نقص الأدوية النفسية في مصر: صراع يومي من أجل البقاء

 تخلت الدولة تدريجيًا عن السيطرة على الصناعة للقطاع الخاص، واليوم، لا يوجد سوى 11 شركة صيدلانية مسجلة من أصل 137 شركة مملوكة للقطاع العام
رشا عمار

قضت مريم (28 عام) من محافظة الجيزة، أربعة أيام متواصلة دون نوم، لتقرر الانتحار في الليلة الخامسة قبل أن ينقذها شقيقها وتنقل إلى إحدى المصحات النفسية القريبة، بسبب عدم توافر دواء (لاميكيتال) المختص بعلاج الصرع والاضطراب ثنائي القطب، الذي درجت على تناوله منذ خمس سنوات. لم تجد دوائها نتيجة أزمة نقص الدواء المحتدمة في مصر مؤخرًا. 

يقول إبراهيم، شقيق مريم الأكبر والقائم على رعايتها بعد وفاة الوالدين،  في حديثه إلى زاوية ثالثة إنها تعاني من اضطراب ثنائي القطب الحاد منذ سنوات، وهو مرض نفسي خطير يُشعر المريض دائمًا أنه بحالة حزن عميق ويأس شديد، وأنه لا رغبة لديه في الحياة أو التعامل مع الناس، لذلك تخفف الأدوية من الآثار الحادة للمرض، وتجعل المريض قادر على التحرك بشكل هاديء و تقلل لديه نسبة الميول الانتحارية.

ومنذ يناير الماضي يواجه إبراهيم أزمة في توفير العلاج لشقيقته، مع نقصه في مختلف الصيدليات الكبرى بمحافظتي الجيزة والقاهرة، وعدم توافر بدائل محلية أو مستوردة له، ورغم مضاعفة سعره ثلاث مرات (سعره الرسمي 150 جنيهًا)، بينما يصل سعره بالسوق السوداء إلى 500 جنيهًا – في بعض الأحيان-، لم يتمكن من توفير سوى ثلاث عبوات على مدار ستة أشهر؛ ما يعادل نصف الكمية المقررة لعلاج مريم، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف لتدهور حالتها الصحية، ومحاولتها الانتحار قبل أن يتم إيداعها مصحة نفسية خاصة قبل نحو أسبوعين، فيما يسعى إبراهيم بشكل مكثف لتوفير بعض عبوات من الدواء عن طريق السوق السوداء. 

شهدت مصر خلال الأشهر الماضية أزمة نقص حاد في بعض أصناف الأدوية، خاصة الأدوية المستوردة؛ ما أثار أزمة كبيرة للمواطنين وتسبب في صعوبات كبيرة في الحصول على العلاجات الضرورية منها أدوية الأمراض النفسية والعصبية التي تعد أخطر الأمراض المزمنة، يرجع السبب الأبرز للأزمة في نقص السيولة الدولارية التي انفرجت قليلًا منذ فترة قصيرة؛ ما يعيق قدرة شركات الأدوية على استيراد المواد الخام اللازمة لتصنيع الأدوية، أو استيراد الأدوية الجاهزة من الخارج.

ويعاني نحو 25% من المصريين من الأمراض والاضطرابات النفسية بمعنى أن كل واحد من أربعة أشخاص من المفحوصين لدية عرض أو اضطراب نفسي، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة (المسح القومى للصحة النفسية)، التي تستهدف قياس معدل انتشار الاضطرابات النفسية، تتصدرها اضطرابات المزاج (الحزن والاكتئاب والقلق) بنسبة 43.7%، تليها اضطرابات تعاطي المخدرات بنسبة 30.1٪ .

وتشير أرقام غرفة الدواء باتحاد الغرف التجارية المصرية، إلى أن حجم تجارة الأدوية بلغ 140 مليار جنيه مصري خلال العام الماضي، وأن مصر توفر ما يزيد على 90% من الأدوية المستهلكة فيها عبر الإنتاج المحلي، ويتم استيراد الباقي، ويتمثل في أدوية الأورام والعلاج الهرموني والأمراض التخصصية النادرة، بقيمة تصل إلى نحو ثمانية مليارات جنيه مصري.

وفي فبراير الماضي أقرت الحكومة المصرية بأن هناك نقصًا في بعض الأدوية وعقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعا مع وزير الصحة، ومحافظ البنك المركزي، ورئيس هيئة الدواء، ومسؤولين آخرين، لدراسة تدبير احتياجات القطاع الصحي.

 وبحسب البيان الرسمي، أوضح وزير الصحة والسكان، خالد عبد الغفار، أن هناك لجنة مشكلة بقرار رئيس الوزراء مهمتها العمل على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، تضمُ مسؤولي مختلف الجهات المعنية بهذا الملف، وأشار إلى أن بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، خاصة المستوردة، بدأ تتناقص الفترة الأخيرة، ومن ثم يأتي هذا التحرك المهم لزيادة الاحتياطيات منها.

وتلتزم الحكومة المصرية، وفق الدستور بتوفير الرعاية الصحية الكاملة للمواطنين بما في ذلك الدواء، وتنص المادة (18) من الدستور على أن “لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل”. 

وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3 % من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية. وتلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحى شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض، وينظم القانون إسهام المواطنين في اشتراكاته أو إعفائهم منها طبقًا لمعدلات دخولهم. ويجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. وتلتزم الدولة بتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين في القطاع الصحي. 

 

أزمة حادة.. ما أسبابها؟

وفقًا لتقرير صادر عن غرفة الأدوية التابعة لاتحاد الصناعات المصرية في شهر مارس الماضي، فإن نحو 1471 دواء من العلامات التجارية غير متوفر في السوق المحلية؛ 300 منها ليس لها بديل ولا تتوفر في أي علامة تجارية أخرى. والعديد من هذه الأدوية تعتبر أدوية أساسية “منقذة للحياة”، بحسب التقرير. وفي نشرة صدرت في شهر ديسمبر، أفادت وزارة الصحة والسكان بوجود معادلات أو بدائل عامة لـ 189 دواء تعاني من نقص في المعروض حاليًا، في حين نفد مخزون 43 دواء تمامًا.

يقول محمود فؤاد – المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء-  إلى زاوية ثالثة إن أزمة نقص الدواء في مصر تتعلق بشكل مباشر بالأزمة الاقتصادية وشح الدولار وارتفاع سعره مقابل الجنيه، مشيرًا إلى أن صناعة الدواء في مصر هي الأكثر أهمية وحيوية، نظرًا للاحتياج الشديد لها، مضيفًا أن المواطنين يستطيعون الاستغناء المؤقت عن الطعام لكن تأخير جرعة الدواء عن الموعد المحدد لها قد يؤدي إلى نتائج كارثية. 

ويرجع فؤاد أزمة الدواء لعدة أسباب تتعلق بالتصنيع والإنتاج والاستيراد، أولها التسعيرة الجبرية للدواء، والتي لا يحق تغييرها بأي شكل، إلا من خلال قرار رسمي من مجلس الوزراء ينشر في الجريدة الرسمية. العامل الثاني أن 95% من صناعة الدواء في مصر تعتمد على الاستيراد من الخارج بداية من المادة الفاعلة إلى الحبر الذي يستخدم لكتابة اسم الدواء على المنتج، وبالتالي أصبحت صناعة الدواء برمتها تحت رحمة الدولار. 

وتعد التسعيرة الجبرية للمستحضرات الطبية اختصاصًا أصيلًا لهيئة الدواء المصرية دون غيرها، ويشير بيان حديث صادر عن الهيئة في مايو الماضي إلى أن قانون إنشاء الهيئة رقم 151 لسنة 2019 نص على أن تتولى هيئة الدواء المصرية تنفيذ القوانين واللوائح والقرارات التنظيمية والضوابط والإجراءات المنظمة لتسجيل وتسعير وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الطبية الخاضعة لأحكام القانون والمواد الخام، التي تدخل في تصنيعها، ومتابعة تطبيق الإجراءات المتعلقة بها بما يكفل حماية المستهلك واتخاذ الإجراءات القانونية قبل المخالفين.

يضيف “فؤاد” في حديثه معنا إن “أزمة الدواء ستستمر طالما أزمة الدولار مستمرة، وقت التعويم الأول للجنية عام 2017 الحكومة اتخذت قرارات سريعة بإعادة تسعير الدواء وزادت أسعار 3010 صنف فيما يمكن وصفه بأنه (تضحية بالمواطن بدلًا من التضحية بالدواء). 

كان ذلك، وفق فؤاد، آخر تسعير حكومي لسعر الدواء وحينها كان سعر الدولار يعادل 18 جنيهًا اليوم وصل الدولار إلى 70 جنيهًا قبل تحرير سعر الصرف الأخير، ليصل في البنوك إلى نحو 48 جنيهًا مع توقعات بزيادات محتملة، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على واردات المواد الخام لصناعة الدواء التي توقف بشكل شبه كامل، لأن الشركات ستخسر إذا استمرت بالتصنيع. 

خلال الأزمة الراهنة نجد أن هناك حالة من التباطؤ الشديد في تعامل الحكومة المصرية مع الأزمة، وصلت لحد (اللامبالاة) وإهمال حياة البشر والمواطنين، فضلًا عن الإضرار بسمعة الصناعة، وعدم المحافظة على تعزيز فرص العمل في هذا القطاع. 

وتعود جذور المشاكل التي تعاني منها صناعة الأدوية المصرية حاليًا إلى سنوات مضت، فقد جاء الحفاظ على أسعار الأدوية منخفضة بشكل مصطنع على حساب مطاردة الاستثمارات والابتكارات التي كانت لتسمح للصناعة بالتطور والازدهار.

 وقبل عام 2009، كانت أسعار الأدوية المصنعة محليًا تحدد وفقًا لإطار “التكلفة بالإضافة” التعسفي إلى حد ما من أجل إبقاء الأدوية في متناول الجميع، ولكن من الناحية العملية، يقول المطلعون على الصناعة إن الأسعار كانت غالبًا ما تتحدد من خلال صفقات خلف الكواليس بين الشركات المصنعة والمسؤولين. في عام 2009، تحولت مصر إلى نظام تسعير مرجعي خارجي في محاولة لوقف الفساد وتحديث الصناعة، وجعلها أكثر انسجاما مع السوق العالمية.

بموجب الإطار الجديد، كان من المقرر أن تكون أسعار الأدوية مرتبطة بتكاليف الأدوية في 36 دولة “معيارية”، بما في ذلك كندا والدول الأوروبية ودول الخليج العربي. ولكن التنفيذ غير الدقيق والاحتجاجات من جانب جماعات المستهلكين أسفرت في نهاية المطاف عن بقاء العديد من الأسعار منخفضة بشكل مصطنع. وفي الوقت نفسه، لم تقم الدولة بتحديث أسعار الأدوية منذ عام 2010.

يقول محمود فؤاد: “المفترض أن الأدوية التي يتم إنتاجها داخل مصر تكفي احتياجات 85% من السكان، وبالتالي لا تواجه مصر أزمة في صناعة الدواء؛ لكنها أزمة اقتصادية تتعلق باستيراد المواد الفاعلة المستخدمة في التصنيع، الـ 15% الباقية من الدواء يتم استيرادها من الخارج وهي أدوية هامة للغاية أيضًا”.

ويشير إلى أن الحكومة المصرية دخلت في مفاوضات مع الشركات، وعقدت اجتماعات مع البنك المركزي؛ لتوفير السيولة الدولارية اللازمة لاستيراد المواد الخامة، لكن الموضوع كان صعب للغاية، والنتيجة أن هناك شركات كبرى مثل شركة (سيجما) المملوكة لرجل الأعمال السيد البدوي استغنت عن نحو (500) عامل، فيما اضطرت بعض الشركات للإغلاق بما فيها شركات أجنبية تعمل في القطاع. 

ويضيف: ” لدينا 165 شركة تمتلك مصنع و162 شركة تمتلك مصنع تحت التأسيس وهناك ثمان شركات قطاع أعمال، و22 شركة أجنبية وأكثر من 1200 شركة لا تمتلك مصنع لكن تشتري الدواء وتبيعه، فيما يبلغ حجم صناعة وسوق الدواء في مصر نحو ثلاثة مليارات و200 دولار في 2023 وهو السوق الأكبر في الشرق الأوسط وأفريقيا”.

 تخلت الدولة تدريجيًا عن السيطرة على الصناعة للقطاع الخاص، واليوم، لا يوجد سوى 11 شركة صيدلانية مسجلة من أصل 137 شركة مملوكة للقطاع العام، وهي مسؤولة عن تصنيع 10% فقط من الأدوية التي يشتريها المصريون، وفقا لجهاز الإحصاء الحكومي. وحوالي 42% من الأدوية المباعة في الصيدليات المحلية تصنعها شركات الأدوية المتعددة الجنسيات، في حين أن 18% أخرى هي واردات.

بحسب “فؤاد” اتخذت الحكومة أيضًا قرار تعسفي، لتمهيد الطريق أمام قرار تخصيص المستشفيات الحكومة أمام المستثمرين، إن أي مريض من حقه صرف نوع دواء واحد فقط، وبالتالي أصبح لا يوجد دواء في المستشفيات ولا في المستشفيات، وذلك أدى لتفاقم الأزمة ، وهناك أشخاص فقدوا حياتهم بالفعل بسبب عدم توافر الدواء. 

أشهر نوع؛ أنسولين ميكس ستارت غير موجود في الصيدليات رغم زيادة سعره من 60 إلى 93 جنيهًا بسبب عدم توافر المادة الفعالة، فضلًا عن أدوية أخرى مثل أدوية المناعة والدم والمضادات الحيوية وأدوية الهرمونات للسيدات، نتحدث عن نحو (700 صنف)، وهناك أربعة ملايين طفل مصاب بمرض حمى البحر المتوسط لم يحصلوا على أدويتهم منذ أربعة أشهر وهم معرضون للموت.  فيما زادت أدوية الأمراض المزمنة بنحو 30%، وذلك يمثل صدمة كبيرة خاصة أن غالبيتهم من أصحاب المعاشات والطبقات الأكثر احتياجًا، في الوقت الذي يندرج نحو 63% فقط من المصريين في نظام التأمين الصحي. 

 

جحيم مرضى النفسية والعصبية

اضطر محمود عبد السلام (40 عامًا) من محافظة سوهاج، إلى تناول عقار “فيردابيوتال” لعلاج الاكتئاب المزمن، بعد وفاة ابنه قبل ثلاث سنوات، اضطر للجوء إلى السوق السوداء التي تبيع الدواء بأسعار تتجاوز 10 أضعاف ثمنها – على حد تقديره-، ولا توفر نفس المادة الفعالة، ولكن يمكن الاعتماد عليها بدلًا عن الموت. وسجل سعر العقار المذكور على موقع دليل دواء مصر نحو 140 جنيهًا، بدلًا عن 63 جنيهًا؛ إلا أن “عبد السلام” يؤكد أن الأسعار على صفحات بيع الدواء قد جاوزت هذا الرقم بكثير. 

يصف في حديثه البقاء بدون علاج كالحياة في الجحيم، يقول: “واجهت ظروفًا قاسية بعد وفاة ابني الوحيد بعمر ثمان سنوات، لجأت للطب النفسي بعد محاولتي انتحار فاشلتين، وتم تصنيفي باكتئاب حاد مزمن، وأخبرني الطبيب أنه يتوجب عليّ الالتزام بالعلاج لفترة طويلة، وتحسنت إلى حد ما لكن مع عدم توافر العلاج أشعر أنني أعود للمرحلة صفر.” 

يضيف: “قبل أيام، أرسل لي صديق عنوان صفحة على موقع (فيس بوك) تحمل اسم (نواقص الأدوية) عليها بعض الأشخاص يوفرون الدواء لكن بأسعار مضاعفة، بمجرد طلب اسم دواء يرد أحدهم في رسالة، إذا كان متوفر أو لا ويتم تحديد سعره ومكان تواجده.”

أما داليا الضوي شقيقة مريضة الفصام، فتقول إنها اضطرت لاستجلاب دواء فلوناكسول (دواء مستورد)، من إحدى الدول العربية بعد نقصه في الصيدليات بمصر، بعد تدهور في حالة أختها قبل شهور، لكن لحسن الحظ تعمل داليا، أستاذة جامعية بإحدى الجامعات في دولة خليجية يتوافر فيها الدواء لذلك تمكنت من توفيره. 

وتقول “الضوي” في حديثها معنا إن مسألة عدم توفير الدواء للمرضى خاصة الأمراض المزمنة مثل العصبية والنفسية أمر في غاية الخطورة، لأن المريض النفسي يعتمد على الدواء بشكل شبه كامل للشعور بالتحسن وعدم إيذاء النفس، لذلك غياب الدواء، أو حتى اختلاف موعده قد يعرض المريض وعائلته لكارثة، ويهدد حياته بشكل مباشر. 

إلى ذلك يقول أحمد موافي – أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان-، إن الكثير من الأدوية الخاصة بعلاجات النفسية والعصبية غير موجودة بالأسواق؛ منها دواء “سبيرالكس” الأشهر في علاج نوبات القلق والاكتئاب، وكذلك عشرات الأنواع التي تعالج الصرع والاكتئاب والفصام وفرط الحركة وغيرهم من الاضطرابات الأخرى. 

ويوضح “موافي” أن غياب الأدوية الخاصة بعلاج الأمراض النفسية والعصبية أمر خطير حتى لو توافرت له بدائل؛ لأن المريض عادة يكون معتاد على دواء محدد يفضل تناوله ويتفاعل معه بشكل محدد، لذلك يؤدي تغييرها أو نقصها إلى مشكلات كبيرة جدًا ربما تهدد حياة المريض. 

كذلك يؤدي التوقف عن تناول الأدوية النفسية أو نقصها إلى عودة أعراض الاضطرابات النفسية، مثل القلق والاكتئاب واضطراب ثنائي القطب والفصام، بحسب “موافي” يمكن أن تكون هذه الأعراض شديدة وتؤثر بشكل كبير على قدرة الشخص على العمل والدراسة والحياة اليومية. وربما يلجأ بعض الأشخاص الذين يعانون من نقص الأدوية النفسية إلى تعاطي الكحول والمخدرات للتخفيف من أعراضهم، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى الإدمان والعديد من المشكلات الصحية والنفسية الأخرى.

من جهته، يقول محمود فؤاد إن الأصناف المهمة من الدواء؛ ما يطلق عليها الأصناف الاستراتيجية، الخاصة بالأمراض المزمنة مثل النفسية والعصبية، وغيرها، بدأت تختفي تمامًا من الأسواق، مثلًا لا يوجد اليوم في الأسواق أدوية للاكتئاب أو الصرع أو مرض فرط الحركة وقلة التركيز، وهو مرض خطير قد يجعل المريض غير قادر على النوم لمدة ثلاثة أيام متواصلة، وبالنسبة للطلاب يجعلهم يفقدون التركيز بشكل شبه كامل.

ويعتبر فؤاد، الذي شغل عضوية مجلس إدارة مستشفى الخانكة بالعباسية، وهي أكبر صرح طبي للأمراض النفسية والعصبية في مصر، أن غياب أدوية الجهاز العصبي والأمراض النفسية كارثة تهدد المجتمع المصري، وتستوجب تحرك عاجل لاحتواء نتجائها على المرضى، خاصة مع زيادة أعداد مرضى الجهاز النفسي والعصبي أضعاف خلال السنوات الماضية. 

ويشير فؤاد إلى أن في عام 2015 زادت مبيعات الأدوية النفسية والعصبية من الـ 13 إلى التاسع ثم إلى المراكز الرابع؛ ما يعني أن هناك زيادات خطيرة في أعداد المرضى المصابين بهذه الأمراض مؤخرًا، ولجوء عدد أكبر من المصريين للطب النفسي، ويفسر علماء الاجتماع زيادة الإقبال على العلاج النفسي بسبب التداعيات الاجتماعية والاقتصادية بين الثورات. 

 

تحرك برلماني وتناقض حكومي

على إثر الأزمة، شهد البرلمان المصري تحركات غاضبة من جانب النواب للمطالبة بحل الأزمة، وتقول النائبة إيرين سعيد عضو لجنة الصحة والسكان بمجلس النواب المصري لزاوي ثالثة، إنها تقدمت بطلب إحاطة للحكومة لمناقشة أزمة نقص الدواء في السوق المصرية، لكن لم تتم مناقشته حتى اللحظة، معتبرة أن أزمة الدواء هي قضية استراتيجية تتعلق بالأمن المصري، تتطلب حلولاً عاجلة.

وتعود أسباب الأزمة بحسب النائبة المصرية إلى عوامل متعددة، منها، توقف بعض شركات الأدوية عن الإنتاج وذلك بسبب عدم قدرتها على تغطية تكلفة تصنيع الأدوية في ظل التسعيرة الجبرية الثابتة، بينما ارتفعت أسعار المواد الخام بشكل كبير، ونقص بعض الأدوية المستوردة العائد إلى صعوبة الحصول على العملة الأجنبية اللازمة لاستيرادها، خاصة بعد تعويم الجنيه المصري، وعدم وجود بدائل لبعض الأدوية مثل أدوية السرطان وأمراض الغدة الدرقية، من نقص حاد في الأدوية، مما يُشكل خطرًا كبيرًا على حياة المرضى.

يُشكل نقص الأدوية تهديدًا مباشرًا لصحة وحياة العديد من المرضى، خاصة أولئك الذين يعتمدون على أدوية محددة لا تتوفر لها بدائل، لذلك تطالب سعيد الحكومة المصرية باتخاذ خطوات عاجلة لحل هذه الأزمة، مقترحة عقد حوار مع شركات الأدوية لمعرفة أسباب توقفها عن الإنتاج، والعمل على إيجاد حلول تُمكنها من العودة إلى التصنيع، مع مراعاة استقرار أسعار الأدوية للمرضى، واتخاذ خطوات لتوفير العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد الأدوية المُحتاجة، خاصة الأدوية التي لا تتوفر لها بدائل محلية، كما تطالب الحكومة دعم تصنيع الأدوية محليًا من خلال تقديم حوافز للمستثمرين في هذا المجال، وتوفير بيئة مناسبة لنمو صناعة الدواء المصرية، ويجب على هيئة الدواء المصرية لعب دور أكثر فاعلية في متابعة توافر الأدوية في السوق، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع حدوث أي نقص.

من جهته، يقول علي عوف – رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية- في حديثه معنا إن أزمة الدواء تعود بشكل رئيس إلى ثقافة الطبيب والمريض في مصر التي تلتزم بصرف الاسم التجاري للدواء وعدم الاعتراف أو الاهتمام بالبدائل، رغم أن جميع الأدوية يتوافر لها بدائل بالصيدليات المصرية، لكن المريض يتمسك بالحصول على نوع معين. 

ويؤكد “عوف” أن جميع الأدوية الناقصة يتوافر لها بدائل، وإذا كان الطبيب يجري الكشف داخل مستشفى تخضع للتأمين الصحي، فليس من حقه كتابة الاسم التجاري للدواء ولكن كتابة الاسم العلمي فقط، ويتم صرف الدواء حال توفره و البديل في حال عدم توافر، والأدوية في التأمين الصحي متوفرة وليست أقل جودة من الأدوية خارج التأمين. 

بحسب “عوف” سيسهم تغيير عادات الأطباء كثيرًا في الحد من الأزمة، ويؤكد أن جميع الأدوية متوفر لها بدائل والتي لا يتوافر لها بدائل يمكن الحصول عليها من صيدلية الإسعاف (إحدى الصيدليات الكبرى التابعة لوزارة الصحة المصرية، وتقع بقلب العاصمة) التي تخصص خطًا ساخنًا، لتلقي الشكاوى الخاصة بالأدوية الناقصة، على المرضى الاتصال بها وتوجه المريض أقرب نقطة يتوافر فيها الدواء، ويتم صرفها بالروشتة والرقم القومي. 

وحول الإجراءات الحكومية الأخرى للتعامل مع الأزمة يقو “عوف” إن الحكومة تتابع مخازن الأدوية وشركات التوزيع والصيدليات لضمان عدم التلاعب أو اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى مفاقمة الأزمة، وإذا كان هناك أي نقص في الدواء يمكن للمواطن الاتصال بهيئة الدواء المصرية، وستقوم الهيئة بتوجيه المرضى لأماكن توافر الدواء أو البدائل المتاحة له. 

وكان عوف قد حذر في مايو الماضي من زيادة النواقص في السوق إلى نحو 1000 نوع، وقال بحسب بيان: ” قطاع الدواء يواجه تحديات كبيرة في التسعير مما قد يؤدي إلى نقص غير مسبوق في الدواء مما يزيد من معاناة المريض المصري، وبالتالي قد يؤدي إلى زيادة الأدوية المهربة والمغشوشة”.

يوضح “عوف” حينها أن “السوق المصرية بها 14 ألف نوع من الأدوية، بينها أربعة آلاف نوع هي الأكثر شيوعًا، يتصدرها الألف نوع التي تواجه نقصًا حادًا في الأسواق”. ويشير إلى أن قطاع الدواء يبحث عن “طوق نجاة” من شبح التوقف، وبالتالي سوف يكون هناك تبعات غير مسبوقة على هذا القطاع؛ إذ أن هناك زيادة في التكاليف بسبب زيادة سعر الصرف بعد تعويم الجنيه. 

 

هل ثمة حلول؟ 

يقول محمود فؤاد إن توافر الأدوية في الأسواق يستغرق ثلاثة أشهر على الأقل في حال توافر الدولار وشراء المادة الفعالة والتوقعات أن تمتد الأزمة إلى ديسمبر المقبل أو بعد ذلك، إلا في حالة تكون الأدوية قد تم تخزينها من جانب الصيدليات والشركات الكبرى لعلمهم المسبق بزيادة الأسعار، وذلك حدث بالفعل، وهناك حملات تقوم بها وزارة الداخلية وإدارة التفتيش الصيدلي والرقابة الإدارية بشكل مكثف، خلال الفترة الماضية لمواجهة الاحتكار والتخزين وتم ضبط أكثر من 45 مخزن دواء. 

وبحسب فؤاد هناك 80 ألف صيدلية مهددة بالإغلاق؛ إلا أن حل الأزمة يتوقف على توافر الدولار، وإذا استمرت الأزمة الاقتصادية ستستمر أزمة الدواء وسنعود للمنطقة صفر، وتظل أزمة الأمراض المزمنة مثل النفسية والعصبية هي الأخطر والأكبر. 

يقول “فؤاد” إذا كانت الحكومة تريد حلولًا عليها تعميم منظومة التأمين الصحي الشامل بكافة المحافظات، حتى اليوم لم يتم تطبيق المنظومة إلا في أربعة محافظات فقط، وتوفير الدواء في المستشفيات، وطباعة دولار جمركي للصناعات الهامة ولا يوجد أهم من الدواء.  

كما يستوجب الحل إحياء شركات قطاع الأعمال التي تم تدميرها في نهاية عصر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، قبل عقود كانت تنتج 62% من احتياجات الدواء، اليوم لا يتجاوز إنتاجها 6%، وعلاج المصريين بات متوقف على الاستيراد وتحكم شركات القطاع الخاص والشركات الأجنبية. 

 

رشا عمار
صحفية مصرية، عملت في عدة مواقع إخبارية مصرية وعربية، وتهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية.

Search