شهدت خريطة التجارة الخارجية لمصر، على مدار الأعوام الثلاث الأخيرة، تحولات جذرية، في ظل استمرار الحرب في قطاع غزة، والصراع العسكري في السودان، والانقسام السياسي والعسكري في ليبيا واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر نتيجة هجمات الحوثيين، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
وتكشف بيانات التجارة الخارجية عن تفاوت حركة التبادل التجاري بين مصر والدول المتأثرة بالنزاعات المسلحة، بالتزامن مع تغيرات في أحجام الصادرات والواردات، وارتفاع صادرات بعض السلع، وتعديل مسارات نقلها، لا سيما مواد البناء والأسمنت والأدوية والمواد الغذائية والقمح والغاز الطبيعي.
وألقى إندلاع الحرب في السودان، في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بظلاله على التبادل التجاري بين القاهرة والخرطوم، والذي انخفض حجمه إلى نحو 1.2 مليار دولار في عام 2024، مقابل 1.4 مليار دولار في العام 2023.
وهبطت صادرات القاهرة إلى الخرطوم إلى 866.2 مليـون دولار خلال عام 2024 مقابل 989 مليون دولار خلال عام 2023، لكنها عاودت الارتفاع مجددًا خلال عام 2025، إذ سجلت 957.1 مليون دولار، ثم سجلت 577.1 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، وتصدرت منتجات المطاحن والدقيق قائمة السلع المصدرة بقيمة 218 مليون دولار، تلاها السكر بقيمة 84 مليون دولار، فيما بلغت قيمة صادرات الحديد والصلب ومواد البناء 144 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.
وتشمل الواردات المصرية من السودان، كل من الحيوانات الحية بقيمة 129 مليون دولار، الحبوب الزيتية بنحو 87 مليون دولار، والقطن بقيمة 52 مليون دولار، واللؤلؤ والأحجار الكريمة والحلىي بقيمة 17 مليون دولار، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وتعتمد حركة التجارة البرية على معبري أرقين وقسطل، في حين اتجهت صادرات الأدوية إلى استخدام المسار البحري عبر البحر الأحمر وصولًا إلى ميناء بورتسودان.
ومنذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، سجلت التجارة المصرية مع إسرائيل نموًا ملحوظًا؛ إذ قفزت الصادرات المصرية من 145.3 مليون دولار في عام 2023 إلى 284.2 مليون دولار في عام 2024، بينما زادت الواردات من 2.49 مليار دولار إلى 2.93 مليار دولار، وضمت قائمة المُصدرين 313 شركة صدرت 634 صنفًا مختلفًا منذ بداية الحرب، بحسب بيانات "UN COMTRADE"، التابعة للأمم المتحدة.
وتظهر البيانات أن صادرات مصر إلى إسرائيل في 2025 بلغت نحو 304 ملايين دولار، وكان من أكبر البنود الملح والكبريت والأحجار والأسمنت بقيمة 88 مليون دولار، الكيماويات غير العضوية بنحو 28.2 مليون دولار، المعدات الكهربائي بقيمة 27.1 مليون دولار، والبلاستيك بنحو 20.4 مليون دولار، والمنتجات الغذائية من الخضر والفاكهة بنحو 13.9 مليون دولار.
واستوردت تل أبيب من القاهرة 227 ألف طن من المنتجات الزراعية خلال عام 2024، وبلغت قيمة الصادرات المصرية للحاصلات الزراعية 62 مليون دولار، شملت قائمة الصادرات 137 صنفًا غذائيًا من الخضروات والفواكه الطازجة والمجمدة والمعلبة، وعصائر الفاكهة.
وتتصدر قوائم الكيانات المصرية المصدّرة للمنتجات والأغذية "أفريكانو لتصدير الحاصلات الزراعية"، المملوكة لرجل الأعمال وعضو مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن، وعضو لجنة الصناعة عصام أحمد دياب، وشركة فرجللو المملوكة لرجل الأعمال فرج عامر، وشركة راية فودز، ووفقًا لمنصة "متصدقش" يمتلك الشركات المُصدرة أعضاء بمجلس النواب، وجهات مختلفة بالدولة، ورجال أعمال، وصناديق سيادية خليجية.
وترسل هذه الشركات شحنات غذائية متنوعة تشمل الخضروات والفواكه المجمدة والمعلبة، والمنتجات الزراعية والعصائر، وحبوب الذرة، وفقًا لسجلات الحاخامية الكبرى في إسرائيل، المسؤولة عن اعتمادات "الكوشير"، وهو الطعام المسموح بتناوله وفقًا للديانة اليهودية.
فيما سجلت صادرات الأسمدة الزراعية المصرية ومشتقاتها إلى إسرائيل، منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023 وحتى مايو 2025، نحو 46.2 مليون دولار، وبلغت الكميات المُصدَّرة من الأسمدة واليوريا والأمونيا والنشادر نحو 74.4 ألف طن، وفقًا لقاعدة بيانات التجارة الخارجية.
وتصدرت الشركات المصدرة لتل أبيب، وفقًا لبيانات المكتب المركزي للإحصاء بدولة الاحتلال، مصر لإنتاج الأسمدة (موبكو)، التي تسيطر الحكومة المصرية على 41.3% من أسهمها، ويمتلك الصندوق السيادي السعودي 24% منها، وصندوق أبوظبي السيادي 20% منها، وكذلك شركة أبو قير لإنتاج الأسمدة التي تستحوذ الحكومة المصرية 30% منها و"أبوظبي القابضة" حصة 21.5% منها ويمتلك الصندوق السيادي السعودي 20.39%، من أسهمها، وكذلك شركة "المصرية للأسمدة"، المملوكة لشركة أبراج كابيتال الإماراتية مقابل نحو 1.4 مليار دولار، وشركة "مصر لصناعة الكيماويات"، التي تمتلك الحكومة 53% منها وبنك مصر 16.36٪.
وعلى صعيد الواردات، سجل الغاز الطبيعي الإسرائيلي مستوى قياسيًا بلغ 1.003 مليار متر مكعب في يوليو 2026، وتتم هذه التجارة عبر خطوط شحن تربط موانئ العريش وأبو قير وبورسعيد ودمياط بموانئ أشدود وحيفا، إلى جانب معبر نيتسانا وخط أنابيب غاز شرق المتوسط.
وتصدرت شركة نيو ميد إنرجي (NewMed Energy) الإسرائيلية تلك الواردات، ففي أغسطس 2025 أعلنت الشركة عن تعديل اتفاق تصدير الغاز الطبيعي مع مصر من حقل "ليفياثان"، لتبلغ قيمته نحو 35 مليار دولار، وفي أبريل 2026 وقعت "نيوميد إنرجي" اتفاقية مع الشركة المصرية للغازات الطبيعية (إيجاس) لتوريد الغاز الطبيعي من حقل "أفروديت" القبرصي إلى مصر لمدة 15 عام، لتزويد السوق بنحو 100 مليار متر مكعب.
وفي المقابل، بلغت الصادرات المصرية إلى فلسطين نحو 282.8 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، فيما ارتفعت صادرات مواد البناء من 85 مليون دولار إلى 153 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، وفقًا للبيانات الرسمية المنشورة، وتشمل السلع المتداولة الأدوية والمواد الغذائية، مثل الدقيق والسكر والأرز والمجمدات، إلى جانب السولار ومواد البناء.
ويبرز ميناء العريش ضمن منافذ الشحن المرتبطة بهذه التجارة، بينما انتقل المسار التجاري البري، بعد مايو 2024، إلى معبر كرم أبو سالم، وفقًا لتقارير صحفية، وتشير التقارير نفسها إلى دور شركة أبناء سيناء للتجارة والمقاولات، التابعة لمجموعة إبراهيم العرجاني، في حركة إدخال البضائع، وسط تقارير عن قصر الاستيراد التجاري على قائمة تضم 13 تاجرًا، مقارنة بأكثر من ألفي مستورد قبل الحرب.
فيما تتصدر ليبيا قائمة الدول الأفريقية المستوردة من مصر، إذ بلغت قيمة الصادرات المصرية إلى ليبيا 1.5 مليار دولار عام 2025، فيما سجلت الصادرات إليها 725.4 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، لتحتل المرتبة الثالثة عربيًا بين الأسواق المستوردة للمنتجات المصرية، بعد السعودية والإمارات، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ومصرف ليبيا المركزي.
وتشمل الصادرات المصرية إلى ليبيا الحديد والأسمنت والسيراميك والرخام وغيرها من مستلزمات الإنشاء، إلى جانب الصناعات الغذائية والألبان والخضر والفواكه واللدائن والآلات والمعدات الكهربائية، في حين تظل الواردات المصرية من ليبيا محدودة، وتتركز في منتجات مثل خردة الحديد وبعض المنتجات البترولية والمعدنية، بقيم تراوحت خلال السنوات الأخيرة بين نحو 50 و85 مليون دولار سنويًا.
من جهة أخرى شهدت حركة التجارة بين مصر وسوريا، تحولات هيكلية، منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وبدء مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي وخطط إعادة الإعمار في سوريا.
وتستحوذ صادرات مصر على أكثر من 85% من إجمالي التجارة بين البلدين، وتشير تقديرات رسمية إلى إمكانية ارتفاع إجمالي التبادل التجاري بين البلدين إلى ما يتراوح بين 700 و800 مليون دولار بنهاية 2026.
وتأتي سوريا في المرتبة العاشرة بين الأسواق العربية المستوردة من مصر، بعد السعودية والإمارات وليبيا والسودان والجزائر والمغرب والعراق والأردن ولبنان، بقيمة تبلغ 311.7 مليون دولار.
وسجلت الصادرات المصرية إلى السوق السورية نموًا ملحوظًا وعلى المستوى اللوجستي، سجل ميناء العريش وحده شحنات مباشرة من البضائع ومواد البناء إلى الموانئ السورية بقيمة بلغت نحو 30.2 مليون دولار خلال عام 2025.
وشملت التدفقات التجارية الأسمنت والكلنكر، والحديد والصلب والألومنيوم، إلى جانب السيراميك والأدوات الصحية والرخام، ومجموعة من السلع الغذائية والزراعية، بينها دقيق القمح والأرز والبقوليات والمحضرات الغذائية والخضروات المجمدة وزيوت الطعام، وتوسعًا في قطاع الأدوية والمستلزمات الطبية والكيماويات.
قفزة صادرات الأسمنت
تشير بيانات "UN COMTRADE"، التابعة للأمم المتحدة إلى توسع ملحوظ في بعض تدفقات مواد البناء المصرية إلى أسواق دول المنطقة التي تشهد نزاعات مسلحة أو مشروعات إعادة الإعمار ما بعد الحرب، إذ تصدرت فلسطين وإسرائيل وليبيا وسوريا أهم الوجهات الرئيسية لهذه الصادرات، مع تفاوت معدلات النمو بين الأسواق.
وتُظهر بيانات المجلس التصديري المصري، أن مصر صدرت 1.9 مليون طن من 3 أصناف للأسمنت خلال الفترة من أكتوبر 2023، حتى مايو 2025.
وتصدرت فلسطين قائمة مستوردي الأسمنت المصري، بعدما ارتفعت قيمة الصادرات المسجلة إليها بنسبة 91%، من 70 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025 إلى 133.7 مليون دولار في الفترة المقابلة من عام 2026.
وبحسب تقارير صحفية فقد اُستخدمت أذونات استيراد فلسطينية عبر وسطاء لتمرير بعض الشحنات إلى السوق الإسرائيلية.
وتكشف المقارنة بين بيانات التجارة المصرية والإسرائيلية، عن فجوة بين القيم والكميات المسجلة لدى الجانبين، إذ صعدت الكميات المسجلة في الإحصاء الإسرائيلي من 52.3 ألف طن (بقيمة 4.9 مليون دولار) عام 2022 إلى 2.4 مليون طن بقيمة 142 مليون دولار عام 2024، بينما لم تسجل جداول المجلس التصديري لمواد البناء سوى 50.7 مليون دولار خلال 10 أشهر من 2024، ما خلق فجوة جمركية تتجاوز 91 مليون دولار على مدار العام.
وقفزت الصادرات المصرية من أسمنت البورتلاند إلى تل أبيب مسجلة 223.3 مليون دولار خلال الأشهر السبعة عشر الأولى من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بزيادة بلغت 13 ضعفًا بعد توقف الصادرات التركية.
وانخفض متوسط سعر طن الأسمنت المصري المصدر لإسرائيل من 93.6 دولار للطن عام 2022 إلى 66.6 دولار عام 2023 ثم إلى 59.8 دولار للطن عام 2024، بالتزامن مع ارتفاع سعر البيع للمستهلك المحلي في مصر بنسبة 25.3%.
وتكشف بيانات التجارة الخارجية المصرية خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026 عن تغييرات في خريطة صادرات الأسمنت ومواد البناء إلى عدد من الأسواق المتأثرة بالنزاعات المسلحة، بالتزامن مع ارتفاع إجمالي صادرات الأسمنت بنسبة 7%، لتسجل 648 مليون دولار، مقابل 606 ملايين دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.
وتضاعفت صادرات الأسمنت المصري إلى إسرائيل 13 مرة خلال الحرب لتعويض الحظر التركي في أبريل 2024، حيث ارتفع المتوسط الشهري من 2.6 مليون دولار إلى 20.4 مليون دولار بين مايو 2024 وفبراير 2025.
وتصدرت الشركات المصرية المصدرة العريش للأسمنت، التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، وشركة "أسمنت سيناء" التي يمتلك رجل الأعمال مجدي قصبجي نحو 15.2% منها، و"سيناء للأسمنت الأبيض"، التي استحوذت عليها مجموعة "سيمينتي" (Cementi) الهولندية، و"الشركة العربية للأسمنت"، التي تخضع 60% من ملكيتها لشركة "أريدوس جاتيفا إس إل" الإسبانية، ويمتلك رجل الأعمال صادق أحمد السويدي، 12.5% منها، ويمتلك العقيد أركان حرب متقاعد فايق محمد البوريني، 10% من أسهمها.
وتعتمد حركة الشحن على شبكة من الموانئ والمعابر البرية والبحرية، ويبرز ميناء العريش في نقل الأسمنت إلى الأسواق الإسرائيلية، إلى جانب معبر العوجة/نيتسانا، فيما تُستخدم موانئ السويس ودمياط وأبو قير والعريش في تصدير الأسمنت إلى وجهات متعددة.
ومن أبرز المستوردين شركة Ciment الإسرائيلية، التي تستحوذ مجموعة فيكا الفرنسية على 67%، ومجموعة ريلاينس لوجيستكس مجدي قصبجي على 15.2% من أسهمها، وشركة Heidelberg Materials Trading وذراعها Hanson Israel.
وتفيد التقارير كذلك بارتفاع حصة ميناء العريش من صادرات الأسمنت المصرية إلى إسرائيل من 0.1% في عام 2021 إلى 30% في عام 2025، كما تؤدي مجموعة موانئ أبوظبي دورًا في تشغيل محطات وصوامع الأسمنت السائب بموجب امتياز لمدة 15 عامًا مع الهيئة الاقتصادية لقناة السويس، باستثمارات معلنة تبلغ 33 مليون دولار، وبطاقة تداول سنوية تصل إلى 1.5 مليون طن في ميناءي العريش وغرب بورسعيد.
وسبق أن رصد تقرير صحفي لـ”عربي بوست” 8 سفن شحن (بينها NOVA CORALIA وGRIT CEMENT II وZAYYAN K ATHENA CEMENT) تعمل في رحلات مكوكية بين ميناء العريش وميناءي حيفا وأشدود
وكشف تحقيق استقصائي لـ"المنصة" أن ناقلات أسمنت تشغلها شركات يونانية وإسرائيلية، نفذت رحلات متكررة بين الموانئ المصرية والإسرائيلية، تقودها شركات يونانية مثل: Shinka Shipping المشغلة للناقلات ANGELOS K وZAYYAN K وHAKEEM K، وSan Nikolla المشغلة لـ NOVA CORALIA، وشركة Milburn Line الإسرائيلية المشغلة للناقلة MILBURN، بالإضافة إلى ناقلتي «أسطول الظل» CEMENT 1 وCEMENT 2 اللتين نفذتا أكثر من 20 رحلة في 2025 دون قيد لمالكيهما في قواعد البيانات العامة.
ارتفاع صادرات الحديد ومواد البناء
لم تقتصر قفزة الصادرات على الإسمنت بل امتدت كذلك إلى الحديد والصلب ومواد البناء، والتي سجلت نحو 859 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، وبلغت 969 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، من بينها صادرات لـمجموعة حديد عز ، بنحو 7 ملايين طن، السويس للصلب بنحو 3 ملايين طن، بشاي للصلب 4 ملايين طن، وحديد المصريين، وشملت الأسواق الرئيسية ليبيا، وفلسطين، والسودان، وإسرائيل.
وبالتزامن مع تداعيات إعصار دانيال وانهيار سد درنة، والذي تطلب احتياجات واسعة إلى مواد البناء والسلع الأساسية ومستلزمات إعادة الإعمار، شهد عام 2023 قفزة في الصادرات المصرية التي ارتفعت إلى نحو 1.7 مليار دولار، بينما لم تتجاوز الواردات من ليبيا 61.7 مليون دولار.
وفي 2024، حافظت الصادرات المصرية على مستويات مرتفعة، مسجلة نحو 1.621 مليار دولار، مقابل واردات بلغت 78 مليون دولار، ليصل إجمالي التبادل إلى 1.699 مليار دولار، فيما سجل الفائض التجاري المصري نحو 1.543 مليار دولار، وتزامن ذلك مع توسع خطط إعادة إعمار ليبيا وإسناد مشروعات لشركات مصرية، بما عزز الطلب على منتجات ومواد تدخل في قطاع الإنشاءات.
بلغت قيمة الصادرات المصرية إلى ليبيا 1.5 مليار دولار عام 2025، فيما سجلت الصادرات إليها 725.4 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، لتحتل المرتبة الثالثة عربيًا بين الأسواق المستوردة للمنتجات المصرية، بعد السعودية والإمارات، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ومصرف ليبيا المركزي.
وشملت أبرز السلع مواد البناء والأسمنت والسيراميك والرخام، بقيمة إجمالية بلغت 246 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.
وخلال عام 2025، قفزت واردات سوريا من الأسمنت المصري بأكثر من 1300%، لتبلغ نحو 53.1 مليون دولار، مقابل 3.6 مليون دولار في 2024. وبذلك استحوذت السوق السورية على أكثر من 6% من إجمالي صادرات مصر من الأسمنت، لتحتل المركز السابع عالميا بين الدول المستوردة للأسمنت المصري.
وارتفعت صادرات الأسمنت المصرية إلى سوريا خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 إلى 51.6 مليون دولار، مقابل 32.4 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة سنوية بلغت نحو 60%.
لتحتل بذلك سوريا، المركز الخامس عالميًا بين كبار مستوردي الأسمنت المصري، مع توقعات بتجاوز قيمة صادرات الأسمنت إلى السوق السورية حاجز 100 مليون دولار بنهاية 2026.
ارتفاع أسعار القمح وصادرات الدقيق
رغم نحو أربع سنوات على الحرب الروسية الأوكرانية، في 24 فبراير 2022، لا تزال مصر شديدة الاعتماد على روسيا وأوكرانيا، في تأمين احتياجاتها من القمح، إذ تستحوذان على نحو 80% من واردات القمح المصرية، وشكلت شحنات القمح من روسيا وأوكرانيا أكثر من 82 % من إجمالي واردات مصر في النصف الأول من عام 2026.
وانعكس التصعيد العسكري في منطقة البحر الأسود، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، بشدة على تكلفة واردات القمح المصرية، إذ ارتفع متوسط السعر من نحو 240 دولار للطن في عام 2023 إلى 280 دولار في 2025، قبل أن يصل إلى نحو 300 دولار ثم 315 دولار للطن خلال صيف وخريف 2026.
وارتفعت الواردات بنسبة 48% خلال النصف الأول من عام 2026، لتصل إلى 7.7 مليون طن، قبل أن تتراجع واردات القطاع الخاص بنسبة 41% خلال يوليو وأغسطس، وفقًا لتقارير ربطت الانخفاض بتداعيات القصف الذي طال موانئ أوكرانية.
وتكشف بيانات حركة التجارة عن مفارقة لافتة في تجارة الحبوب المصرية؛ فمصر، التي تعد من أكبر مستوردي القمح عالميًا، استوردت نحو 12.5 مليون طن خلال عام 2024، في الوقت الذي سجلت فيه صادراتها من دقيق القمح ارتفاعًا بنسبة 69.3%، لتتجاوز 1.1 مليون طن، مستفيدة من الطاقة الإنتاجية لنحو 410 من مطاحنها.
ويرتبط ذلك، بتراجع الطاقة الإنتاجية للمطاحن في عدد من الدول المجاورة التي تشهد نزاعات مسلحة، بعد تعرض مطاحن كبرى في السودان، بينها مطاحن سيقا والخرطوم وود مدني، إلى أضرار أو توقف، إلى جانب تضرر مطاحن في قطاع غزة بسبب حرب الإبادة.
وبالتزامن شهدت خريطة مستوردي القمح والسلع التموينية في مصر تغيرات جذرية، إذ برز جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة كفاعل رئيسي في عمليات شراء السلع الاستراتيجية، من خلال إبرام تعاقدات مباشرة مع موردين روس، من بينها صفقة لتوريد نحو 1.267 مليون طن من القمح المستورد.
وفي سوق القمح والذرة تتصدر شركتي ميدترنين ستار (Mediterranean Star)، كايرو ثري أيه (Cairo 3A) القطاع الخاص كأكبر مستوردي الحبوب في مصر.
بينما تبرز شركة مطاحن مصر الوسطى، التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، ضمن الجهات التي تمول شحنات الدقيق المتجهة برًا إلى السودان.
وتشارك مطاحن مصر المنوفية التي صدرت إلى السودان 475.5 ألف طن من دقيق القمح، بقيمة 191.9 مليون، في الفترة من يناير وحتى نوفمبر 2024.
وتكشف خريطة التجارة المصرية مع الدول المتأثرة بالنزاعات المسلحة عن إعادة تشكيل مسارات التبادل التجاري، مع توسع صادرات مواد البناء والأسمنت والدقيق والسلع الغذائية إلى بعض الأسواق، مقابل استمرار الاعتماد على واردات استراتيجية، في مقدمتها القمح والغاز الطبيعي.
وبينما تفتح احتياجات إعادة الإعمار في ليبيا وسوريا، والطلب على السلع الأساسية في السودان وفلسطين، فرصًا أمام الصادرات المصرية، تثير زيادة التبادل التجاري مع إسرائيل خلال حرب غزة تساؤلات بشأن التناقض بين المواقف السياسية والتدفقات الاقتصادية.
وتبرز هذه التحولات أهمية تتبع مسارات الشحن والملكية الفعلية للشركات وفروق البيانات الجمركية، لتحديد المستفيدين من اقتصاد الحرب، وتقييم انعكاساته على الأمن الغذائي والطاقة والأسعار محليًا، ومدى قدرة السياسات التجارية المصرية على حماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية في ظل استمرار الاضطرابات الإقليمية.
