أراضي النيل.. من يملك الأرض ومن يحصد قيمتها بعد الإخلاء؟

صندوق التنمية الحضرية حصر 136 قطعة أرض مطلة على كورنيش النيل في القاهرة والجيزة للترويج للمستثمرين خلال شهرين، ضمن حصر أوسع لـ745 فدانًا، بينما يدير جهاز مشروعات القوات المسلحة أراضي طرح النهر من شبرا حتى حلوان
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

في 23 سبتمبر 2026، أعلنت الحكومة المصرية توجهها لطرح أراضٍ ومبانٍ مطلة على كورنيش النيل في القاهرة والجيزة أمام المستثمرين، ضمن خطة لتعظيم الاستفادة من الأصول والأراضي ذات المواقع المميزة، وكشف المهندس خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، أن الصندوق انتهى حتى ذلك التاريخ من حصر 136 قطعة أرض على كورنيش النيل في المحافظتين، تمهيدًا للترويج لها أمام المستثمرين خلال شهرين.

وقال صديق، على هامش مائدة مستديرة عُقدت في القاهرة، إن ملكية الأراضي المطلة على النيل لا تتركز في جهة واحدة، وإنما تتوزع بين عدد من الجهات، موضحًا أن لجنة شُكّلت برئاسة صندوق التنمية الحضرية لدراسة فرص الاستثمار والتفاوض مع المستثمرين لصالح الجهات المالكة، وأضاف أن أرضًا تابعة لمؤسسة أخبار اليوم عُرضت للشراكة، وأن عددًا من الشركات تقدمت بطلبات يجري بحثها حاليًا.

 

ويرى إبراهيم عز الدين، مدير السياسات بديوان العمران أن ما يجري لا يمكن اختزاله في فكرة استغلال مجموعة من الأراضي الفضاء أو غير المستغلة، واصفًا الإجراءات الأخيرة بأنها عملية أوسع لإعادة تقييم الشريط النيلي باعتباره أصلًا عقاريًا واستثماريًا عالي القيمة، ثم إعادة النظر في استخدامات الأراضي القائمة عليه بما يسمح بتحقيق عائد اقتصادي أكبر منها.

ويقول عز الدين لـ«زاوية ثالثة»، إن هذا التوجه واضح حتى في البيانات الرسمية، فالحصر الحكومي لم يقتصر على الأراضي الخالية، وإنما شمل الأراضي والمباني المطلة على النيل، مع تسجيل جهة الولاية والاستخدام الحالي لكل موقع، فيما تحدثت تصريحات رسمية سابقة عن وجود استخدامات قائمة قد لا تتناسب، من وجهة نظر الحكومة، مع القيمة الاستثمارية لموقعها على النيل، مثل بعض المباني الحكومية أو المراكز الشبابية، وإمكانية نقلها إلى أماكن أخرى.

وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان سابق عن حصر 745 فدانًا من الأراضي والمباني المطلة على كورنيش النيل في القاهرة والجيزة، بينها 430 فدانًا في 110 مواقع بالقاهرة و315 فدانًا في 82 موقعًا بالجيزة، بهدف تحديد الأراضي غير المستغلة وتحويلها إلى فرص استثمارية، كما أعلن صديق تلقي الصندوق طلبات من مستثمرين خليجيين للاستحواذ على بعض الأراضي المستهدفة.

وتعقيبًا يقول عز الدين إنه يجب التمييز بين الحصر الواسع للأصول وبين الأراضي التي وصلت بالفعل إلى مرحلة الاستعداد للطرح.

وبالتزامن تحدثت تقارير إعلامية حول تلقي الصندوق طلبات من مستثمرين من الإمارات والسعودية وقطر للحصول على قطع مطلة على كورنيش النيل، وذلك تماشيًا مع سياسة توسع الاستثمارات الخليجية في الأراضي الساحلية المصرية خلال السنوات الأخيرة، أبرزها صفقة «رأس الحكمة» مع صندوق أبوظبي السيادي في فبراير 2024، إلى جانب صفقة «الديار القطرية» في منطقة علم الروم بالساحل الشمالي، فضلًا عن صفقة أخرى مرتقبة في منطقة «الجفيرة» بالساحل الشمالي الغربي بقيمة معلنة تبلغ 135 مليار جنيه.

ويرى مدير السياسيات بديوان العمران أنه لا يمكن القول إن كل عملية نزع ملكية أو إزالة على النيل تعني تلقائيًا أن الأرض ستُطرح لاحقًا لمستثمر؛ فهذا يحتاج إلى إثبات في كل حالة على حدة، لكن ما يمكن رصده هو وجود تسلسل عمراني متكرر في عدد من المشروعات: حصر الأرض والتواجدات القائمة عليها، ثم حسم الملكيات وجهات الولاية، ثم إزالة بعض التواجدات أو تغيير الاستخدام، ثم إعادة التخطيط ورفع القيمة الاقتصادية للأرض، وأخيرًا إتاحتها لاستخدام جديد أو للاستثمار.

ويلفت إلى أنه هناك مثال واضح على أهمية هذه المراحل في ملف «طرح النهر»، ففي يناير 2026 أعلنت الحكومة أن اللجنة المختصة تعمل مع هيئة المساحة والشهر العقاري على فحص التواجدات الموجودة على أراضي طرح النهر والتحقق من أوضاع الملكية، بالتوازي مع إجراءات إزالة التعديات وتطوير حرم النهر، وفي أغسطس 2026 أعلنت وزارة الري إزالة 37 حالة في منيل شيحة متعارضة مع مسار ممشى أهل مصر بطول ثمانية كيلومترات.

ويضيف أن تجربة جزيرة الوراق مهمة لفهم هذا المسار، حتى وإن كانت لها ظروفها القانونية والعمرانية الخاصة. فقد تزامنت خلال السنوات الماضية إجراءات الاستحواذ والشراء ونزع الملكية وإعادة التخطيط مع تحويل الجزيرة إلى مشروع عمراني جديد مرتفع القيمة، لذلك، يعتقد عز الدين أنه القضية الأساسية التي تحتاج إلى تتبع ليست مجرد صدور قرار نزع ملكية، وإنما ماذا يحدث للأرض بعد الإخلاء أو الاستحواذ عليها وطبيعة الاستخدام الجديد ومن يحق له الاستثمار.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية الشفافية، إذا كانت أرض مأهولة أو مستخدمة تتحول بعد إجراءات إدارية أو نزع ملكية إلى أصل استثماري، فيجب أن تكون هناك معلومات علنية تسمح بتتبع السلسلة كاملة، من الوضع الأصلي للأرض والسكان أو المستخدمين الموجودين عليها، إلى قرار الإزالة أو نزع الملكية، ثم التخصيص والاستخدام النهائي، بحسب عز الدين.

 

هل ما يحدث قانوني؟

لا يتعامل الدستور مع النيل باعتباره مجرد مورد اقتصادي ولكن يكفل حمايته؛ إذ تنص المادة 44 على التزام الدولة بحماية نهر النيل، وتؤكد أن «حق كل مواطن في التمتع بنهر النيل مكفول»، بينما تنص المادة 45 على حماية الممرات المائية وكفالة حق المواطنين في التمتع بها، ومن ثم، فإن تحويل الأراضي المطلة على النهر إلى أصول استثمارية يفتح ملفًا يتجاوز تقييم الأرض وعائدها المالي إلى سؤال التوازن بين استغلال أصول الدولة وبين الحقوق المرتبطة بالحيز النيلي واستخداماته العامة.

وتقول المحامية بالنقض، مها أحمد لـ«زاوية ثالثة» إن الأصل الدستوري هو حماية الملكية الخاصة، والاستثناء هو نزعها للمنفعة العامة، وبالشروط والإجراءات التي يحددها القانون ومقابل تعويض عادل، وبالتالي لا يكفي استخدام تعبير «المنفعة العامة» بصورة مجردة لتبرير نزع الملكية؛ وإنما يجب أن تكون هناك منفعة عامة حقيقية ومحددة، وأن تكون الإجراءات مرتبطة بتحقيقها.

وتؤكد على ضرورة التمييز بين وجود مشروع استثماري يخدم في الوقت نفسه منفعة عامة واضحة، وبين نزع الأرض من أصحابها باسم المنفعة العامة ثم تغيير الغرض منها لتصبح أصلًا استثماريًا أو تجاريًا لمصلحة مستثمرين. الحالة الثانية تثير تساؤلًا قانونيًا جديًا حول استمرار السبب الذي بُني عليه نزع الملكية أصلًا.

وتلفت كذلك إلى أن القضاء المصري أكد أهمية احترام الغرض الذي نُزعت الملكية من أجله، وعدم مجاوزته إلى غرض مغاير لمجرد تحقيق مصلحة مالية، ولذلك فإن انتقال الأرض لاحقًا إلى استثمار خاص لا يؤدي تلقائيًا، بمجرده، إلى بطلان النزع، لكنه يفتح الباب لفحص جوهري حول طبيعة المنفعة العامة التي حددها قرار النزع؟ وهل نُفذت فعلًا؟ وهل النشاط اللاحق امتداد لها أم تغيير جوهري للغرض الذي تم الاستيلاء على الأرض من أجله؟

وتؤكد في هذا السياق على حق المواطن في الاعتراض والطعن، فالدستور لا يسمح بتحصين القرارات الإدارية من رقابة القضاء، ويكفل حق التقاضي، وبالتالي فإن وصف المشروع بأنه «تطوير» أو «استثمار» لا يحصنه في ذاته من الرقابة على مشروعية قرار نزع الملكية والغرض منه والإجراءات والتعويض.

وترى مها أن مدى قانونية إخلاء سكان أو أصحاب حيازات من أراضٍ على ضفاف النيل تمهيدًا لطرحها للاستثمار، خصوصًا إذا لم يكن المشروع الاستثماري محددًا وقت الإخلاء من أهم النقاط في الملف، كلما كان الغرض من الإخلاء أو نزع الملكية غير محدد وقت اتخاذ القرار، أصبحت مسألة إثبات «المنفعة العامة» أكثر إشكالية.

وتلفت إلى أن قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 ينظم نزع الملكية باعتباره إجراءً استثنائيًا مرتبطًا بأعمال المنفعة العامة، وليس باعتباره وسيلة عامة لتجميع الأراضي أولًا ثم البحث لاحقًا عن أفضل استخدام استثماري لها.

وتضيف” لذلك يجب السؤال في كل حالة: ما هو القرار القانوني الذي استند إليه الإخلاء أو النزع؟ وما الغرض المعلن فيه؟ وهل توجد خرائط وحدود واضحة للأراضي المطلوبة؟ وما المشروع الذي يستلزم إخراج السكان منها؟ وهل جرى بحث بدائل أقل ضررًا؟

وتقول إن وجود هذه المعلومات قبل الإخلاء مهم أيضًا من زاوية حق السكان في الاعتراض؛ لأن المواطن لا يستطيع أن يطعن بصورة فعالة على قرار لا يعرف على وجه الدقة الغرض منه أو المصير الذي ستؤول إليه أرضه،

وتوضح كذلك أن منع أصحاب الأراضي أو المنشآت من تجديد التراخيص أو المرافق لفترات طويلة قد يستحق الفحص باعتباره مسألة مستقلة، لافتًة إلى أن المحكمة الدستورية المصرية قررت في سياقات تتعلق بقيود الملكية أن إبقاء الملكية شكليًا بيد صاحبها مع فرض قيود تقوض الانتفاع الاقتصادي بها يمكن أن يمس جوهر حق الملكية. وبالتالي يجب ألا يقتصر البحث على قرارات النزع الرسمية، وإنما يمتد إلى الإجراءات السابقة عليها التي قد تجعل بقاء السكان أو الملاك عمليًا مستحيلًا.

وتشير إلى أن التطوير العمراني والاستثمار في حد ذاتهما ليسا انتهاكًا للحق في السكن، والدولة بطبيعة الحال لها سلطة التخطيط وإدارة الأراضي وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية والتنمية. لكن هذه السلطة ليست مطلقة.

وتقول: الدستور المصري ينص على الحق في المسكن الملائم والآمن والصحي، كما يحظر التهجير القسري التعسفي بجميع صوره وأشكاله، وعلى المستوى الدولي، تشير إلى أن تعريف الإخلاء القسري لا يتوقف فقط على استخدام القوة المادية، وإنما يشمل إخراج الأفراد أو الأسر أو المجتمعات، بصورة دائمة أو مؤقتة، من المساكن أو الأراضي التي يشغلونها ضد إرادتهم، دون توفير الحماية القانونية والإجرائية المناسبة لهم، لذلك يمكن أن يكون هناك مشروع تنموي حقيقي، ومع ذلك تكون طريقة تنفيذه مخالفة لمعايير الحق في السكن.

وتوضح كذلك أنه من أهم الضمانات التي وضعتها المعايير الدولية: التشاور الحقيقي والمسبق مع المتضررين، وإتاحة المعلومات الكافية عن المشروع، ودراسة البدائل الممكنة للإخلاء، ومنح مهلة وإخطار مناسبين، وإتاحة وسيلة فعالة للاعتراض والطعن، وتوفير التعويض المناسب، وضمان السكن البديل الملائم لمن يحتاج إليه، وعدم ترك الأشخاص بلا مأوى نتيجة الإخلاء.

وتؤكد في هذا السياق على أن التعويض المالي وحده لا يحسم دائمًا مشروعية الإخلاء. فالحق في السكن أوسع من القيمة المالية للمبنى أو الأرض؛ فهو يرتبط بالأمان القانوني للحيازة، والوصول إلى العمل والخدمات والتعليم وشبكات المجتمع المحلي وغيرها من العناصر المرتبطة بمكان السكن.

 

إخضاع أراضي طرح النهر للقوات المسلحة

قبل ذلك بسنوات، كانت أراضي «طرح النهر» قد دخلت تدريجيًا في مسار مختلف للإدارة والاستغلال، تزامن مع اتساع دور جهات جديدة في إصدار التراخيص وإدارة الأراضي وطرحها بحق الانتفاع.

ويكشف الموقع الرسمي لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة عن إحدى حلقات هذا التحول؛ إذ يدرج ضمن مهام الجهاز «إدارة أراضي طرح النهر والعائمات في القطاع من شبرا حتى حلوان»، إلى جانب إدارة المزادات العلنية واستغلال الأراضي، وفي سبتمبر 2024، عقد وزير الموارد المائية والري هاني سويلم اجتماعًا مع قيادات الجهاز لبحث حماية جوانب النيل وإزالة التعديات، وأكد استمرار التعاون بين الوزارة والجهاز في إصدار التراخيص اللازمة لأراضي طرح النهر في المسافة الممتدة من شبرا الخيمة حتى حلوان.

ويُعرّف القانون رقم 147 لسنة 2021 الخاص بالموارد المائية والري “أراضي طرح النهر” بأنها الأراضي أو الجزر التي يغيّر النهر مجراها أو ينكشف عنها، سواء داخل حدود حرم النهر أو خارجه. ووفقًا للقانون، يمتد حرم النهر حتى 80 مترًا خارج خطي التهذيب من جانبي النهر، وكذلك 80 مترًا داخل الجزر من خط التهذيب، وذلك في المسافة من خلف خزان أسوان وحتى المصب، باستثناء المناطق ذات خطوط التنظيم المعتمدة، حيث يُعد الكورنيش العام هو حد الحرم.

ولم يقتصر دور الجهاز على التراخيص، ففي ديسمبر 2022، طرح جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة قطعًا من أراضي طرح النهر في مزاد علني بنظام حق الانتفاع السنوي، شملت مناطق الزمالك والعجوزة والدقي وجاردن سيتي والمنيل ودار السلام والمعادي والمعصرة والمنيب وإمبابة والوراق، مع تحديد استخدامات تجارية وسياحية بينها المراسي العائمة والمطاعم والكافيتريات، وتكرر الطرح في مارس 2023، في مواقع شملت الزمالك والمعادي والمنيل ومصر القديمة وطرة ودار السلام والمعصرة وإمبابة.

في تلك الفترة نفسها، كانت الحكومة توسع نطاق النظر إلى الواجهة النيلية باعتبارها جزءًا من محفظة أصول يمكن إعادة استغلالها، ففي أبريل 2023، أعلنر مجلس الوزراء استعراض عدد من الأصول المطلة على النيل في القاهرة والجيزة، تمهيدًا لطرحها للاستثمار، وقال المتحدث باسم المجلس إن صندوق مصر السيادي سيبدأ تقييم الأراضي والمباني بواسطة مقيمين عالميين لتسويقها وإقامة مشروعات استثمارية عليها، خصوصًا الأصول التي انتقلت منها الوزارات والجهات الحكومية إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

بعد عامين، انتقل هذا التوجه إلى مرحلة أكثر تنظيمًا، ففي أغسطس 2025، ناقش رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الحصر المبدئي للأراضي المطلة على كورنيش النيل في عدد من أحياء القاهرة، مع تحديد مساحات الأراضي وجهات الولاية والوضع القانوني لكل قطعة، ووجّه باستكمال الحصر والتقييم ووضع خطة لاستغلالها بوصفها فرصًا استثمارية.

وفي 13 أغسطس من العام نفسه، صدر القانون رقم 168 لسنة 2025 بشأن بعض قواعد وإجراءات التصرف في أملاك الدولة الخاصة، ليحل محل القانون رقم 144 لسنة 2017 وينظم، من بين أمور أخرى، إجراءات تقنين أوضاع واضعي اليد والتصرف في الأراضي المملوكة للدولة ملكية خاصة، ولا يخصص القانون أراضي النيل تحديدًا، لكن صدوره يضع إطارًا تشريعيًا جديدًا للتعامل مع جانب من أملاك الدولة الخاصة في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تمضي في حصر الأصول والأراضي النيلية وتقييمها.

وبين هذه الخطوات، تظهر وقائع أخرى تتعلق بتغيير طبيعة الحيازة أو الاستخدام على امتداد النهر، ففي عام 2017، استُبعدت 17 جزيرة نيلية من نطاق تطبيق قرار إنشاء المحميات الطبيعية، من بينها الوراق والقرصاية والدهب، وأُعلنت بدلًا من ذلك مناطق إدارة بيئية. القرار في حد ذاته لم ينص على طرح هذه الجزر للاستثمار، لكنه أزال عنها وضع المحمية الطبيعية الذي كان يفرض إطارًا خاصًا للحماية، وهو ما يجعل ما جرى لاحقًا في بعض هذه الجزر جزءًا من مسار يستحق التتبع.

وفي 2022، واجه أصحاب العوامات السكنية في منطقة الكيت كات قرارات بإزالة 32 عائمة، وكان أصحاب العوامات قد أقاموا دعاوى قضائية لوقف الإزالة، فيما قال مسؤولون إن العوامات مطالبة بتغيير النشاط إلى تجاري وسداد الرسوم، وبعد الإزالة، دخل أصحاب العوامات في مفاوضات بشأن أماكن جديدة للرسو، بينما أُبلغ بعضهم بأن المراسي أصبحت تابعة لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة.

 

وفي هذا السياق يوضح إبراهيم عز الدين أنه من المهم أولًا التمييز بين ملفين متداخلين: الحصر الحالي للأراضي والمباني المطلة على كورنيش النيل الذي يقوده صندوق التنمية الحضرية بالتنسيق مع جهات الدولة، وبين أراضي طرح النهر التي توجد للقوات المسلحة أدوار موثقة في إدارتها والتعامل معها، لافتًا إلى أنه لا توجد لدينا، استنادًا إلى المعلومات المنشورة، قاعدة تسمح باعتبار جميع الأراضي التي يجري تجهيزها حاليًا للاستثمار خاضعة لإدارة القوات المسلحة.

ويشير إلى أنه بالنسبة إلى «طرح النهر»، فالدور قائم بالفعل، جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة يشارك في المنظومة الخاصة بإدارة هذه الأراضي في القطاع من شبرا إلى حلوان، وسبق أن طرح أراضي بنظام حق الانتفاع لأنشطة سياحية وتجارية، فيما تؤكد وزارة الري استمرار التنسيق معه في إدارة الطلبات والتعامل مع التواجدات والتعديات، مع تأكيد الوزارة في الوقت نفسه أنها تظل جهة الولاية الأصلية فيما يتعلق بالمخالفات على النهر.

ويتابع: من منظور التخطيط، أهمية ذلك تكمن في تعدد مراكز اتخاذ القرار في إدارة الأرض، فالتخطيط العمراني في صورته المدنية التقليدية يفترض أدوارًا واضحة لهيئات التخطيط والمحافظات والوزارات صاحبة الولاية، مع أدوات مثل المخططات التفصيلية وتغيير الاستخدام والتراخيص والمشاركة المجتمعية، دخول جهة أخرى في إدارة الأرض أو منح حقوق الانتفاع أو المشاركة في إجراءات التعامل مع التواجدات يضيف مستوى مؤسسيًا جديدًا إلى هذه المنظومة.

من جانبها تعتبر مها أحمد أن مجرد إسناد تنفيذ إجراء إلى جهة عسكرية لا يعني في ذاته سقوط الحقوق الدستورية للمواطنين في الملكية أو السكن أو التعويض أو التقاضي.

وتوضح أن الدستور يقرر أن التقاضي حق مكفول للكافة، وأن القرارات الإدارية لا يجوز تحصينها من رقابة القضاء. كما أن اختصاص اللجان القضائية العسكرية بالمنازعات الإدارية الوارد في الدستور يتعلق أساسًا بالقرارات الصادرة في شأن ضباط وأفراد القوات المسلحة أنفسهم، بينما يختص مجلس الدولة، كأصل عام، بالمنازعات الإدارية. ولذلك يجب تحديد طبيعة القرار والجهة التي أصدرته في كل حالة لتحديد طريق الطعن والجهة القضائية المختصة.

وتلفت إلى ضرورة عدم الخلط بين الجهة التي تنفذ الإخلاء على الأرض وبين الجهة صاحبة القرار القانوني بنزع الملكية أو إعادة التخصيص. وجود القوات المسلحة كجهة تنفيذ أو إدارة لا يحول في ذاته إجراء نزع الملكية إلى إجراء خارج نطاق الدستور والقانون.

لكن عمليًا، تصبح الشفافية هنا أكثر أهمية: يجب أن يتمكن المواطن من معرفة من أصدر القرار، وعلى أي سند قانوني، ولأي غرض، ولصالح أي جهة، وكيف حُدد التعويض، وأمام أي جهة يستطيع الاعتراض والطعن، بحسب مها.

وتؤكد على أهمية ألا يُختزل النقاش في سؤال: «هل للدولة الحق في تطوير المنطقة؟»، بالطبع للدولة سلطة التخطيط والتطوير، لكن السؤال الأدق هو: كيف مارست الدولة هذه السلطة، ولأي غرض، وبأي ضمانات للسكان وأصحاب الحقوق؟

وتشير في هذا السياق إلى أنه، في حالة جزيرة الوراق تحديدًا، سبق أن ظهرت مسألة الإخلاءات المرتبطة بالتطوير ضمن عمل المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في السكن أثناء زيارتها لمصر؛ ولذلك فإن تقييم أي تطورات جديدة يجب أن ينظر إلى التسلسل الكامل للقرارات والإجراءات، وليس فقط إلى المرحلة النهائية التي يجري فيها طرح الأرض للاستثمار.

وتوضح أن هذا مهم أيضًا في حالات مثل العوامات أو غيرها من المناطق التي سبقت عملية الإخلاء فيها إجراءات إدارية تتعلق بالتراخيص أو المرافق. يجب النظر إلى المسار بأكمله: هل كانت هناك سياسة تطوير معلنة وواضحة منذ البداية؟ هل أُتيح للمتضررين المشاركة والاعتراض؟ هل عُرضت بدائل؟ وما العلاقة بين السبب الذي بُني عليه الإخلاء وبين الاستخدام النهائي للأرض؟

 

عائد اقتصادي أم منفعة عامة؟

تؤكد مها أحمد أن هناك فارق يجب الانتباه إليه بين المنفعة العامة والعائد الاقتصادي للدولة، قد يتقاطع الاثنان، وقد يحقق مشروع استثماري منفعة عامة فعلية، ولذلك لا يمكن القول إن كل استثمار خاص ينفي تلقائيًا وجود المنفعة العامة، لكن في المقابل لا ينبغي اعتبار تحقيق إيراد أعلى من الأرض، في حد ذاته، بديلًا عن إثبات المنفعة العامة التي تبرر نزع ملكية المواطنين أو إخراجهم من مساكنهم.

وتؤكد أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بقيمة الاستثمار الذي يأتي إلى الأرض بعد إخلائها، وإنما أيضًا بمن تحمل تكلفة هذا الاستثمار، وهل شارك السكان في القرار، وهل حُفظت حقوقهم، وهل كان إخراجهم ضرورة لا يوجد لها بديل أقل ضررًا.

وتضيف أنه لا يمكن القول إن مجرد انتقال الأرض لاحقًا إلى مستثمر خاص، سواء كان مصريًا أو أجنبيًا أو خليجيًا، يؤدي تلقائيًا إلى بطلان قرار نزع الملكية السابق. التقييم القانوني يتطلب الرجوع أولًا إلى قرار نزع الملكية ذاته.

وتتابع: «إذا كان النشاط الاستثماري اللاحق جزءًا من المشروع الذي تقررت من أجله المنفعة العامة أو مرتبطًا به ارتباطًا حقيقيًا، فمجرد وجود مستثمر خاص لا يكفي وحده للقول بعدم مشروعية النزع. أما إذا كانت الأرض قد نُزعت من المواطنين أو أُخلي سكانها استنادًا إلى غرض معين يتعلق بالمنفعة العامة، ثم لم يتحقق هذا الغرض وتحولت الأرض بعد ذلك إلى استخدام استثماري أو تجاري مختلف جوهريًا، فهنا يثور تساؤل قانوني جدي حول استمرار سبب نزع الملكية ومدى مشروعية إعادة تخصيص الأرض.»

وتوضح في هذا السياق أن المسألة الأساسية ليست جنسية المستثمر أو كونه مستثمرًا خاصًا، وإنما العلاقة بين السبب القانوني الذي برر انتزاع الأرض من أصحابها في البداية وبين الاستخدام النهائي للأرض.

 

ومن ثم، ففي حالات مثل جزيرة الوراق أو غيرها من أراضي ضفاف النيل، لا يكفي النظر إلى الإعلان الاستثماري الأخير بصورة منفصلة، وإنما ينبغي تتبع السلسلة الكاملة للقرارات: وضع السكان وحقوقهم في الأرض، وقرارات نزع الملكية أو الإخلاء، وأسبابها المعلنة، وأي قيود سابقة على التراخيص أو المرافق، والتعويضات والبدائل التي عُرضت، ثم قرارات إعادة التخصيص، وصولًا إلى طرح الأرض للاستثمار.

ومن جهته يرى إبراهيم عز الدين أن هذه النقطة الأكثر أهمية في الملف من منظور اقتصاديات العمران، قيمة الأرض ليست ثابتة، قطعة الأرض يمكن أن ترتفع قيمتها بصورة كبيرة جدًا دون أن يتغير موقعها، فقط نتيجة قرارات عامة: تغيير الاستخدام، زيادة الكثافة أو الارتفاعات المسموح بها، إنشاء طرق ومرافق، إزالة إشغالات قائمة، تسوية الوضع القانوني، أو منحها ترخيصًا لاستخدام تجاري أو سياحي مرتفع العائد.

ويشير إلى ما يُعرف في اقتصاديات التخطيط بـ( (Land Value Uplift، أي الزيادة في قيمة الأرض الناتجة عن قرارات التخطيط والاستثمارات العامة. والمفارقة التي ينبغي فحصها هنا هي توزيع التكلفة والعائد.

ويوضح أنه في حال تحملت الدولة تكلفة الحصر والإزالة والتعويضات وإعادة التوطين والمرافق وتجهيز الأرض، ثم انتقلت الأرض بعد ذلك إلى استخدام استثماري أعلى قيمة، يصبح السؤال: كم من الزيادة في قيمة الأرض يعود إلى الخزانة العامة والمجتمع، وكم ينتقل إلى المطور أو المستثمر الذي يحصل على الأرض بعد تجهيزها؟

لذلك يرجح عز الدين أن تقييم أي مشروع من هذه المشروعات يجب ألا يبدأ من سعر طرح الأرض فقط، يجب حساب التكلفة العامة الكاملة: التعويضات، والإخلاء وإعادة التوطين إن وجدت، والبنية التحتية، والمرافق، والطرق، وتجهيز الموقع، وكذلك التكلفة الاجتماعية الناتجة عن نقل السكان أو الأنشطة القائمة. ثم نقارن ذلك بما تحصل عليه الدولة وبالقيمة التي يصبح عليها الأصل بعد إعادة التخطيط.

ويقول إن أهم مؤشر يجب تتبعه خلال الفترة المقبلة هو الفرق بين قيمة الأرض قبل التدخل العام وقيمتها بعد إعادة التخطيط والتجهيز والطرح، ومن يحصل فعليًا على هذه الزيادة، لأن هذا الفرق يكشف ما إذا كانت عملية التطوير تعيد جزءًا معتبرًا من القيمة التي صنعتها القرارات والاستثمارات العامة إلى المجتمع، أم أن الجزء الأكبر من هذه القيمة ينتقل إلى المستفيد النهائي من تطوير الأصل.

وختامًا.. لا تتوقف القضية عند حق الدولة في تطوير أراضي النيل أو استغلال أصولها، وإنما تمتد إلى ما يحدث للأرض منذ لحظة حصرها أو إخلائها وحتى إعادة تخصيصها وطرحها للاستثمار، والغرض الذي استندت إليه قرارات الإخلاء أو نزع الملكية، وهل تحقق فعلًا، ومن تحمل تكلفة إعادة تجهيز الأرض، وكيف ارتفعت قيمتها، ومن سيحصل على هذه الزيادة؟ ومع اتساع خطط الاستثمار في الواجهة النيلية وتعدد الجهات المتداخلة في إدارتها، تصبح الشفافية في إعلان هذه المراحل وتحديد المسؤوليات والعوائد شرطًا أساسيًا لفهم ما إذا كانت عملية إعادة التخطيط تحقق منفعة عامة فعلية، وكيف يجري توزيع القيمة التي تصنعها القرارات والاستثمارات العامة بين الدولة والمجتمع والمستثمرين.

Search