تواصل تحويلات المصريين العاملين بالخارج تسجيل معدلات نمو بنهاية العام المالي 2025-2026، إذ ارتفعت خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يونيو 2026 بنسبة 29.6% لتصل إلى نحو 47.3 مليار دولار، مقابل 36.5 مليار دولار خلال العام المالي 2024-2025. وقد ارتفعت التحويلات من 19.5 مليار دولار في 2023 لتسجل 41.5 مليار دولار بنهاية 2025، بمعدل نمو 40.5% مقارنة بـ2024 الذي سجل نحو 29.6 مليار دولار.
تحويلات المصريين بالخارج تجاوز نسبة 11% من حجم الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2025، والذي بلغ نحو 365 مليار دولار، حسب تحليل “زاوية ثالثة” الإحصائي لبيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
وبينما يشيد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بصلابة الاقتصاد المصري إثر نمو تحويلات المصريين بالخارج، يحتفي بعض الاقتصاديين كذلك بتحويلات المصريين بالخارج تدليلًا على جذب الاقتصاد المصري لأموال المصريين، فيما وُصف بـ”المغترب يجب أن يساند بلده في الظروف الاقتصادية الحالية كي تنعكس مشاركته على التنمية”.
تعرف تحويلات المصريين بالخارج على أنها الأموال أو السلع التي يرسلها العاملون والمهاجرون إلى أسرهم في بلدانهم الأصلية عبر القنوات الرسمية، مثل البنوك وشركات الصرافة والبريد، لتلبية احتياجاتهم المعيشية ودعم دخولهم. بينما يُوجَّه نحو 22% من هذه الأموال عالميًا إلى الاستثمار في النظم الغذائية والزراعية بالمناطق الريفية.

بالدولار فقط.. تستطيع الانتفاع من الدولة
تستهدف مبادرات الدولة استقطاب المدخرات الدولارية للمغتربين عبر حلول أدوات عديدة. وتبقى وثيقة “معاش بكرة بالدولار” نموذجًا على ذلك، إذ تتيح الوثيقة للمصريين بالخارج الادخار عبر قسط تأسيسي يبدأ من 500 دولار وبحد أقصى 10000 دولار سنويًا، مع إمكانية دفع أقساط إضافية تبدأ من 50 دولاراً لزيادة المزايا الادخارية.
بالتوازي مع ذلك، أطلقت وزارة الخارجية بالتنسيق مع البنك المركزي مبادرة “افتح حسابك في مصر”، والتي تسهّل إجراءات فتح الحسابات المصرفية بعملات أجنبية للمغتربين عبر المقرات الدبلوماسية. كما أطلقت الدولة بالتزامن مع ذلك مبادرة “تحديث البيانات البنكية من الخارج” لتذليل عقبات المعاملات المصرفية ومنع تجميد الحسابات للعملاء المقيمين بعيدًا عن الوطن.
وعلى هذا النهج، أطلقت مبادرة “استيراد سيارات المصريين بالخارج” للمقيمين في الخارج، بإعطائهم حق استيراد سيارة ملاكي واحدة مقابل إيداع 30% من قيمة الضريبة الجمركية وديعة دولارية بدون فوائد لدى البنك المركزي المصري لمدة 5 سنوات تُسترد بعدها بالجنيه وفق سعر الصرف المعلن وقت الاسترداد، وقد حققت هذه المبادرة حصيلة نقدية تجاوزت 900 مليون دولار وهو أقل من نصف المستهدف من المبادرة.
وفي ذات السياق، أطلقت الدولة مبادرة “بيتك في مصر” بالتعاون مع وزارة الإسكان، والتي أتاحت وحدات سكنية وأراضٍ متميزة في المدن الجديدة عبر منصات حجز إلكترونية مخصصة تُسدد قيمتها بالنقد الأجنبي من الخارج. يضاف إلى ذلك مشروع “بيت الوطن” الذي يوفر قطع أراضٍ وشققًا بمواقع استراتيجية بأسعار ميسرة شريطة السداد بالدولار.
كما أُطلقت مبادرة “مزرعتك في مصر” لتخصيص أراضٍ زراعية مستصلحة للمغتربين مقابل النقد الأجنبي. إضافة إلى مبادرة “تسوية الموقف التجنيدي للمصريين بالخارج” مقابل سداد 5000 دولار أو يورو، قبل أن يتم رفعها إلى 7000 لاحقًا.

عين الدولة على دولار-يورو المغتربين
تكشف آراء الجاليات المصرية بالخارج عن مطالب تستدعي تحسينات مستمرة لأوضاعها، حسب أستاذ القانون الدولي بجامعة الزاوية الليبية الدكتور أسعد عبد الرحمن. يقول لـ”زاوية ثالثة” إن الملف التعليمي يحتل صدارة مطالب الأسر المصرية المقيمة بالخارج، لا سيما في معادلة الشهادات الثانوية والجامعية للطلاب الراغبين في استكمال دراستهم بالجامعات المصرية.
تتمثل نقطة التباين الرئيسية في قرار المجلس الأعلى للجامعات، إذ يحدد ضوابط معادلة شهادات الطلاب الدارسين بالخارج بضرورة ألا يقل مجموع الطالب عن 5% كحد أقصى مقارنة بالحد الأدنى للقبول بالكلية المماثلة بالجامعات الخاصة والأهلية بمصر عام حصوله على الثانوية العامة، حسب “أسعد” الذي يعيش في ليبيا منذ أكثر من 30 عامًا.
بينما يضيف أن الدولة ترفض معادلة الشهادات الصادرة عبر أنظمة التعليم الإلكتروني أو عن بُعد، في حين يرى أستاذ القانون الدولي أن الجاليات المصرية ترى أن شرط 5% يفرض قيودًا على مستقبل أبنائهم الذين يدرسون في بيئات تعليمية ذات أنظمة تقييم مختلفة.
بينما تذكر وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات أن القرار صدر بعد دراسة مستفيضة للحد من التجاوزات ولضمان تكافؤ الفرص وجودة الخريجين، حسب الوزارة.
من جهته، يطالب محمد أبو دياب وهو مسئول عن مركز إسلامي يعيش في إسبانيا رفقة أسرته منذ 2010، بالتركيز المتوازي على تطوير مظلة خدمات غير مرتبطة بالدفع بالدولار أو اليورو، متعجبًا من تركيز مبادرات الدولة على الأطر المادية المدفوعة بالعملة الصعبة (مثل استيراد السيارات، وتسوية التجنيد، وشهادات الاستثمار، والوحدات العقارية).
كما يشير في حديثة لـ”زاوية ثالثة” إلى أن الجاليات تطالب بتخفيض رسوم المعاملات القنصلية والتوكيلات وتسريع إجراءات استخراج وتجديد وثائق الأحوال المدنية وتوفير آليات تأمين صحي شاملة للعمالة المصرية في الخارج وتفعيل برامج حماية قانونية ورعاية للعمالة.

أينما ذهبوا يلاحقهم القمع.. مصريون في الخارج تحاصرهم قنصلياتهم

دولارات فقط.. بدون خدمات
يتحمل المصريين في الخارج أعباء مالية مرتفعة مقابل الخدمات القنصلية، حسبما يقول عبد الرحمن عقل وهو محاسب يعمل بالسعودية لـ”زاوية ثالثة”. ويفسر أن إصدار توكيل عام قد تصل تكلفته إلى ما بين 250 و300 ريال، بينما يبلغ تجديد جواز السفر نحو 700-800 ريال، وهي رسوم تفوق تكلفة الإجراءات نفسها داخل مصر. بينما يلفت إلى أن أغلب خدمات السفارة تنحصر في الإجراءات القنصلية والرسوم المرتبطة بها التي تستغرق وقتًا أطول من جميع البعثات الدبلوماسية الأخرى.
ويوضح غياب الدعم القنصلي للمواطنين عند تعرضهم لأزمات، موضحًا على سبيل المثال أن المصري يضطر إلى متابعة قضاياه بنفسه أمام الجهات المختصة والاستعانة بمحامٍ دون مساندة من السفارة، بينما المتوقع من البعثات الدبلوماسية تقديم المساندة للمواطنين في حالات النزاعات أو المشكلات القانونية.
ويستطرد أن كثيرًا من شكاوى المصريين بالخارج تتعلق حاليًا بفرض رسوم على الهواتف المحمولة القادمة مع المسافرين، إذ يثير ذلك استياءهم، لا سيما أن الأجهزة للاستخدام الشخصي أو هدايا للأبناء والأقارب، لافتًا إلى أن أسعار بعض الهواتف بالسوق المصرية أعلى من الخارجية رغم الرسوم المفروضة عليها.
ويشير كذلك إلى أن بعض السفارات العربية تنظم فعاليات ثقافية واجتماعية تعزز التواصل بين أعضاء الجاليات، وهو ما يتمنى أن يكون في البعثات المصرية أيضًا.
إلى ذلك يشير أحمد هاشم وهو أحد المغتربين بتركيا، قائلًا إن الاهتمام الذي يتلقاه المصريون بالخارج من بعض البعثات الدبلوماسية، لا سيما عند مقارنته بما تقدمه بعض الدول العربية الأخرى لرعاياها، رغم أنها أقل إمكانات وإمكانات اقتصادية من مصر. كما يصف اتحادات الطلاب المصريين هناك بأنها ضعيفة التأثير مقارنة بنظيراتها في دول أخرى.
ويفسر لـ”زاوية ثالثة” أن جاليات بعض الدول، مثل سوريا وفلسطين واليمن، تحظى بدعم واضح بمجالات التعليم والخدمات المختلفة عبر جهات رسمية بدولهم، مشيرًا إلى أن السفارات تمثل المظلة المنسقة لتلك الخدمات عبر الملحقيات الثقافية والتعليمية وغيرها، معتبرًا أن شريحة كبيرة من العاملين بالخارج، وخاصة الطلاب، لا يشعرون بدعم من الدولة.
يلفت “هاشم” إلى أن عددًا كبيرًا من المصريين بالخارج يعملون في أكثر من وظيفة لتأمين احتياجاتهم وجمع مدخرات تمكنهم من بناء مستقبلهم، إلا أنهم يصطدمون بالتضخم في مصر بوتيرة أسرع من قدرتهم على الادخار، مفسرًا أن التضخم أضعف القوة الشرائية لمدخرات المصريون بالخارج، إذ لم تعد الأموال التي يوفرونها على مدار سنوات تحقق أهدافها التي سعوا إليها، كشراء مسكن أو تأسيس مشروع أو توفير حياة مستقرة بعد العودة لأوطانهم.
ويدّعي أن نسبة كبيرة المكاتب التي تتولى إنهاء إجراءات سفر المصريين فور وصولهم للخارج تمارس عمليات نصب أو تقدم خدمات غير موثوقة، ما يصفة بـ”عدم رقابة من السفارة المصرية” وهو ما يترك المواطنين عرضة للاستغلال. وكذلك فإنه يزعم أن السفارات المصرية تقدم دعمها لأصحاب التجمعات التي تنظمها السفارات إبان الزيارات الرسمية بالأعلام والاحتفالات، ولكنها تغض الطرف عن غير المشاركين.
قال عبد الله أبو زيد، أحد المصريين المقيمين في تركيا، إنه واجه صعوبات كبيرة خلال الفترة الماضية بسبب إجراءات تجديد جواز السفر، موضحًا أنه اضطر إلى السفر إلى مصر قبل نحو شهر ونصف لاستخراج جواز سفر جديد، إلا أن إجراءات استخراج شهادة الإعفاء النهائي من التجنيد استغرقت وقتًا أطول من المتوقع، وكادت تتسبب في فوات موعد عودته إلى مقر إقامته بالخارج.
أما عبد الله أبو زيد وهو أحد الطلاب المصريين في تركيا، يحكي أنه واجه صعوبة كبيرة أثناء محاولته تجديد جواز سفره، إذ اضطر إلى السفر إلى مصر لهذا الغرض خصوصًا لاستخراج شهادة الإعفاء النهائي من التجنيد في سلسلة من التعقيد.
ويوضح لـ”زاوية ثالثة” أن تدخل بعض المسئولين ساعد في إنهاء الإجراءات قبل ساعات من موعد السفر، ما مكنه من العودة إلى تركيا، ليستكمل إجراءات تجديد جواز السفر عبر القنصلية المصرية هناك، إلا أن القنصلية أبلغته بأن تجديد الجواز يحتاج موافقة تستغرق نحو 3 أشهر، رغم اكتمال جميع مستنداته، وهو ما يضعه في أزمة حقيقية، خاصة أن إقامته بالخارج على وشك الانتهاء.
وكذلك يلفت إلى أن عددًا من المصريين العائدين من الخارج يواجهون، حسب قوله، إجراءات تفتيش مهينة في مطار القاهرة مقارنة بالأجانب، مشيرًا إلى أن بعض المسافرين يضطرون إلى فتح حقائبهم والخضوع لإجراءات جمركية على متعلقات وهدايا شخصية جلبوها لأسرهم، وهو ما يثير استياء الكثير من العاملين بالخارج.
وبشأن شكاوى وآمال المصريين بالخارج، تم التواصل مع المتحدث باسم وزارة الخارجية السفير تميم خلاف، ولم تتلقَ “زاوية ثالثة” ردًا حتى النشر.
المصريون بالخارج أصبحوا أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، وبينما تركز المبادرات الحكومية على جذب المدخرات الدولارية عبر برامج استثمارية وسكنية وتمويلية، تتصدر مطالب المغتربين ملفات أخرى أكثر ارتباطًا بحياتهم اليومية، مثل تطوير الخدمات القنصلية وتيسير إجراءات التعليم وتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية.
خسارة مضمونة: الفلاح المصري يزرع فدان القمح بخمسين ألفًا ويبيعه بالثمن ذاته