قبل أيام، انتشرت مقاطع فيديو توثق تجمعات لعشرات الأشخاص، صُوّرت من مسافة بعيدة، ورافقتها تعليقات تقول إن المشاركين عمال مصريون في الإمارات أُلغيت إقاماتهم وأُنهيت عقود عملهم بصورة مفاجئة. وبالتزامن، شهدت مجموعات المصريين المقيمين في الدولة الخليجية موجة من الشكاوى والاستغاثات، تحدث أصحابها عن إلغاء إقاماتهم أو إنهاء أعمالهم، رغم تأكيدهم استيفاء الإجراءات والمتطلبات القانونية.
ومع تصاعد الجدل، دخلت وزارة الخارجية المصرية على خط الأزمة، نافيةً وجود أي إجراءات استثنائية أو أزمة عامة تستهدف المصريين، ومؤكدةً أن الحالات المرصودة ارتبطت بمخالفات تنظيمية أو تجاوز مدة البقاء خارج البلاد لأكثر من ستة أشهر؛ وقال السفير حداد الجوهري، مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية، في تصريحات تليفزيونية، إن الحالات التي أُثيرت مؤخرًا ترجع إلى مخالفة ضوابط وشروط الإقامة أو إجراءات التدقيق التنظيمية، وهي كلها وقائع فردية. كذلك نفى المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، وجود أزمة، معتبرًا أن ما يُتداول «معلومات غير صحيحة» تندرج ضمن «حملات إعلامية يائسة»، وقال في منشور عبر منصة «إكس» إن «بعض المنصات الموجهة تتداول معلومات كاذبة» عن الإمارات، وإن «الحقائق والإنجازات الملموسة أقوى من الإشاعات».
لكن شهادات وثّقتها «زاوية ثالثة» تتعارض مع الرواية الرسمية؛ إذ تحدثنا إلى 12 شخصًا قالوا إنهم تضرروا من إلغاء إقاماتهم أو تعذر تجديدها في الإمارات، إلى جانب عدد من أفراد أسر مقيمين هناك، ورصدنا شكاوى العشرات عبر مجموعات الجالية المصرية؛ فيما قدّر بعض المتحدثين أعداد المتضررين بالآلاف، دون أن نتمكن من التحقق المستقل من هذا التقدير. وقد حجبت «زاوية ثالثة» أسماء المتحدثين حمايةً لهم، ولرغبة عدد منهم في العودة إلى الإمارات، ووثّقت رواياتهم عبر مقابلات مباشرة ومتابعة مجموعات الجالية؛ وبطبيعة القرارات الإدارية الفردية، لم يكن في مقدور «زاوية ثالثة» التحقق مستقلًا من كل قرار على حدة مقابل السجلات الرسمية، وهو ما يجعل مطلب التحقيق الرسمي الشفاف جوهريًا في هذه القضية.
ويؤكد المتضررون أنهم فوجئوا بإلغاء الإقامة، وفي بعض الحالات كانت الإقامة لا تزال سارية لفترات طويلة، فيما أكدوا جميعًا أنهم لم يتلقوا تفسيرًا واضحًا لأسباب الإلغاء، ولم يتمكنوا من معرفة ما إذا كان بإمكانهم العودة إلى الإمارات عبر تأشيرات جديدة.
ويُقدَّر عدد المصريين المقيمين في دولة الإمارات بنحو 1.3 مليون شخص حتى نهاية عام 2024، وفق أحدث تقديرات البعثة المصرية في الإمارات التي أوردها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتكتسب هذه الجالية أهمية اقتصادية أيضًا، إذ بلغت تحويلات المصريين العاملين في الإمارات نحو 3.6 مليار دولار خلال العام المالي الماضي (2024/2025)، مقابل 1.8 مليار دولار في العام السابق، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

من إجراء روتيني إلى رفض متكرر
بدأت قصة أحد المتضررين قبل أن يغادر الإمارات، حين انتقل من العمل في شركة تسويق بدبي إلى عرض وظيفي في شركة كبيرة بأبوظبي، يقول إنها تابعة لإحدى الجهات شبه الحكومية؛ وبسبب انتقاله إلى جهة العمل الجديدة ألغى إقامته السابقة التي كان يتبقى على صلاحيتها نحو أربعة أو خمسة أشهر، وحصل على فترة سماح مدتها شهر تمهيدًا لاستخراج إقامة جديدة عبر إجراءات انتقال العامل من منشأة إلى أخرى.
لكن الإجراء الاعتيادي تحول إلى سلسلة من طلبات الرفض والمستندات الإضافية، إذ يقول إنه تقدم بطلب نقل إقامته أكثر من مرة، وفي كل مرة كان يُرفض، قبل أن يُطلب منه تقديم شهادة بحث الحالة الجنائية، أو ما يُعرف في مصر بـ«الفيش والتشبيه»، باعتبارها أحد المتطلبات الجديدة للمصريين. وبحسب روايته، استخرج الشهادة من دبي مقابل نحو 220 درهمًا، ثم أُبلغ بضرورة استخراجها من وزارة الداخلية الإماراتية وتوثيقها من وزارة الخارجية الإماراتية، فيما واصلت الشركة إعادة التقديم نيابة عنه أربع مرات على الأقل. ويضيف أنه طُلب منه لاحقًا، بحكم طبيعة الشركة «شبه الحكومية»، استخراج شهادة من السفارة المصرية في الإمارات وإرسالها إلى مصر لتوثيقها من الخارجية المصرية، قبل استكمال التصديق من السفارة الإماراتية في مصر. ويقول إن هذه الإجراءات استغرقت نحو عشرة أيام، وأن ما أنفقه تجاوز 30 ألف جنيه مصري، لكنه فوجئ بعد استكمالها برفض طلب الإقامة مجددًا.
وبعد تكرار الرفض، توجّه إلى إدارة الجوازات على أمل معرفة السبب، ويقول: «شرحت لهم وضعي، وقلت إنني أنجزت كل الأوراق المطلوبة، وإن الشركة تقدمت بالطلب أكثر من مرة، فلماذا لا تُقبل إقامتي؟». ويضيف أن الرد الذي تلقاه كان أن «إقامات المصريين موقوفة»، وأن عليه الانتظار لحين ظهور تعليمات جديدة؛ وفهم من ذلك أن المشكلة لا تتعلق بأوراقه أو بالشركة، وإنما بكونه مصريًا. ويشير إلى أن حالات أخرى، بحسب ما علمه، طالت أشخاصًا كانوا يحاولون تجديد إقاماتهم القائمة، بينما أُلغيت إقامات آخرين أثناء وجودهم خارج الإمارات.
ويقول إن تجربته دفعته في النهاية إلى العودة إلى مصر بعدما تحمّل تكاليف السكن والمعيشة طوال فترة انتظاره، دون أن يتمكن من استكمال عمله، مؤكدًا أنه لا يريد مخالفة أي إجراءات، لكنه ينتظر، بحسب تعبيره، «أن يُفتح الأمر رسميًا وتصبح الإجراءات واضحة». ولا يرى أن تفسير ما حدث بأنه مرتبط بمخالفات شركات أو بإقامات وهمية يفسر تجربته، مشيرًا إلى أن بعض الحالات التي يعرفها ارتبطت بشركات كبرى ومعروفة، ومن بينها زملاء عادوا للعمل في شركات لها فروع داخل مصر، وهو نفسه بات يعمل حاليًا في مصر ويتقاضى راتبه بالجنيه بدلًا من الدرهم. ويطرح تفسيرًا سياسيًا لما يحدث، لكنه يقدّمه باعتباره اعتقادًا شخصيًا لا دليل مباشر عليه، إذ يقول: «الموضوع، كما أفهمه، أن هناك خلافًا بين جهات كبيرة، ونحن من ندفع الثمن»، مؤكدًا أن ما يزعجه ليس رفض الإقامة فقط، وإنما أيضًا الأموال والوقت اللذان أنفقهما قبل أن يعود دون أن يعرف لماذا رُفض طلبه.

إلغاء أمني
يقول أحد المتضررين، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إنه يعمل من خلال شركة مملوكة لشقيقه ويحمل توكيلًا رسميًا عنها، وإن وضع الشركة منتظم، موضحًا أنه غادر الإمارات في إجازة قبل نحو شهر، قبل أن يكتشف إلغاء إقامته أثناء وجوده خارج الدولة في منتصف أغسطس الجاري. ويوضح أنه حاول الاستفسار عن السبب وتواصل مع شخص يعمل في مجال الجوازات، فأُبلغ بحسب روايته بأن الأمر مرتبط بـ«السيستم» وأن الإلغاء تم بصورة عشوائية، وعندما سأل عن إمكانية العودة قيل له إن ذلك غير متاح حاليًا، وإن السبب الذي يُشار إليه عند الاستفسار هو «إلغاء أمني»؛ ويلفت إلى أنه لم يتقدم بتظلم رسمي حتى الآن، وأن الأمور ما تزال ضبابية مع غياب مسار واضح للتظلم أو لمعرفة السبب ومعالجته.
وفي سياق متصل، يقول أحد المقيمين في أبوظبي إنه يعيش في الإمارات بصورة منتظمة منذ نحو 20 عامًا، وغادرها في 30 يوليو الماضي لقضاء إجازة، قبل أن يكتشف في 10 أغسطس إلغاء إقامته رغم أن صلاحيتها كانت تمتد نحو 18 شهرًا؛ ويؤكد أنه لا يوجد سبب واضح، لافتًا إلى حالة «التوتر» بين القاهرة وأبوظبي إثر الحرب باعتبارها سببًا محتملًا، ويقول إن «المصريين واجهوا في الشهور الأخيرة حالة من الاستياء غير المبرر وغير المعلن رسميًا»، واصفًا ذلك بتحوّل واضح في التعامل معهم. وفي حالة أخرى، يقول موظف في شركة كبيرة تعمل بأبوظبي إنه مستوفٍ لكل الشروط القانونية للإقامة ولا توجد أسباب واضحة للإلغاء، موضحًا أن إقامته أُلغيت في 10 أغسطس بعد عشرة أيام فقط من وجوده في مصر، بينما كان يتبقى عليها أكثر من عام. ويقول متضرر خامس إن إقامته جُددت في أبريل وغادر الإمارات في 29 منه، قبل أن يفاجأ بإلغائها في 22 أغسطس رغم حصوله على الموافقة، وكان يتبقى على صلاحيتها نحو عامين.
ولا يعتقد المتضررون الذين تحدثنا إليهم أن ما جرى يمكن تفسيره ببساطة بمخالفات في شركاتهم أو أوضاعهم الوظيفية؛ يقول أحدهم إن الشركة التي يعمل بها من الكبرى المنفّذة لمشروعات في أبوظبي وإن الرواتب تُدفع بانتظام، ومع ذلك أُلغيت إقامة عدد من العاملين بعد مغادرتهم لقضاء إجازات. ويقول آخر إن أصدقاء له يعملون في شركات أجنبية وفي شركات كبرى بقطاع الطاقة تعرّضوا، بحسب ما علم منه، لإلغاء الإقامة أيضًا رغم انتظام جهات عملهم؛ فيما يختصر أحد المتضررين اعتراضه بأن وجود مشكلة في مستندات العامل أو الشركة، إن وُجدت، يفترض أن يترتب عليه طلب استكمال أو تصحيح الأوراق، لا إلغاء إقامة قائمة فجأة، ويقول: «لو كانت هناك أوراق تحتاج إلى تعديل، فمن الطبيعي أن يتم التواصل مع الشخص أو الشركة، وألا يتم التجديد إلا بعد استيفاء المتطلبات؛ أما أن تُلغى إقامة تمت الموافقة عليها بالفعل، فهذا ما لا نفهمه».
ومن الحالات التي تختلف عن نمط العاملين حديثي العهد بالإمارات، مدرّس يقول إنه أمضى 14 عامًا في الدولة، وإن إقامته مرتبطة بمدرسته وراتبه يُدفع بانتظام، وقد استكمل معادلة مؤهله ويحمل شهادة حسن سير وسلوك، ورغم ذلك أُلغيت إقامته أثناء وجوده خارج الإمارات، ويتساءل: «أنا مدرّس، وإقامتي على المدرسة، وراتبي ينزل بانتظام، وقضيت 14 سنة في الدولة، وعملت معادلة وأحمل شهادة حسن سير وسلوك، ومع ذلك أُلغيت إقامتي وأنا خارج الدولة في إجازتي السنوية».
ويخضع تشغيل العمال في القطاع الخاص بالإمارات لإطار قانوني ينظّم إصدار تصاريح العمل وتجديدها وإلغاءها، بموجب المرسوم بقانون الاتحادي رقم (33) لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل الذي بدأ سريانه في فبراير 2022؛ فلا يجوز للعامل ممارسة العمل، ولا لصاحب العمل تشغيله، قبل الحصول على تصريح عمل من وزارة الموارد البشرية والتوطين وفق أحكام القانون ولائحته التنفيذية. وتحدد اللائحة شروط إصدار التصريح، ومنها توافق المهنة مع نشاط المنشأة وسريان ترخيصها وعدم وجود مخالفات، كما تنظّم إجراءات التجديد والإلغاء، وتمنح الوزارة صلاحية الامتناع عن إصدار التصريح أو تجديده أو إلغائه في حالات محددة. وبذلك يرتبط وجود إقامة سارية بالوضع القانوني للعامل وتصريح عمله؛ وهو ما يجعل السؤال الجوهري، الذي لم تُجب عنه البيانات الرسمية ولم يُبلَّغ به المتضررون، هو أيّ سند قانوني محدد استُند إليه في كل حالة إلغاء، ولماذا طال الإلغاء إقامات وُصفت بأنها سارية ومستوفية للشروط.
وفي حالة أخرى، يقول أحد المتضررين إنه مستثمر يملك شركة قائمة في الإمارات تضم موظفين ولها مقر وحسابات مصرفية وبطاقة ضريبية، ويؤكد أنها تعمل بصورة طبيعية دون مشكلات قانونية أو إدارية، ومع ذلك أُلغيت إقامته أثناء وجوده خارج الدولة، ثم تقدّم بطلب تأشيرة زيارة فتلقى رفضًا، متسائلًا عن مصير نشاطه التجاري وعمّا إذا كان يستطيع دخول الإمارات وتسوية وضعه.
في بعض الحالات، لم يعرف المتضررون بإلغاء إقاماتهم إلا عند محاولة العودة؛ يقول أحدهم إنه اكتشف الإلغاء في المطار بعد وصوله، بينما كان يعمل في شركة دولية كبيرة، فاضطر إلى العودة بعد أن خسر قيمة التذكرة. وفي حالة أخرى، اكتشف متضرر إلغاء إقامته في المطار يوم 22 أغسطس، وتقدّم في اليوم التالي بطلب تأشيرة زيارة رُفض، وعند الاستفسار تلقى ردًا يشير إلى «إجراءات أمنية»، فيما نصحه أحد الأشخاص بعدم التقدم بطلب زيارة جديد قبل مرور شهر. وتقول حالة أخرى إن متضررًا أُلغيت إقامته في 24 أغسطس واكتشف الأمر عند محاولته السفر بينما كان لا يزال مرتبطًا بعمله في شركة كبيرة، كذلك تقول إحدى المتضررات إن زوجها كان خارج الإمارات في إجازة حين أُلغيت إقامته، دون أن تتلقى الأسرة تفسيرًا واضحًا.
نوصي للقراءة: أُمروا بالمغادرة ولم يُطلَق سراحهم.. مصريون محتجزون في العراق
لماذا الآن؟
يقول شعبان خليفة، رئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص والقيادي العمالي والسياسي، في حديث لـ«زاوية ثالثة»، إنه تابع خلال الأيام الماضية ما أُثير من وقائع وشكاوى بشأن إلغاء إقامات عدد من المصريين العاملين والمقيمين في الإمارات، وما خلّفته من قلق واسع داخل الجالية، لا سيما مع حديث بعض المتضررين عن إلغاء إقاماتهم فجأة أثناء وجودهم في مصر لقضاء إجازاتهم، بما يضعهم أمام أوضاع إنسانية ومهنية وقانونية بالغة التعقيد. ويوضح أن ما يحدث يثير تساؤلات مشروعة، خصوصًا في ظل ما يراه غيابًا لوقائع مماثلة بالوتيرة نفسها بين جاليات وجنسيات أخرى، لكنه يشدد على أنه لا يريد استباق نتائج أي تحقيقات أو توجيه اتهامات دون أدلة.
ويضيف أن هذه الوقائع لا ينبغي التعامل معها باعتبارها إجراءات إدارية عابرة إذا ثبت تعددها وتكرارها بين مصريين يعملون ويقيمون منذ سنوات، ويطرح سؤالًا يراه جوهريًا: «هل نحن أمام إجراءات فردية لتطبيق قوانين الإقامة، أم أمام سياسة أوسع تستهدف العمالة المصرية؟». ويرى أنه إذا كانت الإجراءات فردية، فعلى السلطات الإماراتية أن توضح أسبابها ومعاييرها للرأي العام وللسفارة المصرية، وأن تضمن عدم تعرّض أي مواطن لإجراء مفاجئ أو تعسفي دون سند قانوني واضح؛ أما إذا كانت هناك قيود جديدة تخص العمالة المصرية، فإن الأمر «يتجاوز نطاق الإجراءات الإدارية ليصبح ملفًا يمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي وحقوق ملايين الأسر المصرية». ويرفض بشكل قاطع تحويل العمالة المصرية إلى ورقة ضغط في أي خلاف سياسي بين القاهرة وأبوظبي، قائلًا إن العامل المصري «ليس طرفًا في أي خلاف سياسي، وإنما مواطن خرج بحثًا عن الرزق».
ويستند خليفة إلى حجم الجالية للتدليل على حساسية الملف، مشيرًا إلى نحو 1.3 مليون مصري وتحويلات تبلغ نحو 3.6 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، ويقول إنها ليست «أرقامًا هامشية»، بل تعكس ثقلًا بشريًا واقتصاديًا يجعل أي اضطراب واسع في أوضاع العمالة ذا انعكاسات مباشرة على ملايين الأسر وعلى تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر. ويضيف أن حساسية الملف تتضاعف مع حجم المصالح المتشابكة بين البلدين، لافتًا إلى أن حجم التبادل التجاري بلغ نحو 9.7 مليار دولار خلال عام 2025 وفق البيانات الإماراتية الرسمية. وبناءً على ذلك، يرى أن الحكومة المصرية مطالبة بتحرك عاجل لحماية مواطنيها، مقترحًا تشكيل خلية أزمة مشتركة تضم وزارات الخارجية والعمل والهجرة والجهات القنصلية لحصر الحالات ومتابعة كل مصري تعرّض للإلغاء أو رفض التجديد، ومطالبة الجانب الإماراتي عبر القنوات الرسمية بتوضيح حقيقة ما يجري وما إذا كانت هناك تعليمات جديدة تخص العمالة المصرية، مع توفير الحماية القانونية والقنصلية للمتضررين.
ويطالب كذلك بفتح حوار دبلوماسي عاجل على مستوى رفيع للوصول إلى معالجة شفافة، مع إطلاع الرأي العام على حقيقة الموقف بعيدًا عن البيانات المبهمة، مشددًا على أن «المصريين من حقهم أن يعرفوا ما يحدث لمواطنيهم في الخارج»، وأن «العلاقات بين الدول تُبنى على المصالح والاحترام المتبادل، لا على الضغط على مصر عبر العمال». وفي حال ثبت وجود توجه منظم لاستهداف العمالة المصرية، يرى أن على الحكومة الانتقال من مرحلة الاستيضاح إلى «موقف سياسي ودبلوماسي حازم»، محذرًا من اختزال العمالة في أرقام، وقائلًا إن خلف كل عامل «أسرة تنتظر راتبه». ويؤكد: «المصريون ليسوا ورقة ضغط، وكرامة العامل المصري ليست قابلة للتفاوض، وحماية المواطن في الخارج مسؤولية دولة لا مجاملة من أحد»، مطالبًا بالتحرك قبل أن تتسع الحالات الفردية وتتحول إلى أزمة جماعية يصعب احتواؤها.

توتر غير معلن
في مايو الماضي، تناولت مجلة «الإيكونوميست» وجود توتر حذر بين مصر والإمارات يمزج بين الاعتماد المالي المصري والمخاوف من تمدد النفوذ الإماراتي إقليميًا، واصفةً العلاقة بـ«أم الدنيا في مواجهة الوافد الجديد»؛ في المقابل، اعتبرت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية الطرح تبسيطيًا، مؤكدةً أن العلاقة شراكة استراتيجية لا مجرد مانح ومتلقٍ. وأشارت المجلة إلى أن مصر تحتاج إلى الإمارات لكنها تشعر بالقلق من تنامي نفوذها، وأن أبوظبي أصبحت لاعبًا اقتصاديًا شديد التأثير في مصر مستفيدةً من حاجة القاهرة إلى العملة الأجنبية والاستثمارات، بينما يرى قطاع من المصريين أن الأزمة الاقتصادية دفعت الدولة إلى بيع أصول وأراضٍ وقطاعات لمستثمرين خليجيين على رأسهم الإماراتيون، وهو شعور تقول المجلة إنه يولّد مرارة لدى بعضهم، في حين يرى إماراتيون أن رد الفعل المصري يحمل قدرًا من الجحود تجاه دولة قدّمت دعمًا كبيرًا.
ويقول الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في تصريحات لـ«زاوية ثالثة»، إن قراءة العلاقات المصرية الإماراتية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الإماراتي محمد بن زايد تثير قدرًا كبيرًا من «الارتباك»، لوجود جوانب من التنافر مقابل جوانب من التجاذب والتعاون. ويوضح أن هذا التناقض يبدو في العلاقات الاقتصادية والسياسية، مشيرًا إلى حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر وما وصفه بـ«فتح المجال للإمارات لنهل المقدرات المصرية إلى حد السلب»، على حد تعبيره، سواء في الشواطئ أو إدارة الموانئ أو شراء المصانع، ويصاحب ذلك تقارب سياسي تجسّده الزيارات المتبادلة. وفي المقابل، يرى ربيع جانبًا آخر «سوداويًا» يرتبط بالموقف الإماراتي من ملفات إقليمية كالسودان وليبيا وإثيوبيا، وما يعتبره دعمًا إماراتيًا لأطراف فيها، متسائلًا: «كيف تكون هذه الجوانب المتناقضة في العلاقة نفسها؟».
وفيما يتعلق بتداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، يقول ربيع إن التطورات الإقليمية قد تنعكس على طبيعة التعامل بين البلدين، مشيرًا إلى أن أحد مظاهر الضغط المحتملة قد يتمثل في «طرد العمالة أو تقييد العمالة الموجودة» في الإمارات، معتبرًا أن ملف العمالة المصرية قد يكون أحد أوجه التوتر، وأن ما يحدث يعكس حالة الالتباس في العلاقة المستمرة، بحسب تقديره، منذ عام 2013. ويشدد على صعوبة تقديم إجابة قاطعة بشأن مستقبل العلاقات، قائلًا إن أي توقعات ستظل أقرب إلى الانطباعات منها إلى التحليل اليقيني، وإن الحديث عن السيناريوهات في ظل هذا الالتباس يشبه، على حد تعبيره، «ضرب الودع».
وخلال السنوات الأخيرة، توسّع الحضور الاقتصادي الإماراتي في مصر بصورة لافتة، ولم يعد مقتصرًا على العقارات والسياحة، بل امتد إلى قطاعات مالية وصناعية ولوجستية وغذائية ودوائية. وكانت شركة «القابضة» (ADQ)، أحد صناديق أبوظبي السيادية، في قلب هذا التوسع؛ ففي أبريل 2022 أعلنت استثمارات في حصص بشركات مصرية بارزة، بينها البنك التجاري الدولي (CIB) وشركة «فوري» للمدفوعات الإلكترونية والإسكندرية لتداول الحاويات وشركتا «موبكو» و«أبو قير للأسمدة»، ثم توسعت محفظتها في قطاع الدواء عبر الاستحواذ على «آمون للأدوية». وفي يناير 2024، وقّعت «القابضة» و«أدنيك» اتفاقًا للاستحواذ على حصة 40.5% في ذراع الضيافة التابعة لمجموعة طلعت مصطفى «آيكون»، تضمّن بصورة غير مباشرة حصةً في سبعة فنادق تراثية مملوكة للحكومة المصرية بينها «مينا هاوس» و«ماريوت عمر الخيام» و«ونتر بالاس الأقصر» و«أولد كتراكت أسوان». وبلغ هذا المسار ذروته في فبراير 2024 بإعلان صفقة رأس الحكمة، التي وصفتها الحكومة بأنها أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ البلاد بقيمة 35 مليار دولار؛ منها 24 مليارًا مقابل حقوق تطوير المنطقة، إضافةً إلى تحويل 11 مليار دولار من ودائع إماراتية لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات، بحسب «القابضة». ويغطي المشروع نحو 170 مليون متر مربع (أكثر من 40 ألف فدان)، وتولّت «مودون» الإماراتية تطويره، ووفق القوائم المالية للقابضة دُفع 24 مليار دولار في 2024 مقابل حقوق الأرض، فيما أعلنت الحكومة المصرية احتفاظ الدولة بحصة 35% في المشروع.
وتبقى قضية العمالة المصرية في الإمارات، بشهاداتها المتقاطعة، بحاجة إلى تحقيق رسمي شفاف يوضح الأسباب والمعايير ويمنح المتضررين مسارًا واضحًا للتظلم. فالثابت من روايات من تحدثوا إلى «زاوية ثالثة» أن إقامات سارية أُلغيت فجأة دون تفسير مكتوب، وأن بعضهم أُبلغ شفهيًا بأن الإلغاء «أمني» دون تحديد سنده، بينما ظل ربط ما جرى بخلاف سياسي بين القاهرة وأبوظبي اجتهادًا شخصيًا لأصحابه، لا سببًا رسميًا قيل لأحد أو استند إلى قرار معلن. وبين نفي الحكومتين وجود أزمة تستهدف المصريين، ووصفهما ما جرى بأنه وقائع فردية ومخالفات تنظيمية، وبين ما يرويه المتضررون من إلغاءٍ لإقامات مستوفية دون سبب واضح، يظل الفصل بين فرضية الإجراءات الفردية وفرضية السياسة الأوسع رهنًا بما تكشفه الجهات الرسمية في البلدين عن الأساس القانوني المحدد لكل حالة.