرة على خلفية الاحتجاجات والنزاعات السابقة، وإغلاق ملف الملاحقات القضائية، وثالثًا، إلغاء العمل بنظام «المالك الظاهر» في حصر الأراضي والمباني، وإعادة الاعتبار للمستندات والملكيات التاريخية، ورابعًا، إنهاء التمركزات الأمنية المفروضة على المعديات، ورفع القيود المفروضة على دخول وخروج الأفراد ومواد البناء والحياة المعيشية.

ومنح المشاركون في الاجتماع الجهات المسؤولة مهلة زمنية تمتد من شهر إلى شهرين للاستجابة لهذه المطالب، ملوحين بالدعوة إلى تعليق العمل بالمشروعات الجارية داخل الجزيرة في حال عدم التوصل إلى تسوية قانونية متوازنة تحفظ استقرارهم وحقوقهم التاريخية.

إشكالية «المالك الظاهر»

مثّل نظام «المالك الظاهر» أحد أبرز المحاور في نقاشات الأهالي القانونية؛ إذ اعتبره السكان مدخلاً لنزع حيازاتهم الوراثية والمستندية لصالح أطراف أخرى.

ويُعرّف السكان هذا النظام بأنه آلية تتجاوز الفحص الدقيق للمستندات والعقود العرفية والرسمية التي بحوزتهم، وتفتح الباب أمام تسويات إدارية تؤدي إلى إهدار حقوق الملاك الفعليين.

ودعا الأهالي إلى تدشين مسار تفاوضي وإجرائي منظم عبر التوجه الجماعي إلى جهاز مدينة الوراق، لمطالبة المسؤولين بالوقف الفوري لهذا النظام، وإخضاع كافة الأوراق الثبوتية لفحص قانوني شفاف ومستقل، ويرى السكان أن مطلب إسقاط «المالك الظاهر» يرتبط ارتباطًا عضويًا بمبدأ «بيت مقابل بيت»؛ إذ يضمن كلاهما حماية النسيج المجتمعي للجزيرة والحيلولة دون نزع الملكيات قسرًا بغطاء إداري غير مستوفٍ للعدالة التعويضية.

و«المالك الظاهر» هو نظرية في القانون المدني وأحكام محكمة النقض تعتمدها جهات الإدارة في سياقات نزع الملكية؛ وتقوم فلسفتها الأصلية على حماية الشخص "حسن النية" عبر الاعتراف بالوضع الشائع خارجيًا لشخص يظهر بمظهر المالك بموجب قيود أو سجلات قديمة، حتى وإن كانت الملكية الفعلية قد آلت لغيره.

ويشرح مصدر قانوني من أبناء الجزيرة لـ«زاوية ثالثة» أن هذه الآلية تكتسب أبعادًا أكثر تعقيدًا وخطورة على الأمن العقاري للسكان؛ إذ تفتح الباب أمام التعامل مع ملاك تاريخيين مقيدين بالدفاتر أو ورثتهم، الذين ربما غادروا الجزيرة أو باعوا أراضيهم منذ زمن بعيد، والتفاوض معهم وصرف التعويضات لهم بوصفهم أصحاب الشأن الرسميين.

وفي المقابل، يؤدي هذا المسار إلى تهميش وإسقاط حقوق المالكين الفعليين والحائزين الذين شيدوا منازلهم واستقروا وزرعوا تلك الأراضي لعقود استنادًا إلى عقود عرفية وأحكام صحة توقيع؛ ليجد الحائز الحقيقي نفسه مجردًا من حقه في التعويض العيني أو المقابل العادل، ومُطالبًا بخوض نزاعات قضائية معقدة وطويلة لإثبات ملكيته بعد أن تكون الأرض قد نُزعت حيازتها بالفعل.

ويرى أحد الأهالي، فضل عدم ذكر اسمه، أن السلطات اعتمدت على ما يُسمى بنظام المالك الظاهر «كغطاء للالتفاف على إرادة السكان والتلاعب بملف شراء الأراضي»، مؤكدًا أن الهدف الأساسي من تمريره كان محاولة إحداث وقيعة وتفكيك التماسك الأهلي داخل العائلات والنسيج المجتمعي للجزيرة، عبر التفاوض مع أطراف غير حائزة للأرض ودفعها للتنازل والبيع بمعزل عن أصحاب البيوت والمزارع الفعليين المقيمين فوقها.

ويقول إن هذا الإجراء «باطل من الناحية القانونية، ولا ينطبق على طبيعة الوضع في الوراق»، لافتًا إلى أن غالبية الأهالي يمتلكون عقود ملكية سليمة وموثقة، وتسلسلاً حيازيًا مستقرًا يمتد لعشرات السنوات وتدعمه وقائع استقرار لا تقبل اللبس.

ويؤكد أن استمرار هذا المسار الإداري يمثل تهديدًا وجوديًا لبقاء السكان، مشددًا على ضرورة إطلاق تحرك أهلي مزدوج يجمع بين «المواجهة القانونية المباشرة والضغط الميداني السلمي» لوقف العمل بهذا الإجراء بشكل فوري وحاسم، مؤكدًا أن الهدف من هذا التحرك هو «إجبار الحكومة وأجهزتها المعنية على التراجع عن هذه الإجراءات، ووضع حد فوري لما وصفه بـ"المحاولات الملتوية" الدائرة حول انتزاع وتملك أراضي الجزيرة تحت ستار نصوص وتأويلات قانونية مجحفة بحق أصحاب الأرض الأصليين».

هل تراجعت الحكومة عن قبول «بيت مقابل بيت»؟

كانت مصادر رسمية أبلغت الأهالي في منتصف سبتمبر الماضي، قبول مقترح بيت مقابل بيت، بشكل مبدئي، الذي يراه أهالي الوراق الحل الأمثل لأزمتهم، لكن تأخر الرد الرسمي، دفع الأهالي إلى تجديد مطلبهم خلال اجتماعهم الدوري، الجمعة، مطالبين بسرعة التحرك في هذا الصدد.

وفي شرحه لتفاصيل المقترح، أوضح الحاج إبراهيم فوزي أحد أهالي الجزيرة أن المواطن الذي يقع منزله ضمن خطة التطوير يُقيَّم منزله، وبعد موافقته يسلّم أرضه للدولة، ويحصل في المقابل على قطعة أرض داخل الجزيرة في المنطقة المخصصة لسكن الأهالي، تكون مرفقة ومخططة وتحمل رقمًا وعقدًا رسميًا، ويبني عليها منزله وفق اشتراطات الدولة وتراخيصها.

وتدفع الدولة للمواطن، وفق المقترح، تعويضًا عن المنشأ، أي المباني فقط، باعتبار أن الأرض تُستبدل بأرض، ولا يسلّم المواطن منزله القديم إلا بعد الانتهاء من بناء منزله الجديد والانتقال إليه، مع إمكانية استفادته مما يرغب في الاحتفاظ به من منزله القديم.

وأشار فوزي إلى أن تنفيذ المقترح يمكن أن يتم بالتوازي مع تطوير باقي الجزيرة؛ فبينما تستمر الدولة في تنفيذ مشروعاتها، تبدأ في الوقت نفسه بتخطيط المنطقة المخصصة للأهالي، ويحصل المواطن على قطعة أرضه ويبني منزله، ثم يسلّم المنزل القديم، فتُصبح الأرض متاحة للتطوير من دون نزاع أو تعطيل.

وأوضح أن المنطقة المخصصة للأهالي يجب ألا تُترك من دون تخطيط، وإنما تُحدد فيها منذ البداية مواقع قطع الأراضي ومساحاتها والشوارع، بما يسمح ببدء تنفيذ الخدمات وتسهيل الإنجاز، مشيرًا إلى أن أصحاب المنازل التي تقع في مسارات الشوارع أو تتعارض مع خطة التطوير يمكن أن يكونوا من أوائل من يحصلون على قطع الأراضي، بما يسمح بتنفيذ عملية إحلال وتجديد وفق النموذج الذي تحدده الدولة، مؤكدًا ضرورة أن يترافق ذلك مع تسهيل دخول مواد البناء وتوفير الإشراف الهندسي.

ويتضمن المقترح شبكة طرق تبدأ بمحور رئيسي طولي بعرض 30 مترًا يفصل المشروع إلى نصفين ويرتبط بالطريق السريع جنوبًا، ومحور عرضي يصل إلى الكورنيش النيلي، إلى جانب شوارع ثانوية ومحلية وتقاطعات على شكل دوارات. ويقسم التصور الإسكان إلى ثلاث فئات من القطع: 1,848 قطعة بمساحة 150 مترًا مربعًا، و1,386 قطعة بمساحة 175 مترًا، و825 قطعة بمساحة 210 أمتار، بإجمالي نحو 4,059 قطعة سكنية يقدّر فوزي أنها تكفي لنحو 20 ألف نسمة، مع نظام مقترح لترقيم القطع يسهّل إجراءات الملكية والمرافق.

ويشمل التصور كذلك توزيع الخدمات، وتشمل مدرستين ابتدائيتين ومدرسة إعدادية ومدرسة ثانوية، ومستشفى مركزيًا بمساحة 5,000 متر مربع في وسط المشروع، ومركز شباب بمساحة 3,500 متر مربع ملاصقًا للسوق التجاري، وسوقين تجاريين، وأربعة مساجد، إضافة إلى حديقة مركزية بمساحة 2.8 فدان، وحديقة حي بمساحة 0.9 فدان، وكورنيش نيلي بطول 1.2 كيلومتر.

أزمة الوراق بلا نهاية

منذ 2017 وعلى مدار أكثر من 9 سنوات، تشهد الوراق أزمة متجددة بين الأهالي والأمن، فيما عجزت الحكومة عن تقديم أي حلول حتى اللحظة، ومنتصف أغسطس الماضي نظّم مئات من أهالي الجزيرة، وقفة احتجاجية أمام جهاز المدينة، اعتراضًا على تجاهل مطالبهم التي سبق أن تقدموا بها مرارًا، بينما تستمر خطط التطوير داخل الجزيرة، وبحسب المشاركين آنذاك، أغلق الجهاز أبوابه منذ الصباح، ولم يخرج أي مسؤول للقائهم، فيما كثّفت قوات أمنية وجودها بمحيط الوقفة.

وفي سياق متصل تجددت الاحتكاكات بين أهالي الجزيرة وقوات الأمن على خلفية القيود المفروضة على إدخال مواد البناء؛ ففي الثاني من أغسطس اندلعت اشتباكات قرب معدية القللي بعد اعتراض الأهالي على الإجراءات التي تقيّد دخول مواد البناء، وأسفرت عن إصابة اثنين على الأقل، قبل أن تتجدد في اليوم التالي إثر تفتيش سيارة أحد السكان بحثًا عن مواد بناء.

وتطورت الأزمة إلى اعتصام للمطالبة بالسماح بإدخال المواد وتحسين الخدمات، قبل تعليقه عقب مفاوضات مع قيادات أمنية ووعود بوضع آلية لتنظيم الدخول. إلا أن جهاز تنمية جزيرة الوراق الجديدة نفى في 12 أغسطس السماح بمرور أي مواد أو مستلزمات بناء إلى الجزيرة، مؤكدًا استمرار الضوابط المعمول بها وأن مشروعات التطوير الحكومية تسير وفق خططها المعلنة.

ويقول الأهالي إن سياسة تقييد مواد البناء المتبعة خلال السنوات الأخيرة حالت دون ترميم منازلهم أو إعادة بنائها، في وقت تتواصل فيه الإنشاءات الحكومية داخل الجزيرة، وإن المعديات تحولت إلى نقاط تفتيش لمنع دخول الطوب والرمل والأسمنت، بما جعل أي محاولة للترميم مصدرًا متكررًا للاحتكاك مع الأمن.

وتُعد جزيرة الوراق أكبر جزر نهر النيل مساحةً، إذ تبلغ نحو 1500 فدان بحسب الرواية الرسمية، منها نحو 1200 فدان أرض زراعية عالية الجودة، ويعتمد دخل سكانها، الذين تقدّرهم دراسة الجامعة الأمريكية بنحو 120 ألف نسمة، على زراعة الخضراوات والصيد بصورة أساسية. غير أن مساحة الجزيرة نفسها محل تقديرات متباينة، إذ تتراوح الأرقام المتداولة بين نحو 1250 فدانًا و1835 فدانًا بحسب اختلاف المصادر والروايات.

وتعود جذور الأزمة إلى عام 1998 حين صدر قرار باعتبار جزيرة الوراق محمية طبيعية، ما أثار شكوك السكان في نية إخلاء الجزيرة، ثم صدر قرار من رئيس الوزراء عام 2001 بإخضاع الجزيرة لقانون أملاك الدولة، لتبدأ منذ ذلك الحين نزاعات قضائية بين السكان والدولة.

ويقول الأهالي إنهم حصلوا عام 2002 على حكم قضائي لصالحهم بتملك أراضٍ في الجزيرة، بحسب توثيق سابق لـ«زاوية ثالثة»، وفي عام 2010 أعلنت الحكومة ترسيم الحدود الإدارية لخمس محافظات بينها الجيزة، وضمنها الوراق، ووضعت خطة لتطوير الجزيرة، قبل أن تهدأ الأمور لبضع سنوات عقب الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك (1981–2011).

وفي يوليو 2017 تصاعدت الأزمة مع محاولة قوات الأمن تنفيذ قرارات إزالة بُنيت على أساس أن الأراضي ملك للدولة، فقوبلت بمقاومة شعبية واسعة سقط خلالها أحد السكان متأثرًا بإصابته. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجزيرة تحت رقابة أمنية مشددة، وبدأ الأهالي تنظيم احتجاجات متفرقة، وتشكّلت لجان شعبية للدفاع عن الجزيرة، وأُطلق وسم «#الوراق_مش_للبيع»، ورفض الأهالي مغادرة منازلهم أو قبول التعويضات باعتبارها دون القيمة الفعلية للأرض والموقع.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 7 يونيو 2017: «هناك جزيرة تقع في قلب نهر النيل، تتجاوز مساحتها 1250 فدانًا، ولن أذكر اسمها، وقد بدأت العشوائيات تنتشر داخلها، فيما شرع المواطنون في البناء بوضع اليد، فإذا وُجد خمسون ألف منزل، فأين ستُصرَّف مخلفاتها؟ إلى النيل الذي نشرب منه؟»، وأضاف: «هذه الجزر يجب أن تحظى بالأولوية في التعامل معها»، مؤكدًا أن سكان تلك الجزر «لم يُمنحوا حق البقاء تحت أي ظرف»، رغم أن الدولة أتاحت في بعض الحالات لواضعي اليد تقنين أوضاعهم مقابل سداد قيمة الأراضي.

وفي عام 2018 أُعلن نقل تبعية ملف الجزيرة إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي بدأت شراء الأراضي من السكان بأسعار تراوحت بين 6 آلاف و12 ألف جنيه للمتر، بعد أن كانت الهيئة الهندسية قد أنهت بناء كورنيش على الضفة الغربية؛ وتشير هذه الإجراءات إلى مضيّ الدولة في تطوير شامل للجزيرة، بينما يقول الأهالي إنهم لم يُشرَكوا في خطة واضحة.

وفي المقابل، تستند السلطات إلى القانون رقم 7 لسنة 1991 بشأن أملاك الدولة الخاصة، والقانون رقم 144 لسنة 2017 الخاص بتقنين وضع اليد، ويعدّهما مراقبون أساسًا للإخلاء إذا لم يقنّن الأهالي أوضاعهم وفق إجراءات الدولة، بينما يرى الأهالي أن هذين القانونين لم يراعيا خصوصية الجزيرة كسكن دائم لعائلات متجذرة، ويقول كثير منهم إنهم يملكون عقود بيع وشراء موثقة تعود إلى أربعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى حُجج عرفية وعقود مسجلة، وهو ما يجعل مسألة الملكية محل نزاع قانوني.

وبحسب خرائط منشورة منسوبة إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، يشمل مشروع تطوير الجزيرة منطقة استثمارية كبرى يُشار إليها باسم «مدينة حورس» تضم أبراجًا سكنية وفنادق ومنطقة أعمال؛ فيما وصفت الهيئة العامة للاستعلامات المشروع بأنه يهدف إلى تحويل الجزيرة إلى مركز تجاري عالمي بمساحة 1516 فدانًا وتكلفة إجمالية تبلغ 17.5 مليار جنيه، ويتضمن ثماني مناطق استثمارية ومنطقة تجارية وإسكانًا متميزًا وحديقة مركزية ومارينا سياحية وواجهة نهرية ومنطقة ثقافية وكورنيشًا سياحيًا، دون أن ترد تسمية «حورس» نفسها في البيانات الرسمية، أو تفاصيل معلنة عن إعادة توطين السكان. وفي الوطن وغيرها ظهرت الخرائط ذاتها التي عزّزت شكوك السكان في أن يكون الهدف تحويل الجزيرة إلى مشروع عقاري كبير.

وفي سبتمبر 2024 منعت قوات الأمن دخول مواد البناء عبر المعديات، ما أدى إلى تكدس واحتقان، وسجّلت منظمات حقوقية، من بينها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وقائع وصفتها بالانتهاكات، شملت اعتقالات واستخدامًا مفرطًا للقوة.

وعلى الجانب الرسمي، أكد محافظ الجيزة ومسؤولون في وزارة الإسكان أن مشروع تطوير الجزيرة يأتي ضمن خطة قومية لتطوير الجزر النيلية، وأن الدولة ملتزمة بتوفير وحدات بديلة وتعويضات عادلة ولا تستهدف التهجير القسري؛ فيما أصدر مجلس الوزراء بيانًا في نوفمبر 2024 أكد فيه أن «الدولة لا تصادر ممتلكات أحد، لكنها تطبّق القانون على المخالفين».

في المقابل، يرى الأهالي ومنظمات حقوقية، من بينها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن غياب تفاصيل معلنة عن التعويضات وعدم إشراك السكان في القرار يزيدان التوتر ويثيران تساؤلات حول مدى الالتزام بالمعايير الدولية للترحيل الطوعي.

تُظهر التطورات الأخيرة في جزيرة الوراق أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الخلاف حول آليات تنفيذ مشروع التطوير أو إجراءات نزع الملكية، بل باتت تتصل بصورة مباشرة بحق السكان في الاستقرار والحركة وحماية حيازاتهم التاريخية، في ظل استمرار الاحتكاكات الأمنية وتعثر التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن مستقبلهم داخل الجزيرة.

وبينما تتمسك الحكومة بالمضي في تنفيذ مشروع التطوير وفق خططها المعلنة، يطالب الأهالي بضمانات قانونية مكتوبة تحول دون انتزاع منازلهم أو اختزال حقوقهم في تعويضات مالية لا يوافقون عليها، ويطرحون نموذج «بيت مقابل بيت» باعتباره مخرجًا يتيح استمرار المشروع دون اقتلاعهم من محيطهم الاجتماعي.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

Search