«ابن سينا 2»: جرافات جهاز مستقبل مصر تعصف بعقود الملكية وأحكام القضاء

في التسعينيات اشترى نحو 180 مالكًا وحدات في قرية “ابن سينا 2” على الساحل الشمالي الغربي، وسدّدوا الثمن كاملًا وسجلوا عقودهم بالشهر العقاري وحصلوا على أحكام قضائية نهائية بتسليم وحداتهم، قبل أن يفاجئوا في 10 و11 نوفمبر 2025 بمنعهم من الدخول على يد عناصر من القوات المسلحة وجهاز مستقبل مصر
Picture of زاوية ثالثة

زاوية ثالثة

في أوائل تسعينات القرن الماضي، كانت الأستاذة الجامعية سلوى محمد رشدي تحلم بأن تمتلك أسرتها وحدة مصيفية في الساحل الشمالي الغربي، حيث شواطئ الرمال الناصعة البياض والمياه الفيروزية النقية، حين وقع اختيارها على مشروع سكني جديد يُدعى قرية “ابن سينا 2″، في الكيلو 132 بالساحل الشمالي الغربي لمحافظة مطروح، كانت قد أعلنت عنه جمعية تنمية المجتمع المحلي بهيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية، المشهرة برقم 2502 لسنة 1987، التي كان يرأسها رمضان عبد القادر خليل عريشة، الذي أصبح فيما بعد مأمور اتحاد ملاك ابن سينا.

وبعد اطلاعها على الأوراق الرسمية الخاصة بالقرية، تعاقدت على شراء فيلا سكنية بالقطعة رقم 12، في الصف الأول من القرية المقابل للشاطئ، ورغم سدادها كامل القيمة وحصولها على عقد ملكية نهائي أزرق اللون، طال انتظارها سنوات قبل أن تنتهي أعمال البناء، ثم سنوات أخرى قبل أن تصل المرافق إلى القرية، حتى فوجئت هي ونحو 180 مالكًا بتعثر مالك المشروع في سداد قرض حصل عليه من أحد البنوك، ما أدى إلى تجميد أوضاعها القانونية لسنوات طويلة، دون أن تُحسم ملكيتها بالبيع في مزاد أو نقلها إلى مستثمر آخر.

وفي تلك الأثناء لجأ المتضررون إلى القضاء وحصلوا على أحكام بتسليم وحداتهم داخل “ابن سينا 2″، وحصلت المالكة سلوى محمد رشدي صبيح، في 5 نوفمبر 2024، على الصيغة التنفيذية للحكم الصادر لصالحها في الدعوى رقم 18 لسنة 2023 مدني جزئي العلمين، بعد صدور الحكم في 28 أكتوبر 2024 بإلزام رمضان عبد القادر خليل عريشة، بصفته مأمور اتحاد ملاك “ابن سينا 2″، بتسليم الأرض محل التعاقد وتمكينها من حيازتها، وفقًا لعقد التخصيص المؤرخ في 11 مارس 1993، وذلك بعد تقديم شهادة تفيد بعدم الطعن على الحكم بالاستئناف.

وبعد انتظار استمر قرابة ثلاثة عقود، اتفق الملاك، ومن بينهم سلوى رشدي، على استكمال تشطيب الفيلات والشاليهات على نفقتهم الخاصة حفاظًا على استثماراتهم، فأنفقت مدخراتها التي بلغت أكثر من مليون جنيه على استكمال تشطيب فيلتها، شمل ذلك أعمال السباكة والمحارة والبياض والتشطيبات الداخلية، لكن حين توجهت في أكتوبر 2025 إلى القرية لإضافة الرتوش الخارجية لواجهة الفيلا، صُدمت ومجموعة من الملاك بمنعهم من الدخول من قِبل أحد أفراد القوات المسلحة، الذي وقف عند البوابة إلى جانب مركبة تحمل شعار “جهاز مستقبل مصر”، بحسب ما تروي لـ”زاوية ثالثة”.

وتروي أن ضابطًا بالجيش أخبرهم بأن لديه تعليمات بعدم السماح بدخول أي شخص إلى القرية، وأن عليهم اختيار ثلاثة ممثلين للتوجه إلى الإدارة القانونية بمدينة نصر لبحث موقفهم، لكن حين توجّه ممثلو الملاك إلى الإدارة القانونية أُبلغوا، بحسب روايتها، بأن العقود المسجلة التي بحوزتهم “مزورة”، وأن مالك القرية اشترى الأرض بموجب ورقة عرفية، وطُلب منهم الرجوع إلى صاحب المشروع لمطالبته بحقوقهم.

تقول: “توجهنا نحن الملاك بعد ذلك إلى جهاز المجتمعات العمرانية، وهناك أُبلغنا بأن 14 قرية متعثرة، من بينها (ابن سينا 2)، جرى تسليمها إلى القوات المسلحة، واعتقدنا حينها أن ذلك سيؤدي إلى حماية حقوقنا وتسوية أوضاعنا القانونية، لكن عند عودتنا إلى القرية لاحقًا فوجئنا بوجود معدات ثقيلة وحفارات تنفذ أعمال هدم للفلل والعمارات داخل المشروع، وكان المشهد صادمًا أشبه بما حدث في غزة، ومُنعنا وقتها من الدخول، ثم تلقيت لاحقًا خبر هدم فيلتي التي أنفقت عليها مدخراتي”.

جانب من أعمال إزالة قرية ابن سينا 2
جانب من أعمال إزالة قرية ابن سينا 2

وتؤكد المالكة أنها كانت ستتقبل فقدان وحدتها لو كان ذلك لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي أو احتياجات القوات المسلحة، لكن ما حدث لاحقًا هو تحويل موقع القرية إلى مشروع استثماري، إذ فوجئ الملاك إثر الإزالات باقتحام معدات بناء وشاحنات تابعة لثلاث شركات مقاولات كبرى لشاطئ القرية من جهة مراسي، وعندما تقدموا بمحاضر تعدٍّ ضدهم بقسم الشرطة، تلقوا وعودًا بإخلاء الموقع خلال أربعة أشهر، وهو ما حدث لاحقًا، لكن سرعان ما بدأت أعمال إنشائية أخرى قبيل صيف 2026، حوّلت الشاطئ إلى مطعم ومنتجع شاطئي موسمي يُدعى “كوكوون”، وتشير المعلومات المتوفرة لدى الملاك إلى أنه يستأجر الشاطئ أو يمتلك حق الانتفاع السنوي به دون أن يشتري الأرض.

ويتذكر الدكتور أسامة رتيب أن أسرته تعاقدت مع الجمعية، في عام 1993، على شراء وحدة داخل قرية ابن سينا 2 في الساحل الشمالي الغربي لمطروح، التي أُنشئ بجوارها مباشرة مشروع “مراسي مارينا ونادي اليخوت” التابع لشركة إعمار العقارية المملوكة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، في عام 2020، وكانت القرية تضم وقتئذٍ عددًا كبيرًا من الفيلات والعمارات السكنية اكتمل بناء غالبيتها، من بينها نحو 180 قطعة مخصصة للفيلات، وفي حين تمكن بعض الملاك من تسجيل عقود ملكيتهم بالشهر العقاري، فإن المشروع ظل غير صالح للسكن بسبب عدم اكتمال دخول المرافق إلى الوحدات السكنية بالقرية.

ويشير إلى أن المشروع واجه أزمة نتيجة حصول القائمين على الجمعية على قرض من البنك العقاري، ثم تعثرهم في السداد، ما أدى إلى رهن بعض الأراضي والوحدات، وهو أمر طال شريحة محدودة من الملاك فقط، بينما الجزء الأكبر من أصحاب الفيلات، ومن بينهم أسرته، لم تكن وحداتهم ضمن الأراضي المرهونة.

ويضيف أن البنك أعلن أكثر من مرة عن مزادات لبيع الوحدات المرهونة، إلا أن المزادات، بحسب علمه، لم تُستكمل ولم تنتهِ إلى بيع فعلي، مشيرًا إلى أن الوحدات التي كانت محل الرهن تمثل نسبة محدودة مقارنة بإجمالي المشروع الذي يضم مئات الوحدات، بينما ظلت غالبية الملاك خارج هذا النزاع.

ورغم ملكياتهم المستقرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، صُدم كغيره من الملاك وورثتهم، في أواخر أكتوبر 2025، ببدء أعمال إزالة مباني القرية بالكامل دون إخطار مسبق أو إعلان رسمي يوضح سبب الإزالة أو السند القانوني لها، وعندما توجهوا إلى موقع القرية لمعرفة ما يجري، مُنعوا من الدخول أو التصوير، مؤكدًا أنه تعرض لاحتجاز مؤقت داخل مركبة تابعة للجيش، وسُحب منه هاتفه المحمول لحذف الصور التي التقطها خلال عمليات الإزالة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الملاك لم يتلقوا أي قرارات رسمية بشأن نزع الملكية أو تخصيص الأرض أو إعلانها للمنفعة العامة، وسمعنا في البداية روايات غير مؤكدة تربط الإزالات بمشروع مراسي، لكنها ظلت في نطاق الشائعات، خاصة أن الأرض لم تُضم إلى المشروع لاحقًا”.

ويوضح أن الملاك أُبلغوا بأن عليهم التوجه إلى جهاز مستقبل مصر، الذي أصبح الجهة التي يتعاملون معها، إلا أنهم لم يحصلوا منه أيضًا على تفسير واضح أو مستند رسمي يوضح أسباب الإزالة أو الوضع القانوني لأرض القرية التي سُويت بالكامل، وخلال صيف العام الجاري جرى تمهيدها وتجهيزها لاستضافة فعاليات ترفيهية وموسمية برسوم، تحت اسم “كوكوون”.

ويؤكد أن الملاك تقدموا بعد الإزالة بشكاوى إلى جهات رسمية متعددة، من بينها رئاسة الجمهورية والأمانة العامة لجهات حكومية مختلفة، إلا أنهم حتى الآن لم يتلقوا أي رد رسمي أو إعلان بشأن التعويضات أو الموقف القانوني للأرض.

وفي ظل امتناع الجهات المعنية عن الإعلان عن أي قرارات بنزع الملكية للمنفعة العامة، أو سحب أراضي القرية وتخصيصها لصالح جهاز مستقبل مصر، أو نقل تبعيتها للقوات المسلحة من عدمه، ورغم شهادات لعدد من الملّاك وثّقتها “زاوية ثالثة” تفيد بنقل ملفات قرى الساحل الشمالي للجيش والجهاز، وإبلاغ بعضهم بأن عقودهم مزوّرة وأراضي القرية وضع يد مملوكة للدولة، فقد حصلنا على وثيقة قديمة تنفي رواية السلطات وتؤكد صحة ملكية الأرض.

قرار محافظة مطروح رقم 45 لسنة 1994، بشأن اعتماد تقسيم مشروع "قرية ابن سينا (2)"
قرار محافظة مطروح رقم 45 لسنة 1994، بشأن اعتماد تقسيم مشروع “قرية ابن سينا (2)”

ففي 3 مايو 1994، نشرت جريدة الوقائع المصرية في عددها الـ99 قرار محافظة مطروح رقم 45 لسنة 1994، بشأن اعتماد تقسيم مشروع “قرية ابن سينا (2)” بمنطقة سيدي عبد الرحمن، مركز العلمين، الصادر عن المحافظ وقتئذٍ محمد زاهر عبد الرحمن، في 31 يناير 1994، بعد موافقة مجلس مدينة العلمين على المشروع المقدم من جمعية تنمية المجتمع المحلي بهيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية، والعقد المشهر برقم 215 لسنة 1993.

وبموجب المادة الأولى من القرار، جرى اعتماد تقسيم مشروع “قرية ابن سينا (2)” على مساحة إجمالية تبلغ 289,397.75 مترًا مربعًا، وحدد القرار حدود المشروع، إذ يحده شمالًا حرم البحر المتوسط بعرض 100 متر وطول 300 متر، وشرقًا أرض شركة “هوليداي”، وجنوبًا حرم طريق الإسكندرية – مطروح بعرض 50 مترًا، وغربًا أراضٍ مملوكة للدولة بحدود وأطوال موضحة في القرار.

كما نصت المادة الثانية على اعتماد الاشتراطات البنائية الخاصة بالمشروع وفقًا للمخطط العام المعتمد، فيما ألزمت المادة الثالثة جمعية تنمية المجتمع المحلي بتنفيذ جميع المرافق العامة للمشروع على نفقتها الخاصة، وتحت إشراف الوحدة المحلية لمركز ومدينة العلمين، وفقًا للبرنامج الزمني والمراحل التنفيذية المعتمدة.

نوصي للقراءة: رأس الحكمة في مواجهة جرافات كامل الوزير

تعثّر مالي ونزاعات قضائية

تُظهر عقود التخصيص الخاصة بوحدات مشروع “قرية ابن سينا (2)”، التي اطلعت عليها “زاوية ثالثة”، أن المشترين التزموا بسداد ثمن الوحدات بنظام التقسيط، إذ نص البند الرابع من العقود على أن التخصيص تم مقابل سداد دفعة مقدمة قدرها 25 ألف جنيه، من إجمالي ثمن الوحدة البالغ 45,068 جنيهًا.

كما ألزم العقد المشتري بسداد باقي القيمة من خلال مجموعة من الكمبيالات المستحقة في تواريخ محددة، بلغت قيمة كل منها 1,829 جنيهًا، على أقساط تبدأ في سبتمبر/أيلول 1990 وتمتد حتى عام 1998، وفقًا لجدول السداد المرفق بالعقد.

ونص البند الخامس من العقود على أنه في حال تأخر المشتري عن سداد أي قسط في موعد استحقاقه، يصبح باقي ثمن الوحدة مستحق السداد دفعة واحدة، بما يمنح الجهة المتعاقدة الحق في المطالبة بكامل القيمة المتبقية وفقًا لشروط العقد.

فيما يروي المحامي حسان إبراهيم، الذي آلت إليه ملكية أحد شاليهات قرية “ابن سينا 2” بالميراث عن شقيقته الراحلة، أنها كانت قد تعاقدت على شراء الشاليه عام 1998 من خلال جمعية تنمية المجتمع المحلي، التي كان يرأسها رمضان عريشة، وسددت كامل قيمة الوحدة بالأقساط، إلى جانب مبالغ إضافية طُلبت منهم مقابل توصيل المرافق، مثل الكهرباء والمياه، على وعد بتسليم الوحدة كاملة التشطيب، وهو ما لم يحدث نتيجة دخول المشروع في نزاعات مالية وقانونية استمرت لسنوات.

ويوضح أن العقود التي وقعها المشترون كانت عقود بيع بالتقسيط، على أن تُحرر عقود نهائية بعد سداد كامل الثمن، إلا أنهم فوجئوا بعد إتمام السداد بعدم تسليم الوحدات أو استكمال إجراءات نقل الملكية النهائية.

وهو ما دفع الملاك، ومن بينهم شقيقته، إلى إقامة دعاوى قضائية للمطالبة بتسليم الوحدات، إلا أن إحدى دعاوى التسليم أُحيلت إلى محكمة مرسى مطروح، ثم تعطلت إجراءاتها بعد احتراق مبنى المحكمة خلال أحداث الثورة عام 2011، قبل أن يتمكنوا لاحقًا من استخراج ما يفيد تقديم الدعوى وصدور حكم قضائي بأحقيتهم في استلام الشاليهات محل التعاقد، بحسب ما يقول لـ”زاوية ثالثة”.

ويكشف مستند رسمي صادر عن محكمة مدينة نصر الجزئية، التابعة لمحكمة شمال القاهرة الابتدائية، بتاريخ 29 مارس/آذار 2015، حصلت “زاوية ثالثة” عليه، عن دعوى قضائية أقامتها هناء إبراهيم حسن عثمان ضد رمضان عبد القادر خليل عريشة، بصفته مأمور اتحاد ملاك “ابن سينا 2″، قُيدت في 23 مارس/آذار 2010، وكانت آخر جلساتها المنظورة بتاريخ 30 يونيو/حزيران 2011 أمام الدائرة (48)، للمطالبة بتسليم الشاليه رقم (1) بمجمع الشاليهات رقم (15 أ) بقرية أجيال – سيدي عبد الرحمن، استنادًا إلى عقد تخصيص مؤرخ في 19 يوليو/تموز 1995.

فيما يظهر عقد تخصيص الشاليه، الذي يحمل ختم “اتحاد ملاك ابن سينا (1)” المشهر برقم 415 لسنة 1993 بمركز ومدينة مطروح، أن الطرف الأول خصص للطرف الثاني وحدة سكنية بقرية “ابن سينا 2” بمنطقة سيدي عبد الرحمن، عبارة عن الشاليه رقم (1) بمجمع الشاليهات رقم (5)، بمساحة 346 مترًا مربعًا، كما أقر الطرف الأول في العقد بملكيته للوحدة وحيازته لها دون منازعة، وأنها مقامة على قطعة الأرض المبينة بالعقد داخل المشروع بمحافظة مطروح.

ويضيف المحامي: “بعد تورط اتحاد الملاك في ديون لصالح البنك العقاري أدت إلى رهن الأرض، دخل البنك في مفاوضات مع عدد من الملاك، وطرح عليهم في مراحل مختلفة سداد مبالغ إضافية لتسوية أوضاعهم، بدأت بنحو 7 آلاف جنيه ثم ارتفعت إلى نحو 16 ألف جنيه، إلا أن هذه الإجراءات لم تُفضِ إلى تسليم الوحدات أو إنهاء النزاع”.

وسبق أن حددت المحكمة الاقتصادية بالإسكندرية، يوم 11 نوفمبر 2023، موعدًا لبيع عدد من الوحدات السكنية بقرية ابن سينا 2 بالساحل الشمالي، بمنطقة سيدي عبد الرحمن، تقع على مساحة 123 قطعة، وما عليها من فيلات مختلفة، منها ما هو مقام على دورين، ومنها ما هو مقام على 4 أدوار، إضافة إلى بيع عدد من الشاليهات وعمارات و3 مسطحات أخرى بمساحات مختلفة، مبنى على إحداها جزء من سوق تجارية، والثانية مخصصة لتكون مستوصفًا، والثالثة مبني عليها مبنى خدمات تجارية، وأُنشئ معظم الوحدات، وهي عبارة عن هيكل خرساني بدون تشطيب، ومنها ما هو نصف تشطيب، ومنها كامل التشطيب، وبعض المباني صف أول على البحر والبعض الآخر خلفي.

وحددت المحكمة الاقتصادية بالإسكندرية سعر البيع بنحو 140 مليون جنيه، وبتأمين دخول للمزايدة يصل إلى 5 ملايين جنيه، وسبق أن كان مقررًا أن يتم البيع خلال مايو الماضي، إلا أنه لم يتلقَّ عروضًا جدية، بحسب تقارير صحفية.

نوصي للقراءة: لماذا يواجه أهالي جميمة ضغوطًا من الجيش مقابل مشروعات سياحية؟

كيف انتقلت تبعية القرية للجيش؟

تُظهر مستندات موثّقة حصلت عليها “زاوية ثالثة” أن الأرض المقام عليها مشروع “قرية ابن سينا (2)” انتقلت إلى جمعية تنمية المجتمع المحلي بهيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية بموجب عقد بيع مسجل تحت رقم 215 لسنة 1992، والمشهر بتاريخ 17 أغسطس 1992 بمأمورية الشهر العقاري بمحافظة مطروح.

كما تتضمن المستندات نموذجًا لعقد بيع خاص بوحدات المشروع يعود إلى عام 1995، يحدد أن جمعية تنمية المجتمع المحلي، بصفتها الطرف الأول، تبيع للطرف الثاني إحدى الوحدات الكائنة بقرية “ابن سينا (2)” في سيدي عبد الرحمن، مركز العلمين، والمقامة على الأرض البالغة مساحتها 289,397.75 مترًا مربعًا، والمشار إلى أنها مملوكة للجمعية بموجب العقد المشهر رقم 215.

ورغم أن أرض القرية، البالغة مساحتها نحو 21 فدانًا، لم تكن وضع يد أو انتفاع، وإنما اشترتها الجمعية من محافظة مرسى مطروح عامي 1990 أو 1991، وسددت كامل قيمتها وسجلتها بالشهر العقاري، ثم تنازلت عنها لاتحاد الملاك بعقود مسجلة أيضًا ليتولى أعمال البناء، فإن عمرو عبد المنعم كان واحدًا من الملاك الذين أُبلغوا عقب الإزالة بصدور قرار بأيلولة تبعية 14 من قرى الساحل الشمالي، من بينها قرية ابن سينا 2، من هيئة المجتمعات العمرانية إلى ولاية القوات المسلحة، إذا لم تكن قد انتهت من إجراءات التصالح أو توفيق الأوضاع مع الهيئة، دون أن يسري ذلك على الأراضي التي سبق التصرف فيها من جهات حكومية بمستندات رسمية.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “الجهة التي كانت تتولى تنفيذ الإزالات ميدانيًا هي جهاز مستقبل مصر، وكان عناصر منه موجودين على مداخل القرية خلال عمليات الهدم التي وقعت يومي 10 و11 نوفمبر، ومنعوا الملاك من التصوير”.

وبالبحث في المصادر المفتوحة، لم تعثر “زاوية ثالثة” على أي قرارات رسمية صادرة عن رئاسة الجمهورية أو مجلس الوزراء في عام 2025 بهذا الصدد، لكن بالبحث في أعداد الجريدة الرسمية خلال السنوات الخمس التي سبقت الإزالة، عثرنا على القرار الجمهوري رقم 361 لسنة 2020، الصادر في 21 يونيو 2020، الذي يقضي بإعادة تخصيص مساحة تقدر بنحو 707,234.50 فدان في منطقة الساحل الشمالي الغربي لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لاستخدامها في إقامة مجتمعات عمرانية جديدة، مع احتفاظ القوات المسلحة بملكياتها داخل هذه المساحة.

وفي 18 أكتوبر 2021 أعلنت هيئة المجتمعات العمرانية فتح باب تلقي طلبات التفاوض للكيانات الواقعة داخل حدود القرار الجمهوري رقم 361 لسنة 2020 بالساحل الشمالي الغربي، على أن تُقدَّم الطلبات بالمقر المؤقت لجهاز تنمية الساحل الشمالي الغربي بالكيلو 54 طريق مراقيا بالمقر الحالي لجهاز حماية أملاك الهيئة، مرفقًا بها مستندات الملكية وسند التواجد، على أن يتضمن الطلب “تسلسل الملكية – كشف تحديد مساحي لتوقيع سند الملكية معتمد من الهيئة العامة للمساحة المصرية – تراخيص البناء أو قرارات التخصيص أو التقسيم إن وجدت – أية مكاتبات صدرت من جهات الولاية السابقة”.

وفي ديسمبر 2023 منحت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة مهلة أخرى لتلقي طلبات التفاوض من (شركات – جمعيات – كيانات – أو غير ذلك) تبدأ من تاريخ الإعلان حتى 31/12/2023، على الأراضي الواقعة داخل حدود القرار الجمهوري رقم 361 لسنة 2020، بشأن إعادة تخصيص قطع الأراضي المبينة به ناحية الساحل الشمالي الغربي بقطاعاته (الأول – الثاني – الثالث).

وفي 4 فبراير 2025 أعلن المهندس شريف الشربيني، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، منح مهلة أخيرة لتلقي طلبات التفاوض من (شركات – جمعيات – كيانات) بالمنطقة جنوب الطريق الدولي الساحلي تحت ولاية “أجهزة تنمية الساحل الشمالي الغربي” من الكيلو 55 وحتى الكيلو 212 طريق إسكندرية/مطروح الساحلي، حتى يوم 1/3/2025.

ويكشف المالك أن قرية ابن سينا 2 واجهت أزمة مالية كبيرة بعد حصول اتحاد الملاك على قرض من البنك العقاري المصري العربي بضمان 126 قطعة أرض من إجمالي 306 قطع داخل القرية، ثم تعثره في السداد، ما أدى إلى إعادة جدولة القرض ورهن الأراضي مرة أخرى حتى تضاعفت المديونية، لكن الأراضي المرهونة لم تكن مملوكة للغير، وإنما كانت لا تزال مملوكة لاتحاد الملاك، إذ جرى بيع 180 قطعة فقط، بينما بقيت 126 قطعة باسم الاتحاد، وهو ما مكّنه قانونًا من رهنها.

وما زاد الأوضاع تعقيدًا أن غالبية المشترين كانوا يمتلكون الوحدات فقط دون نصيب في الأرض، إذ كان اتحاد الملاك يبيع الشاليهات أو الوحدات السكنية دون نقل ملكية الأرض، لتظل مسجلة باسمه، وهو ما سمح له برهنها لصالح البنك، الذي أثبت في عقد الرهن أن الضمان يشمل “الأرض وما عليها من مبانٍ”.

ويضيف: “بعض الوحدات بيعت قبل الرهن، بينما بيعت وحدات أخرى بعد الرهن، وفي الحالة الأخيرة كان المشترون يكتشفون بعد توقيع العقود وجود عبارة مكتوبة بخط اليد تفيد بأن الأرض مرهونة، نتيجة ضعف الوعي القانوني لدى المشترين بضرورة استخراج شهادة تصرفات عقارية للتأكد من خلو الأرض من الرهون”.

ويؤكد المالك أن المرافق وصلت إلى مدخل القرية لكنها لم تصل إلى الفيلات، موضحًا أن الملاك كانوا ينتظرون انتهاء النزاع القضائي بين اتحاد الملاك والبنك قبل استكمال إدخال المرافق، لأن حسم ملكية الأراضي المرهونة كان شرطًا لاستكمال المشروع.

لكن في تلك الأثناء حسم البنك النزاع القضائي لصالحه قبل الهدم بفترة وجيزة، وأصبح من حقه بيع الأراضي المرهونة في مزاد علني، غير أن ذلك لا يفسر إزالة بقية أجزاء القرية غير المرهونة، بحسب عمرو عبد المنعم، الذي يروي أن الملاك حين التقوا مسؤولين من جهاز مستقبل مصر في الضبعة وسألوهم عن ذلك، كانت إجابتهم أنهم “جهة تنفيذية” ولا يملكون تفسيرًا لما يحدث.

ويضيف: “السجلات العقارية ما زالت تثبت ملكية اتحاد ملاك ابن سينا 2 للأرض مع وجود الرهن لصالح البنك، كما أن عشرات الملاك سجلوا بالفعل ملكياتهم بالشهر العقاري، وخصومتنا مع جهاز مستقبل مصر وهيئة المجتمعات العمرانية، التي آلت إليها الولاية على أراضي الساحل الشمالي بعد محافظة مطروح، ثم أحالت الملف إلى القوات المسلحة، دون أن يتلقى الملاك أي قرارات رسمية بنزع الملكية أو أي إنذارات مسبقة قبل تنفيذ الإزالات”.

ويكشف أن الملاك أقاموا خلال الشهور الماضية دعاوى قضائية للمطالبة باسترداد الحيازة وإثبات استمرار ملكيتهم للأرض، بما يترتب عليه استحقاق التعويضات، بعدما أبلغتهم الجهات المنفذة بأن الأرض أصبحت ملكًا للدولة، رغم أن عقود شراء الأرض من محافظة مطروح ما زالت قائمة ومسجلة، وبالتالي فإن الملكية ثابتة قانونًا وليست مجرد وضع يد.

صور الأقمار الصناعية تظهر قرية ابن سينا 2 قبل الإزالة في أواخر أكتوبر 2025 قرية ابن سينا 2 قبل وبعد الإزالة
صور الأقمار الصناعية تظهر قرية ابن سينا 2 قبل الإزالة في أواخر أكتوبر 2025 قرية ابن سينا 2 قبل وبعد الإزالة

نوصي للقراءة: كيف تسببت شركة “إعمار” الإماراتية في تآكل شواطئ مصرية؟


عدم احترام إجراءات التقاضي

في 30 ديسمبر 2024، نشرت جريدة الوقائع المصرية في العدد 292 منها قرار وزير الإسكان رقم 652 لسنة 2024، الصادر في 14 يوليو من العام نفسه، بشأن اعتماد تخطيط وتقسيم مساحة 109 أفدنة (غير منماة) ضمن قطعة الأرض البالغة 121.12 فدانًا بمنطقة الجراولة في محافظة مطروح بالساحل الشمالي الغربي، المخصصة لجمعية تنمية المجتمع المحلي بهيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية لإقامة منشآت عقارية بنسبة 50% ومنشآت أخرى طبقًا للاشتراطات المعتمدة للجمعية، وتشير مصادرنا إلى أن الموقع المقصود هو المخصص لقرية “ابن سينا 1” وليس “ابن سينا 2” التي تعرضت للإزالة أواخر عام 2025.

وعلمت “زاوية ثالثة” أن رئيس اتحاد الملاك السابق، رمضان عبد القادر عريشة، توفي منذ أشهر قليلة إثر وعكة صحية أصيب بها بعد وقت قصير من قيام جهاز مستقبل مصر بإزالة قرية ابن سينا 2 المملوكة له، بحسب ما تروي زوجته سلوى مصيلحي، التي انتقلت إليها رئاسة اتحاد ملاك ابن سينا بعد وفاة زوجها.

وفي اتصال هاتفي أجريناه معها، أكدت أن الاتحاد كان قد أنهى 90% من إنشاءات قرية ابن سينا 2، وهو ما ينفي عنها تهمة مخالفة اشتراطات الترخيص أو كونها ضمن الأراضي غير المكتملة التنمية بالمحافظات السياحية، موضحة أنها تخوض حاليًا صراعًا قضائيًا في أروقة المحاكم المصرية.

وسبق أن سحبت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، في يوليو 2025، خمس قطع أراضٍ بالساحل الشمالي الغربي لمخالفة اشتراطات التخصيص، بجانب 10 قطع أخرى بمساحة 500 فدان، وذكرت تقارير صحفية أنها تخطط لسحب أراضٍ بمساحة 4 آلاف فدان في الساحل الشمالي الغربي تصل قيمتها إلى 110 مليارات جنيه، أو فرض غرامات على مالكيها، فيما تباشر لجنة من ممثلين عن وزارات الدفاع والإنتاج الحربي والإسكان والتنمية العمرانية والسياحة والآثار والتنمية المحلية، وممثلين عن المحافظات السياحية المختلفة وجهات سيادية أخرى، حصر الأراضي السياحية غير المكتملة التنمية بالمحافظات السياحية المختلفة.

وكانت توجيهات رئاسية وردت بالكتاب رقم 7768 بتاريخ 19 يونيو 2025 قد قضت بإلزام وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية بوقف إصدار أي قرارات وزارية أو قانونية، أو تحصيل أقساط مالية من الشركات العاملة في منطقة الساحل الشمالي الغربي، وذلك لحين الانتهاء من مراجعة شاملة لأوضاع هذه الكيانات، وتضمنت التوجيهات إلغاء جميع طلبات الحصر والتفاوض المقدمة من 123 كيانًا تعمل ضمن نطاق الساحل الشمالي، وترتب على ذلك توقف مؤقت لإصدار القرارات الوزارية أو تعليق تخصيص الأراضي لعدد من الشركات بسبب التأخير أو المخالفات، لكن في منتصف سبتمبر 2025 قررت وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية إلغاء تلك القيود وقرارات الوقف لتسوية أوضاع المطورين واستئناف العمل، مع فرض آليات وضوابط جديدة لتحصيل حقوق الدولة.

وتعليقًا، ترى المحامية الحقوقية المتخصصة في قضايا الحق في السكن مها أحمد أن أي إزالة لتجمع سكني يجب أن تسبقها ضمانات قانونية وإجرائية واضحة، موضحة أنه إذا كانت الدولة تنزع ملكية عقارات لتحقيق منفعة عامة، فإن الدستور والقانون يفرضان صدور قرار من الجهة المختصة يحدد مشروع المنفعة العامة، مع إعلان أصحاب الحقوق وتمكينهم من الاطلاع على القرار، وحصر الملاك، وتقدير تعويض عادل يُصرف مقدمًا، وإتاحة الحق للمتضررين في الطعن على القرار أو قيمة التعويض، فضلًا عن احترام إجراءات التقاضي إذا كان هناك نزاع على الملكية.

وتوضح لـ”زاوية ثالثة” أن المادة (35) من الدستور تنص على أن الملكية الخاصة مصونة، ولا يجوز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا، مؤكدة أنه حتى في الحالات التي لا تتعلق بنزع الملكية، وإنما بتنفيذ أحكام قضائية أو إزالة تعديات، تظل الجهات المختصة ملزمة باحترام ضمانات التقاضي، وإخطار أصحاب الشأن، وعدم التعسف في التنفيذ.

تقول: “العقود المسجلة بالشهر العقاري تمثل أقوى صور إثبات الملكية، كما أن الأحكام النهائية بصحة ونفاذ العقود تمنح أصحابها مركزًا قانونيًا قويًا، بينما تنشئ العقود الابتدائية، في بعض الحالات، حقوقًا شخصية يمكن التمسك بها”، مشددة على أن وجود هذه المستندات لا يمنع الدولة من نزع الملكية متى توافرت شروط المنفعة العامة، وإنما يرتب لأصحابها حقوقًا تتمثل في الحصول على تعويض عادل، والطعن على إجراءات نزع الملكية إذا شابها بطلان، والمطالبة بالتعويض عن أي أضرار إضافية تثبت قانونًا.

وتضيف أن التشريعات المصرية لا تتضمن نصًا عامًا يلزم بإعادة تسكين المتضررين في جميع حالات نزع الملكية، وإن كانت إعادة التسكين قد تُطبق في بعض المشروعات أو وفق سياسات الدولة، في حين تحظى هذه المسألة بحماية أوضح في المعايير الدولية لحقوق الإنسان، لا سيما بالنسبة للفئات المهددة بالتشريد.

وفيما يتعلق بالمشترين حسني النية، توضّح أن من المبادئ القانونية المستقرة ألا يتحمل المشتري وحده نتائج نزاعات لم يكن طرفًا فيها، إذا كان الخلاف قائمًا بين الجمعية أو المطور العقاري أو البنك أو إحدى الجهات العامة، مضيفةً أن حقوق المشترين يجب بحثها بصورة مستقلة متى أثبتوا أنهم اشتروا بحسن نية، وسددوا الثمن، وتسلموا وحداتهم منذ سنوات، مشيرة إلى أن مدى الحماية القانونية يتوقف على طبيعة الرهن، وما إذا كان سابقًا على البيع أو لاحقًا له، وما إذا كان مقيدًا ومعلنًا، فضلًا عما انتهت إليه الأحكام القضائية، وهو ما يستلزم مراجعة دقيقة للمستندات في كل حالة.

وتشير إلى أنه إذا ثبت عدم صدور قرارات رسمية أو إنذارات مسبقة أو تعويضات، فإن ذلك يثير إشكالات قانونية ودستورية جدية، موضحة أن المادة (35) من الدستور تكفل حماية الملكية الخاصة، فيما تحظر المادة (63) التهجير القسري التعسفي للمواطنين، كما أن مصر طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالأمم المتحدة أكدت في التعليق العام رقم (7) أن الإخلاء القسري لا يجوز إلا بعد توفير مجموعة من الضمانات، تشمل التشاور الحقيقي مع السكان، والإخطار المسبق، وإتاحة المعلومات، وتوفير وسائل فعالة للطعن، وعدم ترك الأشخاص بلا مأوى، مع توفير تعويض مناسب عند الاقتضاء.

وترى أن المتضررين يمكنهم، بحسب ظروف كل حالة، اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري للطعن على القرارات الإدارية، أو رفع دعاوى تعويض، أو دعاوى تثبيت الملكية أو حماية الحيازة، فضلًا عن الطعن على تقدير التعويض إذا صدر قرار بنزع الملكية، وتقديم شكاوى إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، مع توثيق الانتهاكات للاستفادة منها أمام الآليات الدولية المختصة بحقوق الإنسان بعد استنفاد سبل التقاضي المحلية أو في إطار التقارير الدولية، معتبرة أن أبرز التحديات التي تواجه المتضررين تتمثل في صعوبة الحصول على المستندات الرسمية، وتعدد الجهات صاحبة الاختصاص، وطول أمد التقاضي، وعدم وضوح الوضع القانوني لبعض الأراضي، إلى جانب ارتفاع تكاليف التقاضي بالنسبة لكثير من المتضررين.

فيما يؤكد إبراهيم عز الدين، مدير السياسات بديوان العمران، أن الأصل الدستوري في مصر هو حماية الملكية الخاصة، ولا يجوز المساس بها إلا وفق إجراءات قانونية محددة وواضحة، موضحًا أن إزالة تجمع عمراني يضم مئات الوحدات السكنية لا يمكن أن تستند إلى تعليمات شفهية أو تكليفات داخلية غير معلنة، وإنما تستلزم وجود سند قانوني معلن، سواء كان قرارًا بنزع الملكية للمنفعة العامة، أو حكمًا قضائيًا، أو قرارًا إداريًا صادرًا من الجهة المختصة، مع تمكين أصحاب الحقوق من الاطلاع على الإجراءات والطعن عليها.

ويُبيّن أن طبيعة المسار القانوني تختلف باختلاف سبب الإزالة؛ فإذا كانت الأرض مخصصة لمشروع ذي منفعة عامة، فإن الدستور وقانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990 يفرضان صدور قرار رسمي ونشره، وحصر أصحاب الحقوق، وصرف تعويض عادل مقدمًا. أما إذا كانت الإجراءات تستند إلى تنفيذ رهن لصالح بنك، فيجب إظهار جميع المستندات القانونية الخاصة بالتنفيذ، بدءًا من عقد الرهن وحتى حكم إيقاع البيع وسند التسليم، مؤكدًا أن الإعلان عن مزاد وحده لا يثبت انتقال الملكية أو يبرر الإزالة.

يقول لـ”زاوية ثالثة”: “إذا كان مبرر الإزالة هو وجود مخالفات بناء، فلا بد من صدور قرار إداري مسبب يحدد العقارات المخالفة وطبيعة المخالفة، مع إعلان ذوي الشأن، وغياب قرار نزع الملكية أو قرار الإزالة أو الحكم القضائي النهائي يثير أساسًا قانونيًا للطعن على إجراءات الهدم والمطالبة بالتعويض، خاصة إذا نُفذت الإزالة قبل تمكين أصحاب الحقوق من معرفة السند القانوني والاعتراض عليه”.

وبشأن وجود وحدات مرهونة وأخرى مملوكة بعقود مستقلة داخل المشروع نفسه، يقول: “الإدارة العمرانية لا ينبغي أن تتعامل مع المشروع باعتباره كتلة واحدة، وإنما يجب التمييز بين المراكز القانونية المختلفة لكل قطعة أرض أو وحدة سكنية، وقصر آثار النزاع على الجزء المرتبط به، وعدم تعميمها على جميع السكان، حمايةً لأصحاب الحقوق الذين لم يكونوا طرفًا في النزاع”.

ويرى عز الدين أن السياسات الحكومية خلال العقد الماضي اتجهت بصورة متزايدة إلى إخلاء الأراضي والمساكن، سواء عبر قرارات نزع الملكية أو في بعض الحالات من خلال الإخلاء القسري، معتبرًا أن هذه الممارسات تثير تساؤلات بشأن مدى توافقها مع الالتزامات الدولية المتعلقة بالحق في السكن وحماية الملكية.

وفيما يتعلق بالمشروعات السكنية القديمة المتعثرة، يرى أن المسار الصحيح لا يبدأ بالهدم، وإنما بحصر الوضع القانوني للأرض والوحدات، ومراجعة التراخيص والمرافق، وفحص السلامة الإنشائية لكل مبنى على حدة، ثم إخطار أصحاب الحقوق وإتاحة الفرصة لهم لتقديم مستنداتهم والتظلم أو توفيق أوضاعهم، موضحًا أن قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 يؤكد هذا النهج، إذ يجيز وقف إجراءات التنفيذ بمجرد تقديم طلب التصالح إلى حين الفصل فيه، بما يعكس أن الأصل هو الفحص والتدرج قبل الإزالة.

ويضيف: “تعثر المطور العقاري أو الجمعية التعاونية لا يسقط تلقائيًا حقوق المشترين، ولا يحولهم إلى مخالفين، خاصة إذا كانوا قد سددوا قيمة الوحدات وتسلموها وأقاموا فيها لسنوات بعلم الجهات الإدارية، ويجب التحقق من مدى صحة أي رهن وقعته الجمعية، وما إذا كان قد صدر بموافقة الجمعية العمومية ووفق الإجراءات التي يحددها قانون التعاون الإسكاني، ويظل الفصل في هذه المسائل من اختصاص القضاء”.

ويؤكد أن السياسات العمرانية يجب أن تلجأ أولًا إلى بدائل أقل ضررًا من الهدم، مثل استكمال المرافق، أو إعادة هيكلة ديون الجمعية، أو تعيين إدارة مؤقتة، أو فصل الأجزاء محل النزاع عن باقي المشروع، أو تقنين المباني المستوفية لاشتراطات السلامة، مؤكدًا أن الإزالة الكاملة لا ينبغي اللجوء إليها إلا إذا ثبت استحالة جميع الحلول الأخرى.

ويتابع: “التنمية والاستثمار لا يتعارضان مع حماية الملكية الخاصة، فالاستثمار المستدام يعتمد على استقرار الحقوق القانونية، وأزمة قرية (ابن سينا 2) تعكس وجود فجوات في منظومة حوكمة الأراضي نتيجة تعدد جهات الولاية وتداخل اختصاصاتها، وهو ما يصعّب على المواطنين تحديد الجهة المسؤولة عن القرارات أو حماية حقوقهم”.

ويدعو إلى إصلاحات مؤسسية تشمل إنشاء سجل رقمي موحد يوضح أوضاع الملكية والرهون والقرارات الإدارية، وتوحيد قواعد إدارة الأراضي بين الجهات المختلفة، وإلزام الجهات المختصة بنشر قرارات نزع الملكية وإعادة التخصيص وإتاحتها للجمهور، إلى جانب إنشاء آلية مستقلة لمراجعة تقارير المنفعة العامة، بما يحقق مزيدًا من الشفافية ويحد من النزاعات، مؤكدًا أن استقرار الملكية ووضوح الإجراءات يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق تنمية عمرانية مستدامة.

وبين عقود مسجلة، وأحكام قضائية، وقرارات رسمية منشورة، وروايات متضاربة بشأن انتقال الولاية على أراضي الساحل الشمالي، تبقى قرية “ابن سينا 2” نموذجًا لتعقيدات إدارة الأراضي المتعثرة في مصر.

فبينما يؤكد الملاك امتلاكهم مستندات تثبت حقوقهم، لا تزال الأسئلة الجوهرية بلا إجابة: ما السند القانوني الذي استندت إليه الإزالات؟ ولماذا شملت وحدات يقول أصحابها إنها غير مرهونة؟ وإلى أن تُحسم هذه التساؤلات بوثائق رسمية وأحكام نهائية، يظل مصير مئات الملاك وحقوقهم القانونية معلقًا بين أروقة المحاكم والجهات الحكومية.

Search