لمن استطاع إليه سبيلا.. بيزنس “الكريديت” يجتاح الجامعات الحكومية

رغم العوائد المالية لتعليم الكريديت، ظهرت مشكلات في التطبيق، أهمها يتعلق بالتفرقة الواضحة بين من يدفع ومن لا يدفع من الطلاب رغم أن المناهج واحدة في أغلب الكليات. كما أصبح متهمًا بتكريس الطبقية وخلق مجموعات متباعدة اقتصاديًا واجتماعيًا وفكريًا
خالد الدخيل

“منذ بداية العام الدراسي، لم تطأ قدماه قاعة المحاضرات، إذ اكتفى بأن أرسل إلينا روابط لمقاطع فيديو نشاهدها عبر الإنترنت، ورغم علمنا أن الفيديوهات مسجلة قبل عدة سنوات، إلا أننا نضطر لمشاهدتها، لأننا لا نملك خيارًا آخر لتلقي دروسنا”. لكن “الدكتور” كما تصفه طالبة في كلية الفنون الجميلة، بجامعة القاهرة، لا يفوّت محاضرة لطلاب “الساعات المعتمدة”، فأولئك يسددون مصروفات فلكية، ولهم بالتالي كل الاهتمام.

وتقول الطالبة لـ”زاوية ثالثة”: “التفرقة واضحة للغاية، والتعليم صار طبقيًا، مما دفع طلابًا كثيرين إلى النقل إلى نظام الساعات المعتمدة “الكريديت”، رغم تكلفته الباهظة، وهناك نسبة كثيرة من الطلاب التحقوا بسوق العمل، بغرض مساعدة أهلهم في سداد المصروفات، لكنهم بالطبع يعملون في وظائف مرهقة، وتؤثر على تفرغهم للدراسة”.

وتضيف “أحد الزملاء يعمل على دراجة نارية لتوصيل الطلبات في مطعم “دليفري”، لمدة 12 ساعة يوميًا، وهو يقول إنه يحقق عائدًا لا يقل عن 250 جنيهًا يوميًا (8.09 دولار)، الأمر الذي جعله يفكر في التوقف عن الدراسة، بذريعة أنه لن يحظى بنصف هذا المبلغ متى تخرج في الجامعة”.


ماذا يعني نظام الكريديت؟



بدأت العديد من الجامعات المصرية الحكومية، تطبيق نظام التعليم بالساعات المعتمدة “الكريدت”، منذ سنوات، بدعوى مواكبة التطور  العلمي بالجامعات الغربية، وذلك مع الإبقاء على النظام التقليدي، لمن لا يتمتع بقدرات مالية تمكنه من سداد المصروفات.

غير أن النظام الجديد، أجهز على التقليدي تمامًا، وصار التعليم طبقيًا أو رأسماليًا، رغم أن المناهج واحدة في النظامين.

ويدرس الطالب في نظام الدراسة بالساعات، بعض المقررات الاختيارية، بالإضافة إلى المقررات الأساسية، كما يسمح النظام بإعادة مقررات الرسوب مرة أخرى بمصاريف إضافية.

ويتمتع النظام بمرونة كبيرة، حيث يترك المجال مفتوحًا أمام الجامعات والكليات لتحديد السعر حسب ظروفها وأولوياتها. ومن ثم تختلف أسعار الساعة المعتمدة من جامعة إلى أخرى.

وتحدد كل جامعة تكلفة ساعات التسجيل، على موقعها الرسمي أو من خلال حسابات شبكات التواصل الاجتماعي إلا أن أسعار الساعة في هذا النظام بالجامعات باتت “فلكية”، وتنافس الجامعات الخاصة، ويقتصر دخولها على الميسورين فقط.
وحسب رصدنا للائحة المصاريف المعلن عنها، تبلغ مصاريف كلية الهندسة بجامعة القاهرة نحو 100 ألف جنيه (3.237 دولار) سنويًا، ومصاريف الطلاب الدوليين في مرحلة البكالوريوس تبلغ 5000 دولار أمريكي في السنة، ويجب دفع 1500 دولار رسوم قيد، فيما يبلغ سعر الساعة في فصلي الربيع والخريف 1300 جنيه (42.6 دولار)، وفي الفصل الصيفي نحو 1600 جنيه (51.78 دولار) بالإضافة إلى 900 جنيه (29.13 دولار) رسومًا إدارية.

وتقول لمياء الطالبة بكلية الزراعة، وتدرس بنظام الساعات المعتمدة، إن النظام سيء ولا يوجد فرق يذكر بينه وبين النظام التقليدي، باستثناء الدراسة باللغة الإنجليزية.

وتضيف: بعض الكليات تهتم أكثر بطلاب “الكريديت”، ولكن في المجمل، فإن الفروق طفيفة رغم زيادة المصروفات بشكل “جنوني” في نظام الساعات.

بينما يستحسن مصطفى قبيصي الطالب بكلية الصيدلة، نظام الدراسة بالساعات المعتمدة، ويقول: “نظام الكريديت أفضل، يسهل الدراسة أكثر من النظام القديم؛ حيث يمنحني كامل الحرية في اختيار المقررات الدراسية التي أرغب في دراستها خلال التيرم، وبإمكاني تقسيمها على ثلاثة فصول دراسية أيضًا خلال العام”.

لكن حسب وصفه فإن الضرر الوحيد لهذا النظام التعليمي يتمثل في ارتفاع أسعاره مقارنة بالنظام العام، “شخصيًا أدفع سنويًا نحو 60 ألف جنيه(1و941.84 دولار)” في حين تشاركه سلمى الطالبة بكلية الفنون الجميلة الرأي، وترى أن نظام الساعات المعتمدة أفضل من المجانية، نظرًا لقلة عدد الطلاب، لكن هذه السياسة تصنع فروقًا طبقية بين الزميل وزميله.

وانتقلت سلمى بداية العام الدراسي الماضي، من النظام المجاني العام إلى نظام الساعات المعتمدة، بسبب عدم قدرتها على الاستيعاب، وسط مئات الطلاب في المدرج الواحد، وتقول: “انتقلت لأُعامل معاملة جيدة، الطلاب قليلون، ومكان تلقي المحاضرات مكيف وجيد التهوية، أيضًا ندرس باللغة الإنجليزية والتي أفضلها عن اللغة العربية”. ولا تشعر سلمى والتي تشير إلى أن الحد الأدنى للمصروفات الدراسية في كليتها وفق النظام الجديد لا يقل عن 50 ألف جنيه (1,618.20  دولار) سنويًا، بالندم على قرار تحويلها، فحسب وصفها ليس هناك سلبيات كبيرة للنظام؛ لكن المشكلة الوحيدة تكمن في إقبال أعداد متزايدة عليه؛ ما أدى لبدء الازدحام، حتى أنهم قرروا تدريس بعض المقررات “أونلاين”.

هناك اتهام آخر إلى الجامعات أنها تفصل بشكل أوتوماتيكي أعدادًا كبيرة، بذريعة عدم الالتزام بالحضور، ويقول أحمد الطالب بإدارة الأعمال بجامعة الإسكندرية، إن السبب يرجع إلى “الطمع”.. فالطالب المفصول سيضطر لسداد الرسوم مرة ثانية وهكذا تتعاظم الأرباح.

لكن إداريًا بالجامعة ينفي الاتهام جملة وتفصيلًا حيث يقول: لا تفصل الجامعة طالبًا إلا بعد إنذاره 3 مرات، وهذا كلام عار تمامًا عن الصحة، لكن بعض الطلاب “بيدلعوا وفاكرين أنهم هياخدوا الشهادة بفلوسهم”.

 

التعليم خدمة أم حق؟

 


ورغم العوائد المالية لتعليم الكريديت، ظهرت مشكلات في التطبيق، أهمها يتعلق بالتفرقة الواضحة بين من يدفع ومن لا يدفع من الطلاب رغم أن المناهج واحدة في أغلب الكليات.

كما أصبح متهمًا بتكريس الطبقية وخلق مجموعات متباعدة اقتصاديًا واجتماعيًا وفكريًا، وتعميق التمييز بين الطلاب على أساس القدرة الاقتصادية كل بقدر ما يدفعه.

. هكذا تحدث كمال مغيث، خبير بالمركز القومي للبحوث التربوية، لـ”زاوية ثالثة”، قائلا: “الدولة تنظر للتعليم كخدمة وليس حقًا، ولهذا عملت على جعله فرصة للاستثمار بدلاً من أن يكون فرصة للإبداع والتثقيف.

 ويضيف “مجانية التعليم كانت تحقق عنصرين اجتماعيين هامين لمجتمع سليم وصحي، العنصر الأول هو المواطنة، فكانت المجانية تجمع بين الغني والفقير، والمسلم والمسيحي.

العنصر الثاني هو تكافؤ الفرص بما يحقق العدالة، وإذا ارتضينا بعامل التفوق الأكاديمي، فالمتفوق هو من يحظى بوظيفة ممتازة بصرف النظر عن فقره أو ثرائه، لكن بوجود نوعين من التعليم، نوع للفقراء وآخر للأغنياء، فهذا يعني تأصيلًا لمبدأ عدم تكافؤ الفرص، ما يؤدي إلى تضاؤل فرص العمل أمام طلاب الطبقة الأولى، بينما تصبح الأفضلية للحاصلين على تعليم خاص ومدفوع.

ويقول: “هناك التفاف على مفهوم مجانية التعليم الذي يكفله الدستور؛ بدأ منذ حكم السادات واكتمل أيام مبارك بإصدار القانون 12 لسنة 2009 الذي أقر إنشاء جامعات خاصة تحت مسمى الجامعات الأهلية، والتي حسب القانون لا تسعى لتحقيق “الربح”، وتعمل على ضخ مواردها المالية المكتسبة لإعادة تطوير ذاتها.

وبالفعل تم إنشاء 4 جامعات وقتها (مثّل أول مظهر للجامعات الأهلية في مصر حينما اجتمع المصريون على بناء الجامعة الأهلية في العام 1908، والتي تحولت إلى جامعة القاهرة الآن). ثم تطور الأمر إلى تأسيس التعليم المفتوح والذي لم يكن كافيا لاستيعاب تطلعات الطلاب. واستمر الوضع في عدم اهتمام الدولة بالإنفاق على التعليم الجامعي مع غياب المشروع الوطني لنصل إلى المرحلة الحالية، وتفتتح الدولة فروعًا للتعليم الخاص بمسميات مختلفة”.

وحسب وصفه فإن التعليم ليس سلعة خاضعة لارتفاع القيمة المادية، بل هو خدمة إلزامية على الدولة، ومن ثم لا مبرر لرفع مصروفات الجامعات الحكومية والإصرار على أنها ما زالت مجانية (وصل عدد الجامعات الأهلية إلى 20 جامعة في العام الجاري، وحسب ما أعلنته وزارة التعليم العالي، فإنها تقبل من تنسيق منخفض لطلاب الثانوية العامة، وصل في كليات الطب والعلوم الصحية ما بين 55- 80%، بمصروفات تبدأ من 16 ألف جنيه (517.79 دولار) وربما تفوق الـ100 ألف في بعض الكليات).

مختتمًا، حال التعليم في مصر يرثى له، وهذا ما تعبر عنه المعايير والمؤشرات الدولية التي تقيس عناصر مختلفة من التعليم مثل الجودة والإتاحة وتوافر الإمكانيات التقنية، ومصر للأسف الشديد تحصل على مراكز متأخرة جدا في تصنيف تلك الجداول الدولية مقارنة بعدد كبير من الدول العربية المجاورة لنا، والتي لحقتنا منذ فترة قريبة (وفق مؤشرات حديثة للعام الجاري، فإن جامعة المنصورة والتي تصنف في المركز الأول من حيث جودة التعليم في ترتيب الجامعات المصرية، تحتل المركز 102 عالميًا، وتحتل جامعة القاهرة المركز 178 عالميًا، وفيما احتلت قطر المركز الأول عربيًا في جودة التعليم العام، وفق مؤشرات حديثة، فإن مصر تذيلت القائمة في المركز الـ13).

تدجين تعليمي

طبقت الحكومة عددًا من الإجراءات لتبديل عقلية الطالب المصري، ومنحه مزيدًا من التقبل لمسألة إلغاء مجانية التعليم، على نحو ما جرى في العام 2014، حينما قدّم المجلس التخصصي للتعليم والبحث العلمي، حزمة من المقترحات لسياسات تطوير التعليم. أبرزها وأكثرها إثارة للجدل؛ سياسة خاصة بتقليل الإنفاق الحكومي على دعم التعليم الجامعي من خلال ربطه بالدرجات التي يحصل عليها الطالب في المرحلة الثانوية. وهو النظام الذي يشكل تهديداً حقيقياً لحق التعليم الجامعي المجاني الذي اكتسبه المصريون منذ أربعينيات القرن الماضي، وتأصل مع قيام الجمهورية الأولى.

وحسب طارق شوقي -رئيس المجلس وقتئذٍ، فإن النظام الجديد عمد إلى ضمان المساهمة بنحو 70% من المصاريف الدراسية على شكل منح، لطلاب الثانوية العامة الحاصلين على مجموع درجات 70% فأكثر. بينما يجبر الطلاب الحاصلين على أقل من 70% على دفع النسبة الأكبر من المصاريف الدراسية. أما الطلاب الراسبون في كافة المقررات الدراسية، فيدفعون مصاريف الدراسة بشكل كامل. وأطلق شوقي وقتها تصريحات مؤداها أن السياسة الجديدة تهدف إلى تغيير عقلية المصريين فيما يخص مجانية التعليم، وأن “التعليم المجاني كحق مكتسب آن له أن ينتهي”.

وفي سياق مغاير، نفت الحكومة، نهاية العام الدراسي الماضي، في بيان، عزمها إلغاء مجانية التعليم الجامعي، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. جاء ذلك رداً على أنباء بنية الحكومة إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية، وأكد مجلس الوزراء المصري، في بيانه أنه “لا مساس” بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره “حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين”. 

وتقدر الميزانية المخصصة للتعليم العالي في موازنة العام المالي 2022 – 2023، بنحو 85 مليار جنيه، وتشمل التوسع في الجامعات الأهلية، فضلاً عن تطوير التعليم الحكومي؛ إلا أن الشكاوى المتصاعدة والمستمرة من رواد وذوي طلاب التعليم الجامعي “المجاني” تؤشر إلى أن التعليم الجامعي أصبح “بيزنس لمن استطاع إليه سبيلًا”.

خالد الدخيل
صحفي متخصص في تغطية قضايا الاقتصاد المصري

Search