اشتروا الأرض ثم طُلب منهم ثمنها مجددًا.. أزمة ملاك «سفنكس الجديدة»

ملاك أراضي الريف الأوروبي يواجهون رسوم تقنين متصاعدة وتغير نسب التنازل عن أراضيهم في سفنكس الجديدة.
كولاج توضيحي لأرض زراعية ومخطط ملكية ومبانٍ قيد الإنشاء، عن أزمة تقنين أراضي سفنكس الجديدة

بسنت نور الدين

في عام 2016 كان يوسف شعبان، يخطط للعودة إلى مصر، بعد سنوات من الاغتراب، حين اشترى 42 فدانًا، على طريق مصر – الإسكندرية الصحراوي، من شركة الريف الأوروبي للتنمية الزراعية، المملوكة لرجل الأعمال عبد الله سعد، ليستثمر أمواله في زراعتها، وكان سعر الفدان وقتئذٍ يبلغ نحو 400 ألف جنيه، ولأنه لم يمتلك إجمالي قيمة الأرض البالغة نحو 16 مليون و800 ألف جنيه، قام بسداده بالتقسيط على مدار عامين.

ولكن في مارس 2018 صدر القرار الجمهوري رقم 113، بإعادة تخصيص مساحة 31,952.90 فدان من الأراضي المملوكة للدولة، ناحية طريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لاستخدامها في إقامة مجتمع عمراني جديد، في محافظة الجيزة على طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي (بين الكيلو 48 إلى 56) عُرف بـ"مدينة سفنكس الجديدة"، وصُدم يوسف كغيره من ملاك الريف الأوروبي، بدخول أراضيهم، ضمن نطاقها.

يمتلك يوسف عقد ملكية مسجل بالشهر العقاري، لكن الحال لم يكن كذلك لكافة ملاك الأراضي في المنطقة فبعضهم لديه عقود خضراء مشهرة، والبعض قننوا أوضاع أراضيهم الزراعية وسددوا الأقساط والرسوم، بينما دخلت أراضي الآخرين ضمن اللجنة العليا لاسترداد أراضي الدولة ومستحقاتها، والتي ترأسها المهندس إبراهيم محلب.

وفي أكتوبر 2018، أعلنت هيئة المجتمعات العمرانية بدء توفيق أوضاع ملاك الأراضي الواقعة داخل حدود “مدينة سفنكس الجديدة”، البالغة مساحتها 31.9 ألف فدان، والتي شملها القرار الجمهوري رقم (113)، لكن الملاك وجدوا أنفسهم أمام خيارين، إما الاستمرار في النشاط الزراعي أو تغيير النشاط إلى سكني وإدخال المرافق، نظير سداد نحو 1185 جنيها للمتر، أي ما يقارب 5 ملايين جنيه للفدان، ـ بحسب ما يتذكر يوسف ـ.

"من عجز عن السداد النقدي عُرض عليه التنازل عن جزء من الأرض بالنظام العيني أو الحصول على نحو 50% من المساحة داخل الحيز العمراني، وضرورة الحصول على تصاريح البناء وتقديم التصميمات لهيئة المجتمعات العمرانية، والتعاقد مع مطور عقاري حاصل على ترخيص للعمل داخل المدينة"، يروي لـ"زاوية ثالثة"

لكن يوسف وغيره من الملاك فوجئوا لاحقًا بمطالبتهم بالتوقيع على عقود إيجار، وإثر ذلك توقف عن زراعة أرضه، التي أنفق نحو 11 مليون جنيه على استصلاحها وحفر بئر، وإنشاء شبكات الري ومنظومة للطاقة الشمسية، ومحول كهرباء، فضلًا عن تكلفة المحاصيل التي تمت زراعتها قبل توقف النشاط.

وتكمن الأزمة في ارتفاع قيمة المبالغ التي تطلبها الجهات الحكومية من الملاك مقابل تقنين أوضاع الأراضي وتغيير النشاط، بحسب محمود الشلقاني، أحد ملاك الأراضي في مدينة سفنكس الجديدة، الذي يشير لكون غالبيتهم اشتروها بعقود من الدولة قبيل ثورة يناير 2011، في ظل سياسات رسمية كانت تشجع على استصلاح الصحراء والتوسع في الزراعة والعمران.

كان محمود قد توجه في عام 2008 إلى وزارة الزراعة للاستفسار عن الأراضي المتاحة للاستصلاح الزراعي على طريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي، واختار قطعة في منطقة "جرين" بناء على توجيه تلقاه، داخل الوزارة، واشترى وقتئذٍ، فدانين بقيمة مليوني جنيه، وقام بزراعتهما وأقام منزلا عليهما.

ولكن في عام 2013 قصد مع عدد من الملاك، وزارة الزراعة التي كانت تؤول إليها التبعية الإدارية لأراضيهم، للحصول على موافقتها بالبناء على نسبة 7%، إلا أنهم فوجئوا، بأن وضع الأراضي تحول إلى نظام "الإيجار التمليكي"، بحيث يقوم المستأجر بزراعة الأرض لسبع سنوات، ثم يحصل على عقد ملكية نهائي.

وخلال الفترة بين 2013 و2015 تشكلت لجنة في وزارة العدل، برئاسة المستشار فتحي بيومي، نائب وزير العدل آنذاك، للنظر في أحقية الملاك في الاحتفاظ بالأراضي، ـ بحسب محمود الشلقاني ـ، وأصدرت قرارا لصالح عشرات الملاك، لكن في النهاية اضطروا، ـ وفق روايته ـ، إلى دفع مبالغ مقابل الانتفاع بالأراضي التي كانوا يعتبرونها مملوكة لهم.

ويشرح أن الملاك شرعوا في استصلاح الأراضي وزراعتها وإقامة منشآت عليها، وإنشاء الطرق وشبكات المياه والصرف والكهرباء وحفر الآبار، اعتمادًا على العقود والمستندات التي حصلوا عليها، آملين أن تدعم الدولة تحويل المناطق الصحراوية إلى تجمعات زراعية منتجة، قبل أن تتجه السلطات إلى تغيير نشاط الأراضي من زراعي إلى عمراني.

وكان المخطط الاستراتيجي العام لمدينة سفنكس الجديدة قد اعتمد للمرة الأولى بالقرار الوزاري رقم 910 لسنة 2020 في الأول من نوفمبر 2020، قبل أن يعتمد تعديله بإجمالي مساحة 76,931.03 فدان، بما يعادل نحو 323.17 مليون متر مربع، بموجب القرار الوزاري رقم 485، الصادر في 8 يونيو 2022.

واستند المخطط إلى القرار الجمهوري رقم 61 لسنة 2019، الذي أعاد تخصيص مساحة قدرها 59,417.77 فدان، من الأراضي المملوكة للدولة ناحية طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، والقرار الجمهوري رقم 566 لسنة 2020، الذي أعاد تخصيص مساحة إضافية قدرها 17,513.26 فدان، ونقل ولايتها إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

"الملاك لم يعترضوا على الالتزام بالقواعد المنظمة للعمران، التي تحافظ على الملكية الخاصة وحقوق الدولة والمواطنين، لكن قيمة المبالغ المطلوبة بدأت بنحو 250 جنيها للمتر، ثم قفزت إلى 700 وارتفعت تدريجيًا إلى 1000 جنيه، قبل أن تصل حاليًا إلى نحو 1750 جنيها للمتر". يقول محمود لـ"زاوية ثالثة".

ويضيف: "هذه القيمة تعني أن تكلفة تقنين الفدان الواحد، تتجاوز 7 ملايين جنيه، وحال كانت الأراضي واقعة ضمن نطاق التخصيص لصالح القوات المسلحة، يطالب الملاك بسداد 1500 جنيه إضافية عن كل متر، وهو ما يرفع إجمالي التكلفة إلى نحو 13 مليون جنيه للفدان".

ويرى أن هذه الإجراءات خلقت حالة من عدم اليقين لدى الملاك، خاصة مع تغير الجهات المسؤولة عن إدارة الأراضي وتعدد المطالبات والإجراءات، التي جعلتهم مطالبين بإثبات ملكيتهم لأراضٍ حصلوا عليها بموجب مستندات رسمية.

وبجانب ارتفاع قيمة رسوم التقنين، يواجه الملاك صعوبات في البيع والشراء أو توكيل محامين للتصرف في ممتلكاتهم، بسبب ما يعزيه محمود إلى القيود المفروضة على تداول الأراضي في المنطقة، وهو ما أدى، من وجهة نظره، إلى انخفاض قيمتها السوقية.

كيف بدأت الأزمة؟

في أكتوبر 2018 بدأت هيئة المجتمعات العمرانية توفيق أوضاع ملاك الأراضي بمدينة سفنكس الجديدة، لكن صدور القرارين الجمهوريين رقم 61 لسنة 2019 ورقم 566 لسنة 2020، أعاد تشكيل الوضع القانوني والإداري للأراضي ناحية طريق القاهرة/الإسكندرية الصحراوي، والتي أعلنت الهيئة في مايو 2019، فتح باب تقنينها، وفي ديسمبر 2019 بدأت تلقي طلبات التقنين لمن سبق لهم التعامل بموجب عقود بيع أو مستندات ملكية بـ«سفنكس الجديدة».

إثر ذلك تقدم ملاك الأراضي إلى جهاز مدينة سفنكس الجديدة بطلبات لـ«التسكين» وتقنين الأوضاع، عقب قرارات إعادة تخصيص الأراضي لصالح هيئة المجتمعات العمرانية، ونصت الطلبات – التي اطلعت "زاوية ثالثة" على نسخة منها -، على شراء الأراضي بموجب عقود مبرمة مع الدولة، والتقدم بطلبات التسكين وتقنين الأوضاع، بجانب المستندات والخرائط المطلوبة وسداد الرسوم، وتقدموا بطلبات للتصالح على مخالفات البناء، مسددين 25% من قيمة المخالفة تحت حساب جدية التصالح.

ويتطلب ملء نموذج «طلب تسكين قطعة أرض بمدينة سفنكس الجديدة»، الصادر عن جهاز مدينة سفنكس الجديدة، الحصول على بيانات الملكية والأرض والنشاط القائم عليها، بما في ذلك الموقع والمساحة ورقم القطعة وسنة الملكية، إلى جانب بيانات تتعلق بالزراعة ومحاضر المياه والكهرباء والموافقة السكنية، ورغبة العميل بشأن البديل السكني، مع خيارات تشمل زراعيًا أو عينيًا أو نقديًا، فضلًا عن بند يتعلق بتقدير قيمة الأرض مستقبلًا أو الرجوع على الجهاز بأي حقوق تتعلق بها، وفقًا للقواعد والتوجيهات الصادرة في هذا الشأن.

ويطلب الجهاز، في النموذج تقديم مجموعة من المستندات والرسومات والتقارير المتعلقة بالمباني القائمة، ومنها الرسومات المعمارية والإنشائية المعتمدة، والتقرير الهندسي، والكروكي العام بالإحداثيات، وما يفيد الموافقة على طلب السكن وسداد الرسوم المقررة لتغيير النشاط من زراعي إلى عمراني، إلى جانب صور فوتوغرافية حديثة للمبنى من الداخل والخارج، واستيفاء متطلبات تتعلق بتأمين المباني والمنشآت القائمة وفقًا لاشتراطات الحماية المدنية والكود المصري لمتطلبات الحريق، مع تحديد مهلة شهرين لاستكمال الإجراءات، وإلا اعتبر الطلب مرفوضًا.

نموذج طلب تسكين قطعة أرض بمدينة سفنكس الجديدة والمستندات المطلوبة.
نموذج طلب تسكين قطعة أرض بمدينة سفنكس الجديدة والمستندات المطلوبة.

ولكن بعد اكتشاف وقوع أراضي الريف الأوروبي بنطاق مدينة سفنكس أمر المستشار خالد عبد الرحمن، قاضى التحقيق المنتدب لتحقيق قضايا فساد الأراضي، في 2 يونيو 2020، بتشكيل مأمورية تكميلية من بينها مهندسين من جهاز مدينة سفنكس للانتقال لمعاينة أرض شركة الريف الأوروبي للتنمية الزراعية بطريق "القاهرة – الإسكندرية"، المملوكة لرجل الأعمال عبد الله سعد، بغرض إعادة تسعير الأرض لحصر حجم مخالفات الشركة.

وأصدر قاضي التحقيق قرارًا بمنع رجل الأعمال، من السفر ووضع اسمه على قوائم الترقب والوصول، وضبطه وإحضاره في حال محاولة مغادرة البلاد، على ذمة القضية المتهم فيها بالاستيلاء على المال العام والتربح والإضرار العمدي به، بعد تغيير نشاط الأرض التي حصل عليها من الدولة وتحويلها من أراضٍ زراعية إلى منتجعات سكنية.

وتعود القضية إلى شراء شركة مساهمة مصرية، مملوكة لرجل الأعمال عبدالله عبدالحميد سعد، تدعى الريف الأوروبي للتنمية الزراعية، قطعة أرض تقدر مساحتها بـ2105 أفدنة و16 قيراطاً و15 سهماً، من الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، بطريق الإسكندرية الصحراوي، بعقد نهائي مسجّل في مايو 2005، مقابل 10 ملايين و500 ألف جنيه، بسعر الفدان 5 آلاف جنيه، بهدف الاستصلاح والزراعة.

وفي عام 2008 باعت شركة الريف الأوروبي جزء من الأرض، وبناء مباني على الأراضي، وغيرت نشاطها من زراعي إلى سكني بالمخالفة للقانون من خلال استغلال أكثر من 7% من مساحة الأرض في الاستثمار العقاري بما يجاوز النسبة المقررة وهي 2% فقط، وتركت أكثر من 50% من مساحتها دون استصلاحها وزراعتها.

وبالتزامن مع فتح باب تقنين أوضاع ملاك الأراضي في مدينة سفنكس، صدر القرار الجمهوري رقم 566 لسنة 2020، والذي منح القوات المسلحة الأحقية في الاحتفاظ بأي مساحات مملوكة لها داخل حدود الأراضي التي يشملها القرار، ثم خصص لها القرار الجمهوري رقم 98 لسنة 2023، مساحة 3647.43 فدان ناحية مدينة سفنكس الجديدة، شمال محور تحيا مصر، نقلًا من الأراضي التي كانت تحت ولاية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

كيف قفزت أسعار تقنين تغيير النشاط؟

طبقًا لقرار محافظة الجيزة رقم 1233 لسنة 2020، المنشور في الوقائع المصرية، العدد 228 في 11 أكتوبر 2020، خُفّضت قيمة مقابل التصالح في مخالفات البناء للنشاط السكني بمدينة سفنكس الجديدة بنسبة 25%، ولكن في 2021، حددت هيئة المجتمعات العمرانية علاوة تغيير النشاط من الزراعي إلى العمراني بقيم تراوحت بين 700 و1175 جنيها للمتر، وفقًا لمساحة الأرض والاشتراطات البنائية، مع شمول تكلفة المرافق.

قرار محافظة الجيزة بتخفيض مقابل التصالح في مخالفات البناء.
قرار محافظة الجيزة بتخفيض مقابل التصالح في مخالفات البناء.

وتظهر مذكرة اللجنة العقارية الرئيسية، بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، الصادرة في 1 يناير 2021، ـ اطلعت عليها زاوية ثالثة ـ، تحديد قيم العلاوة نظير تحويل النشاط من زراعي إلى عمراني متكامل وفقًا لنظامين، الأول يقوم على نسبة بنائية 15% وارتفاع أرضي + أول ومعامل إشغال 0.3.

وحددت العلاوة بقيم 700 جنيه للمتر للأراضي التي تتجاوز 500 فدان، و845 جنيها للمساحات من 100 إلى 500 فدان، و980 جنيها للمساحات التي تتجاوز 20 وحتى 100 فدان، و1070 جنيها للمساحات من 5 إلى 20 فدانا، و1175 جنيها للأراضي الأقل من 5 أفدنة.

أما الثاني، فيسمح بنسبة بنائية 10% وارتفاع أرضي + أول ومعامل إشغال 0.2، وحددت اللجنة العلاوة عند 580 جنيها للمتر للأراضي التي تتجاوز 500 فدان، و705 جنيهات للمساحات من 100 إلى 500 فدان، و825 جنيها للمساحات التي تتجاوز 20 وحتى 100 فدان، و980 جنيها للمساحات من 5 إلى 20 فدانا، و980 جنيها أيضا للمساحات الأقل من 5 أفدنة.

لكن مذكرة اللجنة العقارية الرئيسية في جلستها رقم 45 بتاريخ 28 يونيو 2021، ألغت العمل بالمذكرة السابقة وأبقت على قيمة العلاوة المستحقة مقابل تغيير نشاط الأراضي من زراعي إلى عمراني، بالنسبة للأراضي التي تبدأ من 20 فدان وتصل إلى 500 فدان وأكثر، بينما رفعتها إلى 1175 جنيه للمتر، بالنسبة للأراضي الأقل من 5 أفدنة، وإلى 1070 جنيه للمساحات التي تتراوح بين 5 إلى 20 فدان، باشتراطات عمرانية محددة، شملت نسبة بنائية 15%، وارتفاعا أرضي + دورين، ومعامل إشغال 0.5، مع احتساب تكلفة المرافق ضمن قيمة العلاوة.

وفي سبتمبر 2021، طلبت مذكرة قانونية لاحقة صادرة عن قطاع الشئون العقارية والتجارية في الهيئة، تحديد ما إذا كان قرار اللجنة العقارية الرئيسية الصادر في 28 يونيو 2021 قد نسخ قرارها السابق الصادر في يناير من العام نفسه، وردًا على ذلك أفاد نائب رئيس الهيئة لقطاع التنمية وتطوير المدن ورئيس لجنة التسعير، في كتابه رقم 48604 بتاريخ 26 سبتمبر 2021، بأن قرار اللجنة العقارية الرئيسية في الجلسة رقم 45 بتاريخ 28 يونيو 2021 حل محل قرار اللجنة الصادر في الجلسة رقم 1 بتاريخ 1 يناير 2021.

مخاطبة رسمية بشأن القرارات المنظمة لعلاوة تغيير النشاط في سبتمبر 2021.
مخاطبة رسمية بشأن القرارات المنظمة لعلاوة تغيير النشاط في سبتمبر 2021.

غير أن المخطط الاستراتيجي التفصيلي لمدينة سفنكس الجديدة، الذي أعلن عنه المهندس شريف الشربيني، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، تضمن خمس قطاعات بمساحة إجمالية تتخطي الـ 73 ألف فدان، تنوعت بين مناطق عمرانية سكنية، وأخرى سكنية زراعية، ومناطق صناعية، ولوجستية، ومناطق خدمات إقليمية، وغيرها للأنشطة الاستثمارية.

وبالتوازي مع توسيع نطاق المدينة واعتماد مخططها الاستراتيجي، عرض جهاز مدينة سفنكس الجديدة، على المتقدمين بطلبات تسكين للأراضي الواقعة ضمن الريف الأوروبي، ثلاثة مسارات لتوفيق الأوضاع وتغيير نشاط الأراضي، تضمنت الاستمرار في النشاط الزراعي أو تغيير النشاط إلى سكني وإدخال المرافق بالنظام العيني، بحيث يتنازل مالك الأرض عن 50% منها للهيئة، أو تغيير النشاط إلى سكني وإدخال المرافق بالنظام النقدي وفقا للأسعار والقواعد المعمول بها.

لكن خطابًا رسميًا صدر لاحقًا عن قطاع التخطيط والمشروعات بهيئة المجتمعات العمرانية، جعل التوفيق العيني للأراضي التي تزيد مساحتها على 5 أفدنة، يتم من خلال استيداء قيم تغيير النشاط من زراعي إلى عمراني وقيم تدبير المرافق، بمقابل نقدي أو عيني، في ظل ارتفاع تكاليف مصادر المرافق وتنفيذ شبكات التوزيع.

ووجه الخطاب أجهزة المدن، عند دراسة حالات توفيق الأوضاع، بجعل حصة الدولة ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في الجزء الأكثر تميزا من الأرض محل التوفيق، وقصر توفيق الأوضاع على الاستيداء العيني فقط دون النقدي، وفقًا لنسب تختلف باختلاف مساحة الأرض.

على أن يبلغ الحد الأدنى لنصيب هيئة المجتمعات العمرانية 75% من مساحة الأرض، البالغة 5 أفدنة أو أقل، ونسبة 65% من الأراضي التي تتراوح مساحتها بين أكثر من 5 وحتى 20 فدانًا، ونسبة 50% من الأراضي التي تتجاوز أكثر من 20 فدانًا، وبذلك، تختلف النسبة المطلوبة للتنازل العيني عن نسبة الـ50% التي وردت في تنبيه جهاز سفنكس الصادر في 2022؛ إذ تشير المذكرة اللاحقة إلى نسب أعلى للأراضي التي تقل مساحتها عن 20 فدانًا.

مذكرة اللجنة العقارية الرئيسية بتاريخ 28 يونيو 2021.
مذكرة اللجنة العقارية الرئيسية بتاريخ 28 يونيو 2021.
مذكرة اللجنة العقارية الرئيسية بتاريخ 1 يناير 2021.
مذكرة اللجنة العقارية الرئيسية بتاريخ 1 يناير 2021.

وفي خطاب موجه من جهاز مدينة سفنكس الجديد إلى رئيس مأمورية الشهر العقاري بمنشأة القناطر، انتهى الجهاز من إجراءات الشهر بالإيداع للقرارات الجمهورية الثلاثة، وتم شهرها في 11 ديسمبر 2021 بالأرقام التالية: 2286 لسنة 2021 للقرار الجمهوري 113 لسنة 2018، و2287 لسنة 2021 للقرار 61 لسنة 2019، و2288 لسنة 2021 للقرار 566 لسنة 2020، مطالبًا مأمورية الشهر العقاري بعدم شهر أي تصرفات أو تحرير توكيلات على الأراضي محل هذه القرارات إلا بعد الرجوع إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وجهاز مدينة سفنكس الجديدة باعتبارهما جهة الولاية، مهددًا باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حال مخالفة ذلك.

إثر ذلك وجدت 3 آلاف أسرة من ملاك الأراضي في الريف الأوروبي بمدينة سفنكس الجديدة أنفسهم متضررين من رسوم تقنين الأراضي، وبدأوا في العام 2021 إطلاق استغاثات للمطالبة بتخفيض رسوم تغيير النشاط من زراعي إلى عقاري، البالغة وقتئذٍ 1165 جنيها للمتر، ورفضهم التنازل عن أجزاء من الأرض، ورد جهاز المدينة على ذلك بأنه يدرس الطلبات، وعلى مدار شهري نوفمبر وديسمبر من العام نفسه، نظّم الملاك وقفات احتجاجية أمام هيئة المجتمعات العمرانية، والتي أعادت فتح باب التقديم في يوليو 2022.

وتكشف شكوى مقدمة من أحد ملاك الأراضي، – اطلعت عليها "زاوية ثالثة"-، عن اعتراض على الآلية التي أُبلغ بها بشأن تغيير النشاط، ويقول مقدم الشكوى إنه علم، عبر الصفحة الرسمية لجهاز مدينة سفنكس الجديدة، بتحديد قيمة تقارب 1165 جنيها للمتر مقابل تغيير النشاط ومد المرافق، أو بديل آخر يتمثل في التنازل العيني عن 50% من مساحة الأرض المملوكة له، وفقا لعقود مبرمة مع الدولة.

ويعترض مقدم الطلب على ما يعتبره مساسا بالملكية الخاصة، مطالبا الجهاز بإفادته بالقيمة المطلوب سدادها، سواء كانت مقابل مخالفات بناء أو رسوما أخرى مرتبطة بالأرض، مع تحديد مصدر هذه المبالغ والسند القانوني لإلزامه بها.

وفي المقابل حذّر جهاز تنمية مدينة سفنكس الجديدة المواطنين من الانصياع وراء أية إعلانات مضللة أو أي فرد أو شركة أو جمعية أو أية جهة تقوم بالإعلان عن بيع قطع أراضٍ داخل حدود مدينة سفنكس الجديدة بدعوى امتلاكهم لتلك الأراضي في ضوء صدور القرار الجمهوري رقم 61 لسنة 2019 والقرار الجمهوري رقم 566 لسنة 2020، وفي أغسطس 2026، وافق مجلس إدارة المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة، على تخصيص مساحة 62,224.25 فدان لتعديل حدود مدينة سفنكس الجديدة.

تغيير تخصيص الأرض

في السياق ذاته يشرح يحيى شوكت، الباحث في سياسات الإسكان والبيئة العمرانية ومدير مرصد العمران، أن أراضي الطريق الصحراوي، ومن بينها أراضي الريف الأوروبي، كانت مخصصة في الأساس من جهاز مشروعات الاستصلاح التابع لوزارة الزراعة لأغراض الاستصلاح الزراعي، وبأسعار منخفضة، مع وضع حد أقصى للبناء لا يتجاوز 2.5% من مساحة الأرض، على أن يقتصر البناء على الأغراض المرتبطة بالنشاط الزراعي.

ويوضح لـ"زاوية ثالثة" أن هذا الشرط جرى الالتفاف عليه من جانب بعض المطورين والأفراد، الذين قاموا بتقسيم وبيع قطع من الأراضي بهدف إقامة استراحات وحدائق عليها، بما يخالف شروط التخصيص والغرض الزراعي الذي خصصت من أجله الأراضي.

ويؤكد أن وزارة الزراعة لم تتصد بصورة فعالة لهذه المخالفات في حينها، ما أدى لاحقًا إلى إعادة تخصيص هذه الأراضي لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، والتي بدأت الهيئة في التعامل مع الأوضاع القائمة باعتبارها تغييرًا في نشاط الأراضي، وفرضت مقابلًا ماليًا أو ما وصفه بمخالفات تغيير النشاط على أصحاب هذه الأراضي، رغم أن أصل الإشكالية، – في تقديره- يعود إلى طبيعة التخصيص الزراعي وشروطه وعدم التعامل مع المخالفات في وقتها.

من جهتها ترى مها أحمد، المحامية الحقوقية المتخصصة في الحق في السكن، أنه لا يصح التعامل مع جميع ملاك أو حائزي أراضي الريف الأوروبي بوصف قانوني واحد، إذ أن هناك اختلافًا بين من يملك سندًا مسجلًا، ومن لديه عقد أو تخصيص أو تعامل سابق مع جهة حكومية، ومن يستند إلى الحيازة أو وضع اليد، ويتطلب تحديد المركز القانوني لكل حالة فحص سند كل قطعة وسلسلة التصرفات التي تمت عليها، إلى جانب مطابقة موقعها على الخرائط والإحداثيات الواردة في القرارات ذات الصلة.

وتشدد على ضرورة التمييز بين تغيير تخصيص أرض مملوكة للدولة وبين نزع ملكية أرض يثبت أنها مملوكة ملكية خاصة، موضحة أن للدولة، وفقًا للقانون، وضع الخطط العمرانية وتغيير استخدام أراضيها المملوكة لها، لكن إذا تعلق الأمر بملكية خاصة ثابتة، فإن المادة 35 من الدستور تقرر عدم نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدمًا وفقًا للقانون.

وتُبيّن أن القرارين الجمهوريين رقمي 61 لسنة 2019 و566 لسنة 2020 أعادا تخصيص مساحات من أراضي الدولة لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لإقامة مدينة سفنكس الجديدة، مشيرة إلى أن القرار 61 نص على نقل المستندات المتعلقة بالتعاملات السابقة إلى الهيئة، وحصر العقارات القائمة، وتحصيل مستحقات الدولة عن تغيير تخصيص الأرض نقدًا أو عينًا.

تقول لـ"زاوية ثالثة": "صدور القرارين لا يعني بذاته سقوط جميع الحقوق السابقة، ولا يحسم منفردًا صحة كل عقد أو ملكية، إذ يتوقف ذلك على مصدر الحق، ومدى استكمال إجراءاته، وموقع الأرض محل النزاع".

وتضيف أن القرار 566 تضمن إعادة تخصيص مساحات محددة من أراضي الدولة، بينها مساحات كانت مخصصة لجهات حكومية، لصالح هيئة المجتمعات العمرانية، إلا أن مجرد صدوره لا يكفي لإثبات زوال حق خاص ثابت بسند صحيح.

وتؤكد مجرد تغيير وصف الأرض من زراعي إلى عمراني لا يكفي وحده لتبرير أي مقابل مالي أو إعادة تسعير، وإنما يجب أن تستند المطالبة إلى سند قانوني وقواعد معلنة ومنطبقة على الحالة، مع توضيح طريقة التقييم والأساس الذي جرى على أساسه احتساب المستحقات، لافتة إلى أن القرار 61 لسنة 2019 أحال وضع قواعد التحصيل إلى قرار يصدر عن رئيس مجلس الوزراء.

كما تفرق المحامية بين «المقابل العيني» الوارد في القرار 61، والذي يتعلق بما قد تحصل عليه الدولة مقابل تغيير تخصيص الأرض، وبين التعويض المستحق للمالك في حالة نزع ملكيته، مؤكدة أنه لا ينبغي اعتبار المقابل العيني بديلًا تلقائيًا عن تعويض مالك ثبتت ملكيته، وأن أي تسوية عينية يجب أن تستند إلى قواعد قانونية واضحة وآلية معلنة للتقييم، بما يحفظ حقوق الأطراف.

وتشير إلى أن المسار القانوني يختلف بحسب طبيعة النزاع؛ فقد يكون الطعن أمام مجلس الدولة على قرار إداري نهائي، مع مراعاة مواعيد الطعن، أو طلب التعويض عن قرار غير مشروع وما ترتب عليه من أضرار، أو اللجوء إلى القضاء المختص للفصل في أصل الملكية أو صحة العقد، معتبرة أن هناك أكثر من مسار قانوني متاح في الحالة الواحدة، لكن تحديد المسار الصحيح يتطلب أولًا تصنيف المستندات والقرار محل الطعن بدقة.

وتختتم حديثها معنا قائلة إن إعادة التخطيط أو نقل ولاية الأرض لا يحسمان بمفردهما مصير الحقوق السابقة، والتعامل القانوني السليم مع حالات الريف الأوروبي يتطلب فحص سند كل مالك، ومطابقة الأرض على الإحداثيات والخرائط الرسمية، وتحديد الأساس القانوني لأي مطالبة مالية أو إجراء من شأنه المساس بالحيازة أو الملكية.

وتكشف رحلة أراضي الريف الأوروبي إلى داخل حدود مدينة سفنكس الجديدة أن الأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع رسوم تغيير النشاط، وإنما بتغير وضع الأراضي وتعدد الجهات صاحبة الولاية، وما ترتب على ذلك من تفاوت في المراكز القانونية للملاك واختلاف في آليات توفيق أوضاعهم.

وبينما تملك الدولة حق إعادة تخطيط أراضيها وتغيير استخداماتها، أظهرت الحالات التي وثقها التحقيق أن حسم مصير آلاف الملاك يتطلب التمييز بين من يملك سندًا مسجلًا، ومن يستند إلى عقود أو تعاملات سابقة مع الدولة، ومن يملك مجرد حيازة. وفي ظل استمرار تغير التقييمات ونسب التنازل العيني، تبقى النتيجة الأبرز هي غياب تسوية واضحة وموحدة، توازن بين حق الدولة في التخطيط وحماية الحقوق التي نشأت في ظل تعاقدات ومستندات سابقة.

أضف زاوية ثالثة إلى مصادرك المفضلة على جوجل

Search