خلال النصف الأول من أغسطس، رصد الصيادون والسكان المحليون، حالات لنفوق الأسماك وشح الصيد في بحيرة المنزلة، قبل أن تنتقل آثارها إلى المزارع السمكية المطل على البحيرة بعد نحو 20 يومًا؛ إذ حدث في الـ 25 من أغسطس، نفوق جماعي للأسماك بعدما دخلت المياه من البحيرة إلى أحواض، المزارع السمكية، الواقعة في منطقة شطا على الحدود بين دمياط وبورسعيد، ومنها مزرعة أحمد هاني.
في البداية كانت المياه تبدو طبيعية، ولم تشهد تغيير واضح في اللون أو الرائحة، لكن تأثيرها على الأسماك كان مختلفًا عن كل ما شهده مربوها خلال السنوات الماضية، إذ كانت الأسماك في السابق تعطي مؤشرات تدريجية على تدهور المياه، مثل نفوق أعداد محدودة وصعود بعضها إلى سطح المياه، على النقيض مما حدث في الأيام الماضية من نفوق للأسماك داخل المياه وفي قاع الأحواض بصورة مفاجئة.
وسرعان ما طالت الخسائر غالبية المزارع الموجودة في المنطقة، ويُقدر أحمد هاني حجم خسائر مزرعته وحدها بنحو 3 ملايين جنيه، بعد تعرض أحد أحواض مزرعته لنفوق شبه كامل لأسماك الدنيس واللوت، وتضرر حوضان آخران للجمبري، بدرجات متفاوتة، بينما يشير إلى أن أحد أصحاب المزارع المجاورة له، خسر نحو 15 مليون جنيه، بعد نفوق نحو 17 إلى 18 طنًا من الأسماك، كانت تبلغ تكلفة المعدات المستخدمة لتشغيله نحو 1.2 مليون جنيه.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "المزارع الموجودة في المنطقة تنتج عدة أنواع من الأسماك، من بينها الدنيس والقاروص والبوري واللوت والجمبري، إلا أن حجم الضرر كان أكبر في الدنيس، وفي الموسم السابق حققنا إنتاجًا جيدًا للجمبري، على النقيض من الموسم الحالي الذي شهد خسائر واسعة، وأصحاب المزارع مطالبون بسداد إيجارات الأراضي، التي وصلت إلى نحو 11 ألف جنيه للفدان سنويًا، بجانب تكاليف الوقود والأعلاف والمعدات والصيانة".
ولا يمثل نفوق الأسماك الخسارة الوحيدة لأصحاب المزارع، الذين يواجهون تكاليف إضافية لمحاولة إنقاذ الأسماك المتبقية، خصوصًا تكاليف تشغيل معدات ضخ الأكسجين؛ ففي الظروف المعتادة، كانت مزرعة أحمد تتطلب وقود، بتكلفة تبلغ نحو 150 ألف جنيه شهريًا، لكنها تضاعفت مع زيادة استهلاك الوقود الناتجة عن تشغيل المعدات بصورة مستمرة في محاولة للحفاظ على الأسماك الحية.
ورغم تشغيل معدات التهوية بكثافة استمر نفوق الأسماك في مزرعة أحمد، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن فرضية نقص الأكسجين، وفي منتصف سبتمبر، لاحظ تحول لون المياه الآتية من بحيرة المنزلة إلى اللون الأبيض بصورة مفاجئة، واستمر ذلك حتى يوم 16 سبتمبر، قبل هبوب رياح وتيارات مائية قوية خلال أيام 17 و18 سبتمبر، أدت إلى تحريك المياه وعودتها إلى لونها الطبيعي، – بحسب روايته-.
"المياه لم تكن تحمل بالضرورة رائحة نفاذة أو علامات واضحة على التلوث، لكنها كانت تؤثر على الأسماك بمجرد دخولها إلى الأحواض، وننتظر تدخل رسمي من الجهات المختصة لفحص المياه وإعلان نتائج تحاليلها لمعرفة سبب الخسائر التي امتدت إلى مساحة واسعة من المنطقة". يقول.
وفي ظل الخسائر الكارثية كان غالبية أصحاب المزارع يجمعون ما يستطيعون جمعه من أسماك بعد وقت قصير من نفوقها ويبيعونها بأسعار منخفضة لتُستخدم في تصنيع الأسماك المملحة، بينما يتخلصون من الكميات التي تبقى في قاع الأحواض وتطفو في وقت لاحق بعد تحللها، ويوضح أحمد أن المزارع كانت تشهد أحيانًا نفوق عشرات أو مئات الأسماك خلال شهري يوليو وأغسطس وسبتمبر، لكن مؤخرًا نفقت أحواض كاملة خلال ساعات قليلة.

وبحلول الأسبوع الأول من سبتمبر، صُدم مجدي السيد، بصعود أسماك الدنيس والقاروص، – التي يربيها منذ عامين بمزرعته السمكية المطلة على بحيرة المنزلة، بمنطقة مثلث الديبة، الواقعة غرب بورسعيد ودمياط -، من قاع الحوض إلى سطح المياه، فاعتقد أن نقص الأكسجين هو السبب، فقام بضخ مياه جديدة من البحيرة إلى الحوض.
لكن محاولته لإنقاذ حيوات الأسماك، بائت بالفشل؛ إذ نفقت بالفعل واستقرت في قاع الحوض، قبل أن تبدأ في الطفو على سطح المياه مع حلول المساء، وسرعان ما قام بجمع الأسماك النافقة من المياه ووضعها على الجسر، بمساعدة ابنه، خشية أن يؤدي بقاؤها داخل الحوض إلى مزيد من تدهور جودة المياه.
وسرعان ما امتدت الخسائر إلى الأحواض الأخرى إذ نفقت كميات من الجمبري كبير الحجم، وأسماك البوري والطوبار، وعندما دخلت ابنة مجدي معه إلى المياه لمساعدته في جمع الأسماك النافقة، تعرضت لتورم وحساسية مؤلمة في أجزاء جلدها التي لامست المياه، الأمر الذي اضطر والدها إلى أخذها إلى مستشفى عزبة البرج، حيث تلقت محاليل وحقن، وأبلغ الأطباء الأسرة بأن ما تعرضت له الفتاة سببه أحد أنواع البكتيريا الناتجة عن تلوث في المياه.
وعلى مدار أكثر من أسبوع لم يتوقف النفوق الجماعي لأطنان من الأسماك في مزرعته ومزارع جيرانه في مثلث الديبة والأجزاء الشمالية في البحيرة، دون أن يتلقوا تفسيرًا مقنعًا من الجهات المعنية، إذ يروي أنه قام بالإبلاغ لدى جهاز مستقبل مصر باعتباره المسؤول عن إدارة وتشغيل بحيرة المنزلة منذ أواخر عام 2024، والمؤجر لتلك المزارع السمكية، لكن الرد الذي تلقاه هو ضرورة تخلصه من الأسماك النافقة كي لا يتم تحرير مخالفة بيئية بحقه.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "نفوق الأسماك تسبب لي في خسائر مالية تزيد عن 300 ألف جنيه، الأمر الذي اضطرني إلى الاستدانة والبحث عن مصادر دخل أخرى لتغطية نفقات زفاف ابنتي المرتقب وسداد والالتزامات المالية المرتبطة بالمزرعة، ونحو 35 ألف جنيه، هي قيمة الدفعة النصف سنوية من إيجار الأفدنة العشرة التي يستأجرها".
ويوضح أن حجم الخسائر لا يقتصر على قيمة الأسماك النافقة، وإنما يشمل أيضًا تكاليف التربية والأعلاف والوقود والإيجار الذي ارتفعت قيمتها من حوالي ألفي جنيه للفدان إلى نحو 6 آلاف جنيه للفدان، إلى جانب مبالغ إضافية قال إنها تشمل 500 جنيه للفدان لصندوق «تحيا مصر» ومبلغًا آخر للمساعدة، ليصل إجمالي ما يسدده، – بحسب روايته -، إلى نحو 7 آلاف جنيه للفدان.
ولحسن الحظ نجت بعض أسماك البوري والطوبار والجمبري، في مزرعة مجدي، الذي يعمل على محاولة إنقاذها، على مدار اليوم، من خلال تشغيل المضخات لزيادة الأكسجين في المياه، لكن ذلك يحمّله تكلفة وقود يومية تصل إلى نحو 800 جنيه لتشغيل ماكينتين، فضلًا عن تكاليف الأعلاف، التي يبلغ سعر الطن منها نحو 28 ألف جنيه.
ويتذكر أصحاب المزارع السمكية المتضررة، ومنهم مجدي، كيف تدهورت جودة المياه وظهرت بها علامات خضراء في المياه، يرجّحون أنها طحالب تعمل على استهلاك الأكسجين من المياه، الأمر الذي قد يؤدي إلى اختناق الأسماك، لكن تشغيل مضخات الأكسجين بطاقتها القصوى، يبدد تلك الفرضية، لذا يرجحون أن نفوق أسماكهم جاء نتيجة التأثر بمخلفات أحد مصانع البتروكيماويات، أو دخول مياه عذبة إلى البحيرة، تحمل من ملوثات أو بكتيريا ضارة.

وتقع بحيرة المنزلة في الجزء الشمالي الشرقي من دلتا نهر النيل، وتبلغ مساحتها نحو 404.69 كيلومترًا مربعًا، بمتوسط عمق يبلغ 1.15 متر. وتمتد لتشمل ثلاث محافظات هي بورسعيد، والدقهلية، ودمياط. وتشترك في حدودها الشرقية مع قناة السويس، ويحدها من الغرب فرع دمياط، ومن الشمال البحر الأبيض المتوسط.
وتتغذى بحيرة المنزلة من عدة مصادر مائية رئيسية، منها: بوغاز الجميل القديم، والجميل الجديد، وبوغاز الديبة (المعروف محليًا بالصفارة)، إلى جانب قناة الرطمة، وقناة الصفارة، وتصل إلى البحيرة مياه مختلطة، بعضها مالح يأتي من فرع دمياط، وبعضها عذب وشروب.
وتُعد مياه الصرف من أبرز المصادر التي تغذّي البحيرة، وأهمها أربعة مصارف: مصرف بحر البقر، وهو المصدر الأساسي لتلوث البحيرة بالصرف الصحي؛ مصرف السرو، وهو مصرف زراعي يقع في محافظة دمياط؛ مصرف حادوس، الذي يفصل بين محافظتي الشرقية والدقهلية؛ ومصرف رمسيس، الكائن بمحافظة الدقهلية.
معدلات نفوق غير مسبوقة
خلال السنوات الأخيرة توسعت الدولة في تأجير مساحات من بحيرة المنزلة للمزارع السمكية، تشمل نحو 4 آلاف فدان في منطقة الجميل، ونحو 2600 فدان في منطقة «قعر بحر» جنوب بورسعيد، ونحو 1800 فدان في منطقة الخندق، إلى جانب مساحات أخرى في منطقة العجيبة، مما أدى إلى تراجع المساحات المتاحة للصيد الحر، بحسب السيد أصلان، أحد صيادي بورسعيد.
واعتاد الصيادون خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، أن تحدث حالات نفوق محدودة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض مناسيب المياه، وضعف حركة المياه، إلى جانب وجود مستويات محدودة من التلوث، إلا أن نسبة نفوق الأسماك ارتفعت خلال الموسم الحالي بصورة كبيرة، ويعتقد الصيادون ومنهم السيد، أن استمرار دخول مياه مصرفي بحر البقر و«سيلينمار»، إلى البحيرة، أدى إلى زيادة تركيز الملوثات وتدهور البيئة المائية.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "هناك تغيرات تطرأ على لون مياه البحيرة مؤخرًا، حيث تتحول إلى اللون الأبيض عندما تنخفض فيها مستويات الأكسجين أو ترتفع فيها نسبة التلوث، وعند استمرار هذه الحالة لفترة أطول، تتحول المياه إلى اللون الأحمر، وهو ما يعتبره الصيادون مؤشرًا على وصول حالة المياه إلى مرحلة شديدة التدهور ونفوق الأسماك".
ويؤكد أن نفوق الأسماك المرتبط بتدهور جودة المياه ليس ظاهرة جديدة تمامًا في بحيرة المنزلة، لكنه حجمها خلال الموسم الحالي كان أكبر بكثير من السنوات السابقة، مقدرًا مستويات الضرر المعتادة سنويًا، بنحو 10%، والتي ارتفعت هذا العام، – في تقديره-، إلى حوالي 70 إلى 80%.
ويشير إلى أن الأسماك التي تنفق داخل المزارع، قد تُباع بأسعار منخفضة لمصانع أو تجار الأسماك المملحة، بدلًا من بيعها بالسعر المعتاد للأسماك الحية، لاسيما الدنيس، الذي يبلغ سعر الكيلوجرام منه نحو 300 جنيه وهو حي، بينما قد يُباع السمك النافق حديثًا بسعر أقل بكثير لتجهيزه وتمليحه، وقدر السعر في بعض الحالات بنحو 50 جنيهًا للكيلوجرام.

وكان الدكتور صلاح مصيلحي، رئيس جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، قد ربط، – في تصريحات إعلامية أدلى بها في أغسطس العام الماضي -، بين نفوق الأسماك وارتفاع درجات الحرارة بجانب نقص الأكسجين، موصيًا المربين بخفض الكثافات التخزينية وتقليل كميات الأعلاف خلال فترات ارتفاع الحرارة، ومعلنًا تنظيم قوافل بيطرية لمتابعة حالة الأسماك والتعامل مع المشكلات الصحية المرتبطة بالإجهاد الحراري.
وأدى إغلاق بعض أصحاب النفوذ من ملاك الأراضي الزراعية لقناة أو مصرف العنانية، -أحد المجاري المائية الهامة التي تربط بين فرع دمياط القادم من نهر النيل إلى بحيرة المنزلة -، عبر مواسير وبوابات، مما أدى إلى منع وصول المياه العذبة القادمة من ترعة السلام، إلى البحيرة والمزارع المحيطة بها، الأمر الذي تسبب في تدهور جودة المياه وارتفاع درجة ملوحة المياه بصورة كبيرة، بحسب رواية مروان محمد، مالك مزرعة سمكية مطلة على البحيرة.
يمتلك مروان مزرعة سمكية مساحتها 16 فدانًا مستأجرًا، تضم ما بين 7 و8 أحواض، وخلال الأسابيع الأخيرة تعرضت أسماك نحو نصف الأحواض، في مزرعته للنفوق، وأحدها فقد كامل يضم أسماك الدنيس واللوت والبوري الموجودة فيه، والتي تقدر قيمتها بنحو 800 ألف جنيه، يقول لـ"زاوية ثالثة"، موضحًا أن حالات النفوق المعتادة التي تحدث سنويًا لا تقارن بما حدث هذا العام.
ولم يجد مروان، تحركات كافية من الجهات المعنية للتحقق من أسباب النفوق أو تحليل المياه، أو استجابة تتناسب مع حجم خسائر أصحاب المزارع، لاسيما أنه كان ضمن وفدٍ منهم أحضر مجموعة من الأسماك النافقة إلى هيئة الثروة السمكية، لكنهم تعرضوا، بحسب قوله، لإجراءات ومحاضر بدلًا من الحصول على دعم أو تفسير لأسباب النفوق.
ويضيف: "إيجار الفدان، ارتفع من نحو 3 آلاف جنيه إلى 13 ألف جنيه، خلال العام الحالي، وأصحاب المزارع الذين لا يستطيعون سداد الإيجارات نتيجة نفوق الأسماك، يواجهون خطر فقدان الأراضي، وحتى الصيد في بحيرة المنزلة أصبح أكثر صعوبة، فبعض الصيادين تعرضت قواربهم للمصادرة، نظرًا لكون الحصول على تصاريح لمحركات المراكب والفلوكات، يتطلب بنحو 25 ألف جنيه".

ويُقدّر إنتاج بحيرة المنزلة من الأسماك بنحو 50 ألف طن سنويًا، لتساهم بنسبة تقارب 48% من إجمالي إنتاج البحيرات الطبيعية في مصر، كما ، وتُعد موطنًا مهمًا للطيور المهاجرة، كما تحتوي على أنواع متعددة من الأسماك، مثل البلطي، وأسماك العائلة البورية، والبياض، ومبروك الحشائش، والجمبري، والكابوريا.
إلا أن البحيرة تعاني منذ سنوات من تقلص مساحتها نتيجة التآكل، والتجريف، وتجفيف التربة، فضلًا عن تلوث المياه الناجم عن تصريف المياه العادمة، ومياه الصرف الصحي والصناعي والزراعي. كما يؤدي نمو النباتات المائية، مثل ورد النيل والبوص، إلى إعاقة حركة المياه داخل البحيرة، ما يؤثر سلبًا على الثروة السمكية فيها.
التطوير وتغيير بيئة البحيرة
شهدت معدلات نفوق الأسماك بالمزارع السمكية في دمياط ومثلث الديبة، هذا العام، زيادة كبيرة مقارنة بما يحدث عادة خلال الفترة نفسها من كل عام، مع ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستويات الأكسجين في المياه، الذي يؤثر بالسلب على الأسماك، خاصة مع وجود الطحالب التي تستهلك الأكسجين، ويرتبط ذلك في تقدير زكريا رجب، عضو اللجنة الاستشارية للثروة السمكية عن المصائد والبحيرات، بمشكلات مزمنة في القنوات المائية الفاصلة بين المزارع، التي لا تخضع، لأعمال التطهير اللازمة بصورة منتظمة، لاسيما مع إغلاق أجزاء منها، مما يؤثر في حركة المياه.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "النفوق يحدث بصورة موسمية في البحيرة والمزارع، إلا أن هذا العام شهد حدوث نفوق جماعي مفاجئ للأسماك التي صعدت إلى سطح المياه ونفقت في وقت متقارب، بدلًا من النفوق التدريجي، ناهيك عن الارتفاع الكبير في كميات الأسماك النافقة".
ويضيف عضو اللجنة الاستشارية أن جزءًا من الأسماك التي تنفق لأسباب مرضية أو بيئية، يتم تمليحها وبيعها للمستهلكين، بدلًا من التخلص منها وعدم طرحها للاستهلاك الآدمي، الأمر الذي يستدعي التدخل والرقابة.
ويرى أن القنوات الواقعة بين المزارع تحتاج إلى التوسعة والتطهير والحفاظ على حركة المياه من خلالها، معتبرًا أن نظام تداول المياه بين المزارع يمثل مشكلة إضافية، إذ قد تستخدمها مزرعة ثم تصرفها داخل القناة نفسها، لتأتي مزرعة أخرى وتستخدمها مما يؤدي إلى تراكم الملوثات وانتقالها من مزرعة إلى أخرى عبر القنوات.
ويشير إلى عدم التزام المربين بالتوصيات العلمية التي تقضي بجمع الأسماك النافقة داخل المزارع والتخلص منها بالدفن داخل حفر ووضع الجير الحي فوقها، لمنع انتقال الأمراض بين الأحواض، مضيفًا أن الطيور والقطط والكلاب الموجودة داخل نطاق المزارع تتغذى على الأسماك النافقة، وتصل فضلاتها إلى الأحواض والمزارع الأخرى، وبالتالي قد تنقل العدوى.
ويشرح أن التوسع في إغلاق القنوات والمناطق المائية وتحويل معظم مساحاتها إلى مزارع سمكية أدى إلى تراجع حاد في المساحات المتاحة أمام الصيد الحر، مؤكدًا أن إدارة البحيرة تحتاج إلى تحقيق التوازن، وداعيًا جهاز مستقبل مصر المسؤول عن إدارة وتشغيل البحيرة، إلى عدم الاكتفاء بتحصيل قيمة الإيجارات، دون إجراءات لتحسين أوضاع البحيرة أو دعم الصيادين وأصحاب المزارع، والتحقق من أسباب النفوق.
ويرتبط تدهور جودة المياه في بحيرة المنزلة ونفوق الأسماك، بالتغيرات التي طرأت على طبيعة البحيرة خلال مشروع تطويرها، إذ كانت مياهها تتراوح بين العذبة والمختلطة، إلى جانب انتشار مساحات واسعة من النباتات المائية، مثل الغاب والبردي وبعض النباتات المغمورة، التي تؤدي دورًا حيويًا في المعالجة الطبيعية للمياه، إذ تنتج الأكسجين خلال عملية البناء الضوئي، كما كانت البكتيريا النافعة الموجودة في البيئة المائية تعمل على أكسدة بعض المواد والملوثات القادمة من المصارف الزراعية والصرف الصحي، وبالتالي تحد من تراكمها، بحسب الدكتور معاطي قشطة، رئيس البحوث المتفرغ في مركز البحوث الزراعية.
ويشرح الباحث المتفرغ أن تنفيذ أعمال تطوير البحيرة وإزالة النباتات المائية وفتح البواغيز أمام كميات أكبر من المياه المالحة، أدى إلى ارتفاع درجة ملوحة المياه إلى أكثر من عشرة أضعاف مستوياتها السابقة، وبالتالي اختفاء النباتات التي كانت تقوم بالمعالجة الطبيعية للمياه، فتراكمت الملوثات القادمة من المصارف داخل البحيرة، وارتفعت مستويات الأمونيا، مما هيأ الظروف لنمو الطحالب الدقيقة التي تستهلك الأكسجين الموجود في المياه خلال ساعات الليل، واختناق الأسماك ونفوقها.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "عدم نفوق الأسماك في المناطق ذات الملوحة المنخفضة داخل البحيرة أو المصارف، يرتبط بحدوث عمليات أكسدة للأمونيا بواسطة أنواع من البكتيريا، كالنيتروباكتر والأزوتوباكتر، في حين تسبب التغير البيئي الذي طرأ على البحيرة في ظاهرة نفوق الأسماك"، واصفًا حجم الخسائر بالكارثية.
ويقترح إعادة تنظيم دخول المياه المالحة إلى البحيرة من خلال إنشاء بوابات للتحكم في كمياتها، بدلًا من تركها تدخل بكميات كبيرة، بما يسمح بزيادة نسبة المياه العذبة أو الأقل ملوحة داخل البحيرة، مما قد يساعد على عودة النباتات المائية التي كانت تؤدي دورًا في المعالجة الطبيعية للمياه، في ظل استمرار دخول مياه الصرف الزراعي ومياه مصرف بحر البقر إلى البحيرة.
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد أعلن في 2025، عن خطة لإعادة تأهيل بحيرة المنزلة بهدف زيادة إنتاجها السمكي، مؤكدًا أهمية الحفاظ على النظام البيئي للبحيرات. وأشار إلى احتمال فرض حظر موسمي على الصيد في بحيرات البردويل والمنزلة وناصر، لمنح البيئة البيولوجية فرصة للنمو، موجّهًا شرطة المسطحات المائية والجهات المختصة إلى الالتزام بتنفيذ قرارات منع الصيد في الفترات المحددة.
وسبق أن أطلقت الحكومة المصرية المشروع القومي لتطهير وتطوير بحيرة المنزلة، تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وبمشاركة محافظات دمياط والدقهلية وبورسعيد، على ثلاث مراحل بتكلفة إجمالية بلغت 960 مليون جنيه.
ويهدف التطهير إلى تحويل البحيرة إلى مصدر رئيسي للثروة السمكية في مصر، من خلال إزالة التعديات والمخلفات، وتطوير المسطح المائي، وإنشاء قنوات شعاعية لتحسين حركة المياه، وإنشاء مراسي نموذجية وتطوير المناطق المحيطة، بما فيها منطقة القزاقات والبركة الغربية لتُضاف إلى مناطق الصيد البحري، وكذلك إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي قبل تصريفها في البحيرة، لاستخدامها لاحقًا في الزراعة.
وفي وقت سابق، نفذت وزارة الدولة لشؤون البيئة مشروعًا للمعالجة البيولوجية لبحيرة المنزلة، بالتعاون مع وزارة الري، ومرفق البيئة العالمي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خلال فترة تولي المهندس ماجد جورج حقيبة البيئة. بلغت مساحة المشروع 200 فدان، بتكلفة 4.9 مليون دولار، وكان يهدف إلى معالجة 25 ألف متر مكعب من مياه مصرف بحر البقر يوميًا، قبل تصريفها في البحيرة، وذلك باستخدام تكنولوجيا منخفضة التكلفة وصديقة للبيئة.
التحقيق في أسباب النفوق
في السياق ذاته يؤكد النائب البرلماني ضياء الدين داوود، تواصله مع جهاز شؤون البيئة، لتشكيل لجان علمية وبحثية لفحص أسباب النفوق، ومتابعة الأزمة، كاشفًا عن بحث إحتمالية صرف مواد كيماوية من بعض المصانع في بورسعيد إلى بحيرة المنزلة، ربما تكون حركة المياه قد دفعتها في اتجاه المزارع السمكية، مما أدى إلى نفوق الأسماك، الأمر الذي يستدعي في رأيه تتبع مصدر التلوث ومسار انتقاله وعلاقته المباشرة بالأضرار التي لحقت بالمزارع.
يقول لـ"زاوية ثالثة": "إذا كان مصنعًا هو الذي تسبب في التلوث، وأن حركة المياه نقلته إلى منطقة المزارع، بما أدى إلى نفوق الأسماك؛ يكون المصنع هو المسؤول عن تعويض أصحاب المزارع المتضررين لأن المادة 163 من القانون المدني تنص على أن كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض".
ورغم ذلك يؤكد أن مسألة ارتباط النفوق بتلوث صادر عن مصانع كيماوية في نطاق بورسعيد، إلى جانب منشآت بترولية في منطقة حقل ظهر، لا تزال ضمن نطاق الشكوك والاحتمالات التي تحتاج إلى إجراء أجهزة الدولة لتحقيق وفحص ميداني وعلمي، لتحديد مصدر التلوث ومسار انتقاله، داعيًا إلى فحص مسارات الصرف ومراجعة المنشآت التي تنتج مخلفات صرف، وتوجيهها إلى محطات المعالجة قبل وصولها إلى منظومة الصرف الصحي أو البحيرة.
وبينما تستمر التحقيقات لبحث أسباب المعدلات الكارثية لنفوق الأسماك وعدم الإعلان عن صرف تعويضات، يجد أصحاب المزارع السمكية المتضررة أنفسهم في مواجهة الديون وتكاليف الأعلاف والوقود والإيجارات المرتفعة، يبقى السؤال الأهم: من يتحمل تكلفة هذه الخسائر المليونية، ويعيد إلى أصحاب المزارع والصيادين مورد رزقهم؟